Полный текст (2 854 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
طُبِع على نفقة: مَن يبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا وكثر من أمثاله في المسلمين … اللهم صل على محمد وآله وسلم.
يا طالبًا لعلوم الشرع مُجتهدًا … تَبغي الفوائدَ دَانِيها وقاصِيها
في الفقه أسئلةٌ تُهدَى وأجوبَةٌ … أَلْمم بها تَرتوي من عَذب صافيها
كَم حُكْمُ شَرْعِ بقال الله مُقترنًا … أو قالهُ المُصْطَفى أودَعْتُهُ فِيها
стр. 1822
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) الغصب
تعريف وبيان ما يضمن وما لا يضمن
س ١: ما هو الغصب لغةً وشرعًا؟ واذكر ما تستحضره من محترزات وقيود، وما الذي يضمن والذي لا يضمن في باب الغصب؟ وهل يحصل الغصب من غير استيلاء؟ وما الذي لا تثبت اليد عليه؟ واذكر لما جعل الغصب بعد العارية، وما الأصل فيه؟ وما حكمه؟ وهل يكفر من استحله؟ وهل الاستيلاء يختلف؟ واذكر أمثلة وما تستحضره من أدلة وتعليلات أو خلاف أو ترجيح.
ج: الغصب: مصدر غصب الشيء يغصبه بكسر الصاد غصبًا، فهو غاصب ومغصوب، ومنه الحديث: أنه غصبها نفسها، أراد أنه واقعها كرهًا فاستعاره للجماع، وهو في اللغة: أخذ الشيء ظلمًا، وشرعًا: استيلاء غير حربي عرفًا على حق غيره قهرًا بغير حق فتخرج الشفعة، ومنه المأخوذ مكسًا ونحوه، فلا يحصل بالاستيلاء وإن الاستيلاء الحربي على مالنا ليس غصبًا؛ لأنه يملكه بذلك وأن السرقة والنهب والإختلاس ليست غصبًا؛ لعدم القهر فيها، وأن استيلاء الولي على مال موليه ليس غصبًا؛ لأنه بحق.
وذكره عقب العارية مناسب لاشتراكهما في مطلق الضمان، ولا يكون استيلاء مستأجر على عين مؤجرة بأجرة معلومة مع فلس مستأجر غصبًا ولا يكون استيلاء مشتر على شقص بيع بثمن معلوم مع ظهور فلس مشترٍ غصبًا لمصادفة ذلك عقد صحيحًا ابتداء وظهور الفلس لا يقدح فيه.
стр. 1823
والأصل في تحريمه قبل الإجماع آيات، منها: قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ الآية، وإذا كان هذا في التطفيف وهو غصب القليل فما ظنك بغصب الكثير؟ ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
وأخبار منها ما ورد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم شبرًا من الأرض طوَّقه الله من سبع أرضين» متفق عليه، وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا؛ فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين» متفق عليه. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من اقتطع شبرًا من الأرض بغير حقه طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين» رواه أحمد. وعن السائب ابن يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادًا ولا لاعبًا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه» رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» رواه الدارقطني، وقال أبو مسعود ﵁: قلت: يا رسول الله، أي الظلم أظلم؟ فقال: «ذراع من الأض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه، وليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها»، وفي رواية: «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين ولقي الله وهو عليه غضبان»، وكان ﷺ يقول: «من أخذ من طريق المسلمين شبرًا جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين».
стр. 1824
وورد عنه ﷺ أنه قال: «من ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس»، وفي رواية: «من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمله إلى المحشر»، وفي رواية: «من ظلم شبرًا من الأرض كلف أن يحفره حتى يبلغ الماء ثم يحمله إلى المحشر»، وعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة سبع أرضين» رواه أحمد والبخاري.
وعن الأشعث بن قيس: «أن رجلاً من كندة ورجلاً من حضرموت اختصما إلى النبي ﷺ في أرض باليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله، اغتصبها هذا وأبوه، فقال الكندي: يا رسول الله، أرضي ورثتها من أبي، فقال الحضرمي: يا رسول الله، استحلفه أنه ما يعلم أنها أرضي وأرض والدي اغتصبها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله ﷺ : «إنه لا يقتطع عبد أو رجل بيمينه مالاً إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم» فقال الكندي: هي أرضه وأرض والده» رواه أحمد.
ويضمن عقار للأحاديث المتقدمة؛ ولأنه يملك الإستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه كسكناه الدار ومنع صاحبها منها أشبه أخذ الدابة والمتاع.
ومن غصب مشاعًا كأرض ودار بين اثنين في أيديهما فينزل الغاصب فيها، ويخرج أحدهما ويقر الآخر معه على ما كان مع المخرج فلا يكون غاصبًا إلا نصيب المخرج حتى لو استغلا الملك أو انتفعا لم يلزم الباقي منهما لشريكه المخرج شيء، وكذا لو كان عبد لإثنين كف الغاصب يد أحدهما عنه ونزل في التسلط عليه موضعه مع إقرار الآخر على ما كان عليه حتى لو باعاه بطل بيع الغاصب للنصف وصح بيع الآخر لنصفه.
стр. 1825
ولو غصب من قوم ضيعة ثم رد إلى أحدهمن نصيبه مشاعًا لم يطب له الإنفراد بالمردود عليه.
وتضمن أم ولد بغصب لجريانها مجرى المال بدليل أنها تضمن بالقيمة في الإتلاف لكونها مملوكة كالقن بخلاف الحرة؛ فإنها ليست بمملوكة، فلا تضمن بالقيمة ويضمن قن بغصب ذكرًا كان أو أنثى ولو مكاتبًا أو مدبرًا أو معلقًا عنقه بصفة كسائر المال.
واستيلاء كل شيء بحسبه فمن ركب دابة واقفة ليس عندها ربها أو كان عندها؛ لكن ركبها بلا إذنه فهو غاصب ولو لم يسيرها، بل تركها واقفة.
ولا يحصل الغصب من غير الاستيلاء، فمن دخل أرض شخص أو داره بإذنه أو بلا إذنه ولم يمنعه إياها لم يضمن بدخوله سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن حيث لم يقصد الإستيلاء كما لو دخل صحراء له؛ لأنه إنما يضمن بالغصب ما يضمن بالعارية، وهذا لا تثبت به العارية ولا يجب به الضمان فيها، فكذلك لا يثبت به الغصب إذا كان بغير إذن.
ولا يشترط لتحقق الغصب نقل العين فيكفي مجرد الإستيلاء فلو دخل دارًا قهرًا أو أخرج ربها فغاصب وإن أخرجه قهرًا ولم يدخل أو دخل مع حضور ربها وقوته فلا، وإن دخل قهرًا أو لم يخرجه فقد غصب ما استولى عليه وإن لم يرد الغصب فلا وإن دخلها قهرًا في غيبة ربها فغاصب، ولو كان فيها قماشه، ذكره في «المبدع».
ولا تثبت يد غاصب على بضع بضم الباء، وجمعه أبضاع، كقفل وأقفال يطلق على الفرج والجماع والتزويج، والبضاع الجماع لفظًا ومعنى، فيصح من مالك تزويج أمة غصبت وهي بيد غاصبها ولو كانت أم ولد مدبرة
стр. 1826
أو مكاتبة، ولا يضمن الغاصب مهرها ولو حبسها عن النكاح حتى فات نكاحها بكبرها ولا يضمن الغاصب نفع البضع؛ لأن النفع إنما يضمن بالتفويت إذا كان مما تصح المعاوضة عليه بالإجارة والبضع ليس كذلك.
وإن غصب شخص خمر مسلم أو ذمي ضمن الغاصب ما تخلل بيده منا إن تلفت قبل رده؛ لأنها صارت خلا على حكم ملك المغصوبة منه ويلزم رد ما تخلل؛ لأن يد الأول لم تزل عنها بالغصب فكأنها تخللت في يده ولا يضمن ما تخلل مما جمع من خمر بعد إراقة فلا يلزم رده لزوال يده هنا بالإراقة، ويجب رد خمرة ذمي مستترة غصبت كخمرة خلال؛ لأنه غير ممنوع من إمساكها، وكذا لو غصب دهنًا متنجسًا؛ لأنه يجوز الاستصباح به في غير مسجد، ويجب رد كلب يقتنى ككلب لصيد وماشية وحرث؛ لجواز الانتفاع به.
ولا يجب رد قيمة الخمر لذمي أو خلال ولا الكلب مع تلف لتحريمها فهما كالميتة.
ولا يلزم رد جلد ميتة غصب على القول بعد طهارته بالدبغ، والقول الثاني: أنه يلزم رده، وهذا على القول بطهارته، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس كما تقدم في الآنية أنه يطهر، والله أعلم (١).
وكذا كل مختلف فيه كدهن متنجس غصب ممن يرى طهارته بغسله فيلزم رده إليه، وإذا رفع الأمر إلى الحاكم فعليه أن يتحرى الأقوى دليلاً ويحكم به ومع تلف الجلد الذي يترجح عندي الحكم برد بدله؛ لأنه متمول بعد الدبغ وطاهر، وعلى القول الأول أيضًا يجب رده حيث قلنا ينتفع به في اليابسات؛ لأن فيه نفعًا مباحًا كالكلب المقتني وصححه في «تصحيح الفروع» وهو القياس وقطع به ابن رجب.
стр. 1827
ولا يضمن حر كبير أو صغير باستيلاء عليه بأن حبسه ولم يمنعه الطعام والشراب فمات عنده؛ لأن اليد لا يثبت حكمها على الحر، وقيل: أن الصغير يضمن، وقدم في النظم أن الصغير لو لدغ أو صعق وجوب الدية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس. والله أعلم (٢).
وتضمن ثياب حر صغير وحلية وإن لم ينزعه عنه؛ لأنه مال، ولأن الصغير لا ممانعه منه عن ذلك أشبه ما لو غصبه منفردًا وعلى من أبعده عن بيت أهله رده إليه ومؤنة الرد عليه، ويأتي إنشاء الله في الديات مفصلاً.
وإن استعمل الحر صغيرًا كان أو كبيرًا كرهًا في خدمة أو خيطاة أو نجارة أو حدادة أو غيرها فعليه أجرته لاستيفاء منافعه المتقومة فضمنها كمنافع اليد أو حبس الحر مدة لها أجرة فعليه أجرته مدة حبسه؛ لأنه فوته منفعته مدة الحبس، وهي مال يجوز أخذ العوض عنها فضمنت بالغصب كمنافع العبد، وقيل: لا يلزمه أجرته، والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم (٣).
ولا أجرة إن منع إنسان آخر ولو كان الممنوع قنعًا العمل من غير غصب ولا حبس لعدم تلفها تحت يده، ولأنه في يد نفسه أو سيده ومنافعه تلفت معه، كما لا يضمن هو ولا ثيابه إذن ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح فيها إذا لم يتجر فيه غاصب كما لو حبس عبدًا يريد مالكه أن يعلمه صناعة مدة يمكن تعليمه الصناعة فيها؛ فإن الصناعة لا تقوم على غاصب في تضمين منافعه ولا في تضمين عينه إن تلف؛ لأنها لا وجود لها، وفي «حاشية الجمل على شرح المنهج» قيل: إن بلغ الغصب نصابًا أي ربع دينار فهو كبيرة، وقيل: ولو حبة برد وهو مع الاستحلال ممن لا يخفى عليه كفر ومع عدم ذلك فسق. اهـ ح ل. ومحله في غصب المال، وأما غصب غيره كالكلب فإنه صغير.
стр. 1828
من كتاب الغصب فيما يتعلق به
خَف الله في ظلم الورى واحذرنه … وخف يوم عَضَّ الظالمين على اليدِ
ولا تحبسنَّ الله عن ذاك غافلاً … ولكنه يملي لمن شا إلى الغد
فلا تغترر بالحلم عن ظلم ظالم … سيأخذه أخذًا وبيلاً وعن يد
وللغصب الاستيلاء على حق غيره … بظلم وبالإتلاف يضمن واليد
وسيان منقول ولو أم ولده … وما ليس منقولاً على المتأكدِ
وليس بغصب وطؤه ملك غيره … ظلومًا بلا إستيلائه والتفردِ
ومن يغتصب كلبًا يجوز اقتناؤه … وخمرًا من الذمي فأمره يردد
ولا أجرة للكلب في حبسه ولا … ضمان بإتلافهما لا تقيد
ومع أمن أوجب دفق خمرة مسلم … وكسرك صلبانًا وآلة ذي دَدِ
وتمزيق كتب السحر والفحش كله … وآلة تنجيم وكل وذي زد
ولا غرم في إتلاف هذا جميعه … كذاك أوان من لجين وعسجد
стр. 1829
وآنية للخمر إن جاز دفقها … وفيها انتفاع في سواها بأوكد
ويضمنها الذمي بوجه بمثله … وإن أظهروها فادفقنها ولا تد
ورد في الأردى قبل دبغ جلودها … يطهر دبغ لا كبعد بأجود
ويلزمه إيصال خمر تخللت … إلى ربها من كافر وموحد
وأن يتخمر عنده فهو ضامن … العصير ونقص الخل عنه ويردد
ولا يضمن الحر الكبير بغضه … وأن يلدغ أو يصعق صغير فذا يد
ولابن عقيل لا كسقم بأجود … وفي ليس من أهدرت وجهين أسند
ويضمن نفع الحر مستخدم له … على كرهه لا حابس في المجودِ
(٢) مسائل حول ما يجب على الغاصب
س ٢: ماذا يجب على غاصب، وإذا قال رب مغصوب مبعد: دعه وأعطني أجرة رده، أو سمر بالمسامير المغصوبة، أو زرع الأرض المغصوبة ثم ردها، أو غرس أو بنى في الأرض المغصوبة، أو غصب شجرًا فأثمر، أو وهب الغاصب الغراس أو البناء لمالكها، أو زرع نوى قصار شجرًا أو كانت آلة البناء من مغصوب فما الحكم؟
стр. 1830
ج: يجب على غاصب رد مغصوب إلى محله الذي غصب منه إن قدر الغاصب على رده إن كان باقيًا، ولو كان رده بأضعاف قيمته لكونه بنى عليه بأن غصب حجرًا أو خشبًا قيمته درهم فبنى عليه واحتاج في إخراجه ورده إلى خمسة دراهم أو لكونه بعيدًا بأن حمل مغصوبًا قيمته درهم إلى بلد بعيد بحيث تكون أجرة حمله إلى البلد المغصوب منه أضعاف قيمته أو خلط بمتميز بأن غصب شعيرًا فخلطه بذرة ونحوها، كما لو غصب حيوانًا وأفلته بمكان لا يمكنه الخروج منه؛ لكنه تعسر مسكه فيه ويحتاج في ذلك إلى أجرة فتلزم الغاصب؛ لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه؛ ولحديث: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا أو جادًا، فإذا أخذ عصا أخيه فليردها إليه أو يردها عليه» رواه أبو داود، ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق فلزم إعادتها، وأما كونه يلزم غرم تخليصه ومؤنة حمله فلأن ذلك حصل بتعديه فكان أولى بغرمه من مالكه.
وإن قال رب مغصوب مبعد لغاصب بعده عن بلد الغصب رده بالبلد الذي هو فيها وأعطى أجرة رده إلى بلد غصبه أو طلب من الغاصب حمل المغصوب إلى مكان آخر في غير طريق الرد لم يلزم الغاصب إجابته إلى ذلك؛ لأنها معاوضة فلا يجبر عليها، وكذا لو بذل الغاصب للمالك أكثر من قيمته ولا يسترده، فإن المالك لا يلزمه ذلك وإن أراد المالك من الغاصب رد المغصوب إلى بعض الطريق فقط لزمه؛ لأنه يلزمه إلى جميع المسافة فلزم إلى بعض كما لو أسقط رب الدين عن المدين بعض الدين وطلب منه باقية، ومهما اتفقا عليه من ذلك جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما.
وإن غرس غاصب أو بنى في الأرض المغصوبة ألزم بقلع غرسه أو بنائه إذا طلبه رب الأرض بذلك؛ لقوله ﵊: «ليس لعرق ظالم حق»
стр. 1831
رواه الترمذي، وحسنه في رواية أبي داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير، قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلاً في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، فلقد رأيتها وأنها لتضرب أصولها بالفؤوس وأنها لنخل عم والعم الطوال من النخل التامة طولها والتفافها، وأنشد أبو عبيد للبيد يصف نخلاً:
سحق يمنعها الصفا وسرية … عم نواعم بينهن كروم
وأخذ الغاصب أيضًا بتسوية الأرض وأرش نقصها؛ لأنه ضرر حصل بفعله فلزم إزالته كغيره وعليه أجرة مثل الأرض مدة احتباسها؛ لأن منافعها ذهبت تحت يده العادية فكان عليه عوضها كالأعيان حتى ولو كان الغاصب أحد الشريكين في الأرض المغصوبة أو لم يغصبها الغارس أو الباني فيها؛ لكنه فعله بغير إذن للتعدي ولا يملك رب الأرض أخذ البناء أو الغراس من الغاصب مجانًا ولا بقيمته؛ لأنه عين مال الغاصب فلم يملك رب الأرض أخذه كما لو وضع فيها أثاثًا أو نحوه، ولأنها معاوضة فلم يجبر عليها وإن اتفقا على الغراس، فالواجب قيمته الغراس.
ولو أدرك رب الأرض المغصوبة الثمر فيها، وأراد أخذه فقط دون أصله قهرًا منع منه؛ لأنه ثمر شجر الغاصب فكان له كالأغصان والورق ولبن الشاة ونسلها وما تقدم من أن لصاحب الأرض تملك الزرع بنفقته فهو مخالف للقياس، وإنما صار إليه الإمام للأثر فيختص الحكم به ولا يعدي إلى غيره، ولأن الثمرة تفارق الزرع من وجهين، أحدهما: أن الزرع نماء الأرض فكان لصاحبها والثمر نماء الشجر فكان لصاحبه.
الثاني: أنه يرد عوض الزرع إذا أخذه مثل البذر الذي نبت منه الزرع مع ما أنفق عليه ولا يمكنه مثل ذلك في الثمرة.
стр. 1832
وإن غصب شجرًا فأثمر، فالثمر لصاحب الشجر؛ لأنه نماء ملكه؛ لأن الشجر عين ملكه نما وزاد فأشبه ما لو طالت أغصانه ويرد الثمن إن كان باقيًا وبدا له أن تلف وإن كان رطبًا فصار تمرًا أو عنبًا فصار زبيبًا فعليه رده وأرش نقصه إن نقص، ولا شيء له بعمله ولا أجرة عليه للشجر؛ لأن أجرتها لا تجوز في العقود، فكذلك في الغب.
وإن كانت ماشية فعليه ضمان ولدها إن ولدت عنده وضمان لبنها بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال ويضمن أوبارها وأشعارها بمثله كالقطن وإن وهب الغاصب الغراس أو البناء لمالك الأرض ليتخلص من قلعه فقبله المالك جاز لتراضيهما وإن أبى المالك قبول ذلك وكان لرب الأرض في قلعه غرض صحيح أو لا لم يجبر رب الأرض على قبوله من الغاصب؛ لأن ذلك إليه فلا يحجر عليه.
وإن زرع الغاصب نوى فصار شجرًا فحكمه كغراس ونحو رطبة كنعناع وبقول مما يخرج مرة بعد أخرى وقثاء يتكرر حمله وباذنجان كزرع فلرب الأرض إذا أدركه قائمًا أن يتملكه بنفقته؛ لأنه ليس له أصل قوي أشبه الحنطة والشعير وإن سمر الغاصب بالمسامير المغصوبة بابًا أو دولابًا أو دريشة أو غيرها قلعها وجوبًا وردها؛ لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعديه وإن كانت مأخوذة من الخشبة المغصوبة أو كانت من مال المغصوب منه فلا شيء للغاصب في نظير عمله؛ لتعديه به وليس له قلعها؛ لأنه تصرف لم يؤذن له فيه إلا أن يأمره المالك بقلعها فيلزمه القلع وإن كانت المسامير للغاصب فوهبها للمالك لم يجبر المالك على قبولها لما عليه من المنة، وربما أن يكون عليه ضرر ببقائها.
وإن استأجر الغاصب على عمل شيء من المذكور، فالأجرة عليه؛ لأنه غر
стр. 1833
العامل وإن زرع الغاصب الأرض المغصوبة ثم ردها وقد حصد زرعه، فليس لرب الأرض بعد حصد الزرع إلا الأجرة، وهي أجرة المثل عن الأرض إلى تسليم الغاصب؛ لأنه استوفى نفعها فوجب عليه عوضه كما لو استوفاها بالإجارة؛ ولأن المنفعة مال فوجب أن تضمن كالعين، وعليه ضمان النقص إن نقصت كسائر المغصوب ولو لم يزرع الغاصب الأرض فنقصت لترك الزراعة كأراضي البصرة أو نقصت لغير ذلك ضمن نقصها لحصوله بيده العادية.
وإن أدرك الأرض ربها والزرع قائم، فليس له إجبار الغاصب على قلعه؛ لما روى رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه؛ ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمن فلم يجز إتلافه كما لو غصب سفينة فحمل فيها متاعه وأدخلها لجة البحر لا يجبر على إلقائه، فكذا هنا صيانة للمال عن التلف وفارق الشجر لطول مدته، وحديث: «ليس لعرق ظالم حق» محمول عليه؛ لأن حديثنا في الزرع فيحصل الجمع بينهما.
ويخير مالك قبل حصاده ولو كان مالك منفعة الأرض بإجارة ونحوها بين ترك الزرع إلى الحصاد بأجرة مثله وأرش نقصها إن نقصت أو تملك الزرع بنفقته؛ لأن كل واحد منهما يحصل به غرضه فملك الخيرة بينهما تحصيلاً لغرضه، وهي مثل البذر وعوض لواحقه من حرث وسقي وغيرهما؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: «وله نفقته ولو كان عمل الحرث» ونحوه بنفسه؛ لأن العمل متقوم استهلك لمصلحة الزرع فوجب رد عوضه كما لو استأجر من عمله؛ ولأن في كل من بقيته بأجرته وتملكه بنفقته تحصيلاً لغرض رب الأرض فملك الخيرة بينهما، وحيث اختار المالك أخذ الزرع
стр. 1834
بنفقته فلا أجرة على الغاصب لمدة مكثه في الأرض المغصوبة؛ لأن منافع الأرض في هذه المدة عادة إلى المالك فلم يستحق عوضها على غيره.
ويزكي الزرع رب الأرض أن أخذه قبل اشتداده لوجوبها، وهو في ملكه أن تملكه بعد اشتداد الحب فزكاته على الغاصب؛ لأنه المالك وقت وجوبها، قال في «الإنصاف»: تواتر النص عن الإمام أحمد ﵀ أن الزرع للمالك وعلى جماهير الأصحاب، وجزم به في «الوجيز» وغيره، وقدمه في «الفروع» وغيره، قال الزركشي: هو قول القاضي وجمهور أصحابه، ومن تلاهم والمصنف في سائر كتبه، وهو في «مفردات المذهب»، قال ناظمها:
بالإحترام أحكم لزرع الغاصب … وليس كالباني أو كالناصب
إن شاء رب الأرض ترك الزرع … بأجرة المثل فوجه مرعي
أو ملكه إن شاء بالإنفاق … أو قيمة للزرع بالوفاق
اهـ. وقال الأئمة الثلاثة وغيرهم يجبر الغاصب على قلع زرعه، والحكم فيه كالغراس سواء بسواء؛ لقوله ﵊: «ليس لعرق ظالم حق»؛ ولأنه زرع في أرض غيره ظلمًا أشبه الغراس، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم (٤).
وإن انتقلت الأرض من الغاصب إلى غيره وبنى المنتقلة إليه أو غرس ولم يعلم أن الأرض لغيره ثم عادت الأرض إلى صاحبها، فقيل: إن لصاحبها أن يلزم من انتقلت إليه من الغاصب من مشتر أو مستأجر أو نحوه بقلع الغراس والبناء، ويرجع المقلوع غرسه وبناؤه على الذي انتقلت إليه منه لكونه غره؛ لأن الأرض ليس لأحد فيها حق، ولم يتفق صاحبها مع أحد
стр. 1835
بعقد يسوغ له بقاؤه، وقيل: أنه في هذه الحال معذور كما أنه معذور في غرسه وبنائه؛ لأنه وضعه معتقدًا أنه ملكه أو أنه مالك لمنافعه ولا يوصف في هذه الحال بأنه ظالم فلا يدخل في قوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» يؤيده أنه في الغالب يكون أصلح للطرفين إبقاؤه بتقويم أو تأجير ونحوه، وربما أنه إذا ألزم بالقلع للغراس والبناء يتعذر عليه الرجوع على الغار فيصير عليه ضرر عظيم، واختار هذا القول شيخ الإسلام، وهو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم.
ومتى كانت آلة البناء من مغصوب بأن كان فيه لبن أو آجر أو ضرب منه وبنى به فيه فعليه أجرتها مبنية؛ لأن البناء والأرض ملك للمغصوب منه ولا أجرة للغاصب لبنائه، ولا يملك غاصب هدمها؛ لأنه لا ملك له فيه ولم يأذن له ربه فيه؛ فإن نقضه فعليه أرش النقص الحاصل بنقصه وإلا تكن آلة البناء من المغصوب، بل إن كانت للغاصب بأن بناها بلبن من غير ترابها فعليه أجرتها غير مبنية؛ لأنه إنما غصب الأرض وحدها، وأما بناؤه بآلته فلو أجر الغاصب الأرض وبناءه الذي ليس منها، فالأجرة المستقرة على المستأجر بين الغاصب ورب الأرض بقدر قيمتها توزع بالمحاصة بقدر أجرة مثل الأرض وأجرة البناء فينظر كم أجرة الأرض مبنية ثم أجرة خالية فما بينهما فهو أجرة البناء، فيختص كل واحد بأجرة ماله ولو جصص الغاصب الدار وزوقها فحكمه كالبناء؛ لأنه ملك غيره بما لا حرمة له.
(٣) فيما يتعلق بغصب الأرض أو ما خاط به جرح أو غصب جوهرة أو نحوها
س ٣: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: من غصب أرضًا وغراسًا منقولاً من شخص واحد فغرسه في الأرض المغصوبة، أو غصب أرضًا لرجل وغراسًا لآخر فغرسه فيها، أو غصب خشبًا ورفع به سفينة، من غصب ما خلط به جرح حيوان محترم من آدمي أو غيره وخيف بقلعه ضرر آدمي أو خيف تلف غير الآدمي أو حل حيوان خيط جرحه بمغصوب لغاصب أو غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة أو ابتلعت شاة شخص جوهرة آخر غير مغصوبة أو دخل رأس شاة أو نحوها في إناء ولم يخرج إلا بذبحها أو كسره. واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والمحترزات والخلاف والترجيح.
стр. 1836
لرجل وغراسًا لآخر فغرسه فيها، أو غصب خشبًا ورفع به سفينة، من غصب ما خلط به جرح حيوان محترم من آدمي أو غيره وخيف بقلعه ضرر آدمي أو خيف تلف غير الآدمي أو حل حيوان خيط جرحه بمغصوب لغاصب أو غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة أو ابتلعت شاة شخص جوهرة آخر غير مغصوبة أو دخل رأس شاة أو نحوها في إناء ولم يخرج إلا بذبحها أو كسره. واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والمحترزات والخلاف والترجيح.
ج: من غصب أرضًا وغراسًا منقولاً من شخص واحد فغرس الغراس في الأرض المغصوبة، فالكل لمالك الأرض ولا شيء للغاصب في نظير فعله؛ لتعديه به، ولم يملك الغاصب قلعه؛ لأن مالكها واحد ولا يتصرف غيره في ملكه بلا إذنه، وعلى الغاصب إن قلع الغراس بغير إذن مالك تسويتها ونقصها ونقص غراسه لتعديه به، وكذا إن طلب القلع رب الأرض والغراس لغرض صحيح بأن كان لا ينتج مثله في تلك الأرض لا لعبث إذ لا فائدة في العبث فعليه تسوية الأرض، وعليه أرش نقصها وأرش نقص غراس لحصوله بتعديه، وإن لم يكن غرض صحيح لم يجبر الغاصب على القلع؛ لأنه سفه وإن أراد الغاصب قلع الغراس أو البناء ابتداء من غير طلب المالك فله منعه من القلع؛ لأنه ملكه فلس لغيره التصرف عليه بغير إذنه ويلزم الغاصب أجرة المغصوب مبنيًا؛ لأن البناء والأرض ملك لربها.
وإن غصب أرضًا وغصب غراسًا لرجل آخر فغرسه في الأرض المغصوبة، ثم وقع النزاع في مؤنة قلع الغراس على رب الأرض يرجع بها على الغاصب؛ لأنه تسبب في غرمه، وكذا إذا زرع الأرض المغصوبة ببدر الغير فليس لرب الأرض تملكه ولا قلعه، بل يبقى لمالكه إلى أوان
стр. 1837
حصاده بأجرة مثل الأرض، وعلى الغاصب؛ لعدوانه.
وإن غصب خشبًا فرفع به سفينة قلع إن كانت في الساحل أو في لجة البحر، ولا يخاف عليها من قلعه؛ لكونه في أعلاها ودفع لربه بلا إمهال لوجوبه فورًا ويمهل لقلع مع خوف على سفينة بقلعه بأن يكون في محل يخاف منه دخول الماء إليها وهي في اللجة حتى ترسي لئلا يؤدي قلعه إلى فساد ما في السفينة من المال مع إمكان رد الحق إلى مستحقه بعذر من قريب، وقيل: يقلع إلا أن يكون فيه حيوان محترم أو مال للغير.
فإن تعذر الإرساء لبعد البر، فلمالك الخشب المغصوب أخذ قيمته للتضرر برد عينه إذًا فإذا أمكن رد الخشب إلى ربه استرجعه ورد القيمة لزوال الحيلولة، وعلى الغاصب الأجرة إلى حين بذله القيمة فقط ولا يملكه ببذلها، بل يملكها ربه، وعلى الغاصب أجرة الخشب إلى قلعه لذهاب منافعه بيده، وعليه أرش نقصه إن نقص لحصوله بتعديه على ملك غيره ومن غصب أرضًا فحكمها في جواز دخول غيره إليها كحكمها قبل غصب فحكم أرض محوطة كدار وبستان ونحوهما، لا يجوز دخول غيره إليها، وأما الغاصب فيمتنع عليه الدخول فيها من باب أولى وحكم غير المحوطة كصحراء ومدرسة وزاوية مغصوبة يجوز دخول غير الغاصب إليها؛ لأنه لا يمنع من الدخول قبل الغصب فبعده كذلك.
وإن غصب ما خاط به جرح حيوان محترم من آدمي أو غيره، وخيف بقلع الخيط ونحوه ضرر آدمي لم يقلع، وعليه قيمته، وقيل: لا تؤخذ قيمته إلا إذا خيف تلفه ويقلع كغيره من الحيوانات المحترمة؛ فإنه لابد من خوف التلف أو خيف من قلعه تلف غير آدمي فعلى الغاصب قيمة الخيط أو نحوه؛ لأنه تعذر رد الحق إلى مستحقه فوجب رد بذله وهو القيمة، ولا يلزمه القلع؛ لأن الحيوان آكد حرمة من بقية المال؛ ولهذا جاز إتلاف
стр. 1838
غيره وهو ما يطعمه الحيوان لأجل تبقيته، وكذا لو شد بالمغصوب جرحًا يشخب دمه أو جبر به نحو ساق مكسور وغير المحترم كالمرتد والحربي والكلب العقور والخنزير، فإذا خاط جرح ذلك بالخيط المغصوب وجب رده؛ لأنه لا يتضمن تفويت ذي حرمة أشبه ما لو خاط به ثوبًا وإن حل الحيوان المخيط جرحه بمغصوب لغاصب كشاته وبقرته ونحوها وخيف موته بقلع أمر غاصب بذبح الحيوان ولو نقصت قيمته به أكثر من ثمن الخيط أو لم يكن معدًا للأكل كالخيل ويرد الخيط لربه؛ لأنه متمكن من رده بذبح الحيوان والانتفاع بلحمه، ولا أثر لتضرره بذلك لتعديه كما يرد الخيط بعد موت الحيوان غير آدمي؛ لأنه لا حرمة له بعد موته بخلاف الآدمي المعصوم لبقاء حرمته فتتعين قيمته، وإن كان الحيوان الذي خيط جرحه محترمًا غير مأكول رد الغاصب قيمة الخيط؛ لأن حرمة الحيوان آكد.
ومن غصب جوهرة مثلاً فابتلعتها بهيمة بتفريطه أولاً فحكمها حكم الخيط الذي خاط به جرحها على التفصيل السابق.
ولو ابتلعت شاة شخص مثلاً جوهرة آخر غير مغصوبة وتعذر إخراجها إلا بذبحها وذبحها أقل ضررًا من ضرر تركها ذبحت، وعلى رب الجوهرة ما نقص بالذبح؛ لأنه لتخليص ماله إن لم يفرط رب الشاة بكون يده عليها حين ابتلاعها الجوهرة؛ فإن كانت يده عليها فلا شيء له على رب الجوهرة مما نقصه الذبح؛ لأن التفريط من غيره فكان الضرر على المفرط.
وإن حصل رأس شاة أو بقرة أو بعير أو نحوها بإناء ولم يخرج رأسها إلا بذبحها أو كسر الإناء ولم يحصل تفريط من رب الشاة ورب الإناء كسر الإناء لرد ما حصل فيه بغير عدوان ويعطي لربه، وعلى مالك البهيمة الأرش لتخليص ماله ويجب كسر الإناء وأخذ أرشه إلا إن وهب البهيمة مالكها لرب الإناء، ولا يجب على رب الإناء قبول البهيمة لما فيه
стр. 1839
من المنة؛ فإن قبلها جاز وصارت والإناء ملكًا له يتصرف بهما كيف شاء.
وإن فرط رب الشاة بأن أدخل رأسها في نحو دبة فول أو نحوها أو كانت بيده عليها حال الدخول ذبحت البهيمة بلا ضمان على رب الإناء؛ لأن التفريط من جهته فهو أولى بالضرر ممن لم يفرط.
ومع تفريط رب الإناء كما لو أدخله بيده أو ألقى الإناء في الطريق يكسر الإناء بلا أرش على رب الشاة ونحوها؛ لأن المفرط أولى بالضرر ويتعين في بهيمة غير مأكولة حصل رأسها بإناء ولم يخرج إلا بكسره كسر الإناء ولا تقتل البهيمة بحال، ولو اتفقا على القتل لم يمكنا منه؛ لأنه ﵊ نهى عن ذبح اليحوان لغير مأكله، وعلى ربها أرش الإناء إلا أن يكون التفريط من مالكه، وقيل: حكمه حكم المأكول على ما تقدم، وقيل: أنه يقتل إن كانت الجناية من مالكها أو القتل أقل ضررًا.
وإن قال من وجب عليه الغرم: أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئًا كان له ذلك، ويحرم ترك رأس البهيمة بالإناء بلا ذبح ولا كسر؛ لأنه تعذيب حيوان، فإن لم يفرط رب الإناء وامتنع رب غير المأكولة من أرش الكسر أجبر؛ لأنه تعذيب حيوان؛ فإن لم يفرط رب الإناء وامتنع رب غير المأكولة من أرش الكسر أجبر؛ لأنه ضرورة لتخليصها من العذاب فلزم ربها كعلفها.
ويلزم رد العين غاصبها ولو … بنى فوقها قصرًا إذا لم يثرد
ولو ناله في الرد أضعاف قدرها … من الغرم الزمه ولا تتردد
سوى رفع فلك فوق بحر بأجود … ومع حرمة الحي أو أذى الغير خلد
وإن خلط المغصوب بعد تقرر … على خطأ في خلطه أو تعمد
стр. 1840
بما فيه مميز فالزمه رده … وإلا فمنه المثل من جنسه اردد
وإن يكن المغصوب أردأ منه إن … سمح غاصب بالأخذ منه ليظهد
على أخذه منه انحتامًا وخلطه … بشيرجه زيتًا فخذ مثله قد
وقال أبو يعلى له المثل مطلقًا … ولو مع جنس لا يميز فاشهد
وقيل اقض في هذه الثلاث بشركة … على قيمة المالين لا تتردد
وف ماله إن يصعبن خروجه … بلا هدمه فاهدمه والغصب أفرد
وما كان هذا دون تفريط ربه … على من ينجي ماله نقص مفسد
ومحتمل تعيين ما قل ضره … وما حل فاذبح وأكسرن مال معتدي
وفي قمم أن تدخل الشاة رأسها … بغير تعد المالكين لتقصد
إلى فعل أدنى الحالتين إذًا فمن … سلم ماله ضمنه نقص المفسد
كذا غير مأكول ويحرم تركه … وقد قيل عين ظرف هذا وشرد
وخذ قيمة عن جابر الجرح إن يخف … بقلع كذا في رفع فلك بمبعد
стр. 1841
وإن كان مأكولاً له إذبح بأجود … وقيل سوى ما ذبحه لم يعود
وإن مات مجروح سوى الآدمي قد … فَجرَّت بغصب جرحه أقلعه واردد
وملك سوى جان وما لم يبع فدع … وخذه إن يمت بل قيل من غير من هدي
كذا الخلف والتفصيل بلع لمثمن … وأشباهه غصبًا وفي ذبح مزرد
ومحتمل إن زاد قيمة جوهر … على غير إنسان ليذبح ويعتدي
(٤) من اغتصب شيئًا وأدخله داره وتعذر إخراجه
أو دينارًا فأدخله إناء ضيقًا … إلخ
س ٤: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: من غصب شيئًا فأدخله داره وتعذر إخراجه، إذا باعها وفيها ما يعسر إخراجه من غصب نحو دينار أو جنبه أو نحوه فحصل في إناء ضيق الرأس بفعل غاصب أو لا وعسر إخراجه أو جعله الغاصب في إناء نفسه ولم يخرج بدون كسره أو حصل الجنيه أو نحوه بلا غصب ولا فعل أحد في إناء من جرة أو نحوها أو بفعل مالكها أو بفعل رب الدينار أو الجنيه أو نحوهما، واذكر الدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
ج: من غصب فصيلاً أو مهرًا ونحوه فأدخله داره فكبر وتعذر خروجه نقض الباب أو غصب خشبًا وأدخله داره ثم بنى الباب ضيقًا بحيث لا تخرج الخشبة إلا بنقضه وجب نقضه لضرورة وجوب الرد ورد
стр. 1842
الفصيل والخشبة إلى ربهما؛ لأن المتعدي أولى بالضرر، قلت: وكذا لو غصب سيارة أو نحوها وأدخلها داره ثم بنى الباب ضيقًا بحيث لا تخرج إلا بنقضه وجب نقضه لضرورة وجوب الرد ورد السيارة لربها ولا شيء على ربها في ذلك؛ لأن المتعدي أولى بالضرر.
ولو حصل مال شخص من حيوان أو غيره في داره وتعذر إخراجه من الدار بدون نقض بعضها وجب نقضه وإخراجه، وعلى رب المال المخرج إصلاحه؛ لنه لتخليص ماله ومحل ذلك إن لم يفرط رب المال وذلك بأن دخل الحيوان بنفسه أو أدخله ربه، وأما الخشبة إذا حصلت في الدار من غير تفريط صاحبها؛ فإن كسرها أكثر ضررًا من نقض الباب وإعادته غالبًا في البيوت المبنية من الطين فحكمها كالفصيل بنقض الباب ويغرم صاحبها أرش نقضه وإصلاحه وإن كان كسرها أقل ضررًا كسرت ولا شيء على صاحب الدار لعدم عدوانه وإن كان حصول ما ذكر في الدار بعدوان من صاحبه كمن غصب دارًا وأدخلها فصيلاً أو خشبة أو سيارة ثم بنى الباب ضيقًا أو تعدى على إنسان فأدخل داره فرسًا ونحوه بغير إذنه كسرت الخشبة وذبح الحيوان المأكول ولو زاد ضرره على نقض الباب؛ لأن صاحبه هو الذي أدخل الضرر على نفسه بعدوانه.
وإن كان الحاصل من ذوات التركيب فكذلك إن فرط مالك الدار نقض الباب من غير أرش وإن فرط مالكه فك التركيب.
ولو باع الدار وفيها ما يعسر إخراجه كخوابي غير مدفونة وخزائن غير مسمورة لما تقدم في البيع أنه يتناول ما كان متصلاً بها أو كان فيها حيوان ينظر؛ فإن كان ضرر النقض أقل من بقاء ذلك في الدار أو من تفصيله ما يأتي تفصيله كخزائن ومن ذبح الحيوان المأكول نقض باب أقل ضررًا وكان أرش نقضه وإصلاحه على البائع؛ لأنه لتخليص ماله، وكذا
стр. 1843
لو باع داره وله فيها أسرة ونحوها وتعذر الإخراج والتفكيك وإن كان نقض الباب أكثر ضررًا من بقاء ذلك في الدار ومن تفصيله، وذبح الحيوان؛ لعدم فائدته واصطلحا على ذلك بأن يشتري مشتر الدار أو يهبه له البائع، ذكره الموفق والشارح.
ومن غصب جوهرة أو دينارًا أو جنيهًا أو نحو ذلك فحصل في إناء ضيق الرأس بفعل غاصب أو لا وصعب إخراجه منها فتعسر بدون الكسر؛ فإن زاد ضرر الكسر على الدينار أو نحوه بأن كانت قيمتها صحيحة دينارين وقيمتها مكسورة نصف الدينار فعلى الغاصب بدل الدينار أو الني يعطيه لربه ولم تكسر؛ لأنه إضاعة مال وهي منهي عنها.
وإن لم يزد ضرر الكسر على الدينار بأن تساويا أو كان ضرر الكسر أقل تعين الكسر لرد عين المال المغصوب من غير إضاعة مال وعلى الغاصب ضمان الكسر؛ لأنه السبب فيه وإن غصب دينارًا وجعله في إناء نفسه ولم يخرج بدون كسرها، فإنها تكسر المحبرة أو الإناء سواء زاد ضرر الكسر على الدينار أو لا؛ لأن حصوله فيها بتعديه ومن غصب نحو خشب أو حجر فحصل في بناء آخر وعسر إخراجه؛ فإن زاد ضرر الهدم عليه فعلى الغاصب بدله وإلا تعين الهدم وعليه ضمانه.
وإن حصل في بناء نفسه يهدم مطلقًا وإن حصل الدينار أو نحوه في الإناء بلا غصب ولا فعل أحد بأن سقط من مكان أو ألقته ريح أو طائر أو نحوه كسر الإناء وجوبًا وعلى رب الدينار أرش نقص الإناء بالكسر؛ لأن الكسر لتخليص حقه إلا أن يمتنع رب الدينار أو نحوه من كسر الإناء مع ضمان أرشه لكون الإناء غاليًا ثمنه؛ فإن امتنع فلا طلب له ويصطلحان عليه وإن حصل الدينار أو نحوه بفعل مالك الإناء فإنه يكسر مجانًا ولا ضمان على رب الدينار أو نحوه؛ لأنه وجب على ربها إعادة الدينار إلى مالكها،
стр. 1844
ولم يكن ذلك بدون كسر الإناء فجاز كسره لذلك، ولا يضمن نقصه؛ لأن التفريط من مالكها.
وإن حصل فيها بفعل رب الدينار فإنه يخير بين تركه في الإناء وبين كسره فرط مالك الإناء أو لم يفرط وعلى رب الدينار قيمة الإناء كاملة لتعديه ويلزم رب الدينار قبول مثل الدينار إن بذله رب الإناء ولم يجز الكسر؛ لأنه بذل له مالاً يتفاوت به حقه دفعًا للضرر عنه فلزمه قبوله لما فيه من الجمع بين الحقين ولو بادر رب الدينار إلى الإناء أو نحوه وكسره عدوانًا لم يلزمه إلا قيمته فقط.
ويلزم إنشاد المبعد تركه … أو أقرب مثوى لا المعارضة أشهد
وليس لرب الأرض إلزام زارع … لقلع ولم يبلغ لقرب التحصد
وقيل إن تشا اتركه بأجر ونقضها … إلى الحصد أو خذه بقيمته قد
وعنه بما أدى عليه وقيل بل … لمالكه يبقى بأجر بمبعد
وإن حصل المزروع قبل تملك … فليس سوى أجر لذي الأرض فأشهد
وكالغرس في الأقوى المكر رجزه … وأثمار أشجار بغصب لمعتد
وإن يبن أو يغرس فخذه بقلعه … وأجر وأرش النقص ثم التمهد
стр. 1845
وإن كان غرس والبنا ملك ربها … فشا الترك أو قلعا لمعنى يؤيد
وإن زاد ألزمه الزيادة أن يبح … فذات انفصال كاتصال لردد
كغاصب أنثى ولدت أو تكسبت … أو ازداد في جسم وفي صنعة اليد
وإن حدثت ثم انقضت بعد غصبه … ولا شيء في قول هنا إن رد أطد
ووجهان إن يحدث من الجنس جائز … ومن غير جنس ضمن النقص ترشد
ولا غرم في جبر الشفا في سقامه … وليس عليه نقص سعر بأوكد
وما صاد بالمغصوب فهو لربه … كذا سهمه إن يغنموا مال جحد
وإن يجن في المغصوب ما غير اسمه … كصوغ حلي من لجين وعسجد
ووصفًا كنسيج الثوب أو نسج غزله … وذبح شياة واشتواها بموقد
فللمالك ابذله وقيمة نقصه … وإن زاد لم يشرك غصوب بأوطد
وعنه لغصاب ويضمنه وعن … أمامك خير فيهما ربه قد
ويملك طم البئر في الأرض حافر … ومع كره رب الأرض مع حسن مقصد
стр. 1846
متى يبر منها في القوى وقيل لا … وقيل وإن لم يبرأ عن طمها أصدد
ومن يغتصب حبًا فيزرعه أو نوى … فينبت أو بيضا فأفرخ فأشهد
بكل لرب الأرض في المتوطد … وقيل لعاد مع ضمان المفسد
ومن يغتصب ثوبًا فيصنعه شوركًا، … كمليكها والنقص من غاصب قد
وكل له ما زاد من قدر ملكه … وذو الصبغ إن شا قلعه أقبل بأوطد
ويضمن نقص الثوب وأحكم بعكسه … لذي الثوب مع تضمين نقص تردد
ولا تجبرن شخصًا على بيع حقه … سوى غاصب أن يأب قلعًا بمبعد
ويحتمل أن لا يمكن قالع … به يضمحل المال للسفه أصدد
ولا تلزمن ذا لثوب والدار منه بالقبول … إن منح صبغًا ونفسًا بأجود
كذا غاصب صبغًا فيصبغ ثوبه … وزيتًا به السويق ليعدد
وقيل عليه في الجميع ضمانه … بمثل وإلا قيمة عند مفقد
ومن يصبغ المغصوب من صبغ غصبه … يرد وأرش النقص أو بالتزيد
стр. 1847
والإثنين إن كانا يكن مثل صبغه … بثوب فتى والنقص منه لينقد
(٥) من غصب شبكة أو نحوها فأمسك بها صيد أو غزا على فرس فغنم أو عمل فيما غصبه … إلخ
س ٥: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا زاد مغصوب بيد غاصب، من غصب قنا أو شبكة أو نحوها فأمسك صيدًا، أو غزا على فرس مغصوب فغنم، أو غصب مخلبًا فقطع به أو سلاحًا فصاد به، أو أزال غاصب اسم مغصوب بعمله فيه، إذا طلب مالك رد ما أمكن رده إلى حالته، إذا استأجر الغاصب على عمل شيء مما تقدم من حفر بئرًا في أرض مغصوبة أو شق فها نهرًا أو أراد طمها، أو غصب شاة وانزى عليها فحله فلمن الولد، أو غصب دجاجة أو حمامة فباضت عنده ثم حضنت بيضها فصار فراخًا فلمن يكون الفراخ؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والاحتراز والقيد والخلاف والترجيح.
ج: يلزم غاصبًا وغيره إذا كان بيده رد مغصوب زاد بيد غاصب أو غيره بزيادته المتصلة كقصارة ثوب وسمن حيوان وتعلم صنعة آدمي وبزيادته المنفصلة كالولد من بهيمة وكذا من أمة إلا أن يكون جاهلاً فهو حر ويفديه بقيمته يوم الولادة.
وككسب رقيق؛ لأنه من نماء المغصوب وهو لمالكه فلزمه رده كالأصل.
ولو غصب قنا أو شبكة أو شركًا فأمسك القن أو الشبكة أو الشرك صيد فلمالكه أو غصب جارحًا أو سهمًا أو فرسًا أو قوسًا فصاد الغاصب أو غيره بالجارح أو صاد على الفرس صيدًا أو غزا على الفرس فغنم،
فالصيد وسهم الفرس من الغنيمة لمالك الجراح والفرس المغصوب؛ لأنه
стр. 1848
حصل بسبب المغصوب فكان لمالكه، وقيل: هو الغاصب، وعليه الأجرة.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: يتوجه فيما إذا غصب فرسًا وكسب عليه مالاً أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما فعلى ما تقدم إن قلنا هو للمالك لم يكن له أجرة في مدة اصطياده؛ لأن الأجرة في مقابلة منافعه ومنافعه في هذه المدة عائدة إلى مالكه فلم يستحق عوضها غيره كما لو زرع أرض إنسان فأخذ المالك الزرع بنفقته، والثاني عليه الأجرة؛ لأنه استوفى منافعه أشبه ما لو لم يصد شيئًا وما ذكر من أن الصيد يكون لمالك المغصوب إن كان ما حصله من صيد أو غنيمة قدر أجرة المغصوب فأكثر، وأما إذا نقص الحاصل عن قدر أجرته فلرب المغصوب أجرة مثله تؤخذ من الغاصب لعدوانه.
وإن غصب منجلاً فقطع الغاصب أو غيره به خشبًا أو حشيشًا فالخشب أو الحشيش لغاصب لحصول الفعل منه كالحبل المغصوب يربط فيه الغاصب ما يجمعه من حطب ونحوه وكالمنجل في الحكم، ولو غصب سيفًا أو سلاحًا أو رمحًا أو نحوه فصاد به فهو لغاصبه لحصول ذلك بفعله، كما لو غصب سيفًا فقاتل به وغنم، وإن أزال غاصب أو غيره اسم مغصوب بعمله فيه كنسج غزل فيصير ثوبًا، وطحن حب فصار دقيقًا أو طبخه فصار يسمى طبيخًا، والأول يسمى دقيقًا ونجر خشب بابًا أو رفوفًا أو دولابًا أو ماصة أو دريشة أو ضرب حديدًا مسامير أو سيفًا أو فؤسًا أو صفرًا نجرًا أو نحاسًا قدورًا أو فضة دراهم أو فضة دراهم أو حليًا وجعل طين غصبه لبنًا أو اسمنتًا ورملاً بيوكا أو بلاطًا أو آجرًا أو فخارًا جرارًا أو أزيارًا أو اسمنتًا ورملاً مواصير وأقلامًا رده الغاصب وجوبًا معمولاً لقيام عين المغصوب فيه ورد أرشه إن نقصه لحصول نقصه بفعله وسواء نقصت
стр. 1849
عينه أو قيمته أو نقصًا جميعًا ولا شيء للغاصب لعمله فيه ولو زاد المغصوب بعمل الغاصب فيه لتبرعه به كما لو أغلى زيتًا فزادت قيمته بخلاف ما لو غصب ثوبًا فصبغه؛ فإنه يصير شريكًا في زيادة الثوب، والفرق بينهما أن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره وإن غصب ثوبًا فقصره الغاصب بنفسه، أو بأجرة أو غصب شاة فذبحها وسلخها وشواها لزمه رد ذلك وأرش نقصه إن نقص شيء له في نظير عمله لتعديه وذبح الغاصب الشاة لا يحرم أكلها؛ لأنها مذكاة والذي ذكاها من أهل الذكاة؛ لكن لا يجوز للغاصب ولا غيره أكلها ولا التصرف فيها إلا بإذن مالكها كسائر الأموال.
وقيل: يكون شريكًا بالزيادة، اختاره الشيخ تقي الدين قاله في «الهداية» و «المستوعب الصحيح من المذهب» إن زادت القيمة بذلك فالغاصب شريك المالك بالزيادة، قال ناظم المفردات:
إن صنع الغاصب بابًا بالخشب … أو ضرب الفضة أو صك الذهب
أو حاك غزلاً أو لثوب قصرًا … بزائد شارك نصًا ضهرًا
رجحه الأكثر في الخلاف … ونصر الشيخان للمنافي
وللمالك إجباره الغاصب على رد ما أمكن رده من مغصوب إلى حالته التي غصب عليها؛ لأن عمل الغاصب في المغصوب محرم فملك المالك إزالته مع الإمكان وما لا يمكن رده إلى حالته الأولى كالأبواب والفخار والجص والإسمنت والآجر والشاة ونحوها إذا ذبحها وشواها وكالحب إذا طحنه فليس للغاصب إفساده ولا للمالك إجباره عليه؛ لأنه إضاعة
стр. 1850
مال بغير منفعة، وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال.
وإن استأجر الغاصب إنسانًا على عمل شيء مما تقدم فالأجر عليه والحكم في زيادة ونقصه كما لو فعل ذلك بنفسه وللمالك تضمين النقص من شاء مهما فإن جهل الأجير الحال وضمن الغاصب لم يرجع على أحد وإن ضمن الأجير رجع على الغاصب؛ لأنه غره وإن علم الأجير الحال وضمن لم يرجع على أحد؛ لأنه أتلف مال غيره بدون إذنه وإن ضمن الغاصب رجع على الأجير؛ لأن النقص حصل بفعله فاستقر الضمان عليه وإن استعان الغاصب بمن فعل ذلك فهو كالأجير.
ومن حفر بئرًا في أرض مغصوبة أو شق فيها نهرًا ووضع التراب الخارج من البئر أو النهر في الأرض المغصوبة فله طمها إن كان الطم لغرض صحيح كإسقاط ضمان تالف بها أو كون الغاصب قد نقل ترابها إلى ملكه أو ملك غيره أو إلى طريق يحتاج إلى تفريغه وللغاصب حينئذ رد ترابها من نحو ملكه أو طريق نقلها إليه حيث بقي، فلو فات بسيل أو ريح ونحوه فله الطم بغيره من جنسه لا برمل أو كناسة ونحوها ولو أبرأه المالك مما تلف بها؛ لأن الغرض قد يكون غير خشية ضمان ما يتلف بها وتصح البراءة منه؛ لأن الضمان إنما يلزمه لوجود التعدي فإذا رضي رب الأرض زال التعدي فيزول الضمان، وإنما صحت البراءة مما يتلف بالبئر مع أنها متضمنة لما لم يجب بعد لوجود أحد السببين من حافر البئر وكل منهما موجب للضمان فالسبب الأول هو التعدي منه بحفرة في الأرض التي لغيره عدوانًا، والسبب الثاني هو الإتلاف وليست هذه البراءة براءة مما سيجب وإنما هي إسقاط المالك عن الغاصب التعدي برضاه ولو منعه المالك من الطم لم يملك الغاصب طمها في هذه الصور؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه لغير غرض صحيح ومنع من الطم رضي
стр. 1851
بالحفر فيكون بمنزلة إبرائه من ضمان ما يتلف بها وإن كان الطم لغير غرض صحيح مثل أن يكون قد وضع التراب في أرض مالكها أو في موات وأبرأه من ضمان ما يتلف بها فلا يطمها الغاصب؛ لأنه إتلاف لا نفع فيه فلم يكن له فعله كما لو غصب نقرة فطبعها دراهم ثم أراد جعلها نقرة وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وبعض الشافعية، وقيل: له طمها؛ لأنه لا يبرأ من الضمان بإبراء المالك؛ لأنه إبراء مما لم يجب بعد وهو أيضًا إبراء من حق غيره وهو الواقع فيها، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه نفسي، والله أعلم.
وإن أراد الطم المالك لغرض صحيح ألزم غاصب بالطم لعدوانه بالحفر؛ ولأنه يضرب الأرض وإن غصب حبًا فزرعه أو بيضًا فصار فراخًا أو نوى فصار نخلاً أو فراخًا فصار نخلاً أو أغصانًا فصارت شجرًا رد الغاصب الزرع والفراخ والشجر والنخل لمالكها؛ لأنه عين ماله المغصوب منه، ولا شيء للغاصب في عمله؛ لأنه تبرع به.
إن غصب شاة أو بقرة أو بدنة أو نحوها فأنزى عليها فحله فالولد لمالك الأم كولد الأمة ولا أجرة للفحل لعدم إذن ربها؛ ولأنه لا تصح إجارته لذلك وكذا لو غصب نخلة وحصل منها ودي فإنه لمالكها والودي أفراخ النخل؛ لأنه من نمائها ككسب العبد وولد الأمة.
وإن غصب فحل غيره وأنزاه على شاته فالولد له تبعًا للأم ولا لزمه أجرة الفحل؛ لأنه لا يصح إجارته لذلك؛ لكن إن نقص بالإنزاء وغيره، لزم الغاصب أرش نقصه لتعديه، وإن غصب دجاجة أو حمامة فباضت عنده ثم حضنت بيضها فصار فراخًا فهما لمالكها ولا شيء للغاصب في علفها، قال أحمد: في طيرة جاءت إلى دار قوم فازدوجت عندهم وفرخت يردونها وفراخها إلى أصحابها، قال في «المبدع»: ويرجع إلى ربها
стр. 1852
بما أنفقه إن نوى الرجوع وإلا فلا. اهـ.
وإن نقص المغصوب يضمن نقصه … بقيمته عبدًا وغير معبد
وعن أحمد في العين من فرس ومن … بغال وحمر ربع قيمتها أرفد
وفي بعض قن من عتيق مقدر … كنسبته من قيمة العبد أورد
وقيل أكثر الأمرين في العبد واجب … كذا أوجبن أن يجن في العبد معتدي
وإن كان غير الغاصب القاطع إن تشا … فخذ أكثر الأمرين من غاصب قد
ورد عليه الأرش من مال قاطع … أو أقبضه وألزم غاصبًا بالمزيد
وعنه على الجاني قرار مضمن … بما كان من تقدير أو أرش أقصد
ومن يغتصب عبدًا فيخصيه رده … وقيمته حتمًا على المتأكد
وإن زال ما يؤذيه من سمن فلا … ضمان عليه في زوال المنكد
وخذ مثلاً أودع ما يزيد فساده … وخذه وأرش النقص عند التأطد
وقال أبو يعلى بتعيين مثله … لإضراره بالصبر مع جهل مفسد
стр. 1853
(٦) نقص المغصوب وجنايته
س ٦: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: نقص المغصوب بعد غصبه من غصب عبد فخصاه أو أزال منه ما تجب فيه دية أو قطع ما فيه مقدر، إذا أخذ مالك أرشًا من غاصب ثم زال العيب، نقص الشعر، زيادة المغصوب إذا طرأ على المغصوب مرض، إذا نقص مغصوب ثم زاد، إذا نقص نقصًا غير مستقر، جناية القن المغصوب، زوائد المغصوب إذا تلفت أو نقصت في يد الغاصب أو جنت على المالك أو غيره إذا كان العبد ودية فجنى جناية استغرقت قيمته ثم أن المودع قتله بعدها، واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والمحترز والخلاف والترجيح.
ج: يضمن غاصب نقص مغصوب بعد غصبه وقبل رده ولو كان النقص رائحة مسك أو عنبر أو نحوهما؛ لأن قيمته تختلف بالنظر إلى قوة رائحته وضعفها، وكذا قطع ذنب حمار أو بغل أو فرس إذ القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر ما فوت عليه، ولأنه لو فات الجميع؛ لوجبت قيمته، فإذا فات منه شيء وجب قدره من القيمة كغير الحيوان.
وقال أبو حنيفة: إذا قلع عيني بهيمة تنتفع بها من وجهتين كالدابة والبعير والبقرة وجب نصف قيمتها، وفي إحداهما ربع قيمتها؛ لقول عمر محمول على أن ذلك كان قدر نقصها كما روي عنه أنه قضى في العين القائمة بخمسين دينارًا ولو كان تقدير الواجب في العين نصف القيمة كعين الآدمي، والقول الأول المخالف لقول أبي حنيفة هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
وإن غصب قنا ثم عمي عنده قوم صحيحًا ثم أعمي وأخذ من غاصب
стр. 1854
ما بين القيمتين وكذا لو نقص لكبر أو مرض أو شجة وإن غصب عبدًا وخصاه هو أو غيره، ولو زادت قيمته بخصاه له أو أزال منه ما تجب فيه دية كاملة من حر كأنفه ولسانه أو يديه أو رجليه رده على مالكه ورد قيمته كلها ولا يملكه الجاني؛ لأنه المتلف البعض فلا يتوقف ضمانه على زوال الملك كقطع خصيتي ذكر مدبر، ولأن المضمون هو المفوت فلا يزول الملك من غيره بضمانه كما ل قطع تسع أصابع، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري يخبر المالك بين أن يأخذه ولا شيء له غيره وبين أن يأخذ قيمته ويملكه الجاني؛ لأنه ضمان مال، فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمان كسائر الأموال والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم.
وإن قطع غاصب من رقيق مغصوب ما فيه مقدر من حر دون الدية الكاملة كقطع يد أو جفن أو هدب ونحوه فعلى غاصب أكثر الأمرين من دية المقطوع أو نقص قيمته لوجود سبب كل منهما فوجب أكثرهما ودخل فيه الآخر؛ لأن الجناية واليد وجدا فيه جميعًا فلو غصب عبدًا قيمته (١٠٠٠) ألف فزادت قيمته عنده إلى ألفين ثم قطعت يده فصار يساوي ألفًا وخمسمائة؛ لأنه دية المقطوع أكثر من نقص القيمة في الصورة الأولى، وفي الصورة الأخيرة نقص القيمة أكثر من الدية وإن كان القاطع ليده غير الغاصب وقد نقصت قيمته مائتين قبل وصار بعد القطع يساوي أربعمائة (٤٠٠) كان على الجاني أربعمائة؛ لأن جنايته مضمونة بنصف القيمة وهي حين القطع ثمانمائة، وعلى الغاصب مائتان؛ لأنها نقصت من قيمة العبد في يده وللمالك تضمين الغاصب ما عليه وعلى الجاني؛ لأن ما وجده في يده في حكم الموجود منه.
стр. 1855
ويرجع غاصب غرم الجميع على جان بأرش جناية لحصول التلف بفعله فيستقر ضمانه عليه فقط دون ما زاد عن أرش الجناية فيستقر على الغاصب؛ لأن الجاني لا يلزمه أكثر من أرش الجناية وللمالك تضمين الجاني أرش الجناية ولا يرجع به على أحد؛ لأنه لم يضمنه أكثر مما وجب عليه ويضمن الغاصب ما بقي من النقص ولا يرجع به على أحد.
ولا يرد مالك تعيب ماله عند غاصب واسترده وأرش عيبه أرش معيب أخذه من غاصب بزوال العيب عند المالك كما لو غصب عبدًا فمرض عنده فرده وأرش نقصه بالمرض ثم بريء عند مالك بحيث لم يضر به نقص فلا يرد أرشه؛ لأنه عوض ما حصل بيد الغاصب من النقص بتعديه واستقر ضمانه برد المغصوب ناقصًا فإن أخذه مالكه دون أرشه فزال عيبه قبل أخذ أرشه لم يسقط ضمانه بخلاف ما لو بريء في يد غاصب فيرد مالكه أرشه إن كان أخذه.
ولا يضمن غاصب رد مغصوبًا بحالة نقص سعر كثوب غصبه وهو يساوي مائة ولم يرده حتى نقص سعره فصار يساوي ثمانين مثلاً فلا يلزمه رده شيء؛ لأنه رد العين بحالها لم تنقص عينًا ولا صفة بخلاف السمن والصفة ولا حق للمالك في القيمة مع بقاء العين وإنما حقه فيها وهي باقية كما كانت كهزال زاد به سعر المغصوب أو لم يزد به ولم ينقص كعبد مفرط في السمن قيمته يوم غصب ثمانون فهزل عند غاصبه فصار يساوي مائة أو بقيت قيمته بحالها فلا يرد معه الغاصب شيئًا؛ لعدم نقصه.
وقيل: يضمن نقص السعر لاسيما إذا كان عرضًا ينتظر فيه صاحبه الزيادة ليبيعه، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله سبحانه أعلم.
ويضمن غاصب زيادة مغصوب بأن سمن أو تعلم صنعة عنده ثم هزل أو نسي الصنعة فعليه رده وما نقص بعد الزيادة سواء طالبه المالك
стр. 1856
برده زائدًا أو لا لأنها زيادة في نفس المغصوب فضمنها الغاصب كما لو طالبه بردها ولم يفعله، ولأنها زادت على ملك مالكها فضمنها الغاصب كالموجودة حال الغصب بخلاف زيادة السعر فإنها لو كانت موجودة حين الغصب لم يضمنها والصناعة إن لم تكن من عين المغصوب فهي صفة فيه وتابعة له ولا يضمن غاصب مرضًا طرأ على مغصوب بيده وبريء منه في يده؛ لزوال الموج للضمان في يده.
وقيل: إن نقصت القيمة لمرض ثم عادت ببرئه أنه يضمن قال في «الإنصاف»: حكى الحارثي وجهًا للشافعية قال: وهو عندي قوي ورد أدلة الأصحاب، وهذا القول هو الذي يترجح عندي؛ لأن السمن الثاني غير الأول فلا يسقط به ما وجب بالأول، والله أعلم.
وكذا لو حملت فنقصت ثم وضعت في يد غاصب فزال نقصها لم يضمن شيئًا ولا يضمن غاصب إن زاد مغصوب ثم زادت قيمته ثم زالت الزيادة ثم عاد كسمن زال ثم عاد؛ لأن ما ذهب من الزيادة عاد مثله من جنسه وهو بيده أشبه ما لو مرض فنقصت قيمته ثم بريء فعادت القيمة وكذا لو نسي صنعة ثم تعلمها أو بدلها فعادت قيمته كما كانت ولا يضمن غاصب سوى الرد إن نقص المغصوب في يده فزاد مثل النقص من جنسه كما لو غصب عبدًا نساجًا يساوي مائة فنسي الصنعة عنده فصار يساوي ثمانين ثم تعلم الصنعة التي نسيها فعاد إلى مائة فإنه لا ضمان عليه في نقصه حتى ولو كان ما تعلمه صنعة بدل صنعة نسيها كما لو تعلم الخياطة بدل النساجة أو النجارة بدل الحدادة أو الكتابة بدل الخرازة أو نحو ذلك فعادت قيمته إلى مائة؛ لأن الصنائع كلها جنس من أجناس الزيادة في الرقيق، والذي تطمئن إليه النفس أنه يضمن كالتي قبلها بقريب، والله أعلم (١٠).
стр. 1857
قال في الوهبانية:
ولو نسي الحرفات يضمن نقصها … ولو نسي القرآن أو شاخ يذكر
ومثل ما تقدم لو تعلم علمًا ونسيه وتعلم علمًا آخر كما لو تعلم التفسير بدل علم الجغرافيا أو علم القواعد بدل علم المعاني والبيان أو علم الهندسة بدل علم العروض ولا فرق بين كون الصنعة التي تعلمها مساوية للصنعة التي نسيها أو أعلى منها في الشرف وكذا لو كانت الزيادة الحاصلة من غير جنس الزيادة الذاهبة مثل أن غصب عبدًا قيمته مائة فتعلم صنعة فصار يساوي مائتين لم يسقط ضمانها؛ لأنه لم يعد ما ذهب بخلاف الأولى.
وإن كان المغصوب دابة ونقصت بجنايته أو غيرها ضمن الغاصب ما نقص من قيمتها ولو كان النقص بتلف إحدى عينيها فيغرم أرش نقصها فقط؛ لأنه الذي فوته على المالك وإن نقص المغصوب قبل رد نقصًا غير مستقر كحنطة ابتلت وعفنت وطلبها بين أخذ مثلها من مال غاصب أو تركها بيد غاصب حتى يستقر فسادها ويأخذها مالكها وأرش نقصها.
وعلى غاصب جناية قن مغصوب؛ لأن جنايته نقص فيه لتعلقها برقبته فكان مضمونًا على الغاصب كسائر نقصه وعليه بدل ما يتلفه ولو كانت الجناية على مالكه أو كان الإتلاف لمال مالكه بالأقل من أرش جنايته أو قيمة العبد؛ لأن جنايته على سيده من جملة جنايته فكانت مضمونة على الغاصب كالجناية على الأجنبي وكذا حكم ما أتلفه القن المغصوب من مال أجنبي أو سيده ولا يسقط برد الغاصب له؛ لأن السبب وجد في يده فلو بيع في الجناية بعد الرد رجع به على الغاصب بالقدر المأخوذ منه لاستقراره عليه.
وإن قتل المغصوب سيده أو غيره أو قنا فقتل به ضمنه الغاصب بأقل الأمرين
стр. 1858
لتلفه بيده فإن عفي عنه على مال تعلق برقبته وضمنه الغاصب بأقل الأمرين كما يفديه سيده فلو قطع يدًا مثلاً فقطعت يده قصاصًا فعلى غاصب يقصه كما لو سقطت بلا جناية وإن عفا على مال فكما تقدم.
وجناية مغصوب على غاصب هدر؛ لأنها لو كانت على غيره كانت مضمونة عليه ولا يجب له على نفسه شيء فسقط وكذا جناية المغصوب على مال الغاصب هدر لما تقدر إلا أن كانت الجناية في قوة فلا تهدر؛ لأنها حق تعلق بنفسه لا يمكن تضمينه لغيره فاستوفي منه.
ولو قتل عبد مغصوب عبدًا للغاصب أو غيره من أجنبي أو سيده عمدًا فإنه يقتل قصاصًا ولسيد المقتول إن طلب القود قتله به؛ لأن النفس بالنفس ويرجع السيد على الغاصب بقيمته لتلفه في يده أشبه ما لو مات بيده، وفي «المستوعب»: من استعان بعبد غيره بلا إذن سيده فحكمه حكم الغاصب حال استخدامه فيضن جنايته ونقصه:
وإن يجن مغصوب لو في مليكه … فخذ أرش ما يجنيه من مال معتدي
وموجب مال والقصاص على السرا … إذا اقتص منه أرجع عليه أو افتدي
ولا تلزمنه فوق نقص بما جنى … ولو قدرت في الحر في المتوطد
وأما الذي يجني على غاصب فلا … ضمان له في نفسه والمعدد
وزوائد مغصوب كولد الحيوان وثمر الشجر إذا أتلفت أو نقصت في يد الغاصب أو جنت على المالك أو غيره كالمغصوب بالإصابة سواء تلفت منفردة أو مع أصلها؛ لأنها ملك لمالك الأصل وقد
стр. 1859
حصلت في يد الغاصب بغير اختبار المالك بسبب إثبات يده المتعدية على الأصل فتبعته في الحكم فإذا غصب حاملاً أو حائلاً فحملت عنده وولدت فالولد مضمون عليه إن ولدته حيًا وإن ولدته ميتًا وقد غصبها حاملاً فلا شيء عليه؛ لأنه لم تعلم حياته وإن كانت قد حملت به عنده وولدته ميتًا فلا شيء عليه أيضًا، وقيل: يضمنه بقيمته لو كان حيًا، وقيل: يضمنه بعشر قيمة أمه وإن ولدته حيًا ومات فعليه قيمته يوم تلفه والذي يترجح عندي أنه إذا ألقته ميتًا يضمنه بقيمته يوم الوضع كما لو كان حيًا؛ لأنه غصبه بغصب الأم فضمنه بالتلف كالأم، والله سبحانه أعلم.
ولو كان العبد وديعة فجنى جناية استغرقت قيمته ثم إن المودع قتله بعدها فعليه قيمته وتعلق به أرش الجناية فإذا أخذها ولي الجناية لم يرجع على المودع، ولأنه جنى وهو غير مضمون عليه ولو جنى العبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته ثم غصب فجنى في يد الغاصب جناية تستغرق قيمته بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما ورجع صاحب العبد على الغاصب بما أخذه الثاني منهما؛ لأن الجناية كانت في يده وكان لمجني عليه أولاً أن يأخذه دون الثاني؛ لأن الذي يأخذ المالك من الغاصب هو عوض ما أخذ المجني عليه ثانيًا فلا يتعلق به حقه ويتعلق به حق الأول؛ لأنه بدل عن قيمة الجاني لا يزاحم فيه وإن مات هذا العبد في يد الغاصب فعليه قيمته تقسم بينهما ويرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة؛ لأنه ضامن للجناية الثانية ويكون للمجني عليه أولاً أن يأخذه لما ذكر.
خلط المغصوب بغيره
س ٧: تكلم بوضوح عما إذا خلط غاصب أو غيره مغصوبًا بغيره وحكم تصرف غاصب في مخلط وعما إذا غصب ثوبًا فصبغه أو سويقًا فلته ثم زاد أو نقص، وإذا وطيء غاصب أمة فما الحكم؟ ولمن يكون الولد؟ وإذا تصرف غاصب بمغصوب ببيع أو إجارة أو هبة أو هدية أو صدقة فما الحكم؟ واذكر التفصيل والدليل والتعليل والخلاف والترجيح.
стр. 1860
ج: إذا خلط غاصب أو غيره مغصوبًا لا يتميز كزيت ونقد بمثلهما لزمه مثل المغصوب كيلاً أو وزنًا من المختلط من المغصوب وغيره؛ لأنه تقدر على رد بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي فلم ينقل إليه بدله في الجميع كما لو غصب صاعًا فتلف بعضه وإن خلط مغصوبًا بدونه أو خلطه بخير منه من جنسه أو خلطه بغير جنسه مما له قيمة ولو بمغصوب مثله الآخر وكان الخلط على وجه لا يتميز كزيت بشيرج ودقيق حطة بدقيق شعير وكسمن بقر بسمن غنم أو لبن بقر بلبن غنم أو جص بجبس فهما شريكان بقدر قيمتهما فيباع الجميع ويدع إلى كل واحد قدر حقه كاختلاطهما من غير غصب؛ لأنه إذا فعل ذلك وصل كل منهما إلى حقه، فإن نقص المغصوب عن قيمته منفردًا فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه حصل بفعله.
وإن خلطه بما لا قيمة له كزيت بماء فإن أمكنه تخليصه خلصه ورده ونقصه وإن كان يفسده فعليه مثله.
ويحرم تصرف غاصب ومغصوب منه مال وخلط بغير متميز في قدر ماله فيه بدون إذن لاستحالة إنفراد أحدهما على الآخر فإن أذن مالك المغصوب جاز؛ لأن الحق لا يعدوهما، ولأنها قسمة فلا يجوز بغير رضى الشريكين.
ولا يجوز للغاصب إخراج قدر الحرام من المختلط بدون إذن المغصوب
следующие страницы →