← Общие книги

Общие книги · id 1119

الإسلام دين الوسطية والفضائل والقيم الخالدة

عبد السلام الهراس

Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.

стр. 36

ومن المعلوم أن لدعاة المملكة العربية السعودية أثرا واضحا في إصلاح أفكار الرجل وتسديد موقفه من البيض ومن غير المسلمين. . . وقبله أسلم في المملكة على عهد الملك عبد العزيز ﵀ ليوبولد فايس (محمد أسد) ولو لم يكن لهذا الرجل في الإسلام إلا " الإسلام على مفترق " و " الطريق إلى مكة" لكفاه. فقد أضاف كتبا أخرى ومنها: ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية الذي يعده الأستاذ الدكتور سيد دسوقي حسن أحسن ترجمة أنجليزية إلى الآن، كما يعتمد عليه بعض قدماء الدكاترة المسلمين والإسبان مثل عبد السلام منصور إسكوديرو. وقد ظل محمد أسد يعيش في ظل كرم بعض رجالات السعودية الأكارم إلى وفاته ١٩٩٢ / ٢ / ١٩ بالأندلس بإسبانيا (١) . إن سر انتشار الإسلام في الأوساط الغربية وكذا روسيا وسطيته وتوازنه وتجاوبه مع الفطرة والعقل السليم انطلاقا من توحيد الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، ولما تحمله تعاليمه من قوة روحية نافذة قد تخترق الحجب لتستقر في الروح والوجدان دون إرادة صاحبه كما يعبر عن ذلك محمد أسد الذي لم يشعر إلا والإسلام قد ملأ روحه وأضاء جميع وجدانه بنور الحق. . . والقصص الرائعة لبعض من أسلم من

стр. 37

الغربيين جديرة بالتسجيل. لكن بقدر ما يعتز المسلم بما يحققه الإسلام من انتشار مبارك في العالم يشعر بالحزن والأسى للواجهات المشوهة التي تعرض على العالم غير المسلم بما يصدر عن " بعض " المسلمين من تصرفات مشينة وأفكار سيئة ومواقف منفرة. وقد كثر هذا النوع الذي يطلق عليه أستاذنا مالك المحامي المورط الذي يجعل من دفاعه الأرعن عن الإسلام البريء أكبر حجة على إدانته والحكم عليه. وليت الأمر يقف عند حد الكلام، بل إنه يتحول إلى أفعال مفزعة واندفاعات إجرامية شنيعة. والمؤسف أكثر أن الدعوة الإسلامية تحولت عند هؤلاء إلى محاكم التفتيش تقوم على التكفير والتفسيق واستباحة دماء الأبرياء مما يناقض وسطية الإسلام وسماحته وجماله ورحمته ودعوته إلى الرفق وحسن الظن والتيسير والمحبة والاحترام واللطف وحسن الآداب مع الجميع: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) . وهذا النوع من المسلمين يخلون برسالتهم في تمتين أواصر المحبة بالداخل وفي تشتيت الجهود للبناء الاجتماعي وتضييع الفرص المتاحة لاستدراك ما فات الأمة من اللحاق بالأمم المتقدمة مثلما وقع للمسلمين عندما نبتت خلالهم ومن وسط التقوى

стр. 38

والصلاح والزهد وحب آل البيت تيارات زعزعت الشبكة الاجتماعية للبناء الإسلامي كالخوارج، فإن الجهود الجبارة والشجاعة النادرة والاستماتة العجيبة والاستهانة بالموت في سبيل المبادئ ومظاهر عمق التدين والتعلق بالآخرة وإيثارها على الحياة الدنيا بدل أن تكون هذه الخصال الحميدة قوة دفع للمسلمين ونشر الدعوة في الخارج كانت عوامل هدم للمسلمين بالداخل عاقت الفتوحات ونشرت روح التمرد وفتحت أبواب الفتن بين العوام، فما تبنيه الحكمة في دهر تهدمه الحدة في وقت وجيز كما يقول محمد عبده فيما ضيعته حدة أستاذه جمال الدين الأفغاني ﵀.

стр. 39

إن على المؤسسات العلمية المسؤولة عن الدعوة الإسلامية وعن الجامعات الإسلامية والمنظمات الإسلامية الرسمية التعاون الصادق مع المنظمات وجماعات الدعوة العاقلة والمتزنة والمشهود لها بالحكمة والإخلاص والغيرة على الأمة وقضاياها، ومع أعلام الفكر الإسلامي ورجالاته العاملين في حقول الدعوة بصفة فردية لتدارك الأخطار المقبلة والمهددة بالقيام بالتخطيطات على المدى القريب والبعيد لانتزاع التوجيه والإرشاد وشؤون الفقه والدين والتربية والتكوين والفتوى من مساعر الحرب والفتن والأيدي والجهات التي انتهجت السلوك المشين والاضطرابات المؤسفة التي لا تزيد الأمة إلا تأخرا وتنشر خلالها روح التقاطع والتدابر وكل ما يمزق الشبكة التي يَمْتَنّ الله بقوتها وتلاحمها وتآلفها على المسلمين.

стр. 40

وقد رأينا محاولات فردية وغير فردية تتصدى لهذا الفكر وتعمل على انتزاع إمامته للشباب منه، تلك الإمامة التي تعزز اتجاهها المدمِر بإيهام الشباب بأن مرجعيتها من الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح وكبار الأئمة والمصلحين. والحقيقة أن هناك من يعتمد في مواقفه وسلوكه وفقهه على أئمة هم براء مما يصدر عن هؤلاء الذين يورطون الأمة ويوقعونها في مشاكلات عويصة لا قِبَل لهم بحلها. إن السلفية الحقة بريئة من اتجاه التكفير والتفسيق والخروج على الأمة وتوريطها في نزاع مع الخارج وإعطاء صور مشوهة عن الإسلام والمسلمين مما يثير شعوب العالم على هذا الدين وأصحابه في وقت أصبح الإسلام أكثر الأديان تأثيرا وقبولا. . . فلو لم يكن هذا الدين محجوبا بسلوك أولئك الذين يشوهون حقيقته لكان للإسلام والمسلمين في هذا العصر شأن وأي شأن. يقول الإمام الذهبي ﵀ عن شيخه ابن تيمية ﵀ الذي يتكئون على بعض فقهه الذي لم يفهموه: " كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول:

стр. 41

" أنا لا أكفر [أحدا] من الأمة، ويقول: " قال النبي ﷺ : «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم ". ويقول الذهبي: إنه يدين بما سمعه من شيخه وبما بلغه عن الإمام الأشعري ﵀" الذي عندما قرب حضور أجله دعا زاهر بن أحمد السرخسي وكان الإمام يقيم معه في داره قال: " فأتيته فقال: اشهد عليّ أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا كله اختلاف في العبارات " (١) . بل إن الإمام ابن تيمية ﵀ يرى عدم قتال طائفة وصفها رسول الله ﷺ بالباغية سواء كان ذلك بتأويل أو بغير تأويل لما ينشأ عن ذلك من الفتنة، ويقول: " وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين (٢) ". وأئمة الإسلام وعلماؤه مجمعون على هذا الفقه، وهو فقه لا يروق نفسيات ساخطة وعقولاً صغيرة وعلوماً ناقصة. ومما يغيب عن بال كثير ممن يتعاطى الدعوة أن منشأ الفتنة لا يكون من ترك ما أمر الله به فقط، وإنما من ترك الصبر أيضا. وروى ابن تيمية أن الذي لم يعرف الحق وقصر في معرفته وزاد على ذلك فقد أصاب ثلاثة ذنوب (٣) .

стр. 42

ومن فقه هذا الإمام أنه يزودنا بأفكار عظيمة مبثوثة في كل كتبه، من هذه الأفكار الرائعة التي تغيب عن كثير من ذلك النوع من الدعاة الذين كادت الساحات تمتلئ بهم وذلك تجنبا للفتنة وحفاظا على الأمن والاستقرار يقول: " ولهذا نجد الناس يفضلون من كان من الملوك ونحوهم إنما يظلم نفسه بشرب الخمر والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية ويتحرى العدل فيهم على من كان يتجنب الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم (١) . ونرى كذلك من نتائج هذا الفكر المجانب للوسطية الإسلامية أنه يثير فتنا كثيرة بسبب بعض من يراه غير أهل للإمامة لجرح شاع عنه أو رآه عليه فلم يستره وإنما جعله ديدنه ففضحه وهتك أستاره، وربما حاول أن ينصحه ففضحه أو عنفه واشتد عليه على رؤوس الأشهاد. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: " ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف". وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم.

стр. 43

ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام برا كان أو فاجرا. فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وإن كان الإمام فاسقا. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد (١) . وهذه الأفكار منتشرة كثيرا في تراثنا الإسلامي، من ذلك ما قاله العالم الجليل الشيخ أحمد زروق الفاسي في قواعده: " حفظ النظام واجب، ومراعاة المصلحة العامة لازمة، فلذلك أجمعوا على تحريم الخروج عن الإمام بقول أو فعل حتى انجر إجماعهم على الصلاة خلف كل بر وفاجر من الولاة وغيرهم ما لم يكن فسقه في عين الصلاة " (٢) .

стр. 44

إن القراءات الجزئية والمبتسرة لفقه بعض العلماء بما يناسب أهواء الغلاة ويرضي انحرافهم أو فهمهم القاصر أو تأويلهم الفاسد كل ذلك أو بعضه يعد المسؤول عن هذه الفتن التي نشأت عن فتاوى وأفكار كانت تغترف من هذه المدارس التي يتزعمها أنصاف العلماء الذين أصبحوا يرددون أمام العوام كلمة قالها قبلهم كبار الأئمة وكانوا يعرفون ما يقولون: (نحن رجال وهم رجال) دون أن يعرفوا معنى ذلك، والعجب أن هذه " المقولة " أصبح يرددها بعض العوام بإجازة من " شيوخهم " الذين ألهاهم التكاثر!! وما أصدق الحكمة الآتية: " من رأيته مجيبا عن كل ما سئل، ومعبِّرا عن كل ما شَهِدَ، وذاكرا كل علم فاستدل بذلك على وجود جهله " (١) .

стр. 45

إن الدراسة الشاملة والمتأنية لأئمة نسبت إليهم أقوال ومواقف وفتاوى تبين لنا بوضوح أنها لم تكن كذلك لأنهم أسمى من أن يقعوا فيما ينسب إليهم؛ وممن ظلم فيمن ظلم من أئمتنا بجعله مرجعا لبعض أولئك الشيخ المصلح: محمد بن عبد الوهاب حتى أصبحت"الوهابية" (١) تهمة حتى في بعض البلاد الإسلامية بعدما كانت قد خمدت حدتها لبيان حقيقتها. كما عانت بعض الحركات الإسلامية في عنفوان المذهب الاشتراكي ما عانت بما كان ينشر عنها من دعايات مشينة ونفس الأمر وقع لمصلحين كبار اتهموا اتهامات تخرجهم من الملة. إن الإمام محمد بن عبد الوهاب مثلا كتب إلى بعضهم رسالة يقول له فيها:

стр. 46

" إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها، منها ما هو من البهتان الظاهر، وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب. وقوله:" إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. وقوله:" إن اختلاف العلماء نقمة. وقوله:" إني أكفر من توسل بالصالحين. وقوله:" إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق. وقوله: " إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب. وقوله:" إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ . وقوله:" إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وإني أكفر من يحلف بغير الله. فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .

стр. 47

إن من أخطر ما يورط المسلمين ويعطي انطباعات سيئة عن الإسلام هذه النزعة الخوارجية التي تدعو للدين دون زاد كاف أو فقه سليم أو سلوك قويم، ومن ذلك دعوة بعضهم لإقامة دولة الخلافة الإسلامية في ديار الغرب حيث تستغلها أجهزة الإعلام المغرضة لإفزاع الشعوب الغربية من الإسلام والمسلمين، وترسيخ ربط الإرهاب بالدين وبالمسلمين معا على طريقة نظرية " بافلوف الروسي ". ومن المظاهر المؤلمة ما يقوم به بعضهم من فتن داخل الشعوب الإسلامية الحديثة العهد بالاستقلال عن روسيا. لذلك يجب تدارس جدي لإنقاذ أنفسنا قبل فوات الأوان. إن الوسطية الإسلامية يجب أن تتحول إلى مؤسسات فكرية تربوية ذات مناهج علمية محكمة تهدف إلى صياغة المسلم صياغة تحقق التغيير النفسي الداخلي المشروط في القرآن الكريم ليتحقق التغيير الخارجي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .

стр. 48

وقبل أن نطالب الآخرين أن يتغيروا يجب أن نتغير نحن لكن وفق ما نطمح إليه من ضبط الداخل والخارج حسب مقاصد الشريعة السامية وحقائقها الخالدة. إن المهمة الملحة هي إعداد النفوس لعملية التغير والتغيير الداخليين لصيانة الذات وتحصينها، وحينئذ نكون قد تجاوزنا دركات النفس الأمارة حتى تترسخ في النفوس تلك الدوافع النبيلة والنوازع الخيْرية فتنضبط حركةً نحو الخير وسكونا عن الشر، وتنصهر حتى تصبح روحا واحدة وجسدا واحدا في اتجاه البناء الجديد كأن الجميع نفس واحدة، وإنسان الظالم لنفسه إلى الارتقاء في الشروع في السير خلال النفس اللوامة التي تمثل المسلم المقتصد حتى نحقق الاستقرار على طريق المسيرة في مدارج النفس المطمئنة أو المسلم السابق بالخيرات بإذن الله. فكلما توافرت للأمة النسبة العالية للنوع الثالث استطاعت أن تأخذ مكانتها المحترمة بين أمم العالم، ولعل هذا ما يعنيه القرآن الكريم والله أعلم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ

стр. 49

الْكَبِيرُ﴾ (١) . فالنوع الثالث أكرمه الله بتربية عالية تجعل حسناته ترجح سيئاته، وهو من النوع الذي يقضي حقوق الآخرين دون أن يقتضي حقوقه ممن هضمه إياها، فهو إنسان تضحية ونكران الذات، وهمه أن تكون أمته قائدة رائدة فلا يحاسبها على ساعة العمل، فهو يعطي أكثر مما يأخذ. ولا ضير أن يكون بجانبه الإنسان المقتصد الذي يقوم بواجباته قدر ما يأخذ من حقوقه (٢) . ولكن النوع الظالم لنفسه هو المثبط والمتثبط فإن ارتفاع نسبته في الأمة يؤذن بالتأخر والتخلف وربما بالسقوط. يقول مالك بن نبي ﵀ في كتبه وأحاديثه: " إن الرقي والتقدم لا يتحقق إلا في مجتمع يتوافر فيه فائض الواجبات " ويضرب مثلا بألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

стр. 50

ولكي نحقق ذلك يجب إسناد الأمر إلى ذويه وأهله من رجال التربية والسلوك والقدوة الحسنة الذين تتوافر فيهم شروط، العلم وأعني به علم الشرع وعلم الواقع أي المجال الذي يعمل فيه. والحكمة: وهي الخبرة العميقة التي تجعله قادرا على التعامل بأحسن الأساليب وأنجح الوسائل وأنسب الآليات وأجمل فنون الاتصال لنقل فكرته وتفهيمها بوضوح ودقة مع حسن التأثير والتجاوب وتحقيق أحسن النتائج، بما يضاف إليها من الصفة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن، ولم توصف الحكمة بأحد الوصفين المذكورين لأنها الأحسن في ذاتها لا تحتاج إلى وصف زائد (١) . ولعل البصيرة تجمع العلم والحكمة ثم الورع والصلاح ليكون الداعية قدوة مؤثرة بالسلوك والعمل.

стр. 51

إن الثروة البشرية العالمة والعاملة في ميدان الدعوة إلى الإسلام داخل البلاد وخارجها كبيرة وكثيرة ومتنوعة وغنية وفي المستويات اللائقة، لكن عليها أن تتناسق وتتعاون فيما بينها قبل فوات الأوان، وعليها أن تتعاون أيضا مع الدول الإسلامية وأنظمتها المختلفة ما أمكن لها ذلك وعلى الأقل أن تتجنب الصدام مع أولي الأمر ذلك أن الأمة كلها مهدَّدَة. فقد ظهر جليا أن كل توتر داخلي يشيع روح السخط والتبرم وسوء الظن خلال المجتمع ويجر إلى عواقب وخيمة قد تمتد إلى البنيات التحتية للإسلام والقواعد الراسخة في الأمة مما يجعلها طعمة سائغة للمؤامرات الخارجية بما يصيبها من وهن وتمزق. ولقد اعترف قادة من هنا ومن هناك بأن الأفعال من جانب وردودها من جانب آخر كانت الأمة هي الخاسرة في الأولى والأخيرة، بل لدينا روايات شفوية مؤكدة أن من الأخطاء الفادحة التعاونَ على تقويض بعض الأنظمة لفسادها أو بدعوى ذلك لما ترتب على تقويضها من فساد أكبر هو الذي نتجرع مرارته كل لحظة بعد أن كانت الأنظمة الثورية تمني شعوبا بالفردوس وبتطهير البلاد من الصهيونية وعملائها فإذا بهذه الشعوب في قعر الجحيم وسواء السعير تبكي على الماضي الصالح الذي

стр. 52

كانت الأمة تتمتع فيه بكثير من الحقوق، وتعيش في مستوى معيشي وثقافي وسياسي واجتماعي وأخلاقي لم تصل في ظل الانقلابات وما بعدها حتى إلى ربعه. إن وسطية الإسلام يجب أن نمثلها في سلوكنا وأفكارنا وتعاملنا فيما بيننا أولا ثم ننقلها إلى الخارج لا من خلال الأفكار فقط ولكن من خلال السلوك. ولو استطعنا أن نصل إلى قمم القيم الإسلامية وقمم الحقيقة الإسلامية واستطعنا أن ننزل إلى هضاب الحضارة الغربية المتعطشة فنرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى الإسلامي لأضفنا إليها بعدا جديدا، " لأن الحضارة العلمانية، حضارة الصاروخ، حضارة الإلكترون اكتسبت هذه الأشياء وضيعت بعدا تشعر بفقدانه وهو بعد السماء " (١) .