← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

أغصان جيدة ولم يركبه ونحو ذلك بأن خندق حول الأرض أو حرثها أو أدار حولها شوكًا أو شبكًا أو نحوه لم يملكه بذلك. ومن أقطعه الإمام مواتًا ليحييه فلم يحيه لم يملكه بذلك؛ لأن الملك إنما يكون بالإحياء ولم يوجد والمتحجر أحق به من غيره؛ لقوله ﵊: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» رواه أبو داود، وكذا وارثه من بعده يكون أحق به من غيره؛ لقوله ﷺ : «من ترك حقًا أو مالاً فهو لورثته»، ولأنه حق للموروث فيقوم الوارث مقامه كسائر الحقوق. وكذا من ينقله المتحجر أو ورثه إليه بغير بيع فيكون أحق به من غيره؛ لأن من له الحق أقامه مقامه فيه، وليس للمتحجر أو وارثه أو من انتقل إليه من أحدهما بيعه؛ لأنه لم يملكه وشرط البيع أن يكون مملوكًا. وكذا من نزل عن أرض خراجية بيده لغيره فإن المتروك له يكون أحق بها وورثته من بعده وليس للإمام أخذها منه بلا عوض. قال ابن رجب في القاعدة السابعة والثمانين: ومنها منافع الأرض الخراجية فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها وتنتقل إلى الوارث فيقوم مقام مورثه فيها ونص الإمام أحمد في رواية عبد الله على جواز دفعها مهرًا ونص في رواية ابن هانئ وغيره على جواز دفعها إلى الزوجة عوضًا عما تستحقه عليه من المهر. قال ابن رجب: وهذه معاوضة عن منافعها المملوكة فأما البيع فكرهه أحمد ونهى عنه، واختلف في قوله بيع العمارة التي فيها لئلا تتخذ طريقًا إلى بيع رقبة الأرض التي لا تملك، ل هي إما وقف وإما فيء للمسلمين جميعًا. ونص أحمد في رواية المروذي على أنه يبيع آلات عمارته بما تساوي وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى وكذلك نقل عن ابن هانئ أنه

стр. 2067

قال: يقوم دكانه وما فيه من علف وكل شيء يحدثه فيه فيعطي ذلك ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان. وقال في «المبدع» بعد أن ذكر النزول عن الوظائف ومما يشبه النزول عن الوظائف، النزول عن الإقطاع، فإنه نزول عن استحقاق يختص به لتخصيص الإمام له استغلاله أشبه مستحق الوظيفة ومتحجر الموات وقد يستدل بجواز أخذ العوض في النزول عن الوظائف وعن الإقطاعات بالخلع فإنه يجوز أخذ العوض مع أن الزوج لم يملك البضع وإنما ملك الاستمتاع به فأشبه المتحجر، انتهى ما في «المبدع». وقال ابن القيم: ومن بيده أرض خراجية فهو أحق بها بالخراج الذي ضربه أجرة لها كل عام فملكوا منافعها بالخراج الذي يبذلونه وترثه ورثته إلى غيره؛ لأنه أحق بها من غيره وإن نزل عنها أو آثر بها أحدًا فالمنزول له كذلك فيكونون أحق بها بالخراج وليس للإمام أخذها ممن هي بيده ودفعها إلى غيره والمؤثر أحق بها من غيره، انتهى. أو نزل إنسان عن وظيفة من إمامة أو خطابة أو تدريس ونحوه لمن فيه أهلية للقيام بها فلا يقرر غير منزلو له لتعلق حقه بها فإن قرر من له الولاية كالناظر فقد تم الأمر له وإن لم يقرره من له ولاية التقرير، فالوظيفة للنازل؛ لأنه لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته، بل مقيدة بحصوله للمنزول له ولم يحصل. وليس للناظر التقرير في مثل هذا إنما يقرر عن ما هو خال عن يد مستحق أو في يد من يملك إنتزاعه منه لمقتضى شرعه فحينئذ يكون تقريره سائغًا. وقال الشيخ تقي الدين: لا يتعين المنزول له ويولي من له الولاية من

стр. 2068

يستحقها شرعًا واعترض ابن أبي المجد بأنه لا يخلو أما أن يكون نزوله بعوض أو لا وعلى كل لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته ثم قال: وكلام الشيخ في قضية عين فيحتمل أن المنزول له أهل ويحتمل عدمه. قال في «المبدع»: وفيه نظر فإن النزول يفيد الشغور وقد سقط حقه بشغوره إذ الساقط لا يعود وقوله في قضية عين الأصل عدمه. وقال الموضح: ملخص كلام الأصحاب يستحقها منزول له إن كان أهلاً وإلا فلناظر تولية مستحقها شرعًا، انتهى. قلت: وما قال الشيخ تقي الدين هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. يؤيده ما ورد عن النبي ﷺ «من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»، وما ورد عن يزيد ابن أبي سفيان، قال: قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام يا يزيد، إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالأمانة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعدما قال رسول الله ﷺ : «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً حتى يدخله جهنم»، والله أعلم. وليس لمن هو أحق بشيء كالمتحجر للموات ونحوه بيعه؛ لأنه لم يملكه فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الأخذ بالشفعة وكمن سبق إلى مباح. فإن طالت مدة التحجير للموات عرفًا ولم يتم إحياءه وحصل متشوق لإحياء المتحجر قال له الإمام أو نائبه إما أن تحييه فتملكه أو تتركه وترفع يدك عنه ليحييه غيرك؛ لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بين الجميع فلم يمكن

стр. 2069

من ذلك كما لو وقف على ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع. فإن طلب المتحجر المهلة لعذر أمهل ما يراه حاكم من نحو شهر أو شهرين أو ثلاثة؛ لأنه بسيط وإن كن ليس له عذر فلا يمهل، ويقال له: إما أن تعمرها وإما أن ترفع يدك عنها، فإن لم يعمرها كان لغيره عمارتها وحيث انظر لعذر فلا يملك المكان المتحجر بإحياء غير المتحجر زمن إنظاره أو قبله؛ لمفهوم قوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة في غير حق مسلم فهي له»، ولأنه أحيا في حق غيره فلم يملكه كما لو أحيا ما يتعلق به مصالح ملك غيره، ولأن حق المتحجر أسبق فكان أولى كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري. وإن أحياه بعد مضي مدة إنظاره فإنه يملك ما أحياه. قال في «الإنصاف»: لا أعلم فيه خلافًا اهـ. وذلك لأن الأول لا ملك له وحقه زال بإعراضه حتى مدة الإمهال. وأقسام الإقطاع ثلاثة: (١) إقطاع تمليك. (٢) إقطاع استغلال. (٣) وإقطاع إرفاق. وللإمام إقطاع موات لمن يحييه ولا يملكه؛ لأنه ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق، وروى علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضًا فأرسل معه معاوية «أن اعطه إياها»، أو قال: «أعطها إياه»، وروى ابن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه، فقال: «أعطوه من حيث وقع السوط»، وروى أن أبا بكر أقطع الزبير وأقطع عمر عليًا وأقطع عثمان ﵃ خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ الزبير وسعدًا وابن مسعود وخبابًا وأسامة بن زيد ﵃.

стр. 2070

ولا يملك الموات بالإقطاع؛ لأنه لو ملكه لما جاز استرجاعه، بل يصير المقطع كالمتحجر الشارع في الإحياء؛ لأنه ترجح بالإقطاع على غيره ويسمى تملكًا لم يؤول إليه. وقيل: يكون ملكًا بنفس الإقطاع فيجوز بيعه وهو قول مالك وكثير من العلماء وعليه العمل في البلاد السعودية في هذا الزمن، واستدل لهذا القول بما رواه أحمد عن عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال: أقطعني النبي ﷺ وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا، فذهب الزبير إلى آل عمر فاشترى نصيبه منهم، فأتى عثمان بن عفان، فقال: إن عبد الرحمن بن عوف زعم أن النبي ﷺ أقطعه وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا وإني اشتريت نصيب آل عمر، فقال عثمان عبد الرحمن جائز الشهادة له وعليه. وقد ساق البيهقي بسنده إلى عبد العزيز بن الربيع الجهني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نزل في موضع المسجد تحت دومة، فأقام ثلاثًا ثم خرج إلى تبوك، وإن جهينة لحقوه بالرحبة، فقال لهم: «من أهل ذي المروة»، فقالوا: بني رفاعة من جهينة، فقال: «قد أقطعتها لبني رفاعة فأقسموها» فمنهم من باع ومنهم من أمسك فعمل، وعن أبي رافع أنه باع قطعة أقطعه إياها رسول الله ﷺ عند دار سعد بن أبي وقاص بثمانية آلاف درهم، رواه الطبراني في «الأوسط»، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم. ولا ينبغي للإمام أن يقطع إلا ما قدر المقطع على إحيائه؛ لأنه في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم مما لا فائدة فيه. فإن أقطع الإمام أحدًا مما يقدر على إحيائه ثم تبين عجزه عن إحيائه إسترجعه الإمام منه كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله ﷺ ، قال عمر لبلال:

стр. 2071

إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحجز عن الناس، إنما أقطعك لتعمر فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي، رواه أبو عبيد في «الأموال». وللإمام إقطاع غير موات تمليكًا وانتفاعًا للمصلحة، بل من العامر العائد إلى بيت المال وإنما نص عليه لكونه يتوقف على إقطاع الإمام بخلاف الموات فإنه لا يتوقف على إقطاع الإمام مع جوازه فلا مفهوم له ع ن. ويجوز الإقطاع من مال الجزية كما في الإقطاع من مال الخراج ومعنى الانتفاع أن ينتفع به في الزرع والإجارة وغيرهما مع بقائه للمسلمين وهو إقطاع استغلال. ومحل ذلك حيث لا أرباب لما أقطعه الإمام من غير الموات، وأما مع وجود أربابه وتأهلهم للقيام فليس له انتزاعه منهم أو كان الإمام اقطع ذلك لأربابه ابتداء لمصلحة رآها. فلو فقدت المصلحة التي لأجلها جاز الإقطاع ابتداء فللغمام استرجاع ما أقطعه لاشتراط وجود المصلحة ابتداء واستمراره دوامًا؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وللإمام إقطاع جلوس للبيع والشراء بطريق واسعة ورحاب متسعة جمع رحبة وهي الساحة والمتسع وكان علي ﵁ يقضي بين الناس في رحبة مسجد الكوفة. ومحل ذلك في غير المحوطة؛ لأن ذلك يباح الجلوس فيه والإنتفاع به حيث لا ضرر فجاز إقطاعه كالأرض الدارسة ويسمى إقطاع إرفاق ما لم يضيق على الناس فيحرم عليه أن يجلس من يرى أنه يضر بالمارة؛ لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه فضلاً عن ما فيه مضرة، لكن ينبغي التنبيه وهو أن من لم يقم بحقوق الطريق أقل ما يكون في حقه الكراهة وحقوق الطريق هي المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁:

стр. 2072

«غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». وقد حذر ﷺ عن الجلوس في الطرقات فإن كان لابد له من ذلك فعليه بغض البصر عن المحرمات، وليكن على باله قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية، وليحفظ لسانه فيكفه عن أذية السائرين وغيرهم وليكف يده عن الأذية وليكن منتبه لرد السلام لأمره ﷺ بذلك ولا تسام كثرة ردك على المارين. ورابعها: وهو أشق حقوق الطريق، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا رأيت امرأة سافرة فانصحها لتستر. وإذا رأيت من يحلق لحيته نصحته وأعلمته أنها كبيرة من كبائر الذنوب لمخالفة الحالق أمر النبي ﷺ . وإذا رأيت من يشرب دخانًا نصحته وأعلمته أنه محرم، وكذلك من يشرب شيشة. وإذا رأيت من يحمل الدابة فوق طاقتها فانهه عن المنكر. وإذا سمعت من يلعن أو يقذف فانهه عن عمله القبيح. وإذا رأيت من يتبع أنثى أو يشير إليها فانصحه أولاً فإن أبى فارفع أمره. وإذا رأيت من معه دابة عضوضًا أو رموحًا فانصحه ومره يجعل على فمها شيئًا يمنع من أذيتها، فإن أبى فارفع أمره. وإذا رأيت من يغش أو يتعامل بالربا فانصحه، فإن أبى فارفع أمره لتبرأ من التبعة. وإذا رأيت من يبيع آلات اللهو أو الدخان أو الصور أو يصور فانصحه وأورد عليه الأدلة الدالة على التحريم.

стр. 2073

وإذا رأيت من يطفف في المكاييل والموازين فانصحه فإن أبى فارفع أمره. وإن رأيت من يبيع طعامًا متعفنًا أو يخلط طيبًا برديء فانصحه. وإذا رأيت من يسبل ثيابه أو شاربه أو يعمل تواليت أو خنافس فانصحه. وإذا رأيت من يسرع بسيره فانصحه وحذره خطر سرعته وما يترتب عليها. وإذا رأيت من يريد الخروج ويترك حضور الجمعة أو الجماعة فانصحه. وإذا رأيت من عليه خاتم ذهب فانصحه إلخ. وقد نظم بعضهم آداب الجلوس على الطريق؛ فقال: نظمت آداب من رام الجلوس على الطريق … من قول خير الخلق إنسانًا أفشِ السلام وأحسن في الكلام تفز … وشمت العاطس الحماد إيمانًا في الحمل عاون ومظلومًا أعن وأغث … لهفان رد سلامًا واهد حيرانًا بالعرف مُر وانْه عن نكر وكف أذى … وغض طرفًا وأكثر ذكر مولانا ولا يملك ذلك المقطع ويكون المقطع أحق بالجلوس فيها بمنزلة السابق إليها لا إقطاع لكن لا يسقط حقه بنقل متاعه بخلاف السابق ما لم يعد الإمام في إقطاعه؛ لأنه كما أن له اجتهادًا في الإقطاع له اجتهاد في استرجاعه.

стр. 2074

وإن لم يقطع الإمام الطريق الواسعة ورحاب المسجد غير المحوطة أحدًا فالسابق إليها أحق بالجلوس فيها ما لم ينقل قماشه عن المحل الذي جلس فيه؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به»، ولما روى الزبير أن النبي ﷺ قال: «لأن يحمل أحدكم حبلاً فيحتطب، ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه، ثم يستغني به فينفقه على نفسه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» رواه أحمد واتفق أهل الأمصار في سائر الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير نكير. ومحل ذلك ما لم يضيق على أحد أو يضر بمن يمر. فإن أطال الجلوس من غير إقطاع أزيل؛ لأنه يصير كالمتملك ويختص بنفع يساوي غيره. وللجالس بطريق واسع ورحبة مسجد غير محوطة بإقطاع أو غيره أن يستظل بغير بناء بما لا يضر كبارية وكساء؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك. وليس له أن يبني دكة ولا غيرها في الطريق ولو واسعًا ولا في رحبة المسجد لما فيه من التضييق. وليس لمن هو أحق بالجلوس بإقطاع الإمام أو بسبقه الجلوس بحيث يمنع جاره في كيل ووزن وأخذ وعطاء؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار». وإن سبق إثنان فأكثر إلى الطريق الواسع أو إلى رحبة المسجد غير المحوطة أو سبق إثنان فأكثر إلى خان مسبل أو إلى رباط وهي ما أعد لسكنى العزاب أو سبق إثنان فأكثر إلى مدرسة أو إلى خانكاه وهي مسكن النساء أو مكان الصوفية ولم يتوقف الإنتفاع في المذكورات إلى تنزيل ناظر وضاق المكان عن انتفاع جميعهم أقرع بينهم لإستوائهم والقرعة مميزة وهي تستعمل عند اشتباه المستحقين وعند تزاحمهم، وليس أحدهم أولى من الآخر، أما

стр. 2075

إن توقف على ذلك بأن شرطه الواقف قدم من نزله. والسابق إلى معدن غير مملوك أحق بما يناله منه باطنًا كان المعدن أو ظاهرًا؛ لحديث: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به». ولا يمنع السابق ما دام يعمل للحديث ولا يمنع السابق إذا طال مقامه. وقيل: بل يمنع؛ لأنه يصير كالتملك ويختص بنفع يساويه غيره في استحقاقه. والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس إلا إن كان قد أخذ قدر حاجته وأراد الإقامة بحيث يمنع غيره منه فيمنع من ذلك، والله أعلم. وإن سبق إثنان فأكثر إلى المعدن وضاق المكان المباح عن أخذهم جملة أقرع كما لو سبق إثنان فأكثر إلى طريق واسع وضاق عن جلوسهما أو جلوس الجميع إن كانوا أكثر فيقرع بينهما أو بينهم كما سبق وإن حفر المعدن إنسان من جانب آخر غير الذي حفر منه السابق فوصل إلى النيل لم يمنع؛ لأن حقه إنما تعلق بما وصل إليه دون غيره والسابق إلى مباح كصيد وعنبر وحطب ولقطة ولقيط وثمر ولؤلؤ ومرجان ومنبوذ رغبة عنه وما يتركه الحصاد من الزرع واللقاط من الثمر أحق به؛ للحديث المتقدم، وكذا ما ينبت في الجزائر والرقاق وكل موات من الطرفاء والسمر والحطب وغير ذلك من النبات أحق به من غيره لسبقه إليه قبل غيره ويملكه بأخذه لكن الملك مقصور فيه على القدر المأخوذ فلا يملك ما لم يحزه ولا يمنع غيره منه قاله في «الإقناع وشرحه». بتحويطها عرفًا أو إصلاحها لما … تراد له في العرف الإحياء قيد

стр. 2076

وإجراء معتاد المياه وقيل ما المعاود … إحياء يلي بالمؤيد وعادية الآبار خمسون حولها … ذراعًا حريم ملك محيى بأجود وإن كان فيها الماء وإن قل لم يجز … تملكها بل غائض الماء مهد وإن لم تكن عادية فحريمها … لحافرها خمسًا وعشرين مهد وقيل حريم الكل من كل جانب … لهن على قدر الرشاء الممدد وقيل الذي تحتاج في حوز مائها … إليه وقيل أقدر بعرف وقيد ومن يتملك أيكة في موات … الحريم كغصن أو جريد ممدد وإصلاح دوح في موات تحجر … ويملك بالترتيب دون تقيد وأحداث مؤذ نفس جار وماله … حرام وأزله دون مؤذ قد ابتدى وليس بإقطاع ولا بتحجر … موات بمملوك يصير لمبتدي ولكنه أولى ووارثه به … فإن شاء يهب والبيع فامنع بأجود فإن أخر الإحياء بعد شروعه … ليلزمه ذو السلطان إتمام ما ابتدى

стр. 2077

فإن هو لم يتمم أبيح لغيره … وشهرين مع شهر متى يبع يرصد ويملكها المحي سواه بمبعد … كذاك حمى غير النبي محمد فإن تنقض الآمال لم يحي من يشا … ليحيه لو من غير إذن كما ابتدى ويملك إقطاع الجلوس الإمام في … سبيل فسيح أو برحبة مسجد إذا لم يكن فيه على الناس ضيقة … وليس بملوك الإقطاع فاشهد ومقطعها أولى بها فهم وإن يزل … متاع الفتى عنها متى شاء يردد فإن هي لم تكن لحق سابق … متى لم يزل عنها المتاع ليقعد وينقل كل إن بطل في المجود … وأقرع بين المستوين تسدد وقيل بتقديم الإمام الذي رأى … ومن شاء يضلل لا بشيء مؤبد وإن كان تضييقًا على الناس لم يجز … ويكره من هذا الشرا عند أحمد وما ناله ذو السبق من معدن له … وإن ضيق أمنع كالمطيع بمبعد

стр. 2078

(٣٠) حكم ماذا سبق اثنان إلى مباح أو معدن إلخ وما يتعلق بالحمى والانتفاع بالماء والقناة والنهر وما حول ذلك من مسائل وبحوث وأمثلة وقيود س ٣٠: ما صفة قسم ما سبق إليه اثنان فأكثر، إذا رأى إنسان لقطة وسبقه إليها آخر أو رآها اثنان أو التقطاها جميعًا فما الحكم في ذلك؟ وما هي الأسباب المقتضية للتمليك؟ وما الحكم في حمى مرعى للدواب؟ ونقض ما حمي، وكيف العمل بما حمي؟ وكيف الحكم في الماء الذي ينتفع فيه أناس كثيرون مختلفون في القرب منه والبعد أو متساوون، وإذا أراد إنسان إحياء أرض يسقيها من السيل أو النهر الصغير أو أحيا سابق مواتًا في أسفل النهر ثم أحيا آخر فوقه إلخ، أو حفر نهرًا صغيرًا وسيق ماؤه من نهر كبير فما الحكم؟ وما صفة قسمه عليهم؟ ومن الذي يقسمه عند تشاحنهم؟ وما حكم التصرف فيه قبل قسمته؟ وما الذي يجوز لكل إنسان أن يأخذ منه لشرب أو وضوء إلخ؟ وما حكم المنع من ذلك وإذا سبق إنسان إلى قناة لا مالك لها فسبق آخر إلى بعض أفواهها أو احتاج النهر المشترك إلى عمارة فكيف تكون النفقة، وهل لمالك الأرض منع محيي القناة أو تضييق مجراها، وإذا سد ماء من أجل إنسان فهل لغيره السقي منه؟ واذكر التفاصيل والقيود والمحترزات والأدلة والتعليلات والخلاف والترجيح ومثل لما لا يتضح إلا بالأمثلة. ج: ويقسم ما أخذ من ذلك بين عدد اثنين فأكثر بالسوية لاستوائهم في السبب والقسمة ممكنة وحذرًا من تأخير الحق ولا فرق في ذلك بين ذي الحاجة والتاجر؛ لأن الاستحقاق بالسبب لا بالحاجة والملك مقصود فيه على القدر المأخوذ فلا يملك ما لم يحزه ولا يمنع غيره منه.

стр. 2079

وكذا سبق واحد فأكثر إلى ما ضاع مما لا تتبعه همة أوساط الناس كرغيف وتمرة وسوط ونحو ذلك؛ لأنه يملكه آخذه بمجرد لإلتقاط ولا يحتاج لتعريف. وكذا من سبق إلى ما يسقط من الثلج والمن وسائر المباحات. وإن سبق إنسان إلى لقيط أو لقطة فهو أحق به فلو رأى إنسان لقطة فسبقه آخر إلى أخذها فهي لمن سبق لا لمن رأى؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به». وإن رأى اللقطة إثنان فأمر أحدهما الآخر فأخذها المأمور ونوى الأخذ لنفسه فهي له لا للآمر. وكذا لو لم ينوِ أنها لنفسه ولا نواها لغيره فهي له أيضًا؛ لأنه السابق إليها للحديث. وإن نوى المأمور بأخذها أنها للآمر فهي على ما نوى للآمر في قول من يقول بصحة التوكيل في الإلتقاط. وإن التقطاه معًا فهو لهما ووضع اليد عليه كأخذه فيملك بمجرد وضع اليد عليه، وكذا لقيط في الحكم كاللقطة إذ لا فرق بينه وبينها. والأسباب المقتضية للتمليك: ١) الإحياء. ٢) الميراث. ٣) المعاوضات. ٤) الوصايا. ٥) الوقف. ٦) الصدقات. ٧) الغنيمة. ٨) الإصطياد. ٩) وقوع الثلج في المكان الذي أعده. ١٠) وإنقلاب الخمر خلا والبيضة فرخًا. فائدة: من خط أحمد بن عطوة ونص الإمام أحمد في رواية حنبل أن للإمام أن يعطي من بيت المال ويقف على بعض المسلمين، وما في معنى ذلك، وقد أفتى في هذه المسألة ابن عقيل من أصحابنا وابن عصرون

стр. 2080

من الشافعية بأن للإمام أن يعطي من أراضي بيت المال ويقف بعضها على بعض المسلمين وحكم به القاضي عز الدين بن جماعة في الديار المصرية في وقف السلطان الملك الناصر على خيل البريد وحكم بذلك في صحة الوقف ونفذ حكمه المالكي والحنفي والحنبلي ونفذ لهم القاضي جمال الدين. وللإمام حمى موات لرعي دواب المسلمين التي يقوم بها ما لم يضيق على الناس؛ لما ورد عن ابن عمر: أن النبي ﷺ حمى النقيع للخيل خيل المسلمين، رواه أحمد، وعن الصعب بن جثامة: أن النبي ﷺ حمى النقيع، وقال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» رواه أحمد وأبو داود وللبخاري منه: «لا حمى إلا لله ولرسوله»، وقال: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة، ولقول عمر ﵁: المال مال الله، والعباد عباد الله ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر. قال مالك: بلغني أنه كان يحمل في كل على أربعين ألفًا من الظهر، وروي أيضًا: أن عثمان حمى واشتهر ولم ينكر، وعن أسلم قال: سمعت عمر يقول: لهني حين استعمله على حمى الربذة يا هني، اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة ودعني من نعم ابن عفان فإنهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاء يصرح يا أمير المؤمنين فالكلأ أهون على أم غرم الذهب والورق أنها أرضهم قاتلوا عليها في الإسلام وإنهم ليرون أنا نظلمهم ولولا النعم التي تحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شيئًا أبدًا ووجه هذا أن ما كان من مصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام النبي ﷺ ؛ لحديث: «ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده». وحديث: «لا حمى إلا لله ولرسوله» رواه أبو داود أجيب

стр. 2081

عنه بأنه مخصوص بما يحميه الإمام لنفسه فإنه يفارقه حمى النبي ﷺ ؛ لأن صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين وماله كان يرده في المسلمين ففارق الأئمة في ذلك وساوره فيما كان صلاحًا للمسلمين؛ ولهذا اشترط في جواز الحمى أن لا يكون في قدر يضيق على المسلمين؛ لأنه إنما جاز لما فيه من المصلحة وليس من المصلحة الضرر على المسلمين. وللإمام نقض ما حماه باجتهاده وله نقض ما حماه غيره من الأئمة؛ لأن حمى الأئمة إجتهاد فيجوز نقضه بإجتهاد آخر. وينبني على ذلك أنه لو أحياه إنسان ملكه؛ لأن ملك الأرض منصوص عليه والنص مقدم على الإجتهاد، بل عمل كل من الإجتهادين في محله كالحادثة إذا حكم فيها قاض بحكم ثم وقعت مرة أخرى وتغير إجتهاده كقضاء عمر ﵁ في المشركة. ولا ينقض أحد ما حماه النبي ﷺ ؛ لأن النص لا ينقض بالإجتهاد فليس لأحد من الأئمة نقضه ولا تغييره. ولا يملك ما حماه رسول الله ﷺ بإحياء وهو المشار إليه في باب صيد الحرمين ونباتهما من قوله وجعل النبي ﷺ حول المدينة إثني عشر ميلاً حمى. وإذا كان الحمى لكافة المسلمين تساووا فيه جميعهم فإن خص فيه المسلمون اشترك غنيهم وفقيرهم ومنع منه أهل الذمة. وإن خص فيه الفقراء منع منه الأغنياء وأهل الذمة ولا يجوز أن يخص فيه الأغنياء دون الفقراء ولا أهل الذمة. فلو امتنع الحمى المخصوص لعموم الناس جاز أن يشتركوا فيه؛ لارتفاع الضرر على من يخص به ولو ضاق الحمى العام عن جميع الناس

стр. 2082

لم يجز أن يختص به أغنياؤهم. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا عن مرعى موات أو حمى؛ لأنه ﷺ أشرك الناس فيه. قاله في «الأحكام السلطانية»: المياه نوعان مباح، وغير مباح، فأما غير المباح فهو ما ينبع من الأرض المملوكة فصاحب الأرض أحق به من غيره، وأما المباح فهو الذي ينبع في الموات فهو مشترك بين الناس؛ لقوله ﷺ : «الناس شركاء في ثلاثة: الماء والنار والكلأ». فمن سبق منهم إلى شيء منه كان أحق به؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» فمن أراد أن يسقي منه أرضًا، فإن كان نهرًا عظيمًا كالنيل والفرات وما أشببهما من الأودية العظيمة جاز أن يسقي منه ما شاء ومتى شاء؛ لأنه لا ضرر فيه على أحد. وإن كان نهرًا صغيرًا كماء الأمطار، فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه ثم يرسله الذي أرسل إليه وهو الذي يلي الأعلى إلى من يليه يفعل كما فعل الأول مرتبًا ثم الذي يليه يفعل كما فعلا وهلم جرا على هذا تكون الحال إلى أن تنتهي الأراضي كلها. ومحل إرساله إلى من يليه إن فضل شيء عمن له السقي والحبس وإلا فلا شيء للباي وهو الذي بعده إذ ليس له إلا ما فضل كالعصبة مع أصحاب الفروض في الميراث؛ لحديث عبادة «أن النبي ﷺ قضى في شرب النخيل من السيل أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء» رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «أن النبي ﷺ قضى في سيل مهزور أن يمسك الماء حتى يبلغ الكعبين

стр. 2083

ثم يرسل الأعلى على الأسفل» رواه ابن ماجه وأبو داود، ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث عائشة أنه قضى في سبيل مهزور ومذنب أن الأعلى يرسل إلى الأسفل ويحبس قدر الكعبين وأعله الدارقطني بالوقف. ومهزور بتقديم الزاء على الراء واد بالمدينة ومذنب اسم موضع بها، ولحديث عبد الله بن الزبير أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «إسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي ﷺ ، فقال: «يا زبير، اسق ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر»، فقال الزبير: فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ متفق عليه. الشراج: جمع شرج نهر صغير، والحرة: أرض ملتبسة بحجارة سود، والجدر: الجدار، وإنما أمر النبي ﷺ الزبير أن يسقي ثم يرسل الماء تسهيلاً على غيره فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي ﷺ للزبير حقه. فإن كان لأرض أحدهم أعلا وأسفل بأن كانت مختلفة منها العالي ومنها النازل سقى كلا من ذلك على حدته بأن يفرده فيسقي الأعلى ثم يرسل الماء إلى من يليه ثم كذلك حتى يصل إلى الأسفل فيسقيه كما تقدم. فإن استوى إثنان فأكثر في القرب من أول النهر قسم الماء بينهم على قدر أرض كل منهم إن أمكن قسمه لتساويهم بالحق. فلو كان لأحدهم جريب ولآخر جريبان ولآخر ثلاثة كان لرب الجريب السدس ولرب الجريبين الثلث، ولرب الثلاثة الأجربة النصف؛ لأن الزائد في الأرض من أرضه أكثر مسار في القرب فاستحق جزءًا من الماء كما لو كانوا ستة لكل واحد منهم جريب.

стр. 2084

وإن لم يكن قسمه بينهم أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة قدم بالسقي فيسقي منه بقدر حقه ثم يقرع بين الآخرين فمن قرع سقى بقدر حقه ثم تركه للآخر. وليس لمن تخرج له القرعة أن يسقي بجميع الماء؛ لأن من لم يخرج له يساويه في الاستحقاق في الماء فإن لم يفضل عن واحد سقى القارع بقدر حقه وليس للقارع السقي بكل الماء لمساواة الآخر له في الاستحقاق، وإنما استعملت القرعة للتقدم في استيفاء الحق بخلاف الأعلى مع الأسفل فلا حق للأسفل إلا في الفاصل عن الأعلى كما تقدم. وإن أراد إنسان إحياء أرض يسقيها من السيل أو النهر الصغير لم يمنع من الإحياء؛ لأن حق أهل الأرض الشاربة منه الماء لا في الموات ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه فإن ضرهم فلهم منعه لدفع ضرره عنهم وخوف تقديمه عليهم إذا طال الزمن وجهل الحال ولا يسقي قبلهم؛ لأنهم أسبق إلى النهر منه، ولأن من ملك أرضًا ملكها بحقوقها ومرافقها فلا يملك غيرهم إبطال حقوقها، وهذا من حقوقها. فلو أحيا سابق في أسفله مواتًا ثم أحيا آخر فوقه ثم أحيا ثالث فوق الثاني كان للأسفل السقي أولاً ثم للثاني في الإحياء وهو الذي فوق الأسفل في المثال ثم سقى الثالث الذي فوق الثاني فيقدم السبق إلى الإحياء على السبق إلى أول النهر لمن تقدم من أنه إذا ملك الأرض ملكها بحقوقها ومرافقها. وقيل ليس لهم منعه من إحياء ذلك الموات، قال الحارثي: وهو أظهر، قال: وظاهر الأخبار المتقدمة وعمومها يدل على إعتبار السبق إلى أعلا النهر مطلقًا، قال: وهو الصحيح فله أن يسقي قبلهم على ما اختاره.

стр. 2085

والقول الأول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لحديث: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به، وهم أسبق منه» والله أعلم. وإن حفر نهر صغير وسيق ماؤه من نهر كبير ملك الحافر الماء الداخل فيه، والنهر بين جماعة اشتركوا في حفره على حسب عمل ونفقة؛ لأنه ملك بالعمارة وإن لم يكفهم وتراضوا على قسمته بالمهايات بساعات أو أيام جاز فيه؛ لأن الحق لا يعدوهم. وإن لم يتراضوا على قسمته وتشاحوا قسمه حاكم على قدر ملكهم بأن يقسم لكل واحد من الماء بقدر ما يملك من النهر فتؤخذ خشبة صلبة أو حجر مستوي الطرفين والوسط فيوضع على موضع مستو من الأرض في مصدم الماء فيه حزوز أو ثقوب متساوية في السعة على قدر حقوقهم. فلو كان لأحدهم نصف، ولآخر ثلث، ولآخر سدس، جعل فيه ستة ثقوب لرب النصف ثلاثة، ولرب الثلث إثنان، ولرب السدس واحد يصب ماء كل واحد في ساقيته فيتصرف كل واحد بما في ساقيته فيما أحب لانفراده بملكه. وإن كان النهر مشتركًا بين جماعة فليس لأحدهم أن يتصرف فيه بما أحب من فتح ساقية إلى جانب النهر ليأخذ حقه منها ولا أن ينصب على حافتي النهر رحى تدور بالماء ولا غير ذلك من نحو ما تقدم؛ لأن حريم النهر مشترك فلم يملك التصرف فيه قبل قسمة. فإن أراد أحد الشركاء أن يأخذ من النهر قبل قسمه شيئًا فيسقي به أرضًا في أول النهر أو غيره لم يجز؛ لأن الأخذ منه ربما احتاج إلى تصرف في أول حافة النهر المملوك لغيره بلا إذن شركائه كسائر الحقوق المشتركة، لكن لكل إنسان أن يأخذ من ماء جار مملوك أو غيره لشرب ووضوء وغُسل وغَسل

стр. 2086

ثيابه وغسل أوانيه لأكل وشرب أو يأخذ منه لأكله والإنتفاع به في نحو ذلك مما ليس بحرام. ولا يجوز أن يأخذ منه ماء للشيشة المستعملة في الدخان ولا أن يأخذ منه ما يبلّ فيه اللحية لحلقها أو لوساة التوالية ونحو ذلك من المحرمات؛ لأنه إعانة على المعاصي، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. ولا يحل لصاحب الماء الجاري المنع من ذلك المذكور؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء فمنعه ابن السبيل» الحديث رواه البخاري بخلاف ما يؤثر فيه كسقي ماشية كثيرة ونحوه، فإن فضل عن حاجته ماء لزمه بذله لذلك وإلا فلا وتقدم. ومن سبق إلى قناة لا مالك لها فسبق آخر إلى بعض أفواهها من فوق أو من أسفل فلكل منهما ما سبق إليه من ذلك للخبر وإن احتاج النهر المشترك ونحوه إلى عمارة أو تنظيف فعلى الشركاء بحسب أملاكهم فإن كان بعضهم أدنى إلى أوله من بعض اشترك الكل إلى أن يصلوا إلى الأول، ثم لا شيء عليه إلى الثاني، ثم يشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني، ثم يشترك من بعده كذلك كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده شيء؛ لأن الأول إنما ينتفع بالماء الذي في موضع شربه وما بعده إنما يختص بالإنتفاع به من دونه فلا يشاركهم في مؤنته كما لا يشاركهم في نفعه، فإن كان يفضل عن جميعهم منه ما يحتاج إلى مصرف فمؤنته على جميعهم لاشتراكهم في الحاجة إليه والانتفاع به فكانت مؤنته عليهم كأوله. ولمالك أرض منعه من الدخول بها ولو كانت رسوم القناة المحياة في أرض المانع فلا يدخل المحيى للقناة في أرض غيره بغير إذنه.

стр. 2087

ولا يملك رب أرض تضييق مجرى قناة في أرضه من خوف لص؛ لأن مجراها لصاحبها فلا يتصرف غيره فيه بغير إذنه؛ لأن فيه ضرر عليه بتقليل الماء ولا يزال الضرر بالضرر ومن سد له ماء لجاهه ليسقي به أرضه فلغيره ممن لا استحقاق له بأصل الماء إلا بالحاجة السقي من الماء المسدد للمتجوه ما لم يكن ترك هذا الغير السقي من الماء المسدود سببًا؛ لأن يرد المتجوه الماء الذي سده على من سده عنه فيمتنع عليه السقي في هذه الحالة؛ لأنه تسبب في ظلم من سد عنه بتأخير حقه. وإذا حصل نصيب إنسان في ساقيته فله أن يسقي بها ما شاء من الأرض سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لا وله أن يعطي من يسقي به؛ لأنه ماء قد تفرد باستحقاقه فكان له أن يسقي ما شاء، كما لو انفرد إنفرد به من أصله. من النظم فيما يتعلق في إحياء الموات ويقرع بين اثنين إن ضاق عنهما … فأكثر مع سبق معًا مثل مقعد وقيل أقسمن عند استواء وقيل من … يشا القاض ينكا واستنب في مبعد ويملك ذو السبق المباح بحوزه … وما نبذ الملاك نبذة مبعد وما سيبوا في مهلك لانقطاعه … أو العجز عن قوت لمنجيه أورد على نصه في الحي غير رقيقه … وقد قيل لم يملك كمال مبدد

стр. 2088

سوى ما رموا في البحر خوفًا بأوطد … وأن ينكسر فلك فبالأجرة أردد كذا الحكم في رد المتاع ومنفق … على العبد في الأولى وقيل وجلعد ويقسم بين المستوين بسبقهم … ونهر مباح لإزدحام ليورد على أول يسقي إلى الكعب حابسًا … ويرسل للجيران حتى المبعد وعند استواء القرب يقسم بينهم … فإن يمتنع قسم إلى قرعة عد فإن يحيى أرضًا بعد قسم جماعة … يجز سقيها منه إذا لم تنكد ومستحدثون النهر عند اختلافهم … ليقسم بظن العدل بين المعدد وكل ليسقي ما يشاء بسهمه … ولم يجز القاضي بغير المعود وحفرك مجرى حل للحل ماؤه … بإيصاله للنهر ملك المخدد ويملك أيضًا حافيته وماؤه … مباح وحظر منه سوق مخدد ويملك فرض النهر مع حافيته من … يحد إلى نهر مباح ممدد ويبقى على حكم الإباحة ماؤه … ومن يبغ منه سوق ساقية ذد

стр. 2089

وإن لدواب المسلمين حبًا امرؤ … أمام مواتًا لا يضر فأسعد ولا تمنعن من لا يطيق إنتجاعه … بأنعامه مرعى بعيدًا فتعتد وغير حمى الهادي يجوز إنتقاضه … ويملك في الأقوى بإحيا مجدد وصحح لإعطا الأرض من بيت مالنا … ووقفا لقوم في المذاهب من هدي (٣١) الجعالة س ٣١: تكلم بوضوح عن الجعالة لغةً، واصطلاحًا، واذكر حكمها، وأمثلة لها، وكم أركانها؟ وما هي؟ وما الحكم فيما إذا بلغ الإنسان الجعل بعد العمل أو في أثنائه أو قبل الفعل وحكم الأخذ وإذا قال من رد عبدي فله كذا فما الحكم؟ وإذا رده من المسافة المعينة أو من أبعد منها أورد أحد آبقين أو فسخ جاعل أو عامل الجعالة قبل التمام أو جمع بين تقدير مدة وعمل، واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والفروق والمحترزات والخلاف والترجيح. ج: الجعالة بتثليث الجيم مشتقة من الجعل بمعنى التسمية؛ لأن الجاهل يسمى الجعل للعامل أو من الجعل بمعنى الإيجاب، يقال: بجعلت له كذا وكذا أي أوجبت، ويسمى ما يعطاه الإنسان على أمره يفعله جعلاً وجعالة وما تجعل للغازي إذا غزا عنك بجعل وهي الجعائل يدفعه المضروب عليه البعث إلى من يغزو عنه، قال سليك بن شقيق الأسدي: فأعطيت الجعالة مستميتًا … خفيف الحاذ من فتيان جرم

стр. 2090

والجعالة إصطلاحًا: جعل جائز التصرف شيئًا متمولاً معلومًا لمن يعمل له عملاً مباحًا معلومًا أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة، وهي جائزة بالكتاب والسُّنة والإجماع في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وقوله ﷺ يوم حنين: «من قتل قتيلاً فله سلبه»، وعن أبي سعيد قال: «انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو آتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء فآتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ وسعينا بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفنا فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة فأوفرهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر الذي يقرنا، فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: «وما يدريك أنها رقية»، ثم قال: «قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهمًا»، وضحك النبي ﷺ . رواه الجماعة إلا النسائي، وهذا لفظ البخاري. وأجمع المسلمون على جواز الجعالة في الجملة، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالإجارة. وأركان الجعالة: ١) عمل. ٢) جعل. ٣) صيغة. ٤) عاقد. ولا يشترط أن يكون الجعل معلومًا إن كان من مال حربي فيصح مجهولاً كما تقدم في الجهاد.

стр. 2091

قال في «المغني»: ويحتمل أن تجوز الجعالة مع جهالة العوض إذا كانت الجهالة لا تمنع التسليم نحو أن يقول من رد عبدي الآبق فله نصفه. ومن رد ضالتي فله ثلثها، فإن أحمد قال: إذا قال الأمير في الغزو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس جاز، وقالوا: إذا جعل جعلاً لمن يدله على قلعة أو طريق سهل وكان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولاً كجارية يعينها العامل فيخرج هاهنا مثله، فأما إذ كانت الجهالة تمنع من التسليم لم تصح الجعالة وجهًا واحدًا. ويشترط أن يكون العمل مباحًا لا محرمًا. فلا تصح الجعالة على الزنا واللواط والسرقة وشرب الدخان وحلق اللحية وعمل التواليت والخنافس، ولا تصح على عمل الرؤوس الصناعية ولا على قص رؤوس النساء ولا عمل ثياب رجال لنساء ولا على عمل ثياب نساء لرجال ولا على المسابقة في الكرة، ولا على اللعب بأم الخطوط، ولا على اللعب بالورق، ولا على الخضاب بالسواد، ولا على نقل من يريد ترك الجمعة والجماعة، ولا عمل الصور أو بيعها مجسدة أو غير مجسدة إذا كانت من صور ذوات الأرواح لتحريمها بيعًا وشراء وتصويرًا واقتناءً. ولا تصح الجعالة على تصليح آلات اللهو كالمذياع والتلفزيون والسينما والبكم وتسجيل الأغاني. ولا يجوز جعل للمطربين رجالاً أو نساءً. ولا تجوز الجعالة على الغيبة ولا النميمة ولا الكذب. ولا تصح على عمل شيش للدخان ولا المجلات الخليعة. ولا تصح الجعالة لمن يشهد بالزور وقس على ذلك جميع المحرمات،

стр. 2092

فلا تصح عليها الجعالة كالإجارة. ولا تصح لمن يعمل عبثًا؛ لأنه لا فائدة فيه كساع يقطع أيامًا في يوم واحد. ومثله في عدم الصحة تكليف فوق الطاقة كرفع ثقيل من حجر أو غيره ومشى على جبل أو جدار أو قفز قليب أو نحوها فلا تنعقد الجعالة على شيء من ذلك لاشتراط الإباحة، وهذه الأشياء إما أن يخشى فاعله الضرر فحرام وإلا فمكروه على هذا يكون غير مباح. وقال الحليمي من الشافعية: لا يراهن رجلان على قوة يختبران بها أنفسهما على عمل فيقول أحدهما: إن قدرت على رمي هذا الجبل ونحوه فلك كذا، فإنه لا يصح. وقال ابن عبد الهادي: إذا قال من أكل هذا الرغيف أو رطل اللحم أو شرب هذا الكوز الماء أو صعد هذه الشجرة ونحو ذلك، فمن فعله استحق ذلك، قال: ومما يفعل في عصرنا أن يجعل على أكل كثير من الحلوى والفاكهة أو صعود موضع عسر ونحو ذلك، أن يقال من أكل هذه الرمانة ولم يرم منها حبة فله كذا فيصح ذلك، ومن فعل استحق الجعل، فإن قال: إن فعلت كذا فلك كذا وإن لم تأكله فعليك كذا لم يجز. اهـ. وتصح الجعالة ولو كان العمل مجهولاً إذا كان العوض معلومًا كمن خاط لي هذا الثوب ونحوه فله كذا وكرد لقطة لم يعين موضعها؛ لأن الجعالة جائزة لكل منهما فسخها فلا يؤدي أن يلزمه مجهول بخلاف الإجارة وأن تكون مع شخص جائز التصرف أو لمن يعمل له مدة ولو كانت المدة مجهولة كمن حرس زرعي فله كل يوم كذا، قال في «الشرح». ويصح الجعل على مدة مجهولة أو على مجهول إذا كان العوض معلومًا؛

стр. 2093

لأنها عقد جائز من الطرفين فجاز أن يكون العمل فيها مجهولاً والمدة مجهولة كالشركة والوكالة، ولأن الجائزة لكل منهما فسخها فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهول عنده إذا كان العوض معلومًا، ولأن الحاجة تدعو إلى كون العمل مجهولاً وكذلك المدة لكونه لا يعلم موضع الضالة والآبق ولا حاجة إلى جهالة العوض، ولأن العمل لا يصير لازمًا فلم يشترط كونه معلومًا والعوض يصير لازمًا بإتمام العمل فاشترط العلم به، انتهى. فإن جعله لمعين بأن قال لزيد مثلاً: إن رددت لقطتي فلك كذا وكذا فيستحقه إن ردها ولا يستحق من ردها سوى المخاطب بذلك؛ لأن ربها لم يجاعل إلا المخاطب على ردها. وإن كانت بيد إنسان فجعل له مالكها جعلاً ليردها لم يبح لمن هي بيده أخذ الجعل إلا إن طابت نفس مالكها حقيقة بذلك. وتصح الجعالة ولو جعل العوض لغير معين كان يقول من بنى لي هذا الجدار فله كذا وكذا أو من رد عبدي الآبق. وإذا قال من أذن في هذا المسجد شهرًا فله كذا وكذا ومن فعله ممن لي عليه دين فهو بريء من كذا فيصح العقد مع كونه تعليقًا؛ لأنه في معنى المعاوضة لا تعليقًا محضًا. فمن بلغه الجعل قبل العمل المجعول عليه ذلك العوض استحق الجعل بالعمل بعد لا إستقراره بتمام العمل كالربح في المضاربة، فإن تلف فله مثل مثلي وقيمة غيره. ولا يحبس العامل العين حتى يأخذه ومن بلغه الجعل في أثناء العمل فله من الجعل حصة تمامه. المعنى: أنه يستحق من الجعل بقسط ما بقي من العمل فقط؛ لأن عمله قبل

стр. 2094

بلوغه الجعل وقع غير مأذون له فيه فلم يستحق عنه عوضًا لبذله منافعه متبرعًا بها. ومحل ذلك إن أتم العمل بنية الجعل ولهذا لو لم يبلغه الجعل إلا بعد تمام العمل لم يستحق الجعل ولا شيئًا منه لما سبق. وحرم عليه أخذ الجعل؛ لأنه من أكل المال بالباطل إلا أن تبرع له ربه به بعد إعلامه بالحال. وفي كلام ابن الجوزي في «المنتظم»: يجب على الولاة إيصال قصص أهل الحوائج فإقامة من يأخذ الجعل على إيصال القصص للولاة حرام؛ لأنه من أكل المال بالباطل. قال في «الفروع»: ويتوجه إحتمال ولعله ظاهر كلام ابن الجوزي إن وجب عليه حرام وإلا فلا. وإن قال: جائز التصرف لزيد مثلاً إن رددت لقطتي فلك كذا فيستحقه إن ردها هو ولم يستحقه من ردها دون زيد المقول له ذلك؛ لأن ربها لم يجاعله على رده وتقدمت المسألة. وإن فعل المجاعل عليه جماعة اقتسموا الجعل بينهم؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي به استحق الجعل، فلو قال قائل من نقب السور فله دينار فنقبوه كلهم نقبًا واحدًا، فإن كانوا ثلاثة استحقوا الدينار بينهم أثلاثًا؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض فاشتركوا في العوض كالأجرة في الإجارة. وإن نقب كل واحد نقبًا فكل واحد دينار كما لو قال من دخل هذا النقب فله دينار فدخله جماعة استحق كل واحد منهم دينارًا؛ لأن كل واحد من الداخلين دخل دخولاً كاملاً كدخول المنفرد فاستحق العوض كاملاً.

стр. 2095

ولو اختلف المالك والعامل، فقال: عملته بعد أن بلغني الجعل، وقال المالك: بل قبله فقول عامل بيمينه؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته، هذا هو الذي تميل نفسي، والله أعلم. ولو فاوت بين الجماعة العاملين فجعل لإنسان في رد آبق على رده ريالاً وجعل للآخر ريالين وجعل للثالث ثلاثة ريالات، فإن رد واحد استحق جعله وإن رده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له؛ لأنه عمل ثلث العمل فاستحق ثلث المنتمي. وإن رده إثنان منهم فلكل واحد منهم نصف جعله؛ لأنه عمل نصف العمل فاستحق نصف المسمى وإن جعل لواحد عوضًا معلومًا كريال مثلاً وجعل لآخر عوضًا مجهولاً فرداه معًا فلرب المعلوم نصفه وللآخر أجر عمله. وإن جعل رب العبد الآبق مثلاً لواحد معين كزيد شيئًا فرده من جوعل وهو زيد في المثال هو وآخران معه، وقال الآخران: رددناه معاونة لزيد استحق زيد كل الجعل ولا شيء لهما؛ لأنهما تبرعا بعملهما، وإن قالا: رددناه لنأخذ العوض منه لأنفسنا فلا شيء لهما؛ لأنهما عملا من غير جعل ولزيد ثلث الجعل؛ لأنه عمل ثلث العمل. وإن نادى غير صاحب الضالة، فقال: من ردها فله جنيه فردها رجل أو امرأة فالجنيه على المنادي؛ لأنه ضمن العوض المعنى التزمه ولا شيء على رب الضالة؛ لأنه لم يلتزم. وإن قال المنادي غير رب الضالة في ندائه قال فلان: من رد ضالتي فله ريال، ولم يكن رب الضالة قال ذلك فردها رجل لم يضمن المنادي؛ لأنه لم يلتزم العوض والذي رد الضالة مقصر حيث لم يأخذ بالاحتياط لنفسه. وإن قال رب عبد آبق من سيده من رد عبدي فله كذا، والمسمى أقل

стр. 2096

من دينار أو أقل من اثني عشر درهمًا فضة اللذين قدرهما الشارع في رد الآبق، فقيل: يصح ذلك وللراد برد الآبق الجعل فقط؛ لأنه رد على ذلك فلا يستحق غيره. وقيل: لا تصح التسمية وللراد له ما قدره الشارع لاستقراره عليه كاملاً بوجود سببه. وما ذكر من أن الشارع قدر في رد الآبق دينار أو اثني عشر درهمًا، قال في «الإنصاف»: أنه المذهب سواء كان يساويهما أو لا لئلا يلتحق بدار الحرب أو يشتغل بالفساد، وروي عن عمر وعن عمرو بن دينار وابن أبي مليكة مرسلاً أن النبي ﷺ جعل في رد الآبق خارجًا من الحرم دينارًا. والقول الثاني هو الذي تميل إليه النفس والله أعلم. وإن كان المسمى أكثر من دينار أو أكثر من اثني عشر درهمًا فرده إنسان استحق الجعل بعمل ما جوعل عليه كرد لقطة وبناء حائط؛ لأنه استقر على الجاعل بالعمل. ويستحق من سمي له جعل على رد آبق ورده من دون المسافة المعينة القسط من المسمى، فإن كان المردود منه نصف المسافة استحق نصف المسمى فقط؛ لتبرعه بالزائد؛ لعدم الإذن فيه. وهذا مع تساوي الطريق في الصعوبة والسهولة، أما إن كان يختلف بأن كان نصفه سهلاً ونصفه صعبًا كان بحسبه من المسمى. ويصح الجمع بين تقدير المدة والعمل في الجعالة كأن يقول من خاط هذا الثوب في يوم كذا فإن أتى به فيها استحق الجعل ولم يلزمه شيء آخر وإن لم يف به فيها فلا شيء له.

стр. 2097

ويستحق من رد أحد آبقين جوعل على ردهما نصف الجعل عن ردهما؛ لأنه رد نصفهما وكذا لو قال من خاط لي هذين الثوبين فله كهذا فخاط أحدهما فله بقدره من الجعل. ومحل ذلك إذا لم يكن في اللفظ ما يدل على فعل الشيئين معًا، كما لو قال من ردهما كليهما فله كذا. وبعد الشروع في العمل إن فسخ جاعل فعلى الجاعل للعامل أجرة مثل عمله؛ لأن عمل بعوض لم يسلم له فكان له أجرة عمله وما عمله بعد الفسخ لا أجرة له عليه؛ لأنه عمل غير مأذون فيه. وإن زاد الجاعل أو نقص من الجعل قبل الشروع في العمل جاز وعمل به؛ لأنه عقد جائز فجاز فيه ذلك كالمضاربة. وإن فسخ عامل قبل تمام العمل فلا شيء له؛ لإسقاط حق نفسه حيث لم يوف ما شرط عليه. ومن التقط لقطة وكتمها ليبذل جعلاً على تحصيلها كما يفعله بعض الجهالة أو من لا يوثق بأمانته فهذه لقطة ويكون آثمًا بتركه التعريف وحكمه بتركه التعريف لها حكم الغاصب فلا يستحق شيئًا أصلاً. وقد ذكر العلماء فروق بين الإجارة والجعالة. أولاً: أن الإجارة لابد أن يكون العمل معلومًا كالعوض. والجعالة: قد يكون معلومًا كمن بنى لي هذا البيت فله كذا وقد يكون مجهولاً كمن رد لقطتي فله كذا. ثانيًا: الإجارة تكون مع معين، والجعالة أوسع من الإجارة؛ ولهذا تجوز على أعمال القرب كالأذان والإمامة وتعليم القرآن ونحوها بخلاف الإجارة.

стр. 2098

ثالثًا: أن الجعالة لا يستحق العامل العوض حتى يعمل جميع العمل، وأما الإجارة ففيها تفصيل يرجع إلى أنه إن لم يكمل الأجير ما عليه فإن كان بسببه ولا عذر له فلا شيء له وإن كان التعذر من جهة المؤجر فعليه جميع الأجر وإن كان بغير فعلهما وجب من الأجر بقدر ما استوفى. رابعًا: أن العمل في الجعالة قائم مقام القبول؛ لأنه يدل عليه. خامسًا: أن الجعالة جائزة بخلاف الإجارة. سادسًا: أنه لا يشترط في الجعالة العلم بالعمل ولا بالمدة. سابعًا: أن القاعدة في العمل إذا كان مجهولاً لا تمكن الإجارة عليه فطريقه الجعالة وإذا كان معلومًا ولم يقصد لزوم العقد عدل إلى الجعالة أيضًا. من النظم فيما يتعلق بالجعالة وقولك من يفعل كذا فله كذا … فمن بعد علم الجعل يغفله يردد إذا قاله من صح منه إجازة … وليس بشرط فيهما دين مهتدي ولا شيء في فعل سبق علم جعله … ولو رد بعد العلم لقطة منشد وتعيينه زيدًا بفعل معين … له واقسمن من الفاعلين ومهد لكل من الجعل استووا أو تفاضلوا … كنسبة فعل منه من متعدد وغير اشتراط جهل فعل ومدة … ولا شرط فعل في زمان مقيد

стр. 2099

ولابد من علم بجعل وقيل ما … اجتهال تواتي القبض معه بمفسد وإن منع التسليم أو صد مطلقًا … فلغو وأجر المثل للعامل أعدد وإن تنو جعلاً منذ تدريه تعطه … وعند جواز ذي فمن شاء يفسد فإن فسخ العمال لم يعط أجرة … وفي فسخها من جاعل فليزود بأجرة مثل الفعل منذ شروعه … وفي الجعل قول الجاعل اقبل بأوطد ويخرج عند الخلف فيه تحالف … فيلزم أجر المثل في فعل مقصد كقربة اختص الفعول بنفعها … وإن يتعدى كالأذان تردد ولا شيء في فعل بلا شرط ربه … سوى في مرد الأبقين بأوكد وعن أحمد بل أربعون وعشر أو … دنينيران يردده من مصر أطد وطد نحو من يردده يملك ثلثه … وما قال رب اجعلن كالمبعد ومن ربه يعطى غرامة قوته … ولو مرمنه في الطريق المعبد ومن أرثه إن مات خذه كجعله … ولو فات كل قيمة المتشرد

стр. 2100

ومن الآباق فهو أمانة … لإقرارهم للمدعي أو بشهد ولا يستحق الجعل إلا برده … ولو فقد المردود عن باب سيد ومن قال من يردد فتى هند أعطه … منا ورق ألزمه جعل المردد وفي بقعة عينت أورد غصبه … من الجعل اعطا نسبة الفعل تهتد وجعل كذا في رد الآباق من منى … كنسبة مردود ومن أقرب أرفد وإن ردهم من أبعد من منى فلا … تزده على الجعل المسمى المحدد وإن قال من داوى فأبرا له كذا … فليس صحيحًا في الصحيح المؤطد وقيل بلى والحكم حكم جعالة … وقد قيل بل حكم الإجارة فاقصد وممن يداوي الكحل دون بقية الدواء … على الأقوى فمن مال أرمد

стр. 2101

(٣٢) اختلاف العامل والجاعل في أصل الجعالة وقدر المسافة أو قدر الجعل وحكم إنقاذ مال الغير من الهلاك وما يتعلق بذلك من نفقة أو نحوها س ٣٢: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا اختلف الجاعل والعامل في أصل جعل أو في قدره أو في مسافة وإذا عمل إنسان لغيره عملاً بلا إذنه قاصد بذلك أخذ أجرة أو أنفق على آبق أو بهيمة أو مات من لزمه جعل أو نفقة أو خيف على حيوان، فما الحكم؟ وإذا كان عنده وديعة وخيف عليها أو وقع حريق بدار فهدمها على النار غير ربها بلا إذنه أو وقع آبق بيد إنسان وصدمه الآبق أو لم يجد واجد الآبق سيده، فما الحكم؟ واذكر الدليل والتعليل والتفصيل والخلاف والترجيح. ج: إذا اختلفا في أصل الجعالة المسماة فأنكر أحدهما، فالقول قول من ينفيه منهما؛ لأن الأصل عدمه. وإن اختلفا في قدر الجعل أو اختلفا في قدر المسافة، فقال الجاعل: جعلت ذلك لمن رده من عشرات أميال، فقال العامل: بل من ستة أميال أو اختلفا في عين العبد الذي جعل فيه الجعل في رده، فقال: رددت العبد الذي جعلت إلي الجعل فيه فأنكر الجاعل، وقال: بل شرطته في العبد الذي لم ترده، فالقول قول جاعل؛ لأنه منكر لما يدعيه العامل زيادة عما يعترف والأصل براءته. وإن عمل شخص ولو المعد لأخذ أجرة على عمله كالملاح والمكاري والحجام والقصار والخياط والدلال والنقار والكيال والوزان وشبههم ممن يرصد نفسه للتكسب بالعمل وأذن له المعمول له في العمل فله أجرة المثل لدلالة العرف على ذلك. وإن لم يكن معدًّا لأخذ الأجرة وعمل لغيره عملاً بلا إذن أو بلا جعل

стр. 2102

ممن عمل له فلا شيء له؛ لأنه بذل منفعته من غير عوض فلم يستحقه ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه ولم تطب نفسه به إلا في تخليص مال غيره ولو كان مال غيره قنا من بحر أو فم سبع أو فلاة يظن هلاكه في تركه فله أجره مثله. وإن لم يأذن ربه؛ لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه بخلاف اللقطة، وكذا لو انكسرت السفينة فخلص قوم الأموال من البحر فتجب لهم الأجرة على الملاك؛ لأن فيه حثًّا وترغيبًا في إنقاذ الأموال من المهلكة. ومثل ذلك، والله أعلم عندي لو خلص مال غيره من حريق أو سيل لو بقي لتلف فإن الغواص إذا علم أن له الأجرة غرر بنفسه وبادر إلى التخليص بخلاف ما إذا علم أن لا شيء له وإلا في رد الآبق من قن ومدبر وأم ولد إن لم يكن الراد الإمام، فإن كان الإمام أو نائبه فلا شيء له لانتصابه للمصالح وله حق في بيت المال على ذلك ولذلك لم يكن له الأكل من مال يتيم. وإن كان الراد غير الإمام أو نائبه فله ما قدره الشارع دينارًا أو اثني عشر درهمًا وسواء كان الراد زوجًا أو ذا رحم في عيال المالك وسواء رده من المصر أو خارجه قربت المسافة أو بعدت ما لم يمت سيد مدبر خرج من الثلث وأولد قبل وصول إليه فيعتقا فلا شيء لرادهما في نظير الرد؛ لأن العمل لم يتم إذ العتيق لا يسمى آبقًا أو يهرب الآبق من واجده قبل وصوله؛ لأنه لم يرد شيئًا. ويأخذ راد الآبق من سيد أو تركته ما أنفق عليه أو ما أنفق على الدابة التي يجوز إلتقاطها يرجع في قوت وعلف وكسوة وأجرة حمل احتيج إليها لا دهن وحلوى ولو هرب أو لم يستحق جعلاً لرده من غير بلد سماه أو لم يستأذن المنفق مالكًا في الإنفاق مع قدرة على استئذانه؛ لأن الإنفاق مأذون فيه

стр. 2103

شرعًا لحرمة النفس وحثًا على صون ذلك على ربه بخلاف الوديعة. ولا يجوز لواجد آبق أن يستخدمه بدل نفقته عليه كالعبد المرهون وأولى ويؤخذ جعل ونفقة من تركه سيد ميت كسائر الحقوق عليه ما لم ينو أن يتبرع بالعمل والنفقة فإن نوى التبرع فلا نفقة له، وكذا لو نوى بالعمل التبرع لا أجرة له ومقتضاه لا تعتبر نية الرجوع بخلاف الوديعة ونحوها، والفرق الترغيب في الإنقاذ من المهلكة فيكفي عدم نية التبرع فيرجع ولو لم ينو الرجوع وللإنسان ذبح حيوان خيف موته ولا يضمن ما نقصه؛ لأن العمل في مال الغير متى كان إنقاذًا له من التلف المشرف عليه كان جائزًا بغير إذن مالكها ولا ضمان على المتصرف وإن حصل به نقص، وقيل: يجب عليه ذبح الحيوان المأكول استنقاذًا من التلف وحفظًا لماليته، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس، والله أعلم. وإن ادعى أنه لم يذبحه إلا خوفًا من موته فلابد من بينة إلا إن كان أمينًا كالراعي أو دلت قرينة على صدقه مثل بعير به مرض أو كان الذابح رجلاً يوثق بدينه وأمانته صدوقًا فلا يضمن، وتقدم في الإجارة إذا ادعى الراعي موتًا ولم يحضره جلدًا قبل يمينه. قال الشيخ تقي الدين وغيره: ومن استنقذ مال غيره من مهلكة ورده استحق أجرة المثل ولو بغير شرط في أصح القولين. وقال إذا استنقذ فرسًا أو نحوه للغير ومرض بحيث أنه لم يقدر على المشي فيجوز، بل يجب في هذه الحال أن يبيعه الذي استنقذه ويحفظ ثمنه لصاحبه نص الأئمة على هذه المسألة ونظائرها. وقال ابن القيم: متى كان العمل في مال الغير إنقاذًا له من التلف المشرف عليه كان جائزًا كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته ولا يضمن ما نقص

стр. 2104

بذبح، قال: ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة حتى أنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة. وينزل إنفاقه عليها منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلاً في حكم الشرع لما أقدم على ذلك، ولضاعت مصالح الناس ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضًا وتعطلت حقوق كثيرة وفسدت أموال عظيمة. ومعلوم أن شريعة بهرت العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك كل الإباء، وذكر أصولاً ثم قال: وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملاً بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه أو فعله حفظًا لمال المالك وإحرازًا له من الضياع، فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله، وقد نص عليه أحمد في عدة مواضع منها إذا حصد زرعه في غيبته. ومنها: لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلصه، فلو ترك ذلك لضاع والمؤمنون يرون قبيحًا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعًا ومال هذا ضائعًا ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سعي هذا، انتهى. وكذا يجوز بيع نحو وديعة ولقطة ورهن خيف تلفه ويحفظ ثمنه لربه. فمن حصل بيده مال غيره وجب عليه حفظه فحيث كان يخشى تلفه ولم يكن مالكه حاضرًا يمكن إعلامه فيفعل ما فيه حظ من بيع أو غيره حسب ما يراه أنفع وهو الموافق للقواعد وللنظائر. ولو وقع حريق بدار فهدمها غير ربها بلا إذنه على النار خوف سريان

стр. 2105

أو هدم قريبًا منها خوف تعديها وعتوها لم يضمن ذكرها ابن القيم في الطرق، ثم قال: وكذا لو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل ولا يهدم الدار كان محسنًا ولا يضمن. والآبق وغيره من المال الضائع بيد آخذه أمانة إن تلف قبل التمكن من رده بغير تفريط ولا تعد فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن بأخذه. ومن ادّعى الآبق أنه ملكه بلا بينة فصدقه الآبق المكلف أخذه؛ لأنه إذا استحق أخذه بوصفه إياه فتصديقه على أنه ملكه أولى، وأما قول الصغير فغير معتبر فإن لم يجد واجد الآبق سيده دفعه لنائب إمام فيحفظه لربه إلى أن يجده ولنائب إمام بيعه لمصلحة رآها في بيعه ويحفظ ثمنه لانتصابه. فلو قال سيده بعد أن باعه واجده كنت اعتقته قبل صدور البيع عمل به وبطل البيع؛ لأنه لا يجر به إلى نفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضررًا ولم يصدر منه ما ينافيه وليس لواجد العبد بيعه ولا يملكه بعد تعريف؛ لأن العبد يتحفظ بنفسه فهو كضوال الإبل لكن جاز إلتقاطه؛ لأنه لا يؤمن لحاقه بدار حرب وإرتداده وإشتغاله بالفساد. وكل ما جاز أن يكون عوضًا في الإجارة جاز أن يكون عوضًا في الجعالة فيصح أن يجعل لعامل نفقة وكسوته كاستئجاره بذلك مفردًا أو مع دراهم مسمات وتزيد الجعال بجعل مجهول من مال حربي. وكل ما جاز عليه أخذ العوض في الإجارة من الأعمال جاز عليه أخذ العوض في الجعالة وما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة كالغنا والزمر وسائر المحرمات وتقدم نماذج منها في (ص ١٩٠) لا يجوز أخذ الجعل عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
следующие страницы →