الجهلاء ... يوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من أصحاب القبور١".
وبما أن (نجد) بقعة من العالم الإسلامي فقد أصابها ما أصابه، وجرفها تيار الانحراف عن الدين الإسلامي الصحيح، من شرك وبدع وخرافات.
وبالرغم من هذا التدهور، فإن الشعوب الإسلامية لا تعدم من توجد عنده الرغبة الصادقة في إصلاح هذا الفساد، تحقيقاً لقول رسولنا الكريم ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ٢، عند ذلك طلعت شمس الهدى والرشد من واد غير ذي زرع، ورمال الأرض العربية التي كانت قد اشتهرت بطيب العرار والخزامي قد فاح فيها طيب التوحيد من جديد، وعلت كلمة الحق حتى عطرت العالم بأسره، تنادي بالعودة إلى الإسلام ويسره، والاستمداد من نبعه الصافي، فتدلى الثمر وطاب بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ابن نجد من جزيرة العرب، هذه البقعة الواسعة التي تغنى بها الشعراء وذكرها المحدثون، لما لها من مكانة خلدتها في نفوس البشر الأدباء والمؤرخين أحداث وأحداث ... ولم يذكر الشعراء موضعاً
стр. 37
أكثر مما ذكروا نجداً١ وتشرقوا إليها، وقالوا فيها أعذب وأمتع المعاني التي تزكى الأحاسيس وتطرب النفس.
وإليك ما قاله أحد الأعراب:
أكرر طرفي نحو نجد وإنني ... إليها وإن لم يدرك الطرف أنظر
حنيناً إلى أرض كان ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر
بلاد كأن الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحيس وشيء برد محبر
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر
وما نظري من نحو نجد بنافع ... أجل ولكني إلى ذاك أنظر
стр. 38
أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك مجرى مائها يتحدر
متى يستريح القلب إما مجاور ... بحرب وإما نازح يتذكر١
وقال أعرابي آخر:
رأيت بروقاً داعيات إلى الهوى ... فبشرت نفسي أن نجداً أشيمها
ألا حبذا نجد ومجرى جنوبه ... إذا طاب من برد العشي نسيمها
وقال أعرابي آخر:
ألا يا أيها البرق الذي بات يرتقي ... ويجلو ذرى الظلماء ذكرتني نجدا
ألم تر أن الليل يقصر طوله ... بنجد وتزداد الرياح به بردا
وقال نوح بن جرير بن الخطفي:
ألا قد أرى أن المنايا تصيبني ... فمالي عنهن انصراف ولا بد
стр. 39
فذا العرش لا تجعل ببغداد منيتي ... ولكن بنجد حبذا بلداً نجد
بلاد نأت عنها البراغيت والتقى ... بها العين والآرام والعفر والربد
وقدم بعض أهل هجر إلى بغداد فاستوبأها وقال:
أرى الريف يدنو كل يوم وليلة ... وازداد من نجد وصاحبه بعدا
ألا أن بغداد بلاد بغيضة ... إلي وإن كانت معيشتها رغد
بلاد تهب الريح فيها مريضة ... وتزداد خبثاً حين تمطر أو تندى١
وقال آخر:
فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه
وريح صبا نجد إذا تنسمت ... ضحى أو سرت جنح الظلام جنائبه
стр. 40
وأشهد لا أنساه ما عشت ساعة ... وما إنجاب ليل عن نهار يعاقبه
ولا زال هذا القلب مسكن لوعة ... يذكراه حتى يترك الماء شاربه١
стр. 41
الباب الثاني: الإسلام يتحدث عن ذاته بأبطاله في التاريخ
...
الإسلام يتحدث عن ذاته بأبطاله في التاريخ
إن الإسلام العظيم قدم لأمته المنهاج الذي رسمه الله تعالى، ولخص تكاليفها التي نيطت بها، وقرر مكانتها، وبين الوسائل التي تمكنها من الثبات والنصر في الماضي والحاضر والمستقبل متى نهضت بها، واستقامت على الدين الذي أراده الله تعالى لها، حيث خاطبها بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج) .
بهذه العدة تسد الأمة، وتملك النهوض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله تعالى، ولما كان القرآن الكريم هو أساس الإسلام ودستوره، فقد حدثنا أن الصدق مع الله تعالى والإخلاص له يصنعان المعجزات، والأخيار من عباد الله موصوفون بالصدق، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة) ، فما أجمل الصدق بداية وغاية لأنه صنع الإيمان، وأعاد بناء الإنسان، فكان محمد ﷺ وصحبه خير قدوة تحتذى.
وإننا اليوم أشد احتياجاً إلى أن نصدق في نياتنا وأعمالنا، لعلنا ندرك الصفة التي وصف بها رب العزة والجلال صفوة خلقه فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
стр. 42
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب) .
هؤلاء الرجال حثهم القرآن الكريم على البذل والعطاء في سبيل الله تعالى، ووعد بقبول الفداء الصادق المستقيم الخاص، وضمن لأصحابه عاجل الثواب وآجله، وزاد المعنى وضوحاً فوجه إلى مضاعفة الجهود فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت) ، وأرشدهم إلى أن طريق الجهاد ليس مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما هو طريق شاق له متاعبه وتبعاته، ولكنه طريق المجد والشرف، وبه تنال سلعة الله ﵎ في النهاية، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء) .
وأكد لهم القرآن الكريم أن صدقهم وإقدامهم وتضحيتهم في سبيل الله تعالى ما هو إلى صفة مباركة يعقدها الله سبحانه مع عباده الصادقين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة) .
ثم يعود القرآن فيرسم للمؤمنين طريق هذه الصفقة، ويصورها بصورة أخرى رائعة، ويوضح لهم فيها الثمن، ويبين ثمارها القريبة والبعيدة، فيقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف) .
стр. 43
ويجزم القرآن بتأكيد الوعيد الإلهي الصادق المحقق للعالمين الصادقين والمجاهدين الباذلين فيقول: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد) .
وأعطاهم نماذج باهرة للذين سبقوا في تاريخ الإسلام قبل رسول الله ﷺ فعرض عليهم من هذه النماذج ما قام به إبراهيم الخليل ﵇ حين وقف بمفرده في وجه الطغيان الاعتقادي والسفه الوثني، فكان الله تعالى معه لأنه آثر أن يكون مع الله جل وعلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء) .
ولم يكن هو النموذج الوحيد، وإنما النماذج كثيرة جداً، فهناك الأنبياء ﵈ مع أممهم، وهناك السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇، وأصحاب الأخدود، ومؤمن آل فرعون، ولن تقف مسيرة الصادقين من عباد الله على طريقة الإسلام والمسلمين حتى يبلغ الكتاب أجله ويقضي الله أمراً كان مفعولاً، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 44
الباب الثالث: مفهوم البطولة في الإسلام
...
مفهوم البطولة في الإسلام
إن تاريخ الإسلام زاخر بأحداث البطولة التي امتدت عبر مراحله المتصلة دون توقف، وهي في صورها القريبة لا تنفصل في مفهومها عن صورتها الأولى، وكلها تستمد وجودها من مفهوم أساسي واضح، هو القيام بدور يدفع الأمة الإسلامية نحو تحقيق أهداف الإسلام الكبرى.
وتتسم البطولة في الإسلام بطابع علمي إيجابي، ومن هنا كان البطل في الإسلام دائماً خادماً لمجتمعه وفكرته وأمته، يؤمن حق الإيمان بأن عمله مقدور في ميزان العمل الصالح عند الله تعالى ثم عند المؤمنين، على تعاقب الأجيال. ومن هنا فهو لا يتطلع إلى الجزاء المادي أو المغنم أو الشهوة.
فتحقيق العبودية الصادقة جعل من القلة المؤمنة في غزوة بدر قوة رهيبة قهرت عظائم الأحداث، وأصبحت قانوناً خالداً ينظم حياة المسلمين على أصول الرسالة الخاتمة، ويضيء أرواح وعقول الرجال المسلمين على مر العصور بالعبر المنهجية، فالصدق والإخلاص في العمل لله وحده لا شريك له يفتح بصيرة المجاهدين حتى يروا ما أعد الله تعالى للشهداء في سبيله، وهم بعد أحياء يمشون على الأرض.
وجاءت غزوة أحد، فكانت إصابات المسلمين في أنفسهم، وفي جراحات النبي ﷺ أعظم درس تربوي ممحص للمسلمين، ليعرفوا وخيم عاقبة مخالفة
стр. 45
الرسول ﷺ ومخالفة أمره عموماً، وخاصة إذا علموا أنهم مختارون ليكونوا حملة الإسلام إلى الناس في أقطار الأرض، لذلك بين لهم خطورة الاختلاف وحب الدنيا وإرادتها، وأن ذلك هو السبب فيما حل ويحل بالمسلمين، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران) .
نعم، لقد نصرهم الله ﵎ على عدوهم إلى أن كان منهم الفشل والتنازع وعصيان بعضهم لأمر القائد ﷺ ، عند ذلك تبدل النصر إلى هزيمة، لأن الله تعالى إنما وعد المؤمنين النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة، وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن الله في أخلاق البشر وأعمالهم على المستوى الفردي أو الجماعي، وهي أن المصائب التي تعرض للمسلمين في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله تعالى قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس، وليست ملكة ولا عادة لها، بل صدرت هفوة غير متكررة، وهي التي عناها بقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائدة: ١٥) .
فينبغي أن نأخذ من أحداث غزوة أحد وابتلاءاتها عبراً تنفعنا إلى آخر الدهر، خاصة إذا استعرضنا التجربة التي مر بها أصحاب الرسول ﷺ ، ورأيناهم يخرجون من محنة أحد بإيمان قوي، وعقيدة راسخة وشجاعة فذة، وعزيمة حازمة، وثقة بالله لا يوازنها شيء، وكانت سراجاً أضاء الطريق أمامهم في سيرهم برسالتهم، وجعلتهم يضربون المثل الطيب والأسوة الحسنة في مواقفهم الكثيرة، وحرصهم
стр. 46
على طاعة نبيهم ﷺ والتزامهم أمره ﷺ حتى آخر رمق في حياتهم ابتغاء مرضاة الله تعالى والشوق إلى جنته.
وقد خلد لنا الإسلام سلاسل مضيئة من أعلام رجالنا الكرام، كان لهم النصيب الأوفى من البطولة والفداء والصدق والوفاء، ونزداد إعجاباً بأولئك السابقين من أصحاب نبينا ﵊، حيث نجد أحدهم يذوب خشية وعبادة لربه سبحانه في محرابه كأنه لا شغل له سوى التعبد والتهجد، فإذا نادى المنادي: حي على الجهاد، نقل محرابه إلى الميدان وجاهد في سبيل ربه خير جهاد، ثم بذل جهوده هنا وهناك في مسالك الحياة وشعابها صالحاً مصلحاً، راغباً في أن يكون عند الله من المقبولين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (الواقعة) .
وقد عرف تاريخ الإسلام أبطالاً قاموا بأدوار على قدر عظيم من الأهمية دون أن يكشفوا عن شخصياتهم، أو يبوحوا بأسمائهم، وقد سجل التاريخ هذه المواقف تحت أسماء مجهولة، ومن هؤلاء صاحب النقب، هذا البطل الذي استطاع أن يفتح ثغرة في سور دمشق بعد أن حاصرها المسلمون طويلاً وحاولوا مرات، غير أن هذا البطل الذي لم يعرف التاريخ اسمه، ولم يكشف هو عن شخصيته، اندفع على رأس فرسه وسهام العدو تنوشه من كل مكان دون أن يتوقف أو يرتد، حتى بلغ الجدار فأحدث فيه ثقباً، ثم اخترقه إلى داخل السور وكبر، فكبر المسلمون وعبروا إليه، فلما انتهت الموقعة ظن قائد الجيش محمد بن مسلمة أن صاحب النقب سوف يتقدم إلية دون جدوى، هنالك نادى في الجيش أن يتقدم، فلم يتقدم أحد، ووعد ثم هدد، وبينما هو جالس في خيمته تقدم منه رجل فقال له: أيها القائد، هل تريد
стр. 47
أن تعرف صاحب النقب. قال: نعم، قال: أنا أدلك عليه إذا أعطيتني العهد على أن لا تسألني عن اسمي، فقال القائد محمد بن مسلمة: لك عهد الله على أن لا أسألك عن اسمك، قال: أنا هو، وانطلق خارجاً من خيمة القائد ينتظر حسن الثواب من الله تعالى يوم يقوم الحساب، ولم يتطلع إلى الحظ العاجل وإذاعة أخباره واسمه، وهذا الصنف الكريم يجلي لنا العبر، ويعطينا الموعظة الحسنة، لنعتبر بأن الله تعالى وحده هو الذي يجزي على العمل، وقد وضح لنا هذا المعنى عندما أقبل وباء المرتدين المجرمين بقيادة مسيلمة الكذاب، وخرج جيش الإسلام ليرد ذلك الطوفان، وكان فيه البراء بن مالك الأنصاري١ ﵁ ولم تكن المعركة يومها سهلة ولا ميسرة، واشتد القتال بين المؤمنين والباغين، وهناك رفع البراء بن مالك صوته ينادي في المجاهدين: "يا أهل المدينة، لا مدينة لكم بعد اليوم، إنما هو الله والجنة"، أي لا تذكروا في هذا الموطن أنفسكم ولا أهليكم ولا بلدكم، بل اجعلوا كل همكم أن تنصروا الله ربكم ﷻ ، وأن تأخذوا الطريق إلى جنته عن طريق الجهاد في سبيل دينه ودعوته. فالبطولة الإسلامية لم تكن الإعلان والشهرة، وإنما هي التماس رضا الله ، وتحرير العمل لوجه الله تعالى وإخلاصه للحق وحده.
يذكر لنا التاريخ هذه البطولة التي صنعها الإسلام إخلاصاً لله وهي: أن رومانوس أمبراطور الدولة البيزنطية، أقبل بجيش يضم مائتي ألف مقاتل، وقيل ستمائة ألف مقاتل، يقوده بنفسه، ومعه البطارقة، يريد أن يقضي على
стр. 48
المسلمين -بزعمه- ويزيل ملكهم وينفي جمعهم ويدوس رايتهم، وسرعان ما علم "ألب أرسلان" قائد المسلمين آنذاك بالخطر الزاحف على المسلمين، وأدرك أن لا مفر من الجهاد، فجمع أهل مشورته وقال لهم: تعلمون من أنباء زحف رومانوس وجيشه اللجب، ولقد حاولت أن أثنيه عن عزمه بكل المغريات من مال وممتلكات، أحب أن أضعها بين يدي رومانوس على أن لا يظفر بنا فيهلك جمعنا على القتال، وسأخرج لتوي بكفني وحنوطي، فمن رغب عن الجهاد فدونه المسالك فليسلك أيها أقرب إلى نجاته، ومن رغب في لقاء الله ، فليتحنط وليلبس كفنه وليلحق بي لملاقاة رومانوس١.
وما هي إلا ساعة حتى كان ألب أرسلان يمتطي جواده ووراءه خمسة عشر ألف جندي، قد تكفنوا جميعاً بقماش أبيض، وقد فاحت منهم رائحة الحنوط، ينتظرون وصول جيش رومانوس أرض المعركة٢، وتمر سويعات ثقيلة متباطئه لم يلبث أن يتطاير عن بعد غبار ينبئ بوصول رومانوس، فتتعالى أصوات المسلمين الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله صدق وعده ونصره عبده وهزم الأحزاب وحده، ويفاجأ رومانوس وقادة جيشه بالذي رأوه وسمعوه، ويلقي الله الرعب في قلوبهم، إذ لا يرون أمامهم إلا كتلة واحدة بيضاء، يتعالى تكبيرها إلى عنان السماء.
وتحتدم المعركة بين الجيش المكفن المؤمن، وبين الجيش اليبزنطي اللجب
стр. 49
الجرار، ويتدافع المسلمون بأكفانهم يطرقون أبواب الجنة بجماجم الكفارين من جنود بيزنطة، وسالت الدماء أنهاراً، وتطايرت الرؤوس بلا حساب، وشرعت أبواب الجنة تستقبل المؤمنين، وشرعت أبواب جهنم تستقبل الكافرين، وتطلب المزيد ... وما كاد النهار أن يستكمل دورته حتى هدأ ضجيج المعركة، وارتفع في الأجواء صوت المنادي ينادي:
أبشروا يا جند الإسلام لقد أسر رومانوس.
فتعالت إذ ذاك أصوات المسلمين الله أكبر الله أكبر، وإذ فرغ ألب أرسلان وجنده من أداء ركعات شكر لله ، على نصره وتأييده، التفت إلى بعض جنده، وقال لهم: إلي برومانوس، وجيء برومانوس مشدود الوثاق مكبلاً بالأصفاد، فقال له ألب أرسلان:
يا رومانوس، ألم أعرض عليك المال والأرض والممتلكات لتكف عن أذى الإسلام وحرمات المسلمين ... ؟
قال رومانوس: بلى.
قال القائد المؤمن: فلم لم تقبل؟
قال رومانوس: ظننت أني سأقضي على جيشك، وأسحق دولتك.
قال القائد المؤمن: أما وقد أخزاك الله يا رومانوس، ما تظن أني فاعل بك ... ؟
قال رومانوس: إن شئت فاقتلني، وإن شئت جرني بالسلاسل، وإن شئت تقبل فديتي وتعفو عني.
стр. 50
وأطرق القائد المسلم قليلاً ثم قال: يا رومانوس، أتعاهدني إن عفوت عنك ألا تقاتل بعد اليوم مسلماً أبداً. قال رومانوس وقد دمعت عيناه بعد أن أدرك أنه نجا من موت محقق: لك عهدي يا قائد المسلمين.
وقام ألب أرسلان ففك قيود أسيره بيديه، وقال له: ستوصلك جنودي إلى مأمنك يا رومانوس، ولقد أمرت لك بخمسة عشر ألف دينار تستعين بها على وصولك، وحقق الله عز شأنه للمجاهدين المخلصين ما وعدهم بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة) .
وهكذا نرى البطولة والانتصار يخدمان قضية الإسلام وهدف الدعوة إليه، ولا يقل عمل المصلحين الذين يصححون المفاهيم المنحرفة عن المجاهدين الذين يردون كيد الأعداء، ويحمون بيضة الدين، ويتساوى في الإسلام مداد العلماء ودم الشهداء، ولقد كان تاريخ الإسلام قائماً دائماً على القدرة المتجددة في أن يبعث البطل الذي يقود المعركة، ويواجه الأزمة، وكلما تجمعت التحديات في وجه المسلمين برز القائد العالم المجاهد الذي يحمل اللواء، ويقود الجماعة في معركة مقاومة، سلاحها المصحف والسيف، وكانت الأحداث والأزمات دائماً قادرة على أن تدفع المسلمين إلى الوحدة والتجمع تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى يحقق الله عز شأنه لهم النصر.
ولقد عرف التاريخ الإسلامي عدداً من النكسات، ولكنها كانت كلها مقدمات لنصر كبير ظافر، وقد كانت جماعة الموحدين المخلصين دائماً
стр. 51
قادرة على مواجهة الخطر مهما بلغ من الشراسة والعنف بالاعتصام بحبل الله والتضحية.
ولقد رسم القرآن الكريم صورة البطولة وجعلها في مواجهة المسلمين، لتكون العبرة قريبة منهم.
وكل الأبطال الذين عرضهم القرآن أبطال مقاومة لا يستسلمون ولا يحنون الرؤوس للظلم والانحراف والطغيان، ومن هنا عجزت قوى الكفر عن أن تقتلعهم أو تنتصر عليهم، وكانت المقاومة عند هؤلاء المسلمين إيماناً في أعماق القلب، وسلاحاً في اليد، يعملان معاً في يقين راسخ بأنهم أصحاب أمانة إلهية ودعوة ربانية، ولقد كان نبينا محمد ﷺ هو المثل الكامل للبطل الإسلامي، وكانت حياته ﷺ موضع القدوة لكل الأجيال الإسلامية المتلاحقة، والرجال الذين تربوا على يديه كتبوا صفحات بارعة من المجد التليد، وظلوا ﵃ موضع إعجاب الأجيال الإسلامية المتوالية، وكانوا قدوة حسنة تقتدي بها الأجيال اللاحقة، ومن ثم اتصلت في تاريخ الإسلام روح البطولة والتضحية والموت من أجل الحياة الإيمانية، وكانت مقاومة الظلم والانحراف هي أبرز صفحات الجهاد في مواجهة كل باغ وظالم ومعتد على الإسلام وأهله، ولقد استمد المجاهدون الأبطال من الرسول ﷺ أبرز مفاهيم البطولة حيث جمعوا بين بطولة الفكر، وبطولة الجهاد، فقد كان العلماء العاملون كلهم قادة معارك يحملون السلاح في مواقف الجهاد، ولو لم يعيشوا في عهد النبي ﷺ ، ولا في عصر خلفائه الراشدين، ولا في عصر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يكن عجيباً أن نرى في تاريخ أمتنا الإسلامية أناساً تجردوا لله فتألق نجمهم في مجتمعهم بعد
стр. 52
عصر النبوة بنحو مائة وخمسين عاماً، وكان موضع تألقه بعيداً عن منزل الوحي ومهبط الرسالة، كان هناك في شمال أفريقيا، ومع ذلك بقي الإسلام يمده بالإيمان المشرق، ويرشده إلى منهاج رسول الله ﷺ ، ولم يصده تأخر الزمان ولا بعد المكان عن الإسهام الرائع في بناء مجتمعه على أساس الدين والعلم، والإعداد والربط بين الدرس وجهاد النفس، ذلكم هو الإمام العالم أسد بن الفرات١ الذي جمع الله تعالى له الإمارة والقضاء، وكان يقال له من أجل ذلك: القاضي الأمير، الذي جمع بين العلم والعمل، وبين الفقه والجهاد، وسعى في الدنيا ليربح الآخرة.
ولقد أكرم الله تعالى أمتنا الإسلامية بعلماء كثيرين جاهدوا بلسانهما وسنانهم وإيمانهم وقلمهم، منهم الإمام ابن تيمية الحراني ﵀ الذي ولد في حران٢، وهي مدينة مشهورة على طريق الموصل والشام والروم، من أسرة ذات علم ودين، فأبوه وجده كانا من كبار علماء الإسلام، وقد ارتحل به والده في طفولته إلى دمشق بسبب غارات التتار المخربة على بلاد الإسلام، وهناك نشأ نشأته الإسلامية العلمية القرآنية الحديثية الفقهية العربية، القائمة على أسس من طهارة الأنساب وتقوى الآباء وصفاء البيئة الشامية والاستعداد الطيب لخدمة الإسلام
стр. 53
وعلومه، وكان ذكياً حاضر الذهن قوي الذاكرة بصورة باهرة، وكان يجادل ويحاور وهو صغير، وبدأ الإفتاء قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وكان خبيراً بعلوم الحديث والتفسير والفقه واللغة١، والغوص في دقائق المعاني، وأتقن دراسة المذاهب الفقهية، يقول عنه ابن فضل الله العمري: "كان أمة وحده، وفرداً حتى نزل لحده"، وقد ازداد ابن تيمية رحمه الله تعالى على مر الأيام صلابة في دينه، وقوة في يقينه، ولا عجب فهو أشهر الأتباع للإمام المجاهد المحتسب الجليل أحمد بن حنبل ﵀ الذي احتمل ما لا يحتمله سواه من الأذى في سبيل الاستمساك بعقيدته في كلام الله العزيز وقرآنه المجيد، وكان ابن تيمية ﵀ متيقظاً شهماً شجاعاً لا يفتر عن الأعداء ليلاً ولا نهاراً، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه واجتماع شمله، أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عوناً ونصراً للإسلام وأهله، وشوكة في حلوق المارقين من الفرنج والتتار والمشركين، فأبطل الخمور، ونفى الفساق من البلاد، وكان لا يرى شيئاً من الفساد والمفاسد إلا سعى في إزالته بجهده وطاقته، وتصدى لمقاومة الفتن، وخاطب عقول الجماهير، وتبنى مهمة الرد على الفرق والملل غير الإسلامية، وقاوم عقائدها وتقاليدها وتأثيرها، وبعث الفكر الإسلامي الصحيح، وجدد العلوم الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، وما صح عن أصحاب النبي ﷺ ، ونقد بشدة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وفضح البدع والمنكرات وعبادة القبور السافرة المؤيدة من بعض المشايخ، والاستخفاف بشعائر الله ، وتصدى لأصحاب المشاهد ووقاحة جرأتهم وشركهم، ورفع رحمه الله تعالى لواء تجديد التوحيد، ومنع الاستغاثة
стр. 54
بغير الله ، وشرح عقيدة الإسلام الصحيحة، وقام بمسؤولية ورثة الأنبياء ﵈ في عصره، وعمل بمصداق قوله جل وعلا ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر) . فكان عمله ﵀ وجهاده دليلاً على ما خصه الله به من مكانة عالية في مجال الإصلاح والتربية والدعوة والتجديد، وقد وجد بتأثير كتاباته ومؤلفاته رجالاً من أهل الدعوة والتربية بين حين وآخر ممن رفعوا راية الجهاد ضد تقاليد الوثنية الجاهلية بكل صدع وإعلان، وارتفع صوت القرآن مدوياً عالياً:
﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: ٣)
فارتجع العالم الإسلامي وتجاوبه السهل والجبل، وعاش هذا الإمام أكثر سنوات حياته متاعب في سبيل الله ، وترك لأجيال المسلمين دائرة معارف أو مكتبة تضمنتها مجموعة فتاويه التي تحتوي على (٣٧) مجلداً، نشرتها المملكة العربية السعودية، فترى في كتبه حقائق علمية وبحوثاً نقدية، ومباحث أصولية، تشق طريقاً جديداً لفهم الكتاب والسنة، وتفتح باباً فريداً إلى إدراك مقاصد الشريعة الربانية.
وكانت في الإمام ابن تيمية ﵀ صفة بارزة رفعت من شأنه وأعزت من مكانته، وهي صفة الثبات على العقيدة الاستمساك بما يثق فيه، والجهر بكلمة الحق، والرائع في موقفه أنه حينما أغلقوا عليه باب السجن، قال مستشهداً من القرآن الكريم: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ١٣) .
وكان يقول ﵀: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني صدري، أينما
стр. 55
رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة١.
إن السجن في نظر ابن تيمية رحمه الله تعالى فرصة يخلو فيها إلى العبادة والذكر والمطالعة والبحث والمعرفة والعلم، بعيداً عن الشهوات والملذات.
ويعتبر القتل شهادة في سبيل الله تعالى لأنه يسير على منهج رسول الله ﷺ الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وابن تيمية رحمه الله تعالى واحد من محبيه ومتبعيه، فليمض إلى ربه مجاهداً لينال أجر المجاهدين الصابرين.
ويؤمن بأن إخراجه من بلده رحلة هجرة في سبيل الله تعالى، أليس هو القائل: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء) . إذن فلا بد من السياحة وكسب الخير والتعرف على الناس، وبث الدعوة، وهكذا امتلأت قلوب المؤمنين بالإسلام شجاعة واندفاعاً، وعلموا أن إنكار الذات في سبيل الله تعالى تصنع البطولات، وفق القيم الأخلاقية لهذا الدين العظيم، لأن المنتصر فيه لا يموت، وهذا نموذج بسيط موجز عن الأبطال العلماء العالمين، أما أمراء العادلين الذين أسهموا بكل إيمان وقوة وهمة وحيوية في بناء دولة الإسلام، وتطبيق أحكام الله تعالى، وصنعوا حياة مليئة بالعمل الصالح والعلم النافع، والبناء الرائع في كل المجالات، فالحديث عنهم يطول ويخرجنا عن
стр. 56
مقصدنا الذي نبتغيه، ويكفينا أن نعلم أن بطولات المسلمين من العلماء العاملين والأمراء المخلصين، كانت تسير جنباً إلى جنب في بناء الحياة الإسلامية ببذل الجهود في تحصين المسلمين، وتأمين الحدود، مع إثارة روح العمل الصالح والتنافس في مجالات العلم والعمل والجهاد، وقد ظل الإسلام حافلاً بالمسلمين وقادتهم من العلماء والأمراء الذين يحملون اللواء، ويحمون معاقل هذا الدين، وهكذا يتوالى ظهروهم فترة بعد فترة، ويخرجون من قبل مجتمعهم ليصدوا عنه فنتة جديدة، ويظهروا الإسلام في صورته البيضاء الجامعة الحقيقية، ويعدوا العدة لصون العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإيمانية، ولولا الله جل شأنه ثم هؤلاء الرجال الأوفياء الذي أعدهم الله تعالى لخدمة دينه، ووفقهم للقيام في وجه المنكر بأي لو كان، لما عاش المسلمون مبيضي الوجوه، ولما ورثوا الدين نقياً طاهراً من رواسب الجاهليات والأنانيات، ولذلك فإن كل مسلم موحد مدين لهم في إيمانه وعقيدته، وفي صفاء أفكاره، وإن لهم علينا منة كبيرة فيما نعيش فيه من طاعة وسعادة، وما نتمتع به من تاريخ زاهر للمآثر والبطولات والجهاد.
ومن ثم فإن لهؤلاء الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام حقاً كبيراً على كل مسلم معاصر، وعلى الأجيال المتلاحقة التي حظيت بنعمة الدين الخالص والعقيدة الصافية، وإن أداء هذا الحق والوفاء بواجب الشكر لا يتم إلا بالمحافظة على الإسلام الذي جاهدوا من أجله بإحياء سنة نبينا محمد ﷺ ، والتركيز على بناء أنفسنا وأجيالنا على هدي من الكتاب والسنة، لنقدم للعالم نموذجاً حياً للمسلم الذي يتمثل فيه الإسلام كاملاً، وعندها تعود أمتنا كما أراد الله تعالى.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ١١٠) .
стр. 57
الباب الرابع: الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة المباركة
الفصل الأول: حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب ونشأته
...
الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة المباركة
حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب "﵀"
اسمه ونسبه:
هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب١ بن سليمان بن علي٢ بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، التميمي٣.
وقد ذكر ابن بشر نسبه فقال:
"هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن حمد بن أحمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب"٤.
стр. 58
يقول الدكتور العثيمين:
وكانت أسرة آل مشرف ذات شهرة ومكانة في العلم، أنجبت عدة علماء، كان لهم اليد العليا في العلم والتحقيق والديانة منذ القرن الهجري، منهم القاضي عبد القادر بن بريد بن مشرف، وأحمد بن محمد بن مشرف، وسليمان بن علي مرجع علماء نجد بالكثير من المسائل، وكذلك ابنه عبد الوهاب، وإبراهيم وأحمد، والقصير١.
ولادته ونشأته:
ولد الشيخ محمد في بلدة العيينة٢ عام ١١١٥هـ، الموافق ١٧٠٣م في بيت كالواحة الخضراء في صحراء الجهل، وهجير الفتن، حيث يعيش العالم الإسلامي ومنه الجزيرة العربية حالة من التخلف والفوضى والانحطاط، والبعد عن روح الإسلام.
نشأ الشيخ وترعرع، يفيض عليه حب والده وحنان والدته غدقاً من العطف الأبوي، وبتعهده وتربيته بما يغرس فيه روح الإيمان، ويغمر نفسه الغضة بالطمأنينة والرضى، وتهيئته لطلب العلم بقلب متفتح وعقل متقبل.
وكلما شب تألف على محياه الذكاء اللماح، وشعت في أساريره المخائل النجيبة، يميزه عن أترابه فوق تلك السمات النبيلة، والخلق الجاد، والعزيمة المصممة، والنضوج المبكر، والنبوغ المرتقب، يصرف جل وقته في تلك السن
стр. 59
للمطالعة العميقة في كتب التفسير والحديث، وقبل بلوغه العاشرة أتقن كثيراً من العلوم والمعارف، فكبر عقله وازداد توقد ذهنه، وتأمل قومه فوجدهم جهلاء زائفين عن طريق الحق والصواب، فآلمه ذلك حتى قال فيه أحدهم:
بلغت لعشر مضت من سنيك ... ما يبلغ السيد الأشيب
فهمك فيها جسام الأمور ... وهم لداتك أن يلعبوا
ولما بلغ الثانية عشرة من عمره، وقد بلغ الحلم، وأدرك ما يدرك الرجال، قدمه أبوه في إمامة الصلاة، وكان والده شديد التعجب من قوة حافظته وسرعة حفظه، لكل ما يطالعه ولو لمرة واحدة، ويعترف علنا بالاستفادة منه في بعض الأحكام، حتى قال: استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام قبل بلوغه.
وفي رسالة لأحد أصدقائه قال عنه: إن له فهماً جيداً، ولو يلازم الدرس سنة على الولاية لظهر في الحفظ والإتقان آية.
"وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام. ورأيته أهلاً للصلاة بالجماعة والإتمام، فقدمته لمعرفته بالأحكام، وزوجته بعد البلوع في ذلك العام. ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام".
ولا عجب في ذلك فبعد مشيئة الله قد تضافرت في الفتى مقومات التفوق ومؤهلات النجاح أسباب ومسببات –هيأها الله للفتى
стр. 60
وراثية وفطرية وبيئية، تجمعت في شخصيته الفذة من الذكاء المتقد، والشغف العلمي الملتهب، والطموح الخلقي الملحق لاستيعاب أكبر قدر من المعارف الدينية والعلوم الإسلامية، في أقصر وقت.
ومع كل ذلك فالفتى عملي الطبع، ديني الخلق والعلم، لديه معلومات، يستوعب في سرعة، وتركيز، وفهم مدارك عظام، ثم تتحول إلى عمل يطبق في التوحيد والعبادة والأخلاق والمعاملات والتوجيه، وإرشاد وتعليم إسلامي يسير على ضوء العقيدة الصحيحة والنهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، في تلك السن المبكرة من عمره الغض جلي في دروسه وتفوق في معلوماته.
أبناء الإمام
تزوج الإمام محمد بن عبد الوهاب "جوهرة بنت عبد الله بن معمر" وهو صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. ونقل عن أبيه عبد الرحمن قوله: "رأيته أهلاً للصلاة بالجماعة وزوجته في ذاك العام"١. وقد رزقه الله ﵎ بأولاد بارك فيهم وجعلهم علماء يقتدى بهم، ويؤخذ العلم عنهم، ومنهم:
أولاً: حسين بن محمد بن عبد الوهاب٢:
آلت إليه القيادة بعد والده، وكان ضريراً لا يرى، إلا أنه على جانب كبير من العلم والفضل.
стр. 61
ثانياً: عبد الله١ بن محمد بن عبد الوهاب:
ولد في الدرعية سنة ١١٦٥، فنشر العلم واضطلع بالدعوة إلى جانب عمله في القضاء، وشارك في قتال إبراهيم باشا وجنده حين طوق الدرعية، وبعد أن سقطت في يد الباشا نقل الشيخ عبد الله إلى مصر سنة ١٢٣٣هـ، وظل بها كالمعتقل حتى وافته المنية سنة ١٢٤٢هـ، ﵀.
قال ابن بشر:
واجتمع عليه أهل البحيرة ونهضوا على الترك من كل جانب كأنهم الأسود، وقاتلوا قتالاً يشيب لهوله المولود، فأظلمت البحيرة كأنها الليل، وصريخ السيوف في الرؤس كأنه صهيل الخيل، فأخرجوهم منها صاغرين، وقتلوا من الترك عدة مئات حتى قال لي بعض من حضر ذلك: لو حلفت بالطلاق أني من الموضع الفلاني إلى الموضع الفلاني لم أطأ إلا على رجل مقتول لم أحنث، فدخل الترك بعد هذا الفشل، وصار في قلوبهم منهم وجل، ثم أرسلوا إلى الباشا وطلبوا الصلح، فأجابهم إليه بعد ما كان أبياً، ولان لهم بعدما كان قاسياً.
وحين سلمت الدرعية سنة ١٢٣٣هـ نقل الإمام عبد الله وابنه عبد الرحمن إلى مصر ومعه بعض آل الشيخ، وأما ابنه سليمان فقتله هذا الطاغية في الدرعية. وأما عبد الرحمن فتوفي بمصر سنة ١٢٧٣ مع أخيه علي، رحمهما الله رحمة واسعة٢.
стр. 62
مؤلفات الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
١- جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية
٢- منسك في الحج.
٣- الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة.
٤- التوضيح عن توحيد الخلاق.
٥- مختصر سيرة ابن هشام.
٦- وله فتاوى ورسائل ضم بعضها لمجموعة الرسائل النجدية.
وقد دافع دفاعاً مريراً ضد الطاغية إبراهيم باشا حين هاجم الدرعية سنة ١٢٢٢هـ، وحين رأى قتل الأبرياء وتدمير الدرعية من قبل الجيش المصري شهر سيفه ضد هؤلاء الطواغيت عند باب البحيرة بالدرعية.
ثالثاً: علي بن محمد بن عبد الوهاب:
كان عالماً نابغاً يضرب به المثل في الزهد والورع، وكان ذا ملكة عظيمة في الفقه.
رابعاً: إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب
ولد بالدرعية. وقرأ على والده المجدد محمد بن عبد الوهاب، وقرأ على علماء الدرعية، ومنهم الشيخ العالم الجليل عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب. نفي ﵀ إلى مصر سنة ١٢٣٣هـ عند الاستيلاء على الدرعية من قبل الطاغية إبراهيم باشا، وفي سنة ١٢٤١هـ رجع إلى نجد بعد استقرار الأمور، وله حلقة علم.
стр. 63
قال ابن بشر:
"وأما إبراهيم بن شيخ الإسلام، فرأيت عنده حلقة في التدريس، وله معرفة في العلم، ولكنه لم يتول القضاء، قرأت عليه في صغري كتاب التوحيد سنة أربع وعشرين ومائتين وألف". قال الشيخ هم من ذرية هؤلاء الأربعة١.
خامساً: حسن بن محمد بن عبد الوهاب:
مات شاباً ولم يكن ممن اشتغل بالعلم، بل بالتجارة والأعمال الأخرى٢.
يقول ابن بشر: "لقد رأيت لهؤلاء العلماء الأجلاء مجالس ومحافل في التدريس في الدرعية، عندهم من طلبة العلم من أهل الدرعية والغرباء المقيمين فيها ما يفضي لمن حكاه إلى التكذيب، ولهؤلاء الأربعة المذكورين من المعرفة ما فاقوا به أقرانهم، وكل واحد منهم جعل بيته مدرسة فيها طلبة العلم من الغرباء ونفقتهم من بيت المال. ويأخذون منهم العلم في كل وقت"٣.
وآل الشيخ إلى يومنا هذا هم القائمون في جزيرة العرب بالوظائف الدينية والدفاع عن حوزة الدين، ونصرة شريعة سيد المرسلين، فجزى الله العاملين أحسن الجزاء ووفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه.
стр. 64
طلبه للعلم
لقد كانت البيئة التي نشأ فيها الفتى محمد بن عبد الوهاب بيئة علمية دينية صالحة، وقد تلقى علمه في البداية على يد والده عبد الوهاب حيث درس عليه كتب الفقه الحنبلي.
قال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حسن:
"وأخذ محمد بن عبد الوهاب الفقه عن أبيه عن جده مفتي الديار النجدية في وقته، وسنده المتصل بأئمة المذهب إلى الإمام أحمد معروف مقرر عندهم"١.
ثم أخذ يزيد في معلوماته بالقراءة الخاصة، حيث أخذ يقرأ في كتاب التفسير والحديث والأصول، وقد ساعده حبه للقراءة وشغفه بها على الاطلاع على كل ما يقع في يده من كتب الدين، وخاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، فاهتم الشيخ بقراءة كتبهما بعناية خاصة، واعتد بأقوالهما، وتأثر بأفكارهما، واستنار بآرائهما، فكان لذلك أثر كبير في تصحيح عقيدته وتوجيه حياته، ومنهج دعوته.
ولقد وهب الله ابن عبد الوهاب قلباً واعياً، وأذناً سمعية، وعقلاً نيراً، وكان رحمه الله تعالى مرهف الحس، شديد التأثر، يتألم جداً لما يرى حوله من الحالة السيئة للقرى والمدن في نجد على وجه الخصوص، وكان أكثر العلماء في عالم الإسلام في حالة لا ترضى، فضلاً عن العوام.
لقد أخذ الشيخ عن والده كل ما كان يستطيع، وبعد ذلك عزم على الارتحال
стр. 65
إلى البلدان المجاورة طلباً للعلم والزيادة فيه، كعادة السلف الصالح، فبدأ بحج بيت الله الحرام للمرة الثانية، ثم توجه من مكة إلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وأقام فيها حيناً آخذ فيها العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي١، أحد العلماء المشهورين من "المجمعة"، ولازمه في "المدينة" تعرف على الشيخ محمد حياة السندي٢، وكان من أساتذة الحديث المعتمدين في مدينة رسول الله ﷺ ، فأخذ عنه الحديث وعلومه.
وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وافقاً عند حجرة النبي ﷺ ينظر إلى أناس يدعون ويستغيثون عند قبره ﷺ ، إذ مر به الشيخ السندي، فسأله عن رأيه فيهم، فقال: إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون٣.
وقد ذكر ابن بشر: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب [قال] : كنت عنده يوماً فقال لي: أتريد أن أريك سلاحاً أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم، فأدخلني منزلاً فيه كتب كثيرة، فقال: هذا الذي أعددنا لها٤.
стр. 66
ومنها توجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى "البصرة"، وهناك درس على الشيخ محمد المجموعي الفقه والحديث واللغة، ولازم صحبته، وبعد ذلك قفل راجعاً بعد أن فتحت هذه الرحلات تفكيره، ووسعت مداركه وعلومه، وزادته اطلاعاً على الفساد السياسي والديني الذي يعيشه العالم الإسلامي، حينذاك عاد إلى بلاده وكله عزيمة وأمل بأن يميط هذا الفساد بقدر ما يسعه جهده، عملاً بقول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ١.
وآب الشيخ من رحلته الطويلة وراء العلم والتحصيل متوجهاً إلى "حريملاء" التي انتقل إليها والده عبد الوهاب رحمه الله تعالى من العيينة في سنة ١١٣٩هـ، الموافقة ١٧٣٦م. بعد عزله عن قضاء العيينة.
قال ابن بشر:
"فلما وصلها جلس يقرأ فيها عند عالم جليل من أهل "المجموعة"٢ في مدرسة فيها، ذكر لي أن اسمه: "محمد المجموعي" فأقام مدة يقرأ عليه وينكر أشياء من الشركيات والبدع، وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه قوله، وقرر له التوحيد، وانتفع به٣.
فلما أنكر الشيخ لهذه الشركيات والعادات السيئة: آذاه أهل "البصرة" هو وشيخه "المجموعي" وأخرجوه من البصرة.
стр. 67
وقرر الشيخ السفر إلى الشام، إلا أن ضياع نفقته في الطريق قد حالت بينه وبين السفر إلى الشام، فانثنى عزمه عنها، وعاد إلى نجد١.
ولما جاء من "البصرة" وهو في طريقه مر على "الإحساء"، فنزل فيها عند الشيخ "عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف"٢ فأخذ عنه العلم، وناقش بعض علمائها في التوحيد والعقيدة، ثم رحل منها إلى "حريملاء"٣.
تلاميذ الإمام
منذ أن وصل الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية والناس يلتهمون العلم من الإمام، وخاصة في العقيدة.
ويقول ابن بشر، ﵀:
إن الناس يطلبون العلم على الشيخ محمد وتلاميذه في أطراف النهار والليل، ويحترفون في النهار لكسب قوتهم والاستعانة على مطالب الحياة٤.
ويقول أيضاً: وكان سعود بن عبد العزيز قدوة في ذلك، فقد زلام الشيخ أكثر من سنتين ملازمة تامة، فبرع في كثير من العلوم، واستفاد فائدة كبيرة.
стр. 68
ويقول الدكتور عبد الله بن صالح العثيمين:
ومن ناحية أخرى فإن الشيخ ما أن استقر في بلده الجديد حتى بدأ أنصاره في البلدان الأخرى يفدون إليه، ومنهم من يستقر عنده، وقد ترك بعض هؤلاء بلدانهم لما كانوا يحسونه من ضغوط على أيدي زعمائهم الذين لم يكونوا نتيجة لذلك متعاطفين مع دعوة الشيخ آنذاك، أو لخوفهم من حدوث ضغوط عليهم، وربما كان السبب في مجيء البعض الآخر إلى الدرعية رغبة منهم في أن يكونوا قرب الشيخ ليستفيدوا من علمه، ويساعدوه في أموره، ومن الملاحظ أن هؤلاء المنتقلين إلى الدرعية من طبقات مختلفة، فبعض هؤلاء كانوا من أسر حاكمة١.
ويقول الشيخ عبد الله بن بسام:
فالدرعية بعد أن صارت مقر الدعوة وقاعدة الحكم الجديد، وفد عليها العلماء من كل حدب وصوب، وعمرت حلقات الدرس على الشيخ محمد وعلى أبنائه وكبار تلاميذه رحمهم الله تعالى، ووفد إليهم طلاب العلم والمعرفة من الجزيرة العربية وخارجها، وصاروا يجدون فيها العلم وكفاية المؤمنة كما يجد العلماء منهم المناصب الرفيعة، والرتب العالية في النواحي التابعة للعاصمة الفتية.
فراجت فيها سوق العلم، ونشطوا في تحصليه، وتنافسوا في نيله، حتى كان من ذلك حركة علمية كبيرة ربما لم تعرفها البلاد العربية من قبل٢.
ومن أشهر تلاميذ الشيخ وأنبههم، وقد صاروا قضاة ومفتين، وأوسعهم إدراكاً وفهما هؤلاء:
стр. 69
١- الشيخ العالم الجليل، حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، والد الشيخ عبد العزيز مؤلف منحة القريب.
٢- الشيخ الزاهد الورع، عبد العزيز بن عبد الله الحصين١ الناصري، تولى القضاء إذ ذاك في ناحية الدشم.
٣- الشيخ الفاضل العالم العامل، سعيد بن حجي، قاضي حوطة بني تميم.
٤- العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن بن ناجي تولى القضاء ببلدة "العيينة" و"الإحساء".
٥- الشيخ الجليل حمد بن راشد العريني، قاضي في ناحية سدير.
٦- محمد بن سلطان العوسجي.
٧- عبد الرحمن بن خميس.
٨- حسن بن عبد الله بن عيدان، وكان قاضياً في بلاد حريملاء.
٩- عبد العزيز بن سويلم، وكان قاضياً في بلد القصيم.
١٠- عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين.
١١- عبد الرحمن بن ناجي٢.
стр. 70
الفصل الثاني: وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀
...
وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب"﵀"
توفي الإمام يوم الإثنين من شهر شوال عام ١٢٠٦هـ-١٧٩١م عن عمر يناهز الواحد والتسعين عاماً١.
ويروي ابن بشر في تاريخه أنه توفي آخر ذي القعدة من السنة المذكورة ١٢٠٦هـ٢.
وقال حسين خلف الشيخ خزعل٣:
وفي أول شهر شوال ١٢٠٦هـ ١٥ آذار ١٧٩٢م، أصيب الشيخ محمد بن عبد الوهب بالمرض، الذي لم يمهله طويلاً حتى انتقل إلى رحمة ربه في يوم الجمعة، آخر شهر ذي القعدة، من هذه السنة ٢٢ حزيران سنة ١٧٩٢٤.
стр. 71
انتقل الشيخ إلى ربه بعد كفاح طويل، حافل بجلائل الأعمال، مملوء بكل فخر ومجد، تاركاً تراثاً فكرياً ضخماً.
وقد رثي بمراث كثيرة، منها مرثية حسين بن غنام١ الذي قال فيها:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع
لقد كسفت شمس المعارف والهدى ... فسالت دماء في الخدود وأدمع
إمام أصيب الناس طرأ بفقده ... وطاف بهم خطب من البين موجع
وأظلم أرجاء البلاد لموته ... وجل بهم كرب من الحزن مفظع
شهاب هوى من أفقه وسمائه ... ونجم ثوى واراه في التراب واراه بلقع
وكوكب سعد مستنير سناؤه ... وبدر له في منزل اليمن مطلع
стр. 72
وصبح تبدى للأنام ضياؤه ... فداجى الدياجي بعده متقشع
لقد غاص بحر العلم والفهم والندى ... وقد كان فيه للبدية مرتع
فقوم جلا عنهم صدا الدين فاهتدوا ... فأسماعهم للحق تصغى وتسمع
وقوم ذوو فقر وجهد وفاقة ... حووا واقتنوا ما فيه للعيش مطمع
لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويدفع
أبان له من لمعة الحق لمعة ... أزبل بها عنه حجاب وبرقع
سقاه غير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع
فأنوار صبح الحق باد سناؤه ... ومصباحه عال ورياه صنيع
стр. 73
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى قناها سميدع
وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرفع
وينفي الأعادي عن حماه وسوحه ... ويدمغ أرباب الضلال ويدفع
يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع
فأضحت به السماء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع
وعاد به نهج الغواية طامساً ... وقد كان مسلوكاً به الناس تربع
وجرت به نجد ذيول افتاخرها ... وحق لها بالألمعي ترفع
فآثاره فيها سواح سوافر ... وأنواء فيها إذ تضيء وتسطح
لقد وجد الإسلام يوم فراقه ... مصاباً خشناه بعده يتصدع
стр. 74
وطاشت ألو الأحلام والفضل والنهى ... وكادت له الأرواح تترى وتتبع
وطارت قلوب المسلمين بيومه ... وظنوا به أن القيامة تقرع
فضجوا جميعاً بالبكاء تأسفاً
... وكادت قلوب بعده تتفجع
وفاضت عيون واستهلت مدامع ... يخالطها مزج من الدم بهجع
بكته ذوو الحاجات يوم فراقه ... وأهل الهدى والحق والدين أجمع١
إلى أن قال، ﵀:
لئن كان في القبر موضعاً ... فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع
سقى قبره من هاطل العفو ديمة ... وباكره سحب من البر همع
стр. 75
وأسكنه بحبوبة الفوز والرضا ... ولا زال بالرضوان فيها يمتع١
ويقول الإمام الشوكاني٢ ﵀:
مصاب دهى قلبي فأذكى غلائلي ... وأحمى بسهم الافتجاع مقاتلي
وخطب به أعشار أحشاي صدعت ... فأمست بفرط الوجد أي ثواكلي
ورزء تقاضى صفاء معيشتي ... وأنهلن قسراً أمر المناهل
غدوت به رهن التياع ولاعج ... حليف أسى للقلب غير مزائل
أسير جوى أفنى فؤادي رسيه ... وقلب من الحزن المبرح ذاهل