← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 11192

الأسئلة والأجوبة الفقهية

عبد العزيز السلمان

Полный текст (2 854 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مسكين وهذا قول أكثر أهل العلم، وروى ذلك سعيد عن عائشة ﵂ بإسناد جيد أنها سُئلت عن القضاء، فقالت: «لا، بل يطعم». وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا بإسناد ضعيف، والصحيح وقفه عليه؛ ولأنه لا ندخله النيابة في الحياة فكذا بعد الموت، وروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وابن عليَّة وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقال أبو ثور والشافعي يصام عنه؛ لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه. قال الشيخ تقي الدين: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبره ونحوه، أو عن ميت وهما معسران توجّه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. انتهى. وإن مات بعد أن أدركه رمضان فأكثر أطعم عنه لكل يوم مسكين بلا قضاء، هذا فيما إذا كان لغير عذر. س ١٥٥: تكلم بوضوح عمن مات وعليه نذر في الذمة لم يفعل منه شيئًا مع إمكان فعل منذور، مَن مات وعليه صوم من كفارة أو مُتعة؟ ج: مَن مَات وعليه نذر صوم في الذمة أو عليه نذر حج في الذمة أو عليه نذر صلاة في الذمة أو عليه نذر طواف في الذمة أو عليه نذر اعتكاف في الذمة، لم يفعل منه شيئًا مع إمكان فعل منذور غير حج، فيفعل عنه مطلقًا تمكن منه أولاً لجواز النيابة فيه حال الحياة وبعد الموت أولى سُنَّ لولي الميت فعل النذر المذكور عنه؛ لحديث ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وَعليها صوم نذر أفأصوم عنها، قال: «أرأيت لو كان على أمِّكِ دين فقضيته عنها، أكان ذلك يؤدي عنها»، قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمِّكِ» متفق عليه، وفي رواية: إن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها» رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 457

«من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه. ويجوز لغير الولي فعل ما على الميت من نذر بإذن الولي ودونه؛ لأنه ﵊ شَبَّههُ بالدين والدين يصح قضاؤه من الأجنبي ويجزي صوم جماعة عن ميت نذرًا في يوم واحد، وإن خلَّف مالاً وجبَ فعل نذره على ما تقدم فيفعله وليه إن شاء أن يدفع مالاً لمن يفعل عنه ذلك، ويدفع في صوم عن كل يوم طعام مسكين في كفارة، ولا يقضي معين مات قبله، وإن مات في أثنائه يسقط الباقي، وإن لم يصم ما أدركه منه لعذر فكالأول، ومن مات وعليه صوم من كفارة أو متعة أو قران ونحوه أطعم عنه من رأس ماله أوصى به أولاً. من النظم ممَّا يتعلق بقضاء رمضان ومن رَمضان اقْضِ الفوات متابعًا … وإما تشا فرقت غير مُفَسِّدِ وفي الحكم يكفي اليوم عن يومه قضى … ولم يكفه مع دهره متعمد وإن فات كل الشهر أجزأه القضا … لشهر هلاليٍّ بغير تقيد وإن يقض بالأيام فليقض كاملاً … وقيل ثلاثين اقضه فيهما قد ومُرْج بلا عذر قضاء لقابل … أثيم ويقضي الفوت مع قوت ومفرد ومسكينًا أطعم إن يَمت قبل قابل … ولا شيء مع تأخير عذر ممهَّد ومُرْجى قضاء ثم صام تطوعًا … يجوز وعنه لا يجوز فقيّد ويشرع أن يقضي عن الميت نذره … كحج وصوم واعتكافَ بمسْجدِ ونذر صلاة النذر يقضي بأوكد … ولو قيل يقضي فرضه لم أبَعِّدِ ويخرج من مال الفتى مع قضائهم … عن المرء تكفير اليمين المؤكدِ

стр. 458

٢١ - باب صَوْمِ التطوع وما يتعلق به س ١٥٦: ما الأيامُ التي يُسَنُّ صيامها؟ وما الدليل على سُّنة صيامها؟ ج: في الصيام فضل عظيم؛ لحديث: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثاله إلى سبعمائة ضعف»، فيقول الله تعالى: «إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به». وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم، وأفضل صيام التطوع صوم يوم وفطر يوم؛ لقوله ﵊ لعبد الله بن عمرو: «صم يومًا، وافطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام»، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: «لا أفضل من ذلك» متفق عليه. والأيام التي يُسن صيامها: أيام البيْض، والاثنين والخميس، وست من شوال، وشهر الله المحرم وآكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، وآكده يوم عرفة لغير حاج، ولا يُسن صوم يوم عرفة لمن بعرفة. أما الدليل على سنَيَّة أيام البيض التي هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فهو ما ورد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صمت من الشهر ثلاثًا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن

стр. 459

أنام» متفق عليه. وأما الدليل على صيام يوم الاثنين والخميس، فهو ما ورد عن قتادة أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه، وأنزل عليَّ فيه» رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» روه الترمذي، وقال: حديث حسن، ورواه مسلم بغير ذكر الصوم. وأما الدليل على سنَّية صيام ست من شوال، فهو ما ورد عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» رواه مسلم. وأما الدليل على سنَّية الشهر المحرم، فهو ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» متفق عليه. وآكده العاشر وصوم عاشوراء كفارة سنة. عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه. متفق عليه. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع» رواه مسلم ويلي العاشر في الأفضلية التاسع، والدليل على أن العاشر كفارة سنة، ما ورد عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه قال في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم.

стр. 460

وأما الدليل على سنية صيام تسع ذي الحجة، فهو ما ورد عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيام أحب إلى الله أن يُتصدّق له فيها من أيام العشر وأن صيام يوم فيها ليعدل صيام سنة وليلة فيها بليلة القدر» رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث غريب. وعن حفصة قالت: أربع لم يكن يَدَعهن رسول الله ﷺ : «صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام، والركعتين قبل الغداة» رواه أحمد والنسائي. وأما الدليل على سنية صيام يوم عرفة لغير حاج، فهو ما ورد عن أبي قتادة قال: سُئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، قال: «يُكفرُ السنة الماضية والباقية» رواه مسلم. وأما الدليل على أنه لا يُسن صوم يوم عَرفة لمن بعرفة فهو ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. رواه أبو داود. ولا روت أم الفضل أنها أرسلت إلى النبي ﷺ بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشرب، متفق عليه. وأخبر ابن عمر ﵄ أنه حج مع أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان ﵃ فلم يصمه أحد منهم.

стр. 461

من النظم مما يتعلق بصوم التطوع وإنْ تبْغ أسنى الصوم نفلاً تصومه … فيومًا ويومًا صوم داود فاقصد ومن كل شهر صم ثلاثة بيضه … ويوم خميس ثم الاثنين فاعمد ومنّبع شهر الصوم صومًا بستة … يَجُزْ سنةً مِن جامع ومُبدِّد وعامين يجزي صومُ يوم مُعَرِّفِ … وعن يوم عاشورا عن العام فاسعد وفي عرفات يشرع الفطر قوةً … على دعوات عند أفضل مشهد ويشرع صوم العشر والشهر كاملاً … إذا كنت تبغي فالمحرم فاسرد فإن تقتصر صُمْ عشره ثم إن تهن … فتاسعة مع عاشرًا ولذا قد س ١٥٧: تكلم بوضوح عن الأيام التي يكره صيامها مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟ ج: يكره إفراد رجب والجمعة والسبت؛ وأما الشك فقيل: يكره، والقول الثاني: أنه يحرم صومه، إلا أن يوافق يوم الجمعة أو السبت أو الشك عادة كأن وافق يوم عرفة يوم الجمعة أو يوم عاشوراء أو يصل يوم الشك بصيام قبله أو يتقدم عن رمضان بأكثر من يومين؛ لقوله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم

стр. 462

يوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه» متفق عليه. من حديث أبي هريرة: أو يصوم يوم الشك عن قضاء أو نذر أو كفارة فلا كراهة. أما إفراد رجب، فلما روى أحمد بإسناد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وبإسناد عن أبي عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه. وقال: صوموا منه وافطروا، وعن ابن عباس نحوه. وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا، فقالوا: رجب نصومه، فقال: أجعلتم رجب رمضان؟ فأكفأ السلال وكسر الكيزان. قال أحمد مَن كان يَصومُ السَّنة صامه وإلا فلا يصومه متواليًا بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان. وأما الدليل على إفراد الجمعة، فهو ما ورد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيَّام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» رواه مسلم. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصومنَّ أحدُكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده» متفق عليه. وأما السبت فلما ورد عن عبد الله بن بسر عن أخته وإسمها الصماء أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه» رواه الخمسة إلا النسائي. ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين لما تقدم قريبًا في حديث أبي هريرة، ويكره صوم الدهر؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول

стр. 463

الله ﷺ : «لا صام من صام الأبد» متفق عليه، ولمسلم من حديث أبي قتادة بلفظ: «لا صام ولا أفطر» ويكره صوم يوم النيروز والمهرجَان وهما عيدان للكفار معروفان وصوم كل عيد لكفار أو يوم يفردونه بتعظيم قياسًا على يوم السبت ما لم يوافق عادة أو يصمه عن قضاء أو نذر أو نحوه، وفي «مجموع الفتاوى»: وقد روى البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهة الدخول على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم والتشبه بهم ونيروزهم ومهرجانهم عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تعلموا رطابة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخط ينزل عليهم، فهذا عمر قد نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة يوم عيدهم فكيف من يفعل بعض أفعالهم أو قصد مما هو من مقتضيات دينهم ألَيْسَتْ موافقتهم في العمل أعظم من موافقتهم في اللغة أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم، وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك. وقال ابن عمر: من صنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم، وقال: لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تعطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم؛ وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيه من تعظيم شعائر الكفر.

стр. 464

وقال ﵀، وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالوا: أعياد الكفار؛ فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها. وقد روي عن النبي ﷺ في «المسند» و «السنن» أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وفي لفظ: «ليس منَّا من تشبه بغيرنا» وهو حديث جيد فإذا كان هذا في التشبه بهم، وإن كان من العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك، وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالاً له فيما أهِلَّ لغير الله وما ذبح على النصب، وكذلك نهُوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة، وقالوا: إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا ولا دمًا ولا ثوبًا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقالوا: وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك. والله أعلم. (ج ٢٥/ ٣٢٥، ٣٢٩، ٣٣١، ٣٣٢) انتهى ملخصًا. ويكره الوصال بأن لا يفطر بين اليومين فأكثر إلا من النبي ﷺ ؛ لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، فقال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»؛ فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم روا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم» حين أبوا أن ينتهوا، متفق عليه. ولم يحرم؛ لأن النبي ﷺ وقع رفقًا ورحمة، ولا يكره الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي حميد مرفوعًا: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» رواه البخاري، وترك الوصال إلى

стр. 465

السحر أولى من فعله لفوات فضيلة تعجيل الفجر. س ١٥٨: ما الأيام التي يحرم صيامها؟ وما الدليل على تحريمها؟ وما حكم قطع الفرض والنفل؟ وإذا قصد صوم العيدين فهل يجزئه عن فرض؟ ج: يحرم صوم العيدين وأيام التشريق إلا عن دم متعة وقران؛ أما الدليل على تحريم صوم العيدين، فهو ما ورد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر. متفق عليه. وروى أبو عبيدة مولى أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁، فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم. متفق عليه. وأما أيام التشريق فلما ورد عن نُبيشة الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله » رواه مسلم. وعن عائشة وابن عمر ﵄ قال: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمنَ إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري. وعن أنس «أن النبي ﷺ نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق» رواه الدارقطني، ولا يجوز صوم العيدين عن فرض ولا تطوع، وإن قصد صيامهما كان عاصيًا ولا يجزئه عن فرض، ومَن دخل في تطوع صوم أو غيرَه غيرَ حج أو عمرة لم يجب عليه إتمامه؛ لحديث عائشة وفيه: «إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة؛ فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» رواه النسائي.

стр. 466

وعنها ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قال: «إذًا صائم»، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: أهدي لنا حَيْسٌ، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا» رواه مسلم. ويُسن إتمام تطوع خروجًا من الخلاف ويكره قطعه بلا حاجة، وإن فسد تطوع دخل فيه غير حج وعمرة فلا قضاء عليه نصًا، بل يُسن قضاؤه خروجًا من الخلاف؛ وأما تطوع الحج والعمرة فيجب إتمامه؛ لأن نفلهما كفرضهما نية وفدية وغيرهما؛ ولعدم الخروج منهما بالمحظورات، ويجب إتمام فرض مطلقًا بأصل الشرع أو بالنذر، ولو كان وقته مُوسَعًا كصلاة وقضاء رمضان، وكنذر مطلق وكفارة، وإن بطل الفرض فلا مزيد عليه فيعبد أو يقضيه ولا كفارة غيرَ الوطء في نهار رمضان، وتقدم، ويجب قطع فرض ونفل لردمعصوم عن مهلكة وإنقاذ غريق كحريق، ومن تحت هدم، ويجب قطع فرض صلاة إذا دعاه النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وله قطع الفرض لهرب غريم، وله قلبه نفلاً، وتقدم من النظم: ومن مختصره ممَّا يتعلق فيما يحرم من الصوم ويكره ويكره صوم الدهر والسبت وحده … وإفراد تَرجيْب وجُمْعَةِ مُفْردِ ويُكره صَوم الشك مِنْ غَيْر حَائِل … وَحظْر صِيَامَ العِيْدِ غيْر مُقيّدِ وأيام تشريق سوى لِقران أو … لمتعة حج الناسك المتعبّد

стр. 467

ومَن صَامَ يومًا واجبًا لقضائه … وكفارة أو مطلق النذر فأعهد يمنع خروج منه بل بخروجه … فليسَ عليْهِ غيرَ صَوم المشرّد كذا كل فرض في زمان موسَّع … وَلا ضَيرَ أن يخرجَ لعُذر ممَّهد ويحسن إتمام التطوع مُطلقًا … وإفساده جوّز فإن يقض جوّد وَليسَ عليه من قضَاء لفاسِد … منَ النفل غير الحج أو عمرة قد

стр. 468

٢٢ - فصل في صلاة التراويح وصلاة الوتر وما يتعلق بهما س ١٣٥: تكلم بوضوح عن صلاة التراويح؟. وبَيَّن حكمها ووقتها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟ ج: التراويح سُّنة سنها رسول الله ﷺ ، وفعلها جماعة أفضل، ويجهر الإمام بالقراءة لنقل الخلف عن السلف، ويسلم من كل ركعتين، ووقتهما بعد صلاة العشاء، وسننها قبل الوتر إلى طلوع الفجر وبمسجد، وأول الليل أفضل، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالترغيب في قيام رمضان، والحث عليه، وتأكيد ذلك في العشر الأخير. فمن ذلك ما ورد عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه الجماعة. وعن عبد الرحمن بن عَوف أن النبي ﷺ قال: «إن الله فرض صيام رمضان وسننتُ قيامه فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. وعن جبير بن نفير عن أبي ذر، قال: صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يُصل بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في الثالثة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة»، ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة، ودعَا أهله ونساءه، فقام حتى تخوَّفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال: «السحور». رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وعن عائشة أن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته

стр. 469

ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح، قال: «رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إني خشيت أن يفترض عليكم وذلك في رمضان» متفق عليه. وفي رواية قالت: كان الناس يصلون في المسجد في رمضَان بالليل أوزاعًا يكون مع الرجل الشيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة أو السبعة أو أقل من ذلك أو أكثر يصلون بصلاته فأمرني رسول الله ص أن أنصب له حَصيرًا على باب حجرته ففعلت، فخرج إليه بعد أن صلى عشاء الآخرة فاجتمع إليه مَن في المسجد فصلى بهم، وذكرت القصة بمعنى ما تقدم غير أن فيها: أنه لم يخرج إليهم في الليلة الثانية. رواه أحمد. وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثَلَ، ثم عزم فجمعهم على أُبَيّ بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري. س ١٦٠: تكلم عن عدد التراويح؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو خلاف. ج: قيل: عشرون ركعة؛ لما روى مالك عن يزيد بن رومان، قال: كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، وفيه أيضًا عن السائب ابن يزيد أنها إحدى عشرة ركعة، وأنها أيضًا عشرون. قال الحافظ ابن حجر

стр. 470

العسقلاني: والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث تطول القراءة تقل الركعات وبالعكس، وبذلك جز الداوودي وغيره. والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر فكان تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث ونقل عن مالك أنها تسع وثلاثون ويوتر بثلاث وهو المنقول عن عمر بن عبد العزيز وأهل المدينة. ونقل عن ابن عباس أنها عشرون ركعة في جماعة، ونقل ذلك عن مالك أيضًا، ومال إلى ذلك ابن عبد البر، وقال: الرواية عن مالك أنها إحدى عشرة، وقال شيخ الإسلام له: أن يصليها عشرين كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًا وثلاثين كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة وثلاث عشرة، وكله حسن فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، وقال الأفضل: يختلف باختلاف المصلين؛ فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين؛ فإنه وسط بين العشر والأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ولا يكره شيء من ذلك، ومَن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت لا يُزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، وقد يَنْشَطُ العبد فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها. وقال: وأما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة المسلمين، بل من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمع المسلمون كلام الله؛ فإن شهر رمضان فيه نزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن. انتهى.

стр. 471

وقال في «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار» على حديث عبد الرحمن بن عبد القادر المتقدم قريبًا وما قبله من أحاديث الباب: والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سُّنة. وقال السيوطي في رسالة المصابيح في صلاة التراويح: الذي وردت به الأحاديث الصحيحة والحسان والضعيفة والأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير تخصيص بعدد، لم يثبت أنه ﵇ صلى عشرين ركعة؛ وإنما صلى ليالي صلاة لم يذكر عددها، ثم تأخر في الليلة الرابعة خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها، وقد تمسك بعض من أثبت ذلك بحديث ورد فيه لا يصلح للاحتجاج. وفي «قرة العيْن في الانتصار لسُّنة سيد الثقلين» للشيخ عبد الله أبي بطين، قال ﵀: مسألة في الجواب عما أنكره بعض الناس من صلاتنا في ليالي العشر الأواخر من رمضان زيادة على المعتاد في العشرين الأول، وسبب إنكارهم لذلك غلبة العادة والجهل بالسنة وما عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام، فنقول: قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالترغيب في قيام رمضان والحث عليه وتأكيد ذلك في عشره الأخير كما في «الصحيحين». عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُرَغِّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

стр. 472

وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: فرض الله عليكم صيام رمضان وسننتُ لكم قيامه. وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله، وشد المئزر وصلى ﷺ ليالي من رمضان جماعة في أول الشهر، وكذلك في العشْر». ففي «صحيح مسلم» عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في رمضان فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، فجاء رجل آخر فقام أيضًا حتى كنا رهطًا، فلما أحس أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخ لرحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا، فقلت له حين أصبح: فطنت لنا الليلة، قال: «نعم، ذلك الذي حملني على ما صنعت». وعن عائشة قالت: صلى رسول الله في المسجد فصلى بصلاته أناس كثير، ثم صلى من القابلة فكثروا ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن يفرض عليكم، وذلك في رمضان» أخرجاه في «الصحيحين». وفي «السنن» عن أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يقم بنا حتى بي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»، ثم لم يقم بنا حتى ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة، ودعا أهله ونساءه، وقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قيل: وما الفلاح؟ قال: «السحور» صححه الترمذي. واحتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث على أن فعل التراويح جماعة في المساجد أفصل من فعلها في البيوت مع أنه ﷺ إنما فعل ذلك في بعض الليالي استدلال الإمام أحمد وغيره؛ لذلك على استحباب الجماعة في جميع الليالي والنبي ﷺ -

стр. 473

صلى بهم ليلة حتى ذهب شطر الليل وليله إلى أن خافوا فوات السحور فكيف يسوغ في عقل من له أدنى معرفة إنكار مواصلة القيام مع الإمام مع آخر الليل مع سماعه هذا الحديث وغيره من الآثار الآتية من الصحابة والتابعين الصريحة في ذلك. وقال شيخ الإسلام تقي الدين: وفي قوله ﷺ : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» ترغيب في قيام رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سُّنة مطلقة، وكان الناس يصلون جماعات في المسجد على عهده ويقرهم، وإقراره سُّنة منه ﷺ . انتهى. فلما تقرر أن قيام رمضان وإحياء العشر الأواخر سُّنة مؤكدة، وأنه في جماعة أفضل، وأنه ﷺ لم يوقت في ذلك عددًا دلّ أنه لا توقيت في ذلك. وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره لا على إحدى عشرة ركعة. وفي بعض طرق حديث حذيفة الذي فيه: أنه ﷺ قرأ في ركعة سورة البقرة والنساء وآل عمران أنه لم يصل في تلك الليلة إلا ركعتين، وأن ذلك في رمضان. وروي عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم في قدر التراويح أنواع واختلف في المختار منها مع تجويزهم لفعل الجميع فاختار الشافعي وأحمد عشرين ركعة مع أن أحمد نص على أنه لا بأس بالزيادة. وقال: روي في ذلك ألوان ولم يقض فيه بشيء، وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يصلي في رمضان ما لا أحصي التراويح، واختار مالك ستًا وثلاثين ركعة.

стр. 474

وروى ابن أبي شيبة عن داود بن قيس قال: أدركت الناس في زمن عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وحكى الترمذي عن بعض العلماء اختيار إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، قال وهو قول أهل المدينة، وقال إسحاق بن إبراهيم: نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن أبي بن كعب، وكان عبد الرحمن بن الأسود يقوم بأربعين ركعة ويوتر بعدها بسبع. انتهى. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم. س ١٦١: تكلم عن ليلة القدر مبينًا وجه تسميتها بليلة القدر؟ وهل هي باقية لم ترفع؟ وما هي الليالي التي تختص بها ليلة القدر؟ وما هي أرجاها منها؟ وما هو الدعاء المستحب قوله في ليلة القدر؟ وما هو أفضل الشهور؟ وما هو أفضل أيام الأسبوع؟ وما هو أفضل أيام العام؟ وما هي أفضل أعشار الشهور؟ ج: ليلة القدر ليلة شريفة معظمة تُرجى إجابة الدعاء فيها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال المفسرون: أي قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها. وفي «الصحيح» عن أبي هريرة مرفوعًا: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» زاد أحمد: «وما تأخر». وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وقيل: سميت به لعظم قدرها عند الله، وقيل: لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، وقيل: لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وقيل: لأن من أتى بفعل الطاعات فيها صار ذا قدر وشرف عند

стр. 475

الله، وقيل: لأنه نزل فيه كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر على رسول ذي قدر لأمة ذات قدر، وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوات قدر، وهي باقية لم ترفع للأخبار في طلبها وقيامها، وهي مختصة بالعشر الأواخر من رمضان. متفق عليه. ومن حديث عائشة وليالي الوتر آكدة؛ لقوله ﷺ : «اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بَقِيْنَ أو تسع بقين». وروى سالم عن أبيه مرفوعًا: «أرَى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر في الوتر فالتمسوها في الوتر منه» متفق عليه. وأرجاها ليلة سبع وعشرين، وهو قول أُبي بن كعب، وكان يحلف على ذلك ولا يستثنى، وابن عباس وزر بن حبيش. قال أبيّ بن كعب: والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا، رواه الترمذي وصححه. وعن معاوية أن النبي ﷺ قال: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» رواه أبو داود، والحكمة في إخفائها ليجتهدوا في طلبها ويجدُّوا في العبادة طمعًا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في الجمعة، وإسمه الأعظم في أسمائه ورضاه في الحسنات، وهي أفضل الليالي حتى ليلة الجمعة، ويستحب أن يكون من دعائه ليلة القدر ما روت أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إن وافقتها فيما أدعو؟ قال: «قولي اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عنِّي» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، معناه وصححه. وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة». وشهر رمضان أفضل الشهور، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع،

стр. 476

ويوم النحر أفضل أيام العام، وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الأخير من رمضان، وعشر ذي الحجة أفضل من أعشار الشهور كلها؛ لما في صحيح ابن حبان، عن جابر مرفوعًا قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام ذي الحجة». قال ابن رجب في «اللطائف»: والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 477

٢٣ - كتاب الاعتكاف س ١٦٢: عَرِّف الاعتكاف لغةً وشرعًا؟ وما سنده وما شروط صحته؟ ج: الاعتكاف لغةً: الاحتباس واللزوم، ومنه قوله: فبانَتْ بنَاتُ الليل حَولي عواكفًا … عكوفَ بواك حَوْلَهنَّ صَريعٌ … وشرعًا: لزوم مسلم لا غسل عليه عاقل ولو مميزًا مسجدًا لطاعة الله تعالى على صفة مخصوصة، ولا يبطل اعتكاف بإغماء، وسن اعتكاف كل وقت لفعله ﵊ ومداومته عليه واعتكف أزواجه معه وبعده وهو في رمضان آكد؛ لفعله ﷺ وآكد رمضان عشره الأخير؛ لحديث أبي سعيد: «كنت أجاور هذا العشر -يعني الأوسط-، ثم بدا ي أن أجاور هذا العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه»؛ ولما فيه من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وشرط صحته ستة أشياء: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، وعدم ما يوجب الغسل؛ لقوله ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» الحديث وتقدم، وكونه بمسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ ويُزاد في حق من تلزم الجماعة أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة. قال في «الشرح الكبير»: لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنها واجبة عليه فلا يجوز تركها. س ١٦٣: متى يجب النذر؟ وإذا علق النذر أو غيره بشرط، فما الحكم؟ وهل يصح بلا صوم؟ وتكلم عن حكم اعتكاف الزوجة والقن والمكاتب من دون إذن زوج وسيد؟ وهل لهما تحليلهما ممَّا شرعا فيه بلا إذن؟

стр. 478

ج: يجب اعتكاف بنذر؛ لحديث من نذر أن يطيع الله فليطعه، وإن علق نذر اعتكاف أو غَيره كنذر صوم أو عتق بشرط كأن شفى الله مريضي لأعتكفنّ أو لأصومنّ كذا تقيَّدَ به فلا يلزم قبله كطلاق، ويصح اعتكاف بلا صوم؛ لحديث عمر: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : «أوف بنذرك» رواه البخاري. ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل وكالصلاة وسائر العبادات، وحديث عائشة: «لا اعتكاف إلا بصوم» موقوف عليها ذكره بـ «المغني» و «الشرح الكبير» وغيره، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب، ومن نذر أن يعتكف صائمًا أو نذر أن يعتكف بصوم أو نذر أن يصوم معتكفًا أو باعتكاف أو نذر أن يعتكف مصليًا لزمه الجمع، أو نذر أن يُصلي معتكفًا لزمه الجمع بين الاعتكاف والصيام والصلاة؛ لحديث: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» وقيس عليه الصلاة؛ ولأن كلا منهما صفة مقصودة في الاعتكاف فلزمت بالنذر كالتتابع والقيام في النافلة، وكنذر صلاة بسورة معينة من القرآن، ولا يجوُز لزوجة وقن وأم ولد ومدبر ومعلق عتقه بصفة اعتكاف بلا إذن زوج لزوجة، ولا إذن سيد لرقيقه لتفويت حقهما عليهما، ولزوج وسيد تحليل الزوجة، والقن مما شرعا فيه بلا إذن؛ لحديث: «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه» رواه الخمسة وحسنه الترمذي؛ ولما فيه من تفويت حق غيرهما بغير إذنه فكان لربِّ الحق المنعُ منه كمنع مالك غاصِبًا، وإن كان الاعتكاف بإذن من الزوج والسيد فلهما تحليلهما إن كان تطوعًا؛ لأن النبي ﷺ أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن منه بعد أن دخلن؛ ولأن حق الزوج والسيد واجب والتطوع لا يلزم بالشروع؛ لأن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع دوامًا كالعارية، ويخالف الحج؛ لأنه يلزم بالشرع ويجب المضي في فاسده، وليس لهما تحليلهما من منذور شرعًا فيه بالإذن ولمكاتب اعتكاف بلا إذن سيده ولمكاتب حج بلا إذن كاعتكاف وأولى

стр. 479

ما لم يَحلَّ عليه نجم من كتابته؛ فإن حلّ لم يحج بلا إذن سيده ومبعض كقن كله فلا يجوز له ذلك إلا بإذن سيده؛ لأن له ملكًا في منافعه كل وقت إلا مع مهايأة فله أن يعتكف ويحج في نوبته بلا إذن مالك بعضه؛ فإنه في نوبته كحر لملكه اكتسابه ومنافعه. س ١٦٤: ما الأفضل لمن تخلل اعتكافه جمعة؟ وإذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فما حكم ذلك؟ وما الذي يتعين من المساجد بالنذر؟ وما زيد في المسجد فهل حكمه حكم المسجد؟ وما أفضل المساجد؟ ج: الأفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعةٌ أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة حتى لا يحتاج إلى الخروج إليها منه ولا يلزمه؛ لأن الخروج إليها لابد له منه كالخروج لحاجته، ويتعين جامع لاعتكاف إن عين بنذر فلم يجزيه في مسجد لا تقام فيه الجمعة حيث عين الجامع بنذره، ولمن لا جمعة عليه أن يعتكف بغير الجامع من المساجد، ومن المسجد سطحه، ومن المسجد رحبته المحوطة ومنارته التي هي أو بابها بالمسجد، ومنه ما زيد فيه حتى في الثواب في المسجد الحرام. وعند جمع منهم الشيخ تقي الدين وابن رجب، وحكي عن السلف، ومسجد المدينة أيضًا زيادته كهو؛ لما روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي». وقال عمر: لمّا زاد في المسجد لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ . قال ابن رجب في «شرح البخاري»: وقد قيل إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة؛ وإنما خالف بعض المتأخرين من أصحابنا ومَن عيَّنَ بنذره مسجدًا غير المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لم يتعَين؛ لحديث أبي هريرة

стр. 480

مرفوعًا: «لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه. ولو تعَيَّن غيرها بالتعيين لزم المضي إليه واحتاج إلى شد رحل لقضاء نذره. وقد قال ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» متفق عليه. ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته مكانًا في غير الحج، وأفضل المساجد المسجد الحرام فمسجد المدينة، فالمسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سِوَاه إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أبا داود. وفي رواية: فإنه أفضل من نذر اعتكافًا أو صلاة في أحدها لم يجزئه في غيره إلا أن يكون أفضل منه، فمن نذر في المسجد الحرم لم يجزئه غيره ولا يتعين غيره من المساجد، وَن نذر في مسجد المدينة أجزأه فيه، وفي المسجد الحرام، ومن نذر في الأقصى أجزأه فيه، وفي مسجد المدينة، وفي المسجد الحرام؛ لحديث جابر أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صل هنا»، فسأله، فقال: «شأنك إذًا» رواه أحمد وأبو داود. س ١٦٥: ما الذي يبطل به الاعتكاف؟ وإذا نذر زمنًا معينًا فمتى يشرع فيه؟ وإذا نذر عددًا معينًا فهل له تفريقه؟ وإذا نذر ليلة فهل يدخل اليوم؟ وضِّحه مع العكس؟ وإذا نَذَرَ يومًا فهل له تفريقه ساعات؟ ج: ويبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد لغَيْر عذر؛ لقول عائشة: «السنُّة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابد له منه» رواه أبو داود.

стр. 481

وحديث: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه. ويبطل الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ فإذا حرم الوطء في العبادة أفسدها كالصوم والحج ولا كفارة نص عليه. وروى حرب عن ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف، ويبطل الإنزال بالمباشرة دون الفرج؛ لعموم الآية ويبطل بالردة؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، ويبطل السكر لخروج السكران عن كونه من أهل المسجد، ومن نذر زمنًا معينًا شرع فيه قبل دخول المعين وتأخر عن الغروب حتى ينقضي، ومن نذر زمنًا معينًا صومًا أو اعتكافًا ونحوه تابع وجوبًا، ومن نذر أن يصوم عددًا من أيام غير معينة فله تفريقه ما لم ينوي تتابعًا، ولا ندخل ليلة يوم نذر اعتكافه؛ لأنها ليست منه. قال الخليل صاحب كتاب «العين»: اليوم اسم لما بَيْنَ طلوع الفجر وغرُوب الشمس، كما لا يدخل يوم ليلة نذر اعتكافها؛ لأن اليوم ليس في الليلة، ومن نذر يومًا لم يجز تفريقه ساعات من أيام؛ لأنه يفهم منه التتابع كقوله متتابعًا، ومن نذر شهرًا مطلقًا فلم يعين كونه رمضان أو غيره تابع وجوبًا لاقتضائه ذلك كما لو حلف لا يكلم زيدًا شهرًا وكمدة الإيلا ونحوه، ومن نذر أن يعتكف ونحوه يومين فأكثر متتابعة أو نذر أن يعتكف ليلتين فأكثر متتابعة لزمه ما بين ذلك من ليل أو نهار. س ١٦٦: ما الذي يسوغ للمعتكف أن يخرج له؟ وما حكم خروجه وشروط الخروج لما يلزمه خروج إليه؟ وما حكم شرط التجارة أو شرط التكسب بالصنعة في المسجد؟ واذكر أمثلة لا يتّضح إلا بالتمثيل؟ واذكر ما تستحضره من الدليل أو التعليل.

стр. 482

ج: يحرم خروج من لزم تتابع مختارًا ذكرًا لاعتكافه إلا لما لابدّ منه كإتيانه بمأكل ومشرب؛ لعدم من يأتيه به وكقيء بَغَتَه وغسل متنجس يحتاجه وكبول وغائط وطهارة واجبة كوضوء وغسل ولو قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه لابد منه للمحدث؛ لحديث عائشة: «السُّنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابدَّ له منه» رواه أبو داود. وقالت أيضًا عن رسول الله ﷺ «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه. وحاجة البول والغائط لاحتياج كل إنسان إلى فعلهما، وله المشي على عادته وله قصد بيته إن لم يجد مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منه وله غسل يده بمسجد في إناء من وسخ وزفر ونحوهما ويفرغ الإناء خارج المسجد. ولا يجوز للمعتكف ولا لغيره بول ولا فَصد ولا حجامة بإناء في المسجد ولا في هواء المسجد؛ لأنه لم يُبن لذلك فوجبت صيانة المسجد عنه وهواؤه كقراره، وله الخروج إلى جمعة وشهادة لزمناه لوجوبهما بأصل الشرع، وكمريض وجنازة تعين خروجه إليهما، وله شرط الخروج إلى ما لا يلزمه خروج إليه من الجماعة والشهادة والمريض والجنازة، ومن كل قربة لم تتعين عليه كزيارة صديق وصلة رحم، أو ماله منه بُدَّ وليس بقربة كشرط عشاء ومبيت بمنزله، ولا يصح شرط الخروج إلى التجارة أو شرط التكسب بالصنعة في المسجد ونحوهما، كالخروج لما شاء؛ لأنه ينافيه، وكما لابد منه في جواز الخروج تعين نفير لنحو عدو فجاءهم وتعين إطفاء حريق، ولمرض يتعذر معه المقام ولِتَعَيُّنِ إنقاذ غَرِيق، ورَدِّ أعْمَى عن بِئر أو حَيَّة؛ لأنه يجوز له قطع الواجب بأصل الشَّرْع. ويجوز الخروج لخوف فتنة على نفسه أو حرمته أو ماله نهبًا ونحوه، وإن أكرهه سلطان أو غيره على الخروج من معتكفه بأن حمل وأخرج أو هدّده

стр. 483

قادر بسَلْطنةٍ أو تغلب كلص وقاطع طريق فخرج بنفسه لم يَبطل اعتكافه بذلك؛ لأن مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة، وكذا عدة وفاة إذا مات زوج معتكفة فلها الخروج لتعتد في منزلها لوجوبه بأصل الشرع، وكذا حاجة معتكف لفصد أو حجامة. س ١٦٧: إذا خرج معتكف في اعتكاف واجب لعذر فما حكم الرجوع في حقه؟ وهل يضر تطاول الخروج لعذر وضح ذلك مع تبيين ما يلزم من قضاء أو كفارة؟ ج: يجب على معتكف في اعتكاف واجب خرج لعذر يُبيحُه رجوع إلى معتكفه بزوال عذر؛ لأن الحكم يدور مع علته؛ فإن أخر رُجوعه عن وقت إمكانه فكما لو خرج لما له منه بد، ولا يضر تطاول عذر معتاد وهو حاجة الإنسان وطهارة الحدث والطعام والشراب والجمعة، ويضرّ تطاول في غير معتاد كنفير ونحوه، ففي نذر متتابع كشهر غير معين يُخير بين بناءٍ على ما مضى من اعتكافه وقضاء فائتِ مع إخراج كفارة يمين أو استئناف لمنذور من أوله ولا كفارة؛ لأنه أتى به على وجهه أشبه ما لو لم يسبقه اعتكاف وفي نذر معين كشهر رمضان يقضي ما فاته منه بخروجه ويكفر كفارة يمين لتركه المنذور في وقته. وفي نذر أيام مطلقة كعشرة أيام تمم ما بقي منها بالاعتكاف فيه بلا كفارة لكنه لا يبني على بعض ذلك اليوم الذي خرج فيه، بل يستأنف بدله يومًا كاملاً لئلا يفرقه. س ١٦٨: ما الذي يستحب للمعتكف أن يشتغل به؟ وما الذي يجب عليه اجتنابه؟ والذي له فعله والذي يكره له؟ وتكلم بوضوح عن حكم الصَّمت إلى الليل؟ وإذا نذر الصمت إلى الليل فما الحكم؟ واذكر أمثلة توضِّح ذلك.

стр. 484

ج: يُسن لمعتكف التشاغل بفعل القربى، واجتناب ما لا يعنيه من جدال ومراء وكثرة كلام وغيره؛ لقوه ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن رواه الترمذي وغيره؛ ولأنه مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى. روى الخلال عن عطاء، قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن نقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تنطق في معيشتك بما لابد لك منه، ولا بأس أن تزوروه زوجته في المسجد وتتحدث معه وتصلح رأسه أو غيره ما يتلذذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يُكثر؛ لأن صفيِّة زارته ﷺ فتحدث معها ورجّلَت عائشة رأسه، ويكره الصمت إلى الليل. وقال الموفق والمجد: ظاهر الأخبار تحريمه وجزم به في «الكافي». وقال في «الاختيارات الفقهية»: والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حرامًا كما قال الصديق، وكذا إن تعبَّد بالصمت عن الكلام المستحب والكلام الحرام يجب الصمت عنه. انتهى. وإن نَذَر الصَّمْتَ لم يف به لحديث عليَّ: حفظت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صُمَات يوم إلى الليل» رواه أبو داود. وعن ابن عباس قال: بَينَا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال النبي ﷺ : «مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه» رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود. ودخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها: زينب فرآها لا تتكلم، فقال: «ما لها لا تتكلم؟» فقالوا: حجَّت مصمتة، فقال لها: «تكلّمِي؛ فإن هذا

стр. 485

لا يحل، هذا من عمل الجاهلية» فتكلمت، رواه البخاري. ويجمع بين قول الصديق هذا، وقوله: «من صمت نجا» بأن قوله الثاني محمول على الصمت عما لا يعنيه، كما قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾. ومما يتعلق بالاعتكاف من النظم وإن اعتكافًا للتعبد سُّنة … يُحَتّمُهُ نَذْرُ اللُّزوم بمسجد وليس بشرط أن يصوم لأجله … ويشَرط قصد مع جماعة مسجد لمن لزمته افهم وجوّز لمرأة … سوى مسجد في بيتها كل مسجد وفيما له شد الرحال إن نذرته … بأفضلها يجزي لما دونه قد وإن ينذرن في غيرها من معيّن … النبيّ وبالأقصى تمام التعبُّد وتدخل إن عيَّنت شهرًا وعشرة … فلا يلزم التعيين يا ذا التسدُّد ومن قبل فجر والغروب لمن نوى … بآخر جزء الماضي في المتأكد ولا تخرجن منه بغير ضرورة … ليوم وليل ثم بعدهما أشرد ويبطل كل الاعتكاف بردّة … كحاجة إنسان وَوَاجِب مَقْصَدِ

стр. 486

وسكر الفتى ثم الخروج لما له … وإنزال لمس الخود مَعَ وَطْءِ خُرّدِ كتشييع ميتٍ أو زيارة عالم … غنى عنه لا المشروط مع قربة قَد وجانب مماراةً وما ليس عانِيًا … وعَوْدِ مَريض شَيعَن فيه أوعد وفيه تقرب للذي أنت عاكفًا … وصمت نهارًا مطلقًا عنه فاصدد وفيه تقرب للذي أنت عاكفًا … لعزته واطلب فنون التعبُّد س ١٦٩: بيِّن حكم جعل القرآن بدلاً من الكلام؟ وبيِّن حكم الرجوع إلى تفسير الصحابي؟ وما حكم النظر في كتب أهل الكلام وأهل البدع؟ وما حكم تفسير القرآن باللغة والرأي؟ واذكر أمثلة توضَّح المشكل. ج: يجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة لأنه عربي وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ المراد بالأحكام، ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي من غير لغة ولا نقل، فمن قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار وأخطأ ولو أصاب؛ لما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسّنه. وعن سهل بن حزم عن أبي عمران الجوني عن جندب مرفوعًا: «من قال

стр. 487

في القرآن برأيه فأصابه فقد أخطأ». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: غريب، وسهيل ضعفه الأئمة. وقد روي هذا المعنى عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين، ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام مثل أن يرى رجلاً جاء في وقته فيقول: «ثم جئت على قدر يا موسى» ويلزم الرجوع إلى قول الصحابي؛ لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل فهو أمارة ظاهرة، ولا يلزم الرجوع إلى تفسير التابعي؛ أن قوله ليس بحجة على المشهور. قال بعضهم: ولعل مراد غيره إلا أن ينقل ذلك عن العرب قاله في الفروع، ولا يعارضه ما نقله المروزي ننظر ما كان عن النبي ﷺ ؛ فإن لم يكن فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين لإمكان حمله على إجماعهم لا على ما انفرد به أحدهم قاله القاضي. ولا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب؛ أن ﷺ غضب حين رأى مع عمر صحيفة من التوراة، وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب» الحديث، ولا النظر في كتب أهل البدع، ولا النظر في الكتب المشتملة على الحق والباطل، ولا روايتُها لما في ذلك من إفساد العقائد. س ١٧٠: تكلم عن حفظ القرآن الكريم وفضله؟ والواجب حفظه منه؟، وحكم ختمه في كل أسبوع؟ وحكم تأخير ختمه فوق أربعين يومًا؟ وحكم التعوذ قبل القراءة؟ وهل القرآن يتفاوت في الفضل؟ وضِّح ذلك. ج: يُستحب حفظ القرآن إجماعًا، وحفظه فرض كفاية إجماعًا، والقرآن أفضل من سائر الذكر؛ لقوله ﷺ : «يقول الرب : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» وفضل كلام

стр. 488

الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن، والقرآن أفضل من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الصحف. وبعض القرآن أفضل من بعض إما باعتبار الثواب أو باعتبار متعلقه كما يدل عليه ما ورد في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والفاتحة وآية الكرسي. ويُبْدِئُ الصَّبيَّ وليُّه بِه قبل العلم فيقرأه كله؛ لأنه إذا قرأ أولاً تعَوَّدَ القراءة ثم لزمها إلى أن يعسر عليه حفظ كله فيقرأ ما تيسر منه، والمكلف يقدم العلم بعد القراءة الواجبة؛ لأنه لا تعارض بين الفرض والنفل كما يقدم الكبير تعلم نفل القراءة في ظاهر كلام الإمام والأصحاب، ويُسن ختمه في كل أسبوع. قال عبد الله: كان أبي يختم في النهار في كل أسبوع يقرأ كل يوم سبعًا لا يكاد يتركه نظرًا أي في المصحف، وذلك لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في كل سبع ولا تزيدن على ذلك» رواه أبو داود. وإن قرأ القرآن في ثلاث فحسن؛ لما روى عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، إن لي قوة اقرأ في ثلاث، رواه أبو داود. ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في الأوقات الفاضلة كرمضان وعشر ذي الحجة، وخصوصًا الليالي التي تطلب فيها ليلة القدر كأوتار العشر الأخير من رمضان. ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، ويكره تأخير فوق أربعين بلا عذر.

стр. 489

قال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين، ولأنه يفضي إلى نسيانه والتعاون به ويحرم فوق أربعين إن خاف نسيانه. قال الإمام أحمد: ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه. ويستحب التعوذ قبل القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ويستحب السواك قبل القراءة، ويستحب أن يقرأ وهو على طهارة؛ فإن قرأ محدثًا حدثًا أصغر جاز. ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف؛ ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة. ويستحب للقارئ أن يستقبل القبلة فقد جَاء في الحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار مطرقًا رأسه، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا أو جالسًا أراكبًا أو ماشيًا جَازَ. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾». وثبت في «الصحيح» عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن» رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة قالت: إني لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري، رواه الفريابي. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إني لأقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي. وتستحب القراءة في المصحف والاستماع لها؛ لأنه يشارك القارئ في أجره، ويكره الحديث عندها بما لا فائدة فيه. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وينبغي أن يرتل قراءته.

стр. 490

وقد اتفق العلماء ﵃ على استحباب الترتيل، قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾، وثبت عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن معاوية بن فرة ﵁ عن عبد الله بن معقل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة «الفتح» يُرَجِّعُ في قراءته. رواه البخاري ومسلم. ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول: اللهم إني أسألك العافية وأسألك المعافاة من كل مكروه أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه، فقال أو ﵎ أو جلَّت عظمة ربنا، فقد صح عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، فقلت: يركع، صلى بها ثم افتتح آل عمران، فقرأ بها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع» الحديث رواه مسلم. فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة والدلائل عليه أكثر من أن تحصر وأشهر وأظهر من أن تذكر فهو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ والأحاديث فيه كثيرة، وأقاويل السلف فيه مشهورة، وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة ويرددونها إلى الصباح. وعن أبي ذر ﵁ قال: قام النبي ﷺ بآية يرددها حتى أصبح،

стр. 491

والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، رواه النسائي وابن ماجه. وعن تميم الداري أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. وينبغي لقارئ القرآن أن يبكي؛ فإن لم يبك تباكى، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾. وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي ﷺ : «اقرءوا القرآن وابكوا؛ فإن لم تبكوا فتباكوا». وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دُموعُه عَلى تَرْقوِتِهِ. وعن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق ﵁، فجعلوا يقرءون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق ﵁: هكذا كنا. والله أعلم. هذا آخر ما تيسر جمعه من كتب الحديث والفقه مما يتعلق بالزكاة والصيام من الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية، وكان الفراغ مما يتعلق بالزكاة والصيام من الأسئلة والأجوبة في يوم الثلاثاء الموافق ١٧/ ١٢/١٣٨٤ هـ والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعًا عامًا إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 492

٢٤ - كتاب الحج والعمرة س ١٧١: ما هو الحج لغةً وشرعًا؟ وما هي العمرة؟ وما أخر الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؟ ج: الحج في اللغة: القصد، وعن الخليل بن أحمد، قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه ورجل محجوج أي مقصود، قال المخبل: وأشهدُ مِن عوف حُلولاً كثيرةً … يحُجونَ بيتَ الزِّبرقَانِ المزَعْفرا قال ابن السكيت: يكثرون الاختلاف إليه، وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص في وقت مخصوص وأخِّرَ الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع ولشمولها المكلف وغيره، ثم الصوم لتكرره كل سنة، والعمرة لغة: قيل: إنها الصد. قال الحجاج: لقد غزا ابن معمر حين اعتمرْ … مغزًا بعيدًا من بعيد أو ضَبر أي قصد مغزًا بعيدًا، وقيل: إنها لغة الزيارة، قال الأعشى: وجاشت النفس لما جاء فلُّهُمْ … وراكب جاء من تثليث معتمرًا أي زائرًا، وشرعًا: زيارة البيت الحرام وعلى وجه مخصوص. س ١٧٢: ما حكم الحج؟ وما الأصل في مشروعيته من الكتاب والسُّنة؟ ج: حكمه أنه أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام من جحد وجوبه عالمًا كفر، وإن كان جاهلاً عرف؛ فإن أصر بعد التعريف كفر، وهو فرض كفاية كل عام على مَن لا يجب عليه عينًا ويأتي إن شاء الله، والأصل في وجوبه الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ الآية، وروي عن ابن عباس ومن كفر

стр. 493

باعتقاده أنه غير واجب، وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ وأما السُّنة: فعن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قال ثلاثًا، فقال النبي ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم» رواه أحمد ومسلم والنسائي، وعن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها الناس كتب عليكم الحج»، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتها لوجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» رواه أحمد والنسائي بمعناه، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» رواه البخاري. روى سعيد في «سننه» عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدَة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمرة مرة واحدة. س ١٧٣: بين حكم العمرة وأذكر ما في ذلك من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح لما تراه؟ ج: قيل: إنها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ فإنه عطفها على الحج والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه؛ ولحديث عائشة: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد، قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» رواه أحمد وابن ماجه ورواته ثقات، وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ ، فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر» رواه الخمسة وصححه الترمذي، وقوله ﷺ في جوابه لجبريل لما سأله عن الإسلام، قال ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا

стр. 494

رسول الله، وتقم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر» الحديث أخرجه ابن خزيمة والدارقطني من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقال الدارقطين: هذا إسناده ثابت صحيح، قيل: إنها سنة، روي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي واختاره الشيخ تقي الدين ﵀؛ لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمروا فهو أفضل» رواه الترمذي، وهذا القول عندي أنه أرجح من الأول ويَعْضُده عندي اقتصاره جل وعلا على الحج في الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» رواه البخاري. وعن معاذ قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسرهُ الله تعالى عليه، تعبد الله تعالى ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» الحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، فاقتصر ﷺ على الحج. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم. مقدمة من النظم ومختصره لكتاب المناسك وهاك صفات الحج قصْد مخصص … عبادة إذعان ومحض تعبد تحن القلوب المستجاب لها الدعا … من الصادق البر الجليل الممجد أتى بخصوص في الدعاء مُبعِّضًا … ولو عم طار الشوق بالناس عن يد نحن إلى أعلام مكة دائمًا … قلوب إلى الداعي تروح وتغتدي رجالاً وركبانًا على كل ضامرٍ … يلبون داعي الحق من كل مورد يطير بهم شوقًا إلى ذاك الحمى … لتحصيل وعد النفع في خير مشهد على كلهم قد هان نفس عزيزة … وأهل ومال من طريف ومَتْلَدِ رضوا عن مديد الظل قطع مهامه … يظل بها خربتها ليس يهتدِ

стр. 495

ولدّ لهم في جنب ما يبتغونه … سَموُمٌ بجهلاء المعالم صَيْخَدِ يهون بها لفح الهجير عليهمو … كهجر محب يرتجى صدق موعد وكل محب قابل الهجر بالرضا … سَيَجْني بما يرضَاه في كل مقصد فكم من رخى العيش حركه الهوى … فقام بأعباء الرجا ساغبًا صدى فليس بثان عزمه عن طلابه … إذا ثوِّب الداعي به وصل خُرّدِ أطار الكرى عنهم رجاء وصالهم … وشوقًا إلى ربع النبي محمد عفا الله عني كم أودع زائرًا … إليه وذنبي حابس ومقيَّد تحملت أوزارًا تثقل منهضي … ولكنني أرجو تجاوز سيد لئن ثبط الأقدار عزمي عن السرى … فشوقي إليه دائم وتلددي وإن رجائي أن يمن يزوره … فأبلغ من تلك المشاعر مقصدي وأسعى بآثار النبيين ضارعًا … وها أنا فيما رومت يا صاح أبتدي س ١٧٤: متى فرض الحج وما هي الأدلة الدالة على وجوبه فورًا؟ ج: فرض سُّنة تسع عند الأكثرين من العلماء ولم يحج النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنا كانت سنة عشر من الهجرة، وكان ﷺ قارنًا ويجبان في العمر مرة على الفور، وتقدمت الأدلة وجوبه؛ وأما أدلة الفورية فأولاً: أن الأمر للفورية ويؤيده خبر ابن عباس مرفوعًا، قال: «تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة-؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض» رواه أحمد. وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه، قال: «من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم يمنعه مرض حابس ولا سلطان أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال يهوديًا أو نصرانيًا» رواه سعيد. وعن عمر نحوه من قوله: ولأنه أحد مباني الإسلام، فلم يجز تأخيرهُ إلى غير وقت مُعين كبقية المباني بل أولى؛ وأما تأخيره ﷺ هو وأصحابه بناء على أن الحج فرض سنة تسع فيحتمل أنه كان في آخرها أو لأنه تعالى أطلع نبيه على أنه لا يموت حتى يحج فيكون على يقين من الإدراك أو لاحتمال عدم الاستطاعة أو حاجة
следующие страницы →