Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
منها غائبًا بناجز» متفق عليه. وإذا بيع بغير جنسه كذهب بفضة وبر بشعير، صح بشرط القبض قبل التفرق، وجاز التفاضل، قال في «نهاية التدريب»: ناظمًا للشروط المذكورة:
بيع الطعام بالطعام يشترط … له التساوي إن يكن جنسًا فقط
كذلك الحلول والمقابضةْ … حقيقة في مجلس المعاوضة
فلم يبع بجنسه جنس فضل … ولا يجوز مطلقًا إلى أجل
وكالطعام في جميع ما عرف … نَقْدٌ بِنَقْدٍ جنسه أو مختلف
لقوله ﷺ في حديث عبادة: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» رواه أحمد ومسلم، وعن عمر مرفوعًا: «الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا هاء وهاء» متفق عليه. وقال ﷺ : «لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما يدًا بيد» رواه أبو داود. وإذا بيع المكيل بالموزون كبر بذهب مثلاً، جاز التفاضل، والتفرق قبل القبض؛ لأن العلة مختلفة، فجاز التفرق كالثمن بالمثمن.
ويحل نساء في بيع ما لا يدخله ربا فضل، كثياب بثياب، أو
نقد أو غيره، وحيوان بحيوان أو غيره؛ لحديث ابن عمر: أنه «أمره النبي ﷺ أن يأخذ على قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل
стр. 1122
الصدقة» رواه أحمد والدارقطني، وصححه.
الكالئ بالكالئ: هو النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض. يقال: كلأ الدين كْلُوءًا فهو كالئ، وإذا تأخر.
ومنه قولهم: بلغ الله بك أكلأ العمر، أي: أطوله وأكثره تأخرًا، وأنشد ابن الأعرابي:
تَعَفَّفْتُ عنها في السنين التي مضت … فكيف التَّصَابي بعدما كلأ العمر
ولا يصح بيع كالئ بكالئ، وهو بيع دين بدين؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني: الدين بالدين. رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف، ففي الحديث دليل على عدم جواز بيع الدين بالدين، وهو إجماع أهل العلم، كما حكاه أحمد وابن عبد البر والوزير وغيرهم وله صور، منها بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه، أو بحال لم يقبض، أو جعله رأس مال سلم.
وقال ابن القيم: الكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم
شيئًا في شيء بالذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وكذا لا يجوز بيع معدوم بمعدوم، وقال: بيع الدين بالدين ينقسم
إلى بيع
стр. 1123
واجب بواجب، وهو ممتنع، وإلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط، فالساقط بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمة بدين آخر من جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه وهو بيع الدين ممن هو في ذمته؛ وأما بيع الواجب بالساقط، فكما لو أسلم إليه في كر حنطة ما في ذمته، وقد حكى الإجماع على امتناعه، ولا إجماع فيه. واختار الشيخ جوازه. قال ابن القيم: وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى؛ فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة؛ وأما ما عداه من الثلاث فلكل منهما غرض صحيح، وذلك ظاهر في مسألة التقاص؛ فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع، فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته، والآخر يحصل على الربح، وإن كان بيع دين بدين، فلم ينه الشارع عنه لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه. اهـ. لكن المنع قول الجمهور، لاسيما في الاحتيال على المعسر في قل الدين إلى معاملة أخرى
بزيادة مال، وذكر الشيخ أنه حرام باتفاق المسلمين، ويحرم أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين.
стр. 1124
باب الصرف
س ٤٩: ما هو الصرف؟ ولِمَ سمي بذلك؟ وبأي شيء يبطل؟ ومثل لما لا يبطل به؟ وإذا تأخر التقابض في البعض، فما الحكم؟ وما حكم التوكيل في قبض في صرف ونحوه؟ وإذا تصارفا على عينين من جنسين، وظهر غصب أو عيب أو بيعت سائر أموال الربا، أو تصارفا على جنسين في الذمة وتقابضا قبل التفرق، ووجد أحدهما بما قبضه عيبًا، فما الحكم؟ وإذا تلف عوض قبض في صرف، ثم علم عيبه وقد تفرقا، فما الحكم؟ واذكر ما يتفرع حول هذا المبحث من المسائل والتقادير، والدليل والتعليل.
ج: الصرف: بيع نقد بنقد من جنسه أو غيره، مأخوذ من الصريف، وهو تصويت النقد بالميزان، وقيل: لانصراف المتصارفين عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض ونحوه. والقبض في المجلس شرط لصحة الصرف، حكاه ابن المنذر إجماع. مَنْ يحفظ عنه من أهل العلم؛ ولقوله ﷺ : «وبيعوا الذهب كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» ويبطل كسلم بتفرق ببدن يُبْطِلُ خيار المجلس قبل تقابض من الجانبين في صرف؛ لقوله ﵇: «يدًا بيد» وفي سلم قبض رأس ماله، لما يأتي في بابه، وإن تأخر تقابض في
صرف، أو في رأس مال سلم في بعض من ذلكن بطل الصرف والسلم في المتأخر قبضه فقط، لفوات شرطه، وصحا فيما قبض لوجود شرطه، ويقوم الاعتياض عن أحد العوضين، وسقوطه عن ذمة
стр. 1125
أحدهما مقام قبضه، ويصح التوكيل من العاقدين أو أحدهما بعد عقد في قبض ربوي وسلم، ويقوم قبض وكيل مقام قبض موكله ما دام موكله بمجلس العقد، لتعلقه به، سواء بقي الوكيل بالمجلس إلى قبض أو فارقه، ثم عاد وقبض؛ لأنه كالآلة؛ فإن فارق موكل قبله بطل العقد، وإن وكل في العقد اعتبر حال الوكيل، ولا يبطل صرف ونحوه باشتراط خيار فيه كسائر العقود الفاسدة في البيع، فيصح العقد ويبطل بالتفرق، وإن تصارفا على عينين من جنسين كصارفتك هذا الدينار بهذه الدراهم، فيقبل، ذكر وزنهما أم لا، ولو كان صرفهما بوزن متقدم على مجلس العقد، أو بخبر صاحبه بوزنه وتقابضا وظهر غصب في جميعه، أو ظهر عيب في جميع أحد العوضين، ولو كان يسيرًا، أو كان عيبه من غير جنس المعيب بأن وجد الدنانير رصاصًا، أو الدراهم نحاسًا، أو فيها شيء من ذلك بطل العقد؛ لأن باعه ما لا يملكه، أو لم يسلم له، أشبه: بعتك هذا البغل، فبان فرسًا.
وإن ظهر الغصب أو العيب في بعضه، بطل العقد في المغصوب أو المعيب فقط بناء على تفريق الصفقة، ويصح في الباقي بقسطه،
وإن كان العيب من جنس المعيب كوضوح ذهب،
وسواد فضة، فلآخِذِهِ الخيار بين فسخ وإمساك، وليس له أخذ بدله لوقوع العقد على عينه؛ فإن أخذ غيره أخذ ما لم يعقد عليه؛
стр. 1126
فإن رد المعيب بطل العقد لما تقدم، وإن أمسك فله أرش العيب كسائر المعيبات المبيعة بالمجلس، ولا يأخذ أرشه من جنس النقد السليم، لئلا يصير كمسألة مد عجوة ودرهم. وكذا يجوز أخذ أرش العيب بعد المجلس إن جعل الأرش من غير جنس النقدين كبر وشعير لعدم اعتبار التقابض إذًا، وكذا سائر أموال الربا إذا بيعت بربوي غير جنسها بما القبض شرط فيه، كمكيل بيع بمكيل، وموزون بيع بموزون غير جنسه، فبر بيع بشعير، ووجد بأحدهما عيب من جنسه، فأرش بدرهم أو نحوه من الموزونات مما لا يشاركه في العلة، جاز في المجلس فقط لا من جنس السليم، وإن تصارفا على جنسين في الذمة، كدينار بندقي بعشرة دراهم فضة، صح إن تقابضا قبل تفرق، ثم إن وجد أحدهما بما قبضه عيبًا، والعيب من جنسه، فالعقد صحيح، كما لو لم يكن عيب، ثم تارة يعلم العيب قبل تفرق، وتارة يعلمه بعده؛ فإن علمه قبل تفرق عن المجلس، فله طلب سليم بدله؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة أو أرشه، وله إمساكه مع أرشه، لا من جنس السليم. وإن علمه بعد التفرق، فله إمساكه مع أخذ أرش، لاختلاف الجنس،
ويكون من غير جنس السليم والمعيب كما تقدم. وله رده، وأخذ بدله بمجلس رد؛ لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده كالسلم فيه؛ فإن تفرقا قبل أخذ بدله بطل العقد؛ لحديث: «ولا تبيعوا منها
стр. 1127
غائبًا بناجز» وإن لم يكن العيب من جنسه فتفرقا قبل رَدِّ معيْبٍ وأخذ بدله، بطل الصرف للتفرق قبل التقابض، وإن عين أحد العوضين من جنسين في صرف دون العوض الآخر، بأن كان في الذمة، ثم ظهر في أحدهما عيب، فلكل من المعين وما في الذمة حكم نفسه فيما تقدم، والعقد على عينين ربويين من جنس، كهذا الدينار بهذا الدينار، كالعقد على ربويين من جنسين، وكذا لو كانا أو أحدهما في الذمة، إذ أنه لا يصح أخذ أرش مطلقًا، لا قبل التفرق ولا بعده، ولا من الجنس ولا من غيره؛ أنه يؤدي إلى التفاضل إن كان من الجنس، وإلى مسألة مد عجوة إن كان من غير الجنس، وإن تلف عوض قبض في عقد صرف ذهب بفضة مثلاً، ثم علم عيبه وقد تفرقا، فسخ صرف وردَّ الموجودُ لباذله، وتبقى قيمة التالف في ذمة من تلف بيده، لتعذر الرد، فيرد من تلف بيده مثل القيمة أو عوضها إن اتفقا عليه، ويصح أخذ أرش العيب ما لم يتفرقا إن كان العوضان في صرف من جنسين؛ لأن الأرش كجزء من المبيع، وقد حصل قبضه بالمجلس؛ لكن لا يكون
جنس السليم كما تقدم، ويصح أخذه بعد التفرق من غير جنس النقدين.
стр. 1128
مسائل متنوعة تتعلق بالصرف وبعض الحيل
س ٥٠: هل لأحد المتصارفين الشراء من الآخر؟ وإذا أعطى صارف فضة بدينار أكثر مما بالدينار ليأخذ قدر حقه منه، أو صارف خمسة دراهم بنصف دينار، فأعطى صارف الفضة دينارًا، أو اقترض الخمسة، وصارفه بها عن الباقي، فما الحكم؟ وما هي الحيلة؟ وما حكمها؟ وما دليله؟ واذكر بعض الحيل المحرمة، وإذا كان على إنسان دينار فقضاه دراهم متفرقة، أوله على آخره عشرة دنانير وزنًا فوفاها عددًا فوجدت وزنًا أحد عشر، أو باع دينارًا بدينار بإخبار صاحبه بوزنه، وتقابضا فوجده ناقصًا فما الحكم؟ وما حكم الصرف، والمعاملة بمغشوش، وكسر السكة الجائزة بين المسلمين؟ واذكر الدليل، والتعليل، والتفصيل.
ج: لكل من المتصارفين الشراء من الآخر من جنس ما صرف الآخر منه، بلا مواطأة كأن صرف منه دينارًا بدرهم، ثم صرف منه الدراهم بدينار آخر؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خبير، فجاءه بتمر جنيب، فقال له: «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا والله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل، بع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا» متفق عليه. ولم يأمره أن يبيع من غير من اشترى منه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وصارف فضة بدينار إن أعطى فضة أكثر مما بالدينار، ليأخذ رب
стр. 1129
الدينار قدر حقه منه، ففعل بأن أخذ صاحب الدينار قدر حقه، جاز هذا الفعل منهما ولو كان أخذ قدر حقه بعد تفرق، لوجود التقابض قبل التفرق، وإنما تأخر التمييز، والزائد عن حقه أمانة بيده، لوضع يده عليه بإذن ربه، وصارف خمسة دراهم فضة بنصف، فأعطى صارف الفضة دينارًا، صح الصرف لما تقدم، ولقابض الدينار مصارفته بعد ذلك بالباقي من الدينار؛ لأنه أمانة بيده.
ولو افترض صارف خمسة دراهم الخمسة التي دفعها لصاحب الدينار، وصارفه بها عن النصف الباقي من الدينار، صح بلا حيلة، لوجود التقابض قبل التفرق. فإذا كان ثم حيلة لم يصح، والحيلة: التوسل إلى محرم بما ظاهره الإباحة، والحيل كلها غير جائزة في شيء من أمور الدين؛ لحديث: «من أدخل فرسًا بين فرسين، وقد أمن أن يسبق فهو قمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين، ولم يأمن أن يسبق، فليس بقمار» رواه أبو داود وغيره. فجعله قمارًا مع إدخال الفرس الثالث، لكونه لا يمنع معنى القمار، وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه آخذًا، أو مأخوذًا منه، وإنما دخل تحيلاً على إباحة المحرم.
وسائر الحيل مثل ذلك، كأن يظهر المتعاقدان عقدًا ظاهره الإباحة يريدان به محرمًا مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله تعالى من
الربا ونحوه، أو إلى إسقاط واجب لله تعالى أو لآدمي، كهبة
стр. 1130
ماله قرب الحول لإسقاط الزكاة، أو لإسقاط نفقة واجبة، أو إلى دفع حق عليه من نحو دين، فمن الحيل لو أقرضه شيئًا، وباعه سلعة بأكثر من قيمتها، أو اشترى المقرض من المقترض سلعة بأقل من قيمتها توسلاً إلى أخذ العوض عن القرض. ومن الحيل أن يستأجر البستان بأمثال أجرتها، ثم يساقيه على ثمر شجر بجزء من ألف جزء للمالك، أو لجهة الوقف والباقي من الثمر للعامل، ولا يأخذ المالك ولا الناظر منه شيئًا، ولا يريدان ذلك، وإنما قصدهما بيع الثمرة قبل وجودها أو بُدُو صلاحها بما سمياه أجرة، والعامل لا يقصد سوى ذلك، وربما لا ينتفع بالأرض التي سمى الأجرة في مقابلتها، بل قد تكون الأرض لا تصلح للزرع بالكلية، وقد ذكر ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» من ذلك صورًا كثيرة جدًا في المجلد الثالث، ومن عليه دينار فأكثر، فقضاه دراهم متفرقة، كل نقدة من الدراهم بحسابها من الدينار، صح لعدم المانع، وإلا يكن كل نقدة بحسابها بأن صار يدفع الدراهم شيئًا فشيئًا، ثم صارفه بها وقت المحاسبة، فلا يصح ولا يجوز؛ لأنه بيع دين بدين.
ومن له على آخر عشرة دنانير مثلاً وَزْنًا، فوفاها عددًا، فوجدت وزنًا أحد عشر دينارًا، فالدينار الزائد مشاع مضمون لربه، لقبضه على أنه عوض ماله، فكان مضمونًا بهذا القبض، ولمالكه
التصرف فيه بصرف وغيره ممن هو بيده وغيره لبقاء ملكه
стр. 1131
عليه، ومن باع دينار بإخبار صاحبه بوزنه ثقة به، وتقابضا وافترقا، فوجد الدينار ناقصًا عن وزنه المعهود، بطل العقد؛ لأنه بيع ذهب بذهب متفاضلاً، وإن وجده زائدًا عن وزن الدينار المعهود، والعقد على عين الدينارين، بطل العقد أيضًا للتفاضل. وإن كانا في الذمة بأن قال: بعتك دينارًا بدينار، ووصفاهما وقد تقابضا وافترقا، ثم وجد أحدهما زائدًا، فالزائد بيد قابض له مشاع مضمون لربه، لما تقدم، ولم يفسد العقد؛ لأنه إنما باع دينارًا بمثله، وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه، وللقابض دفع عوض الزائد لربه من جنسه ومن غيره؛ لأنه ابتداء معاوضة، ولكل من المتعاقدين فسخ العقد؛ أما القابض فلأنه وجد المبيع مختلطًا بغيره والشركة عيب؛ وأما الدافع، فلأنه لا يلزمه أخذ عوض الزائد. وإن كان في المجلس استرجعه ربه، ودفع بدله، ويجوز الصرف بنقد مغشوش، وتجوز المعاملة بنقد مغشوش، ولو كان غشه بغير جنسه، كالدراهم تغش بنحاس لمن يعرف الغش. قال أحمد: إذا كان شيئًا اصطلحوا عليه مثل الفلوس اصطلحوا عليها، فأرجو أن لا يكون بها بأسًا؛ ولأن غايته اشتماله على جنسين ولا غرر فيهما؛ ولأن هذا مستفيض في الأعصار؛ فإن لم يعرف الآخر غشه لم يجز، لما فيه من التغرير.
ويحرم كسر السكة الجائزة بين المسلمين؛ لما ورد عن عبد الله بن
стр. 1132
عمرو المازني قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، ولما فيه من التضييق عليهم إلا أن يختلف في شيء منها: هل هو رديء أو جيد؟ فيجوز كسره للحاجة.
ما يتميز به ثمن عن مثمن وحكم اقتضاء نقد من آخر
س ٥١: بم يتميز ثمن عن مثمن؟ وما حكم اقتضاء نقد من آخر؟ وإذا اشترى شيئًا بنصف دينار، فماذا يلزمه؟ ووضح ما يتفرع على ذلك من المسائل، وما الذي تتعين به الدراهم والدنانير، والذي تملك به؟ وما حكم إبدالها، والتصرف فيها قبل قبضها؟ وحكم ما إذا تلفت، أو ظهرت الدراهم مغصوبة، أو معيبة، أو تعاقدا على مثلين أو لا، وما حكم أخذ الأرش، ومن أين يؤخذ؟ وما حكم الربا بين المسلم والحربي، وبين السيد ورقيقه، ومكاتبه … إلخ؟
ج: يتميز ثمن مثمن بباء البدلية، ولو أن أحد العوضين نقد، فما دخلت عليه الباء فهو الثمن، فدينار بثوب، الثمن بثوب، لدخول الباء عليه. قال: بعضهم للباء أربعة عشر معنى، وجمعها
بعضهم في بيتين:
стр. 1133
تَعَدَّ لُصُوقًا واسْتَعِنْ بتَسَبُّبٍ … وبَدِّلْ صحَابًا قَابَلُوْكَ بالاسْتِعْلا
ورِدْ بَعْضَهُمْ إنْ جَاوَزَ الظَّرْفُ غَايَةً … يَمِيْنًا تَحُزْ للبا مَعَانِيها كَلا
ويصح اقتضاء نقد من نقد آخر، كذهب من فضة وعكسه إن أحضر أحَدُ النقدين، أو كان أحدهما أمانة أو عارية أو غصبًا، والآخر مستقر في الذمة، كثمن وقرض وأجرة استوفى نفعها، بخلاف دين كتابة، وجُعْلٍ قَبل عمل ورأس مال سلم؛ لأنه لم يستقر.
ولو كان ما في الذمة غير حال ككونه مؤجلاً، وقضاه عنه بسعر يوم القضاء، جاز؛ لأنه رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض بسعر يوم القضاء؛ لحديث ابن عمر قال: قلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذا، وأعطي هذا من هذا، فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» رواه الخمسة، وصححه الحاكم؛ ولأنه صرف بعين وذمة، فجاز كما لو لم يسبقه اشتغال ذمة، واعتبر بسعر يوم القضاء للخبر، ولجريان ذلك
مجرى القضاء، فتقيد بالمثل، وهو هنا من حيث القيمة لتعذره من حيث الصورة، ولا يشترط حلول ما في الذمة إذا قضاه بسعر
стр. 1134
يومه لظاهر الخبر؛ ولأنه رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض، أشبه ما لو قضاه من جنس الدين؛ فإن نقصه عن سعر المؤجلة أو غيرها لم يجز للخبر.
ومن اشترى كتابًا أو نحوه بنصف دينار أو نحوه؛ لزمه نصف دينار، ثم إن اشترى شيئًا آخر كثوب بنصف آخر لزمه شق أيضًا، لدخوله بالعقد على ذلك، ويجوز إعطاء المشتري للبائع عن الشقين دينًا صحيحًا؛ لأنه زاده خيرًا؛ فإن كان ناقصًا، أو اشترى بمكسرة، وأعطى عنها صحاحًا أقل منها، أو بصحاح، وأعطى منها مكسرة أكثر منها، لم يجز للتفاضل؛ لكن إن اشترط إعطاء صحيح عن الشقين في العقد الثاني أبطله، لتضمنه اشتراط زيادة عن العقد الأول، واشتراط ذلك قبل لزوم العقد الأول بخيار مجلس يبطل العقدين، لوجود المفسد قبل إبرامه لازمًا، وتتعين دراهم ودنانير بتعيين في جميع المعاوضات؛ لأنها تتعين بالغصب، فتتعين بالعقد كالقرض، ولأنها أحد العوضين، فأشبهت العرض الذي هو المثمن، فإنه يتعين بذلك، وتملك دراهم ودنانير بالتعيين في جميع العقود، فلا يصح إبدالها إذا وقع العقد على عينها لتعينها.
ويصح تصرف من صارت إليه فيها قبل قبضها، كسائر أملاكه، وإن تلفت أو تعيَّبت، فهي من ضمانه إن لم تحتج إلى عدد أو وزن؛
стр. 1135
فإن احتاجت إلى أحدهما لم يصح تصرفه فيها قبل قبضها لاحتياجها لحق توفية. ويبطل غير نكاح وخلع وطلاع وعتق على دراهم أو دنانير معينة، وغير صلح بها عن دم عمد في نفس أو طرف بكون الدراهم والدنانير المعينة مغصوبة كالمبيع يظهر مستحقًا، أو بكونها معيبة عيبًا من غير جنسها، ككون الدراهم نحاسًا أو رصاصًا؛ لأنه باعه غير ما سمي له. ويبطل غير ما تقدم استثناؤه في بعض هو مغصوب أو معيب من غير جنسها فقط، ويصح في الباقي بناء على تفريق الصفقة، وإن كان العيب من جنسها، كسواد درهم، ووضوح دنانير يخير من صارت إليه بين فسخ العقد المعيب، وإمساك بلا أرش إن تعاقدا على مثلين، كدينار بدينار؛ لأن أخذه يفضي إلى التفاضل، أو مسألة مد عجوة ودرهم، وإلا يكن العقد على مثلين، فلمن صارت إليه المعيبة أخذ الأرش بمجلس العقد، لا من جنس السليم؛ لأن أكثر ما فيه حصول زيادة من أحد الطرفين، ولا تمنع من الجنسين، ولا يأخذ أرشًا بعد المجلس إلا إن كان الأرش من غير جنس العوضين، فيجوز أخذه بعده مما لا يشاركه في العلة كما تقدم.
ويحرم الربا بدار حرب، ولو بين مسلم وحربي، بأن يأخذ المسلم
زيادة من الحربي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وعموم السُّنة؛ ولأن دار الحرب كدار البغي في أنه لا يد للإمام عليهما، وحديث
стр. 1136
مكحول مرفوعًا: «لا ربا بين المسلم وأهل الحرب» رُدَّ بأنه خبر مجهول لا يترك له تحريم ما دل عليه الكتاب والسُّنة الصحيحة، ولا يحرم الربا بين سيد ورقيقه، ولو كان الرقيق مدبرًا، أو أم ولد؛ لأن المال كله لسيد، ولو كان الرقيق مكاتبًا، فلا يجري بينه وبين سيد ربًا في مال الكتابة فقط، بأن عوضه عن مؤجلها دونه، ويأتي لا يجوز الربا بينهما في غير هذه.
من النظم مما يتعلق بالصرف
ويبطل عقد الصرف إن يتفرقا … ولا قبض من كل كذا السلم اعدد
ومهما تعين من دراهم عُيّنَتْ … ومِن ذهب في العقد في المتأكد
وَرَدُّك بَعْضًا مثل تَركِك قَبْضه … بوجه فأبطل في الجميع بأوكد
فإنْ بان عَيْبٌ بَعْدَ عَقدٍ وفرقة … تغاير في جنس فأبطل بأوطد
بناء على التعيين إن عَيَّناهُمَا … وإلَّا له الإبدال أورده قد
وعنه له الإبدال حالة رده … وعنه ليلزم بالمبيع فبعد
ومن جنسه إن كان إن شئت رده … وخذ بدلاً في مجلس الردِّ فاعْضِدِ
стр. 1137
إذا قيل لا تَعْيِيْنَ أو لم يُعينا … وإلا فأمسك أو بلا البدل اردد
وَمِن عَيبِ بعض إن تشا اردد جميعَه … وقولين في رد المعيب فَقَطْ طد
بوإن تشا في الجنسين لا الجنس الأرش خُذْ … بمجلسكم أو غير جنس الثمن عد
كذا الحكم والتفصيل في كل ما اشترى … من الربوي المعلوم بالربوي اعدد
وإن بعد عيب أو توىَ تدري عيبه … في الأقوى بلا أرش ليبق أو اردد
وفي ذمة التاوي إليه ضمانُها … بمثل لمثلي أو القيمة اعهد
وتركهما وزنًا لعلم بقدره … أو إخبار بعض العاقدين فجودِّ
وإن يُدْرَ نقصٌ بَعد قَبضٍ وفرقَةٍ … وهَي العقدُ قيل إنْ عينا في المزيد
ويشرط علم للنقود لصرفهم … بوصف بذكر أو بعرف معود
وحظر شرا دين بدين وعينه … بدين أجز بل في المؤجل بأجود
ومع علم عيب منه يلزم مطلقًا … ومن غيره في الجنس بالجنس أفسد
وإن يتساوى الغش جاز بأجود … كإنفاق مغشوش على المتأطد
وإن بعت شيئًا بالفلوس فعطلت … فخذ وقت عقد قيمة المتكسد
стр. 1138
إذا كنت لم تقبض إلى أن تكسدت … كذا الحكم في الأثمان يا ذا التأيد
ويحرم تنقيص لدين مؤجل … ليَقْضِيَهُ قبل المحل بأوطد
وكل احتيال لاستباحة ما نَهَى … المُشرّع عنه اخطره دُون تَقَيُّدِ
وبالنقد بع أردى وخذ جيدًا به … من المشتري لا حيلة في المجود
وإن تشرِ عينًا بالمكسر لم يجز … وفاه صحيحًا دون أو عكس أجود
وصرفًا بمظنون البقا مودعًا أجز … وإن ظن هلك لا وإن شك ردد
باب بيع الأصول والثمار وما يتعلق بها
س ٥٢: ما هي الأصول، وإذا باع دارًا فما الذي يدخل بالبيع، والذي لا يدخل فيه؟ وضح ما في ذلك من مفردات وتفاصيل، وما لذلك من أدلة أو تعليلات، أو خلاف مع الترجيح.
ج: الأصول جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره، والمراد به هنا: أرض ودور وبساتين ونحوها، والثمار: جمع ثمر، ككتاب
وكتب، وجمع الثمر أثمار، كعنق وأعناق، وهي ما حملته الأشجار سواء أكل أو لا، من باع دارًا أو رهن دارًا أو وهب دارًا أو أوقف دارًا أو أقر بدار، أو وصى بدار، تناول ذلك أرضها
стр. 1139
بمعدنها الجامد؛ لأنه من أجزائها بخلاف الجاري، وتناول بناءها؛ لأنهما داخلان في مسماها، وتناول فناءها إن كان لها فناء؛ لأن غالب الدور لا فناء لها، وتناول متصلاً بها لمصلحتها، كسلالم مسمرة، جمع: سلم، وهي: المرقاة، وهو مأخوذ من السلامة تفاؤلاً ويذكر ويؤنث، وأنشدوا لابن مقبل:
لا تحْرْز المرء أحجاء البلاد ولا … يبني له في السموات السلاليم
احتاج فزاد الياء، وقال الجوهري: السُّلم: واحد السّلاليم.
ويشمل البيع الرفوف المسمرة، والأبواب المنصوبة، والرحى المنصوبة والخوابي المدفونة، والأجرنة المبنية، وأساسات الحيطان؛ لأن اتصاله لمصلحتها أشبه الحيطان؛ فإن لم تكن السلالم والرفوف مسمرة، أو كان الأبواب والرحى غير منصوبة، أو الخوابي غير مدفونة، لم يتناولها البيع ونحوه؛ لأنها منفصلة عنها، أشبه الطعام والشراب فيها، وتناول ما في الدار من شجر مغروس، ومن عُرْش جمع عريش، شبه بيت من حريد يجعل فوقه الثمار، ويجمع على عروش كفلس وفلوس.
فائدة: مرافق الأملاك، كالطرق والأقنية ومسيل المياه ونحوها، هل هي مملوكة، أو ثبت فيها حق الاختصاص؟ فيه وجهان: أحدهما:
ثبوت حق الاختصاص فيها من غير ملك، جزم به القاضي وابن عقيل
стр. 1140
في إحياء الموات، ودل عليه نصوص أحمد. الثاني: الملك، صرح به الأصحاب في الطرق، وجزم به في الكل صاحب «المغني» وأخذه من نص أحمد والخرقي على ملك حريم البئر، ذكر ذلك في القاعدة الخامسة والثمانين، قاله في «الإنصاف» م ص.
ولا يتناول البيع ما فيها من كنز وحجر مدفونين؛ لأنهما مودعان فيها للنقل عنها، أشبه الستر والفرش، بخلاف ما فيها من الأحجار المخلوقة؛ فإن ضرت بالأرض ونقصتها فعيب، ولا يتناول البيع ما فيها من منفصل منها، كحبل ودلو وبكرة وقفل وفرش؛ لأن اللفظ لا يشمله، ولا هو من مصلحتها؛ وأما المفتاح، وحجر الرحى الفوقاني، فقيل: لا يتناولهما اللفظ، وقيل: يشملهما البيع، ويدخلان فيه، وهذا هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ولا يتناول البيع ما فيها من معدن جار وماء نبع؛ لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه، أشبه ما يجر من الماء في نهر إلى ملكه؛ ولأنه لا يملك إلا بالحيازة، وتقدم في البيع. وإن ظهر ذلك بالأرض لم يعلم بائع، فله الفسخ؛ لما روي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضًا، فظهر فيها معدن، فقالوا: إنما بعنا الأرض ولم نبع المعدن، وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه قَطْعِيِّةُ النبي ﷺ -
стр. 1141
لأبيهم، فأخذه وقبله، ورد عليهم المعدن، وعنه: إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه، وظاهر أنه لم يجعله للبائع، ولا جعل له الخيار، قاله في «الشرح».
ما يدخل وما لا يدخل في البيع إذا كان المبيع أرضًا أو بستانًا
س ٥٣: إذا باع أرضًا أو بستانًا، فما الذي يدخل في المبيع، وما الذي لا يدخل؟ وتكلم عما إذا كان فيها زرع أو قطنيات، أو جزر أو فجل، أو ثوم أو نحوه، واذكر التفصيل والدليل والتعليل والخلاف.
ج: مَنْ باع أو وهب أو رهن أو وقف أو أقر أو أوصى بأرض أو بستان، أو جعله صداقًا أو عوض خلع ونحوه، دخل غراس وبناء فيها ولو لم يقل بحقولها، لاتصالهما بهما، وكونهما من حقوقهما، والبستان اسم للأرض والشجر والحائط، إذ الأرض المكشوفة لا تسمى به، ولا يدخل في نحو بيع أرض ما فيها من زرع لا يحصد إلا مرة، كبر وكشعير وأرز وقطنيات، سميت بذلك لقطونها، أي: مكثها في البيوت، ونحوها كجزر وفجل وثوم ونحوه، كبصل ولفت؛ لأنه مودع في الأرض يُراد للنقل، أشبه الثمرة المؤبرَّة. ويبقى
في الأرض لبائع ونحوه إلى أول وقت أخذه، كالثمرة بلا
стр. 1142
أجرة؛ لأن المنفعة مستثناة له، فلا يبقى بعد أول وقت آخذه، وإن كان بقاؤه أنفع له، إلا برضى مشتر، ما لم يشترط الزرع مشتر أو متهب ونحوه؛ فإن شرطه آخذ فهو له، قصيرًا كان أو ذا حب مستترًا أو ظاهرًا، معلومًا أو مجهولاً؛ لأنه بالشرط يدخل تبعًا للأرض، كأساسات الحيطان، وإن حصد الزرع بائع قبل أوان الحصاد، لينتفع بالأرض في غير الزرع، لم يملك البائع الانتفاع بها، لانقطاع ملكه عنها، كما لو باع دارًا فيها متاع لا ينقل في العادة إلا في شهر، فتكلف نقله في يوم لينتفع بالدار في غيره بقية الشهر، لم يملك ذلك، لانقطاع ملكه عنها، وإنما أمهل للتحويل بحسب العادة دفعًا لضرره، وحيث تكلفه قد رضي به.
(فرع): البستان: اسْمٌ لأرض وشجر وحائط، بدليل أن الأرض المكشوفة لا تسمى بذلك، ومن قال: بعتك هذه الأرض، وثلث بنائها، أو: بعتك الأرض وثلث غراسها، أو بعتك هذا البستان وثلث غراسه، لم يدخل في البيع من البناء والغراس إلا الجزء المسمى، لقرينه العطف وإن كان في الأرض زرع يجز مرة بعد أخرى، كرطبة وهي القصة؛ فإن يبست فهي قت، وكالبقول وثمر ونعناع وقثاء وباذنجان ودباء، أو يتكرر زهره، كورد
وياسمين، فأصول جميع هذه لمشترٍ ومتهب ونحوه؛ لأنه لم يرد للبقاء
стр. 1143
أشبه الشجر، وجزة ظاهرة وقت عقد لبائع ونحوه، ولقطة أولى، وزهر تفتح وقت عقد لبائع ونحوه؛ لأنه يجني مع بقاء أصله، أشبه الشجر المؤبر، وعلى البائع ونحوه قطع الجزة الظاهرة واللقطة الأولى ونحوها في الحال، أي: فورًا؛ لأنه ليس له حد ينتهي إليه، وربما ظهر غير ما كان ظاهرًا، فيعسر التمييز، ما لم يشترط مشتر دخول ما لبائع عليه؛ فإن شرطه كان له؛ لحديث: «المسلمون عند شروطهم».
وقصب سكر كزرع يبقى لبائع إلى أوان آخذه؛ فإن أخذه بائع قبل أوانه لينتفع بالأرض لم يمكن منه، وقصب فارسي كثمرة، فما ظهر منه فلمُعْط، ويقطعه في أول وقته الذي يؤخذ فيه، وعروق القصب الفارسي لمشتري ونحوه؛ لأنها تترك في الأرض للبقاء فيها، أشبهت الشجر؛ فإن طلب من بائع ونحوه إزالة عروق قصب سكر مضرة بالأرض، لزمه ذلك؛ لأن عليه تسليم الأرض خالية، وكذا يلزمه إزالة عروق قطن وذرة، كنقل متاع وتسوية حفر، لما في بقائها من الضرر، وكذا كل ما لا يدخل في بيع على البائع إزالته.
стр. 1144
حكم البذر إذا بقي أصله
وإذا وهب البائع المشتري ما هو من حقه
س ٥٤: تكلم عن حكم البذر إذا بقي أصله، وإذا كان خيار لأحد المتبايعين، وعما إذا وهب البائع المشتري ما هو من حقه، أو اشترى نخلاً عليها طلع ظن المشتري أنه لم يؤبر، فبان مؤبرًا، أو قطع البائع الطلع، أو اشترى أرضًا أو نخلاً، ظن دخول زرع فيها أو ثمرة، ومن القول قوله في جهل ذلك؟ وهل تدخل مزارع قرية أو شجر في بيعها؟ وإذا باع إنسان إنسانًا شجرة، فهل له تبقيتها؟ وهل له الاجتياز إليها؟ وهل يدخل منبتها وإذا انقلعت أو بادت فما الحكم؟
ج: بذر بقي أصله، كبذر بقول وقثاء، وباذنجان ورطبة، كشجر يتبع الأرض؛ لأنه يتبعها لو كان ظاهرًا، فأولى إذا كان مستترًا؛ ولأنه يترك فيها للبقاء، وما لا يبقى أصله كبذر بر وقطنيات، فهو كزرع لبائع ونحوه، كما لو ظهر، ولمشتر جهل بذر الأرض أن لا يتبع الأرض بأن لم يعلم به، الخيار بين فسخ بيع، لفوات منفعة الأرض عليه ذلك العام، وبين إمضاء مجانًا بلا أرش؛ لأنه نقص بالأرض، ويسقط خيار مشتر إن حول البذر بائع من أرض مبادرًا بزمن يسير، لزوال العيب على وجه لا يضر بالأرض، أو وهب البائع المشتري ما هو من حقه وهو البذر، فلا خيار للمشتري؛ لأنه زاده
خيرًا. وإن اشترى أرضًا بذرها فيها صح، ودخل تبعًا، وكذا مشتر
стр. 1145
نخلاً عليها طلع ظن المشتري طلعها لم يؤبر، فبان مؤبرًا فيثبت له الخيار، ويسقط إن وهب بائع الطلع؛ لكن لا يسقط خيار بقطع الطلع؛ لأنه لا تأثير له في إزالة الضرر عن المشتري بفوات الثمرة ذلك العام.
ويثبت خيار لمشتر أرضًا أو شجرًا ظن دخول زرع بأرض، أو دخول ثمرة على شجر لبائع، كما لو جهل وجود الزرع والثمرة لبائع، لتضرره بفوات منفعة الأرض والشجر ذلك العام، والقول قول المشتري بيمينه في جهل ذلك إن جهله مثله كعامي؛ لأن الظاهر معه، وإلا لم يقبل قوله، ولا تدخل مزارع قرية بيعت بلا نص أو قرينة، بل الدور والحصن الدائر عليها؛ لأنه من مسمى القرية، وإن قال: بعتك القرية بمزارعها، أو دلت قرينة على دخولها كمساومة على الجميع، أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها وفي مزارعها، دخلت عملاً بالنص أو القرينة.
إذا باع رب بستان إنسانًا شجرة فأكثر من بستانه، فللمشتري تبقيتها في أرض البائع إن لم يشترط قلعها، كثمر على شجر بيع بعد بدو صلاحه، ويثبت للمشتري حق الاجتياز إليها لدلالة الحال عليه، فله الدخول لمصالحها من نحو سقي وتأبير، ولا يدخل منبتها من
الأرض تبعًا لها؛ لأن اللفظ قاصر عنه، والمغرس أصل فلا يكون تبعًا إلا
стр. 1146
بشرط، ولا يبطل البيع بشغلها بمساقاة ونحوها، بل تبطل المساقاة مع البيع، ومع عدم الشرط، بل يكون للمشتري حق الانتفاع في الأرض النابتة فيها، فلو انقلعت الشجرة أو بادت لم يملك إعادة غيرها مكانها؛ لأنه لم يملكها كما تقدم، وانقطع حقه من الانتفاع بذلك.
من النظم فيما يتعلق ببيع الأصول والثمار
وفي بيع دار يدخل الأرضُ والبنا … ومتصلٌ فيها لإصلاحها اعدد
كسلّمها المنصوب والرَّفِ مُوثقًا … وأبوابها منصوبة خوفَ معتدي
وخابية منصوبة أو رحىً وفي العَلِيَّةِ … والمفتاح وجهين أسند
كذا حكم مصراع أخوه مركب … كذاك أرى في الباب ملقى بمرصد
وكنز وفرش ثم قفل وبكرة … وحبل ودلو للذي باع في الغد
ومدفون أحجار كذا كل مودع … به غير ما استثنيته فله زد
وللمشتري الأرضين جامدُ مَعْدَنٍ … كمثل لْجَينٍ والحديدِ وعَسْجَدِ
وإن باع شخصٌ أرضَه بحُقوقها … فبالغرس والبنيان للمشتري اشهد
وهل يدخلان إن لم يقل بحُقوقها … هنا وكذا في الرهن وجهين أسند
стр. 1147
وإن باع شخصٌ قرية بقرينة … تدل على الصحرا وبنيانها طد
وإن قرية بيعت ولم تشترط لها … مزارعها للدار بالبيع أفرد
وإلا فما الصحرا له بل بناؤها … وما حاز من أشجارها في المجود
وإن بعت أرضًا ذات زرع كحنطة … وفجل وما مَحْصُودُهُ لَم يُردد
لك الزرع ما لم يشترط لست مكرهًا … على قلعه لكن إذا اشتد فاحصد
ويلزمك التنظيف للأرض من أذى … العروق وما حفرت منها فمهد
وإن تقتلعه قبل حين اقتلاعه … فليس له بالأرض نفع مجدد
وإن كان مما جزه متكررًا … وذا ثمن من بعد أخذ مردد
كقثا وباذنجانهم وبنفسج … فظاهر هذا حسب للبائع ارفد
كذا فارسي الأقصاب والأصل للذي … اشترى وأبا الجلاب كالزرع فاعدد
ويلزم من قد باع في الحال لقطة … وجز بقول خشبة من تزيد
وبذر الذي يختص كل به له … وللمشتري التخيير مع جهل مقصد
فإن وهب البياع ذاك له فلا … خيار كذا تفريغها غير مبعد
стр. 1148
إذا باع شخص نخلاً أو وهبه
وقد تشقق الطلع
س ٥٥: إذا باع شخص نخلاً أو هبهُ، أو رهن نخلاً فيه طلع فما الحكم؟ وما هي المسائل التي تدخل فيها الثمرة أبرت أو لم تؤبر؟ وإذا باع شجر عنب وتوت أو رمان أو نحوه، فلمن الثمر والورق والعراجين؟ ومن الذي يقبل قوله في بدو الثمر وتشقق الطلع؟ وما حكم شرط بائع ما لمشتر؟ وإذا ظهر أو تشقق بعض ثمرة أو بعض طلع، وعلى من يكون السقي؟
ج: من باع نخلاً، أو رهن نخلاً، أو وهب نخلاً تشقق طلعه، ولو لم يؤبّر -أي: يلقح، وهو وضع الفحال في طلع النخل- أو باع أو رهن أو وهب نخلاً به طلع فحال يُراد للتلقيح، أو صالح به، أو جعله أجرة أو صداقًا، أو عوض خلع أو طلاق أو عتق، فثمر وطلع فحال لم يَشترطهُ كلَّه أو يشترط بعضهُ المعلوم آخذٌ لمُعطٍ متروكٌ إلى جَذاذٍ؛ لما ورد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع» متفق عليه.
وعن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قضى أن ثمرة النخل لمن أبرها، إلا أن يشترط المبتاع. رواه ابن ماجه. ونص على التأبير، والحكم منوط بالتشقق لملازمته له غالبًا، وعن أحمد رواية أن الحكم
منوط بالتأبير، وأنه إذا تشقق ولم يؤبر للمشتري؛ لظاهر الحديث،
стр. 1149
واختارها الشيخ تقي الدين وصاحب «الفائق»، وبه قال مالك والشافعي، وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
وألحق بالبيع باقي عقود المعاوضات؛ لأنها في معناه، وألحق بذلك الهبة، لزوال الملك بغير فسخ، وتصرف المتهب بما شاء أشبه المشتري والرهن؛ لأنه يُراد للبيع ليستوفي الدين من ثمنه، وترك إلى الجذاذ؛ لأن تفريغ المبيع بحسب العرف والعادة، كدار فيها أطعمة أو متاع. وإن اشترطه كله مشتر، أو شرط بعضًا معلومًا، فله ما شرطه للخبر، ما لم تجر عادة بأخذ التمر بُسْرًا، أو يكن بسره خيرًا من رطبه، فيجذه بائع إذا استحكمت حلاوة بسره؛ لأنه عادة أخذه إن لم يشترطْ مُشترٍ قطعهُ على بائع؛ فإن شرطه عليه قطع وما لم يتضرر النخل ببقائه؛ فإن تضررت قطع؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، بخلاف وقف ووصية؛ فإن الثمرة تدخل فيهما نصًا، أبَّرَت أو لم تؤبّر، كفسخ بيع أو نكاح قبل دخول، لعيب ومقايلة في بيع.
وجملة ذلك أن الشجر على خمسة أقسام:
أحدها: ما يكون ثمره في أكمامه، ثم تتفتح الأكمام فيظهر كالنخل الذي وردت السُّنة فيه، وهو الأصل، وما عداه مقيس عليه وملحق به، ومن هذا الضرب القطن، وما يُقصد نوره كالورد والياسمين
والنرجس والبنفسج؛ فإنه تظهر أكمامه ثم تنفتح فيظهر، فهو كالطلع
стр. 1150
إن تفتح جنبذه فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري.
الثاني: ما تظهر ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور، كالتين والتوت والجُمَّيْزِ، فهي للبائع؛ لأن ظهورها من شجرها بمنزلة ظهور الطلع من قشره.
الثالث: ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين الأكل، كالرمان والموز، فهو للبائع أيضًا بنفس الظهور؛ لأن قشره من مصلحته، ويبقى فيه إلى حين الأكل، فهو كالتين، ولأن قشره ينزل منزلة أجزائه للزومه إياه، وكونه من مصلحته.
الرابع: ما يظهر في قشرين كالجوز واللوز، فهو للبائع أيضًا بنفس الظهور؛ لأن قشره لا يزول عنه غالبًا إلا بعد جذاذه، فأشبه الضرب الذي قبله؛ ولأن قشر اللوز يؤكل معه، فأشبه التين، وقال القاضي: إن تشقق القشر الأعلى، فهو للبائع، وإن لم يتشقق، فهو للمشتري كالطلع؛ لأن الطلع لابد من تشققه، وتشققه من مصلحته، وهذا بخلافه؛ فإنه لا يتشقق على شجره، وتشققه قبل كماله يفسده.
الخامس: ما يظهر نوره ثم يتناثر، فتظهر الثمرة كالتفاح والمشمش والإجاص والخوخ، فإذا تفتح نوره وظهرت الثمرة فيه فهي للبائع، وإن
لم تظهر فهي للمشتري، وقي: ما تناثر نوره فهو للبائع، وما لا فهو
стр. 1151
للمشتري؛ لأن الثمرة لا تظهر حتى يتناثر النور، والعنب بمنزلة ما له نور؛ لأنه يبدو في قطوفه شيء صغار كحب الدخن، ثم ينفتح ويتناثر كتناثر النور، فيكون من هذا القسم. والله أعلم.
وأما الأغصان والورق وسائر أجزاء الشجر فهو للمشتري بكل حال؛ لأنه من أجزائها خلق لمصلحتها، فهو كأجزاء سائر المبيع. اهـ من «المغني».
ويقبل قول معط من نحو بائع وواهب في بدو ثمرة قبل عقد، لتكون باقية له؛ لأن الأصل عدم انتقالها عنه ويحلف. ويصح شرط بائع ونحوه ما لمشتر ونحوه، أو شرطه جزءًا منه معلومًا من نحو ربع أو خمس، كما تقدم في طلع النخل، وله تبقيته إلى جذاذ، ما لم يشترط عليه قطع غير المشاع، وإن ظهر أو تشقق بعض ثمرة، أو بعض طلع ولو من نوع، فما ظهر أو تشقق لبائع ونحوه لما سبق، وغير الذي تشقق أو ظهر لمشتر ونحوه للخبر، إلا إذا ظهر أو تشقق بعض ثمرة في شجرة، فالكل لبائع ونحوه؛ لأن بعض الشيء الواحد يتبع بعضه. ولكل من معط وآخذ السقي لما له لمصلحة، ويرجع فيها إلى أهل الخبرة، ولو تضرر الآخر بالسقي، لدخولهما في العقد على ذلك؛ فإن لم تكن مصلحة في السقي منع منه؛ لأن السقي
يتضمن التصرف في ملك الغير، والأصل المنع، وإباحته للمصلحة.
стр. 1152
من النظم فيما يتعلق في بيع الأشجار
بعد ظهور حملها والنخل مؤبرًا
ومن باع أشجارًا تبين حملها … أو النخل مأبورًا بطلع منضد
له الحمل بل إن يشترط مشتر يجز … مبقي إلى وقت الجذاذ المعود
وذاك بأن يبدو بصورة كامل … وفي الطلع بالتشقيق غي رمقيد
وقد قيل من فحل لما باع مطلقًا … وإن لم يؤبر طلع أكل معود
وقيل وبادي النور قبل انفتاحه … ومشقوق أعلى القشر قطفي التعدد
وما قيل والأوراق للمشتري فقط … سوى ورق التوت المفتح بأبعد
وكل له إن يشترط ما لخصمه … وفي الفسخ أتبع أصله لا تقيد
وقول الذي قد باع يقبل أنه … بدا قبل بيع الأصل بالأصل فاعضد
وكالنخل قطن ياسمين بنفسج … ونرجسهم وردًا من الكم يبتدي
وما بان في البستان من نوعه له … وما لم يبن للمشتري في المؤطد
وما نوع جنس موجبًا لظهوره … بدو لنوعي جنسه في المجود
وللبائع السقيا وإن ضر أصله … كحاج كذاك العكس للمشتري امهد
وإن خيف بالبقيا على أصله التوى … فوجهين في إلزامه القطع أسند
стр. 1153
بيع الثمر قبل بدو صلاحه والزرع قبل اشتداده
س ٥٦: ما حكم بيع الثمر قبل بدو صلاحه، والزرع قبل اشتداد حبه؟ وهل يلزم القطع إذا شرط؟ وما الذي يستثنى من ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل، أو تعليل، أو تفصيل، أو خلاف، أو ترجيح.
ج: لا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ لحديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع» متفق عليه. والنهي يقتضي الفساد. ولا يصح بيع الزرع قبل اشتداد حبه؛ لحديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة» رواه مسلم. وعن أنس مرفوعًا: «نهى عن بيع الحب حتى يشتد» رواه أحمد والحاكم. وقال: على شرط مسلم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها» رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وعن أنس «أن النبي ﷺ نهى عن بيع العِنَب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد» رواه الخمسة إلا النسائي. وعن أنس «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى»، قالوا: وما تزهى؟ قال: «تحمر» الحديث، أخرجاه. ويُستثنى من ذلك إذا باع الثمرة لمالك أصلها قبل بدو صلاحها، أو باع الزرع قبل اشتداد حبه لمالك
стр. 1154
أرضه، صح البيع لحصول التسليم للمشتري على الكمال، لملكه الأصل والقرار، فصح كبيعهما معًا ولا يلزم مالك الأصل ومالك الأرض قطع ثمرة أو زرع شُرِطَ في البيع؛ لأن الأصل والأرض لهما. وقيل: لا يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحه، ولا الزرع قبل اشتداد حبه لمالك الأرض والأصل؛ لأن العقد يتناول الثمرة خاصة، والغرر فيما يتناوله العقد أصلاً يمنع الصحة، كما لو كانت الأصول لأجنبي؛ ولأنها تدخل في عموم النهي، بخلاف ما إذا باعهما معًا؛ فإنه مستثنى بالخبر المروي فيه؛ ولأنَّ الغرر فيما يتناوله العقد أصلاً يمنع الصحة، وفيما إذا باعهما معًا تدخل الثمرة تبعًا، ويجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، كما يجوز بيع اللبن في الضرع والحمل مع الشاة، والذي يترجح عندي أنه لا يجوز بيعهما للمالك قبل البدو والاشتداد كغيره؛ لأن الحديث عام، والعلة عامة.
والثالثة مما يُستثنى: إذا بيعا مَعَ أصلهما، فيصح البيع، لحصوله فيهما تبعًا، فلم يضر احتمال الغرر فيه، كما احتملت الجهالة في لبن ذات اللبن، والنوى في التمر.
الرابعة: إذا باعها بشرط القطع في الحال؛ لأن المنع لخوف التلف وحدوث العاهة قبل الأخذ، بدليل قوله ﷺ في حديث أنس:
стр. 1155
«أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» رواه البخاري، وهذا مأمون فيما يقطع، فصح بيعه، كما لو بدا صلاحه، وإذا بيعا بشرط القطع اشترط شرطان:
أحدهما: أن يكونا منتفعًا بهما؛ فإن لم ينتفع بهما لم يصح، لما تقدم في شروط البيع.
الثاني: أن لا يكونا مشاعين؛ فإن كانا كذلك بأن باعه النصف ونحوه بشرط القطع، لم يصح؛ لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع ملك غيره، فلم يصح اشتراطه؛ فإن اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، ثم استأجر الأصول، أو استعارها مشتر بشرط القطع لتبقية الثمرة أو أوان الجذاذ، لم يصح. وكذا لو اشترى الزرع الأخضر بشرط القطع في الحال، ثم استأجر الأرض، أو استعارها لتبقية الثمرة، لم يصح؛ لأن البيع يبطل بأول زيادة.
ولا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان وما أشبهه إلا لقطة لقطة، أو جزة جزة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعًا لما ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا، ودليل القول الأول ما روى مسلم وأصحاب السنن: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع
стр. 1156
الغرر، وهذا غرر، وأنها ثمرة لم تخلق، فلم يجز بيعها، كما لو باعها قبل ظهوره شيء منها، والحاجة تندفع ببيع أصوله، ولأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع، بخلاف ما لم يخلق؛ ولأن ما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيه تبعًا لما خلق، وإن كان ما لم يبد تبعًا لما بدا ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض، كالجزر والفجل والبصل والثوم حتى يقلع ويشاهد، وهذا قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي، وأباحه مالك والأوزاعي وإسحاق؛ لأن الحاجة داعية إليه، فأشبه بيع ما لم يبد صلاحه تبعًا لما بدا. ودليل القول الأول: أنه مبيع مجهول لم يره ولم يوصف له، فأشبه بيع الحمل؛ ولأن النبي ﷺ «نهى عن بيع الغرر» رواه مسلم. وهذا غرر؛ وأما بيع ما لم يبد صلاحه فإنما جاز بيعه؛ لأن الظاهر أنه يتلاحق في الصلاح، ويتبع بعضه بعضًا. وفي «الاختيارات الفقهية» (١٢٩): والصحيح أنه يجوز بيع المقاثي جملة بعروقها، سواء بدا صلاحها أو لم يَبْدُ، وهذا القول له مأخذان:
أحدهما: أن العروق كأصول الشجر، فبيع الخضروات قبل بدو صلاحها كبيع الشجر بثمرة قبل بدو صلاحه يجوز تبعًا.
والمأخذ الثاني، وهو الصحيح: أن هذه لم تدخل في نهي النبي ﷺ ، بل يصح العقد على اللقطة الموجودة واللقطتان إلى أن تَيْبَسَ
стр. 1157
المقثأة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ويجوز بيع المقائي دون أصولها. وقاله بعض أصحابنا. اهـ. واختار ابن القيم جواز بيع المقائي، وللمشتري اللقطة الموجودة، وما يحدث بعدها إلى أن تيبس المقثأة، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم.
على من يكون الحصاد والجذاذ
س ٥٧: على من يكون الحصاد والجذاذ؟ وإذا حدث مع ثمرة انتقل ملك أصلها ثمرة أخرى، أو اختلطت مشتراة بغيرها، فما الحكم؟ ومتى يجوز بيع الثمرة والحب، وعلى من يكون السقي، واذكر الدليل والتعليل والخلاف.
ج: حصاد زرع يبيع حيث صحَّ على مُشترٍ، وجذاذ ثمرٍ بيع حيث يصح على مُشتر، ولقاطُ ما يُباعُ لقطة لقطةً على مشترٍ ونحوه كمتهبٍ؛ لأن نقل المبيع، وتفريغ ملك البائع منه على المشتري كنقل مبيع من محل بائع، بخلاف كيل ووزن، فعلى بائعٍ كما تقدم؛ لأنها من مؤونة تسليم المبيع، وهي على البائع، وهنا حصل التسليم بالتخلية بدون القطع، لجواز بيعها والتصرف فيها، وإن ترك مشترٍ ثمرًا أو زرعًا شُرِط قطعُهُ حيثُ لا يصح
بدونه، وبطل البيع بزيادته، لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى
стр. 1158
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وتركها حتى يبدو صلاحها، ووسائل الحرام حرام كبيع العينة، وهذه من المفردات. قال ناظمها:
من اشترى شيئًا كنحو الثمرة … قبل صلاح حالها المشتهرة
بشرط قطع كي يصح المشتري … فإن تزد بتركه رد الشرا
وعند الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم: لا يبطل؛ لأن أكثر ما فيه أن المبيع اختلط بغيره، أشبه ما لو اشترى ثمرة، فاختلطت بأخرى ولم تتميز، أو حنطة فانثالت عليها أخرى. وعنه: البيع صحيح، ويشتركان في الزيادة. وعنه: يتصدقان بها، ووجه الرواية الأولى: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها»، فاستثنى نه ما اشتراه بشرط القطع، فقطعه بالإجماع، فيبقى ما عداه على أصل التحريم؛ ولأن التبقية معنى حرم الشرع اشتراطه لحق الله تعالى، فأبطل العقد وجوده، كالنسيئة فيما يحرم فيه النساء وترك التقابض فيما يشترط فيه القبض أو الفضل فيما يجب التساوي فيه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
ويعفي عن يسير الزيادة عُرفًا لعُسر التحرز منه. وكذا في بطلان البيع بالترك لو اشترى رطبًا عرية ليأكلها، فتركها ولو لعذر حتى أثمرت، فصارت تمرًا؛ لقوله ﷺ : «يأكلها أهلها رطبًا» ولأن
شراءها كذلك إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أثمر تَبينًا
стр. 1159
عدم الحاجة، وسواء كان لعذر أو غيره، وحيث بطل البيع عادت الثمرة كلها للبائع تبعًا لأصلها، وإن حدَثَ مَعَ ثمرة انتقل ملك أصلها ثمرةٌ أخرى، كما لو باع شجرًا فيه ثمر للبائع، بأن كان نخلاً تشقق طلعه أو شجرًا ظهرت ثمرته، أو باع ما فيه زهر أو قطن خرج من أكمامه، أو أصول قثاء ونحوها بعد ظهور ثمرتها. قالوا: ويصدق في التين والنبق والسفرجل؛ أن النبق يحمل حملين: أحدهما: يُسمى بعلاً، والثاني: يسمى نيروزي ووزيري، وهما حملان في وقتين، والسفرجل سدسي وصَيْفي-فالحادث للمشتري؛ لأنه نماء ملكه، والسابق الذي كان ظاهرًا للبائع، أو اختلطت ثمرة مشتراة بعد بدو صلاحها بغيرها، ولم تتميز الحادثة؛ فإن علم قدر الحادثة بالنسبة إلى الأولى كالثلث، فالآخذ وهو المستحق للحادثة شريك بذلك القدر المعلوم، وإلا تعلم قدرها اصطلحا على الثمرة، ولا يبطل البيع لعدم تعذر تسليم للبيع، وإنما اختلط بغيره، أشبه ما لو اشترى صبرة، واختلطت بغيرها، ولم يعرف قدر كل منهما، بخلاف شراء ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فتركها حتى بدا صلاحها؛ فإن البيع يبطل كما تقدم، لاختلاط المبيع بغيره، بارتكاب نهي، وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، ويفارق مسألة العارية
أيضًا؛ لأنها تتخذ حيلة على شراء الرطب بالتمر بلا حاجة
стр. 1160
إلى أكله رطبًا، وحيث بقي البيع، فهو كتأخير قطع خشب اشتراه مع شرط القطع فزاد، فلا يبطل البيع، ويشترك البائع والمشتري في زيادة الخشب. وقال ابن قندس في حاشية «الفروع»: ويطلب الفرق بين الثمرة والخشب، فيقال: لِمَ بطل العقد في الثمرة بالزيادة، ولم يبطل في الخشب؟ فقد يقال: الفرق أن الترك في مسألة الثمرة اختل به شرط صحته شرط القطع، ولو بيع من غير شرط القطع لم يصح؛ لأن الثمرة قبل بدو الصلاح متعرضة للآفة، بخلاف الخشب؛ فإنه لا يُشترط في صحة بيعه شرط القطع، لعدم تعرضه للآفة، فإذا شرط قطعه ثم ترك، لم يحصل اختلاط شرط صحة العقد، وإنما اختل شرط ما اتفقا عليه بينهما في العقد، ولو لم يذكر صح العقد. اهـ.
وإن اشترى إنسان قصيلاً فقطعه، ثم نبت في العام المقبل، فلصاحب الأرض؛ لأن المشتري ترك الأصول على سبيل الرفض لها، فسقط حقه منها، كما سقط حق حاصد الزرع من السنابل التي يدعها، ولذلك أبيح التقاطها، ولو سقط من الزرع حب، ثم نبت من العام المقبل، فهو لصاحب الأرض. قاله في «الشرح» ومتى بدا صلاح ثمر جاز بيعه، أو اشتد حب جاز بيعه بلا شرط القطع،
وجاز بيعه بشرط تبقية الثمر إلى الجذاذ، والزرع إلى الحصاد، لمفهوم
следующие страницы →