رسالة في الرد على الرافضة
تأليف الشيخ: محمد بن عبد الوهاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد:
فإنه في أثناء تصوير مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز لبعض المخطوطات في مكتبة الأوقاف في بغداد عثرنا على مجموع فيه رسائل كثيرة لبعض أئمة الحنابلة كابن تيمية وابن رجب رحمهما الله، وضمن هذا المجموع رسائل للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ وهذه الرسالة "الرد على الرافضة" كانت إحدى الرسائل التي لفتت نظري لأهميتها، فعقدت العزم على القيام بتحقيقها.
ولما كانت فريدة ولم أستطع العثور على نسخة أخرى لها، فقد عمدت إلى تصحيحها وتخريج أحاديثها وتتبع نصوصها، سواء أخذت هذه النصوص من مصادر سنية أو شيعية. ولما كانت المصادر الشيعية غير متوفرة فقد عمدت إلى المخطوط منها في مكة المكرمة ثم إلى ما وصلت إليه يدي من كتبهم المطبوعة خاصة الفقهية منها. ثم إني – على ضيق من الوقت – كلفت أحد زملائي الباحث في مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي الذي قضى إجازة عيد الفطر في العراق أن يتتبع بعض مصادر الشيعة الهامة التي أشار إليها الشيخ في رسالته، فكان نعم المساعد وجزاه الله خيرًا.
стр. 2
هذا وقد كنت حريصًا أن اثبت ما في هذه الرسالة من عناوين على شكل مطالب سواء كانت من أصل التأليف أو من تبويبات الناسخ وهو الأرجح، وكذلك المقدمة القصيرة التي حمد الله فيها وصلى على رسوله ﷺ .
هذا وأسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لما فيه الخير والسداد.
стр. 3
رسالة في الرد على الرافضة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعلنا من أهل السنة، والصلاة والسلام على عبده الذي أكمل علينا به المنة، وعلى آله وأصحابه الذين حبهم واتباع آثارهم أقوى جنة، أما بعد:
فهذا مختصر مفيد ١ للشيخ محمد بن عبد الوهاب تغمده الله بالرحمة والرضوان، في بعض قبائح الرافضة الذين رفضوا سنة حبيب الرحمن، واتبعوا في غالب أمورهم خطوات الشيطان، فضلوا وأضلوا عن كثير من موجبات الإيمان بالله وسعوا في البلاد بالفساد والطغيان، يتولون أهل النيران، ويعادون أصحاب الجنان، نسأل الله العفو عن الافتتان من قبائحهم.
مطلب الوصية بالخلافة:
إن مفيدهم ابن المعلم ٢ قال في كتابه روضة الواعظين٣: "إن الله أنزل جبريل على النبي ﷺ بعد توجهه إلى المدينة في الطريق في حجة الوداع فقال: يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام.
стр. 4
ويقول لك: انصب عليا للإمامة ونبه أمتك على خلافته، فقال النبي ﷺ : يا أخي جبريل، إن الله بغض أصحابي لعلي، إني أخاف منهم أن يجتمعوا على إضراري، فاستعف ١ لي ربي. فصعد جبريل وعرض جوابه على الله تعالى، فأنزله الله تعالى مرة أخرى، وقال النبي ﷺ مثلما قال أولا، فاستعفى النبي ﷺ كما في المرة الأولى. ثم صعد جبريل فكرر جواب النبي ﷺ فأمره الله بتكرير نزوله معاتبا له مشددا عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ . فجمع أصحابه وقال: يا أيها الناس إن عليا أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، ليس لأحد أن يكون خليفة بعدي سواه٢، من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" انتهى.
فانظر يا أيها المؤمن إلى حديث هؤلاء الكذبة، الذي يدل على اختلاقه ركاكة ألفاظه وبطلان أغراضه، ولا يصح منه إلا "من كنت مولاه ٣") ومن اعتقد منهم صحة هذا فقد هلك؛ إذ فيه اتهام المعصوم قطعا من المخالفة بعدم امتثال أمر ربه ابتداء وهو نقص، ونقص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كفر، وأن الله تعالى اختار لصحبته من يبغض أجل أهل بيته، وفي ذلك ازدراء بالنبي ﷺ ومخالفة لما مدح الله به رسوله ٤.
стр. 5
وأصحابه من ١ أجل المدح قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٢. واعتقاد ما يخالف كتاب الله والحديث المتواتر كفر، وأنه ﷺ خاف إضرار الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٣ قبل ذلك كما هو معلوم بديهة. واعتقاد عدم توكله على ربه فيما وعده نقص، ونقصه كفر. وإن فيه كذبا على الله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ٤ وكذبا على رسول الله ﷺ ومن استحل ذلك فقد كفر، ومن يستحل ذلك فقد تفسق، وليس في قوله: "من كنت مولاه" أن النص على خلافته متصلة، ولو كان نصا لادعاها علي ﵁ لأنه أعلم بالمراد، ودعوى ادعائها ٥ باطل ضرورة، ودعوى علمه يكون نصا على خلافته، وترك ادعائها تقيه أبطل من أن يبطل. ما أقبح ملة قوم يرمون إمامهم بالجبن والخور والضعف في الدين، مع أنه من أشجع الناس وأقواهم.
стр. 6
مطلب إنكار خلافة الخلفاء
ومنها إنكارهم صحة خلافة الصديق ﵁ ١ وإنكارها يستلزم تفسيق من بايعه واعتقد خلافته حقا؛ وقد بايعه الصحابة ﵃ حتى أهل البيت كعلي ﵁؛ وقد اعتقدها حقا جمهور الأمة، واعتقاد تفسيقهم يخالف قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢ إذ أي خير في أمة يخالف أصحاب نبيها إياه، ويظلمون أهل بيته بغصب أجل المناصب، ويؤذونه بإيذائهم، ويعتقد جمهورها الباطل حقا. (سبحانك هذا افتراء عظيم) . ومن اعتقد ما يخالف كتاب الله فقد كفر. والأحاديث الواردة في صحة خلافة الصديق وبإجماع الصحابة وجمهور الأمة على الحق أكثر من أن تحصر. ومن نسب جمهور أصحابه ﷺ إلى الفسق والظلم، وجعل اجتماعهم على الباطل فقد ازدرى بالنبي ﷺ ، وازدراؤه كفر. ما أضيع صنيع قوم يعتقدون في جمهور ٣ النبي ﷺ الفسق والعصيان والطغيان، مع أن بديهة العقل تدل على أن الله تعالى لا يختار لصحبة صفيه ونصرة دينه إلا الأصفياء من خلقه؛ والنقل المتواتر يؤيد ذلك. فلو كان في هؤلاء القوم خير لما تكلموا في صحب النبي ﷺ وأنصار دينه إلا بخير، لكن الله أشقاهم فخذلهم بالتكلم في أنصار الدين، كل ميسر
стр. 7
لما خلق (له) ١.
عن علي ﵁ قال: "دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله استخلف علينا، قال: إن يعلم الله فيكم خيرا يول عليكم خيركم، فقال علي ﵁: فعلم الله فينا خيرا، فولى علينا خيرنا أبا بكر ﵁" رواه الدارقطني٢، وهذا أقوى حجة على من يدعي موالاة٣ علي ﵁.
وعن جبير بن مطعم قال: "أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت: إن جئت ولم أجدك، كأنها تقول الموت، قال: إن لم تجديني، فأت ٤ أبا بكر" رواه البخاري ومسلم ٥، وعن ابن عباس ﵁ قال: "جاءت امرأة إلى رسول ألله ﷺ تسأله شيئا، فقال: تعودين، فقالت: يا رسول الله، إن عدت فلم أجدك، تعرض بالموت، فقال: إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر، فإنه الخليفة بعدي" رواه ابن عساكر ٦، وعن ابن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول الله يقول: يكون خلفي اثنا عشر خليفة، أبو بكر لا يلبث إلا قليلا" ٧ رواه البغوي بسند حسن ٨.
وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا بالذين بعدي أبي بكر وعمر رضي الله
стр. 8
عنهما" ١رواه أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه والحاكم وصححه.
ورواه الطبراني عن أبي الدرداء والحاكم عن ابن مسعود ٢ وعن حذيفة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر ﵄، وتمسكوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه" ٣ رواه أحمد وغيره. ٤ وعن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا بالذين بعدي: أبي بكر وعمر ﵄، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود" ٥ رواه ابن عدي ٦. وعنه:"بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ أن أسأله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك. فقال: إلى أبي بكر" رواه الحاكم وصححه ٧. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن٨ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" رواه مسلم وأحمد ٩. وهذا الحديث يخرج من يأبى خلافة الصديق عن المؤمنين. عن علي رضي
стр. 9
الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "سألت الله أن يقدمك ثلاثا فأبى الله إلا تقديم أبي بكر"، وفي رواية زيادة: "ولكني خاتم الأنبياء، وأنت خاتم الخلفاء" رواه الدارقطني والخطيب وابن عساكر ١. وعن سفينة قال: "لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا، وقال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء بعدي" رواه ابن حبان، قال أبو زرعة: إسناده قوي لا بأس به، والحاكم وصححه والبيهقي ٢. روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ ٣ الإخبار بخلافة أبي بكر وعمر ﵄ ٤، قيل يشير إلى خلافة الصديق ﵁ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥ لأنه هو الذي جاهد أهل الردة. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ٦ الآية لأنه هو الذي باشر قتال بني حنيفة الذين كانوا من أشد الناس حين ارتدوا، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
стр. 10
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ ١ الآية، وقد مكن الإسلام بأبي بكر وعمر فكانا خليفتين ٢ حقين لوجود صدق وعد الله تعالى، وما صح من قوله ﷺ :"الخلافة بعدي ثلاثون"٣وفي بعض الروايات خلافة رحمة، وفي بعضها خلافة النبوة٤، وما صح من أمره ﷺ أبا بكر في مرض موته بإمامة الناس ٥؛ وهذا التقديم من أقوى إمارات حقيقة خلافة الصديق، وبه استدل أجلاء الصحابة كعمر وأبي عبيدة وعلي ﵃ أجمعين، فهذه وما شاكلها ٦ تسود وجوه الرافضة والفسقة المنكرين خلافة الصديق ﵁.
مطلب دعواهم ارتداد الصحابة ﵃
ومنها أنه روى الكشي ٧ منهم وهو عندهم أعرفهم بحال الرجال، وأوثقهم في رجاله، وغيره عن الإمام جعفر الصادق ﵁ وحاشاه من ذلك أنه قال: "لما مات النبي ﷺ ارتد الصحابة كلهم إلا أربعة: المقداد وحذيفة وسلمان وأبو ذر ﵃ فقيل له:
стр. 11
كيف حال عمار بن ياسر؟ قال: حاص حيصة، ثم رجع" هذا العموم المؤكد يقتضي ارتداد علي وأهل البيت وهم لا يقولون بذلك، وهذا هدم لأساس الدين لأن أساسه القرآن والحديث، فإذا فرض ارتداد من أخذ من النبي ﷺ إلا النفر الذين لا يبلغ خبرهم التواتر، وقع الشك في القرآن والأحاديث، نعوذ بالله من اعتقاد يوجب هدم الدين. وقد اتخذ الملاحدة كلام هؤلاء الرافضة حجة لهم فقالوا: كيف يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١ وقد ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو خمسة أو ستة أنفس منهم، لامتناعهم من تقديم أبي بكر على علي وهو الموصى به. فانظر إلى كلام هذا الملحد تجده من كلام الرافضة، فهؤلاء أشد ضررا على الدين من اليهود والنصارى. وفي هذه الهفوة الفساد من وجوه: فإنها توجب إبطال الدين والشك فيه، وتجوز كتمان ما عورض به القرآن، وتجوز تغيير القرآن، وتخالف قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣، وقوله فيمن آمن قبل الفتح وبعده: ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٤، وقوله في حق المهاجرين والأنصار ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٥، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٦، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ
стр. 12
عَلَى النَّاسِ﴾ ١، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الناصة على أفضلية الصحابة واستقامتهم على الدين؛ ومن اعتقد ما يخالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فقد كفر. ما أشنع مذهب قوم يعتقدون ارتداد من اختاره الله لصحبة رسوله ونصرة دينه!
مطلب دعواهم نقص القرآن
ومنها ما ذكروه في كتبهم الحديثية والكلامية أن عثمان ﵁ نقص من القرآن، فإنه كان في سورة ﴿ألم نشرح﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ٣ "وعليا صهرك" فأسقطها بحسد اشتراك الصهرية. قالوا: وكانت سورة الأحزاب مقدار سورة الأنعام، فأسقط عثمان منها ما كان في فضل ذوي القربى، ٤ قيل: أظهروا في هذه الأزمنة سورتين يزعمون أنهما من القرآن الذي أخفاه عثمان، كل سورة مقدار جزء، وألحقوهما بآخر المصحف، سموا إحداهما سورة النورين وأخرى سورة الولاء ٥ يلزم من هذا تكفير الصحابة حتى علي حيث رضوا بذلك، فهي كالتي قبلها في المفاسد وتكذيب قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ
стр. 13
خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. ومن اعتقد عدم صحة حفظه من الإسقاط، واعتقد ما ليس منه أنه منه، فقد كفر. ويلزم من هذا رفع الوثوق بالقرآن كله، وهو يؤدي إلى هدم الدين، ويلزمهم عدم الاستدلال به والتعبد بتلاوته لاحتمال التبدل. ما أخبث قول قوم يهدم دينهم! روى البخاري أنه قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: "ما ترك رسول الله ﷺ إلا ما بين الدفتين ٣") .
مطلب السب
ومنها إيجابهم سب الصحابة لا سيما الخلفاء الثلاثة، نعوذ بالله، رووا في كتبهم المعتبرة عندهم عن رجل من أتباع هشام الأحول أنه قال: كنت يوما عند أبي عبد الله جعفر بن محمد، فجاءه رجل خياط من شيعته، وبيده قميصان فقال: يا ابن رسول الله خطت أحدهما وبكل غرزة إبرة وحدت الله الأكبر، وخطت الآخر وبكل غرزة إبرة لعن٤ أبا بكر وعمر ﵄، ثم نذرت لك ما أحببته لك منهما، فما تحبه خذه وما لا تحبه رده. فقال الصادق: أحب ما تم بلعن أبي بكر وعمر، واردد إليك الذي خيط بذكر الله الأكبر.
فانظر إلى هؤلاء الكذبة الفسقة ماذا ينسبون إلى أهل البيت من القبائح، حاشاهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 14
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١ فإذا لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ وسطا فمن يكون غيرهم؟ وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢ فإذا لم يكن أصحابه من خيرهم فمن يكون سواهم؟ وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٣.
ومن سب من ﵁ فقد حارب الله ورسوله. وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٤ وكيف يسب من رضي عنه مولاه واصطفاه؟ وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ٥ كيف يجوز سب من يمدحه ربه؟ وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٦ ومن وعده سيده الجنة كيف يسب؟
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
стр. 15
أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١، وقال في الأنصار: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. والقرآن مشحون من مدح الصحابة ﵃ فمن سبهم فقد خالف ما أمر الله من إكرامهم، ومن اعتقد السوء فيهم كلهم أو جمهورهم فقد كذب الله تعالى فيما أخبر من كمالهم وفضائلهم، ومكذبه كافر. قال رسول الله ﷺ : "النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" ٣ رواه مسلم ٤.
وقد صح عن رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الثاني ثم الثالث، وخير أمتي أولها وآخرها، وفي وسطها الكدر" ٥ رواه الحاكم والترمذي ٦. وقد صح عنه ﷺ : "أن الله يفتح على الناس ببركة الصحابة". وعن أبي سعيد قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم أو نصيفه" ٧ رواه مسلم ٨ وغيره، وعن عمر ﵁ يقول: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره " ٩ رواه ابن ماجة ١٠.
стр. 16
وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، قد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم ١" وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار من حضر الحديبية إن شاء الله تعالى ٢"، وقد روي عنه بطرق إسناد بعضها رجال الصحيح غير واحد وهو ثقة قال: "لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي ٣" وقد روي بأسانيد بعضها حسن: عن ابن عباس قال: "كنت عند النبي ﷺ وعنده علي ﵁ فقال النبي ﷺ : ياعلي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة، قاتلوهم فإنهم مشركون٤". وقد تواتر عن النبي ﷺ ما يدل على كمال الصحابة ﵃ خصوصا الخلفاء الراشدين، فإن ما ذكر في مدح كل واحد مشهور، بل متواتر، لأن نقلة ذلك أقوام يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويفيد مجموع أخبارهم العلم اليقيني بكمال الصحابة وفضل الخلفاء.
فإذا عرفت أن آيات القرآن تكاثرت في فضلهم، والأحاديث المتواترة بمجموعها ناصة على كمالهم، فمن اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم، وارتدادهم وارتداد معظمهم عن الدين، أو اعتقد حقية سبهم وإباحته، أو سبهم مع
стр. 17
اعتقاد حقية سبهم أو حليته، فقد كفر بالله تعالى ورسوله فيما أخبر من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم عما يوجب الفسق. والارتداد، وحقية السب أو إباحته، ومن كذبهما فيما ثبت قطعا صدوره عنهما فقد كفر. والجهل بالمتواتر القاطع ليس بعذر، وتأويله وصرفه من غير دليل معتبر غير مفيد، كمن أنكر فرضية الصلوات الخمس جهلا لفرضيتها، فإنه بهذا الجهل يصير كافرا، وكذا لو أولها على غير المعنى الذي نعرفه فقد كفر، لأن العلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي، ومن خص بعضهم بالسب فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء، فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر، لتكذيبه ما ثبت قطعا عن رسول الله ﷺ ، ومكذبه كافر. وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق، لأن سباب المسلم فسوق؛ وقد حكم بعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقا والله أعلم، وإن كان ممن لم يتواتر١ النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله ﷺ فإن ذلك كفر. وغالب هؤلاء الرفضة الذين يسبون٢ الصحابة لا سيما الخلفاء يعتقدون حقية سبهم أو إباحته، بل وجوبه لأنهم يتقربون بذلك إلى الله تعالى، ويرون ذلك من أجل أمور دينهم كما نقل عنهم٣. ما أضل عقول قوم يتقربون إلى الله تعالى بما يوجب لهم خسران الدين! والله الحافظ.
стр. 18
هذا وإني لا أعتقد كفر من كان عند الله مسلما ١، ولا إسلام من كان عنده كافرا، بل أعتقد من كان عنده ٢ كافرا كافرا، وما صح عن العلماء من أنه لا يكفر أهل القبلة فمحمول على من لم يكن بدعته مكفرة، لأنهم اتفقت كلمتهم على تكفير من كانت بدعته مكفرة، ولا شك أن تكذيب رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه قطعا كفر، والجهل في مثل ذلك ليس بعذر، والله أعلم.
مطلب التقية
ومنها إيجابهم التقية، ورووا عن الصادق ﵁: "التقية ديني ودين آبائي٣") ، حاشاه عن ذلك. وفسر بعضهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٤: أكثركم تقية وأشدكم خوفا من الناس٥ وقد قال ﷺ : "من فسر القرآن برأيه فقد كفر٦". ونقل علماؤهم عن أحد ثقاتهم أنه قال: " إن جعفر الصادق ﵁ نام ليلة عندنا في خلوته الخاصة، ولم يكن عنده إلا من لم نشك في تشيعه، فقام للتهجد، فتوضأ ماسحا أذنيه، غاسلا رجليه، وصلى ساجدا على اللبد، عاقدا يديه، فكنا نقول: لعل الحق ذلك، حتى سمعنا صيحة، فرأينا رجلا ألقى بنفسه على قدميه يقبلهما ويبكي ويعتذر. فسئل عن حاله فقال: كان
стр. 19
الخليفة وأركان دولته يشكون فيك، وأنا كنت من جملتهم، فتعهدت بالفحص عن مذهبك، وقد انتهزت الفرصة مدة مديدة، حتى ظفرت هذه الليلة بأن دخلت الدار واختفيت، ولم يطلع علي أحد، فالحمد لله الذي أذهب ذلك عني وحسن اعتقادي يا ابن بنت رسول الله ﷺ ، ولم يبقني على سوء ظني، قال الشيخ: فعلمنا أن الله لا يخفي عن المعصوم شيئا، وعلمنا أن هذه كانت تقية منه. انتهى ... ١
والمفهوم من كلامهم أن معنى التقية عندهم كتمان الحق، أو ترك اللازم، أو ارتكاب المنهي، خوفا من الناس، والله أعلم. فانظر إلى جهل هؤلاء الكذبة! وبنوا على هذه التقية المشؤومة كتم علي نص خلافته ومبايعة الخلفاء الثلاثة، وعدم تخليصه حق فاطمة ﵂ من إرثها على زعمهم، وعدم التعرض لعمر حين اغتصب بنته من فاطمة ﵂، وغير ذلك. قالوا فعل ذلك تقية قبحهم الله. وقد وردت نصوص كثيرة عن علي وأهل بيته دالة على براءتهم عنها، وإنما افتراها عليهم الرافضة لترويج مذهبهم الباطل، وهذا يقتضي عدم الوثوق بأقوال أئمة أهل البيت وأفعالهم لاحتمال أنهم قالوها أو فعلوها تقية. وإن أرادوا بقوله "ودين آبائي" النبي ﷺ ومن بعده، فقد جوزوا عليه عدم تبليغ ما أمره الله تبليغه، خوفا من الناس، ومخالفة أمر الله في أقواله وأفعاله خوفا منهم، ويلزم من هذا عدم الوثوق بنبوته، حاشاه عن ذلك. ومن جوز عليه ذلك فقد نقصه، ونقص الأنبياء ﵈ كفر، ما أشنع قول قوم يلزم منه نقص أئمتهم المبرئين عن ذلك
وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١. وقد روى عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد٢ والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ﵂ أنها المبرأة المرادة من هذه الآيات٣. وروى سعيد بن منصور وأحمد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه عن أم رومان ﵂ ما يدل أن عائشة ﵂ هي المبرأة المقصودة بهذه الآيات٤. وروى البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة ما يوافق ما تقدم. وروى ابن مردويه والطبراني عن ابن عباس ﵁ مثلما سبق. وروى الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر ﵄ ما يطابق السابق. وروى ابن مردويه والطبراني عن أبي إياس الأنصاري ما يوافق ما تقدم. وروى ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير ما يوافق ما تقدم. وروى الطبراني عن الحكم بن عتيبة مثل ذلك. وروي عن عبد الله بن الزبير ما يوافقه. وروي عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة ابن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعمرة بنت عبد الرحمن
стр. 22
وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وسلمة بن عبد الرحمن بن عوف والقاسم بن محمد بن أبي بكر والأسود بن يزيد وعباد بن عبد الله بن الزبير ومقسم مولى ابن عباس وغيرهم عن عائشة ﵂ مثله. وكونها هي المبرأة المرادة من الآيات مشهور بل متواتر. فإذا عرفت هذا فاعلم أنه من قذفها بالفاحشة مع اعتقاده أنها زوجة رسول الله ﷺ وأنها بقيت١ في عصمته بعد هذه الفاحشة، فقد جاء بكذب ظاهر، واكتسب الإثم، واستحق العذاب، وظن بالمؤمنين سوءا، وهو كاذب وأتى بأمر ظنه هينا وهو عند الله عظيم، واتهم أهل بيت ٢ النبوة بالسوء، ومن هذا الاتهام يلزم نقص النبي ﷺ ، ومن نقصه فكأنما نقص الله، ومن نقص الله ورسوله فقد كفر، وهو بفعله هذا خارج عن أهل الإيمان ومتبع لخطوات الشيطان، وملعون في الدنيا والآخرة ومكذب الله في قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ ٣ الآية ومن كذب الله فقد كفر. ومن قذفها مع زعمه أنها لم تكن زوجته أو لم تبق في عصمته بعد هذه الفاحشة، فإن قلنا: إنه ثبت قطعا أنها هي المرادة بهذه الآيات وهو الظاهر، يلزم من قذفها ما تقدم من القبائح. والحاصل أن قذفها كيفما كان يوجب تكذيب الله تعالى في إخباره عن تبرئتها عما يقول القاذف فيها، وقد قال بعض المحققين من السادة: " وأما قذفها الآن فهو كفر وارتداد، ولا يكتفى فيه بالجلد لأنه تكذيب لسبع عشرة آية من كتاب الله كما مر، فيقتل ردة، وإنما اكتفى ﷺ بجلدهم، أي من قذفها في زمنه مرة
стр. 23
أو مرتين لأن القرآن ما كان أنزل في أمرها، فلم يكذبوا القرآن، وأما الآن فهو تكذيب للقرآن، أما نتأمل في قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ الآية، ومكذب القرآن كافر فليس له إلا السيف وضرب العنق. انتهى. ولا يخالف هذا قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ١ الآية، لأنه روى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصمت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس إنه مجنون وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف فتلك خيانتهما٢. وروى ابن عساكر عن أشرس يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "ما بغت امرأة نبي قط". وروى ابن جرير عن مجاهد: "لا ينبغي لامرأة كانت تحت نبي أن تفجر٣") . ومن يقذف الطاهرة الطبية أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين ﷺ في الدنيا والآخرة كما صح ذلك عنه فهو من ضرب عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، ولسان حال رسول الله ﷺ يقول:
стр. 24
" يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن آذاني في أهلي" ١ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناًوَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ٢. فأين أنصار دينه ليقولوا: نحن نعذرك يا رسول الله؟ فيقومون بسيوفهم إلى هؤلاء الأشقياء الذين يكذبون الله ورسوله، ويؤذونهما والمؤمنين فيبيدونهم ويتقربون٣ بذلك إلى رسول الله ﷺ ويستوجبون٤ بذلك شفاعته، اللهم إنا نبرأ إليك من قول هؤلاء المطرودين.
مطلب تكفير من حارب عليًّا
ومنها تكفير من حارب عليا ﵁ مرادهم بذلك عائشة وطلحة والزبير وأصحابهم، ومعاوية وأصحابه. وقد تواتر منه ﷺ ما يدل على إيمان هؤلاء، وكون بعضهم مبشرا بالجنة، وفي تكفيرهم تكذيب لذلك، فإن لم يصيروا كفرة بهذا التكذيب فلا شك أنهم يصيرون فسقة، وذلك يكفي في خسارتهم في تجارتهم.
مطلب استهانتهم بأسماء الصحابة
ومنها استهانتهم٥ بأسماء الصحابة٦، ولا سيما العشرة، وقد تواتر
стр. 25
عنه ﷺ ما يدل على وجوب تعظيمهم وإكرامهم وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك في مواضع من كتابه، ويلزم من إهانة هؤلاء إياهم استحقاقهم لذلك عندهم. ومن اعتقد منهم ما يوجب إهانتهم فقد كذب رسول الله ﷺ فيما أخبر من وجوب إكرامهم وتعظيمهم؛ ومن كذبه فيما ثبت عنه قطعا فقد كفر.
ومن عجب أنهم يتجنبون التسمية بأسماء الأصحاب، ويسمون بأسماء الكلاب، فما أبعدهم عن الصواب! وأشبههم بأهل الضلال والعقاب.
مطلب انحصار الخلافة في اثني عشر
ومنها دعواهم انحصار الخلافة في اثني عشر؛ فإنهم كلهم بالنص والإبصار عمن قبله ١ وهذه دعوى بلا دليل، مشتملة على كذب؛ فبطلانها أظهر من أن يبين. ويتوسلون بها إلى بطلان خلافة من سواهم٢ في ذلك تكذيب لنصوص واردة في خلافة الخلفاء الراشدين، وخلافة قريش.
مطلب العصمة [للأئمة الاثني عشر]
ومنها إيجابهم العصمة للاثني عشر بناء على أن العصمة عندهم شرط في الإمامة ٣؛ وبطلان هذا أظهر، ويلزم من اعتقادهم هذا مشاركة الأئمة الاثني عشر الأنبياء في وصف العصمة٤. فإن قلنا: إنها مخصوصة
стр. 26
بهم لا توجد في غيرهم، أو لا تلزم لغيرهم، فإثباتها للأئمة جرم جسيم، قال في التجريد ١ " الإمام لطف، فيجب نصبه على الله تحصيلا للغرض "، قال شارحه ٢ " اختلفوا في أن الإمام هل يجب أن يكون معصوما أم لا، فذهبت الإمامية والإسماعيلية إلى وجوبه، والباقون بخلافه". ثم قال في المتن وامتناع التسلسل: " يوجب عصمة الإمام إلى آخر ما ذكر. والظاهر أن إيجاب العصمة لأئمتهم من أكذابهم وافترائهم، لم يرد به دليل من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس الصحيح ولا من العقل السليم، قاتلهم الله أنى يؤفكون ".
مطلب فضل الإمام علي ﵁
ومنها: أنه قال ابن المطهر الحلي ٣ ": اجتمعت الإمامية على أن عليا بعد نبينا أفضل من الأنبياء غير أولي العزم، وفي تفضيله عليهم خلاف، قال وأنا من المتوقفين في ذلك وكذلك الأئمة من آله " وقال الطومسي في تجريده: ٤"وعلي أفضل الصحابة لكثرة جهاده، إلى أن قال: وظهور المعجزات عنه واختصاصه بالقرابة والأخوة ووجوب المحبة والنصرة ومساواة الأنبياء. انتهى ". وقال الشارح: ٥ " ويؤيده قوله ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى
стр. 27
إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب"، فإنه أوجب مساواته الأنبياء في صفاتهم انتهى " وفي صحة هذا نظر، وبعد فرض صحته لا يوجب المساواة، لأن المشاركة في بعض الأوصاف لا تقتضي المساواة كما هو بديهي. ومن اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم ومساويا ١ لهم فقد كفر؛ وقد نقل على ذلك الإجماع غير واحد من العلماء، فأي خير في قوم اعتقادهم يوجب كفرهم؟
مطلب نفي ذرية الحسن ﵁
ومنها قولهم: إن الحسن بن علي لم يعقب، وأن عقبه انقرض، وأنه لم يبق من نسله الذكور أحد، وهذا القول شائع فيهم، وهم مجمعون عليه، ولا يحتاج إلى إثباته، كذا قيل. ومنهم من يدعي أن الجاج مثلهم كلهم، وتوصلوا بذلك إلى أن يحصروا الإمامة في أولاد الحسين، ومنهم في اثني عشر، وأن يبطلوا إمامة من قام بالدعوة من آل الحسن مع فضلهم وجلالتهم واتفاقهم بشروط الإمامة ومبايعة الناس لهم وصحة نسبتهم ووفور علمهم، بحيث إنهم كلهم بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، فقاتلهم الله أنى يؤفكون! انظر إلى هؤلاء الأعداء لآل البيت المؤذين رسول الله ﷺ وفاطمة بإنكار نسب من يثبت نسبه قطعا أنه من ذرية الحسن ﵁: وثبوت نسب ذريته متواتر لا يخفى على ذي بصيرة، وقد عد ﷺ الطعن في الأنساب من أفعال الجاهلية، وقد ورد ما يدل على أن المهدي من ذرية الحسن ﵁ كما رواه أبو داود وغيره ٢.
стр. 28
مطلب خلافهم في خروج غيرهم من النار
ومنها أنه قال الحلي في شرح التجريد ١: " اختلف الأئمة في غير الاثنى عشرية من الفرق الإسلامية، هل يخرجون من النار ويدخلون الجنة أم يخلدون فيها بأجمعهم؟ قال: والأكثرون على الثاني، وقال شرذمة بالأول، وقال ابن نوبخت ٢: " يخرجون من النار ولا يدخلون الجنة، بل هم بالأعراف. انتهى ". وهذا مبني على أن مذهبهم اعتقادهم أهل السنة كفارا أو فساقا، مع اعتقادهم أن الفاسق لا يخرج من النار أبدا؛ وهذا يستلزم تكذيب ما صح عنه ﷺ من إخراج عصاة الموحدين من النار، وما ورد في فضل السواد الأعظم الذين هم أهل السنة. وقد صح أن الصحابة وأخيار التابعين مذهب أهل السنة مذهبهم، وقولهم هذا يشبه قول أهل الكتاب، حيث قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً﴾ ٣، وكذلك هؤلاء يقولون بأفواههم: لن يدخل الجنة إلا من كان رافضيا. انظر كيف يفترون على الله الكذب، بل أفعالهم تقتضي حرمانهم عنها.
مطلب مخالفتهم أهل السنة
ومنها أنهم جعلوا مخالفة أهل السنة والجماعة الذين هم على ما (عليه) رسول الله ﷺ وأصحابه أصلا للنجاة، فصاروا كلّ ما فعل أهل السنة تركوه، وإن تركوا شيئا فعلوه، فخرجوا بذلك عن الدين
стр. 29
رأسا، فإن الشيطان سول لهم وأملى لهم، وادعوا بأن هذه المخالفة علامة أنهم الفرقة الناجية ١ وقد قال ﷺ : "الفرقة الناجية هي السواد الأعظم وما أنا عليه ٢ وأصحابي٣") . فلينظر إلى الفرق ومعتقداتهم وأعمالهم فما وافقت النبي ﷺ وأصحابه هي الفرقة الناجية، وأهل السنة هم المتبعون لآثاره ﷺ وآثار أصحابه كما لا يخفى على منصف ينظر بعين الحق، فهم أحق أن يكونوا الفرقة الناجية، وآثار النجاة الظاهرة ٤ فيهم، لاستقامتهم على الدين من غير تحريف، وظهور مذهبهم وشوكتهم في غالب البلاد، ووجود العلماء المحققين والمحدثين والأولياء والصالحين فيهم، وقد نزع الولاية عن الرافضة، فما سمع فيهم ولي قط.
مطلب الرجعة
ومنها: أنه ما قال أضلهم محمد بن بابويه القمي ٥ في عقائده في مبحث الإيمان بالرجعة: "فإنهم عليهم الصلاة قالوا: من لم يؤمن برجعتنا فليس منا". وإليه ذهب جميع علمائهم، قالوا: إن النبي ﷺ وعليا ﵁ والأئمة الاثني عشر يحيون في آخر الزمان، ويحشرون بعد خروج المهدي وبعد قتله الدجال، ويحيا كل من الخلفاء الثلاثة وقتلة
стр. 30
الأئمة، فيقتل النبي ﷺ الخلفاء حدا، والقتلة قصاصا، ويصلبون الظالمين، ويبتدئون بصلب أبي بكر وعمر على شجرة؛ فمن قائل يقول: إن تلك تكون رطبة فتجف تلك الشجرة بعد أن صلبا عليها، فيضل بذلك خلق كثير من أهل الحق، ويقولون: ظلمناهم. ومن قائل يقول: الشجرة تكون يابسة فتخضر بعد الصلب، ويهتدي به جم غفير من محبيهما. قيل ذكروا في كتبهم أن تلك الشجرة نخلة، وأنها تطول حتى يراها أهل المشرق والمغرب، وأن الدنيا تبقى بعد ذلك خمسين ألف سنة، وقيل مائة وعشرين ألف سنة، لكل إمام من الاثني عشر اثني عشر ألف سنة، وقال بعضهم إلا المهدي فإن له ثمانين ألف سنة، ثم يرجع آدم، ثم شيث، ثم إدريس، ثم نوح، ثم بقية الأنبياء إلى أن ينتهي إلى المهدي، وأن الدنيا غير فانية، وأن الآخرة غير آتية. كذا نقل عنه والله أعلم.
فانظر أيها المؤمن إلى سخافة رأي هؤلاء الأغبياء، يختلقون ما تردّه بديهة العقل وصراحة النقل. وقولهم هذا مستلزم تكذيب ما ثبت قطعا في الآيات والأحاديث من عدم رجوع الموتى إلى الدنيا، فالمجادلة مع هؤلاء الحمر تضيع الوقت. لو كان لهم عقل لما تكلموا أي (شيء) ١ يجعلهم مسخرة للصبيان، ويمج كلامهم أسماع أهل الإيقان، لكن الله سلب عقولهم وخذلهم في الوقيعة في خلص أوليائه لشقاوة سبقت لهم.
مطلب زيادتهم في الأذان
ومنها: زيادتهم في هذه الأزمنة في الأذان والإقامة وفي التشهد
стр. 31
بعد الشهادتين أن عليا ولي الله، وهذه بدعة مخالفة للدين لم يرد بها كتاب ولا سنة، ولم يكن عليها إجماع ولا فيها قياس صحيح، ومخالفة لأهل مذهبهم، فردها لا يُحتاج إليه.
مطلب الجمع بين الصلاتين
ومنها: تجويزهم الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير عذر، وقد روى الترمذي قال: قال رسول الله: "من جمع بين صلاتين بغير عذر فقد أتى بابا من الكبائر١") وقد ورد أن من أشراط٢ الساعة تأخير الصلاة عن أوقاتها، وما روي عن ابن عباس ﵁ من الجمع بين العصرين والعشاءين فمؤول بتأخير الأولى إلى آخر وقتها، وأداء الأخرى في أول وقتها، والله أعلم.
قيل إن سبب جمعهم بين الظهرين والمغربين طول الدهر مع اختيار التأخير فيهما هو " أنهم ينتظرون ٣ القائم المختفي في السرداب ليقتدوا به، فيؤخرون الظهر إلى العصر إلى قريب غروب الشمس، فإذا يئسوا من الإمام واصفرت الشمس وصارت بين قرني الشيطان نقروا عند ذلك كنقر الديك، فصلوا الصلاتين من غير خشوع ولا طمأنينة فرادى من غير جماعة، ورجعوا خائبين خاسرين. نسأل الله العفو والعافية. وقد صاروا بذلك وبوقوفهم بالجبل على ذلك السرداب وصياحهم بأن يخرج إليهم ضحكة لأولي الألباب. ولقد أحسن القائل شعرا: ٤
стр. 32
ما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلّمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا
مطلب العصمة
ومنها: اشتراطهم كون الإمام معصوما، وإيجابهم على الله عدم إخلاء الزمان من إمام معصوم، وحصر الإمام ١ المعصومين في اثني عشر ٢؛ وبطلان هذا وتناقضه واشتماله على سوء الأدب مع الله أظهر من أن يذكر. وأبطلوا بهذا القول الباطل الجماعة في الصلاة التي هي من أعلى شعائر الإسلام، لكنهم ليس لهم نصيب منها، فحرموا هذه الكرامة العلية.
مطلب المتعة
ومنها: إباحتهم نكاح المتعة بل يجعلونها خيرا من سبعين نكاحا دائما، وقد جوز لهم شيخهم الغالي علي بن العالي أن يتمتع اثنا عشر نفسا في ليلة واحدة، بامرأة واحدة وإذا جاءت بولد منهم أقرعوا فمن خرجت قرعته كان الولد له. قلت: هذا مثل أنكحة الجاهلية التي أبطلها الشرع كما في الصحيح ٣. وعن علي ﵁ أنه قال ٤: "رسول الله
стр. 33
نهى عن نكاح المتعة" ١ رواه البخاري ومسلم وغيرهما ٢
وعن سلمة بن الأكوع ﵁: "أنه ﷺ أباح نكاح المتعة ثم حرمها" ٣ رواه الشيخان ٤ وروى مسلم في صحيحه عن سبرة نحو ذلك ٥ وعن ابن عمر: "نهانا عنها يعني المتعة رسول الله ﷺ " رواه الطبراني بإسناد قوي ٦، وقد نقل عن ابن عباس رجوعه عنها ٧، وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁: "هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث" وإسناده حسن ٨. وعن ابن عباس ﵁ قال: "كانت المتعة في أول الإسلام حتى نزلت هذه الآية: ﴿حرمت عليكم﴾ ٩ وتصديقها من القرآن ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وما سوى هذا فهو حرام" رواه الطبراني والبيهقي ١٠.
والحاصل: أن المتعة كانت حلالا ثم نسخت وحرمت تحريما مؤبدا، فمن فعلها فقد فتح على نفسه باب الزنى.
стр. 34
مطلب النكاح بلا ولي وشهود
ومنها: إباحتهم النكاح بلا ولي ولا شهود، وهذا هو الزنى بعينه، قال الحلي منهم: " ولا يشترط في نكاح الرشيدة الولي، ولا يشترط الشهود في شيء من الأنكحة، ولو تآمرا على الكتمان لم يبطل. انتهى " ١. عن عمران بن حصين أنه ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ٢ رواه الشافعي والطبراني والدارقطني والبيهقي ٣، وهذا وإن كان منقطعا فإن أهل العلم يقولون به، وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" ٤ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم٥ وقال: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ ؛ عائشة وزينب بنت جحش، قال: وفي الباب عن علي أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " وابن عباس وغيرهما، وسرد تمام ثلاثين صحابيا، ٦ وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيا امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ٧ رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو عوانة وابن حبان والحاكم ٨. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح المرأة المرأة،
стр. 35
ولا نفسها، إنما الزانية إلتي تنكح نفسها".
وفي لفظ: "التي تنكح نفسها هي الزانية" رواه ابن ماجه والدارقطني. ١ وعن عكرمة بن خالد قال: "جمعت الطريق ركبا، فجعلت امرأة منهن ثيب أمرها بيد رجل غير ولي، فأنكحها، فبلغ ذلك عمر، فجلد الناكح والمنكح" رواه الشافعي والدارقطني ٢. وروى الدارقطني عن الشعبي قال: "ما كان أحد من أصحاب النبي ﷺ أشد في النكاح من علي بن أبي طالب، كان يضرب فيه" رواه الشافعي والدارقطني ٣. قد روى ابن خيثمة مرفوعا: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ٤" وعن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: "لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين ٥") . وعن ابن عباس ﵁ قال: "أدنى ما يكون في النكاح أربعة: الذي يتزوج، والذي يزوج، وشاهدان" رواه ابن أبي شيبة وصححه البيهقي ورواه الدارقطني ٦. وعن عائشة ﵂ نحو ذلك. وروى الترمذي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة ٧". وروى مالك عن أبي الزبير أن عمر أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة قال: "هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه
стр. 36
لرجمته ١") .
وعن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: "أعلنوا النكاح" ٢ رواه أحمد والحاكم وصححه٣. قال بعض السادة: ٤ وإذا طرق سمعك ما سردنا عليك من الأحاديث، فقد ظهر لك بطلان مذهبهم في تجويزهم النكاح بغير ولي ولا شهود، والله أعلم.
مطلب وطء الجارية بالإباحة
ومنها، تجويزهم وطء الجارية للغير بالإباحة، قال الحلي: يجوز إباحة الأمة للغير بشرط كون المبيح مالكا لرقته جائز التصرف، وكون الأمة مباحة بالنسبة إلى من أبيحت له. ويكفي في رد هذا الباطل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٥ ومعلوم قطعا أن وطأها ليس بالنكاح ولا بملك اليمين، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ٦.
مطلب الجمع بين المرأة وعمتها
ومنها: تجويزهم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ٧ وعلى هذا ما ورد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 37
وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، والخالة على بنت أختها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى " ١ رواه البزار ٢. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها" ٣ بمثل حديث علي، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان، وزاد عن ابن عباس: "إنكم إذا فعلتم قطعتم أرحامكم ٤") وروى ابن ماجة عن أبي سعيد نحوه ٥. وروى ابن حبان عن ابن عمر ﵁ نحوه٦. وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة نحو ذلك ٧. وروى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن جابر نحو ذلك٨. وكلها مرفوعة. ونقل ابن عبد البر الإجماع على حرمة ذلك٩. وبهذا وأمثاله تعرف أن الرافضة ١٠ أكثر الناس تركا لما أمر الله، وإتيانا لما حرمه، وأن كثيرا منهم ناشئ عن نطفة خبيثة موضوعة في رحم حرام، ولذا لا ترى منهم إلا الخبيث اعتقادا وعملا، وقد قيل كل شيء يرجع إلى أصله.
стр. 38
مطلب إباحتهم -أبعدهم الله- إتيان المرأة في دبرها
ومنها إباحتهم إتيان الزوجة والمملوكة في الدبر، ١ وقد صح عن النبي ﷺ وأصحابه ما يدل على أن المراد من قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٢ هو الإتيان في القبل، وإليه يرشد لفظ الحرث، بل هو نص في ذلك، وقد ورد عنه ﷺ لعن من فعل ذلك في الدبر، وإطلاق الكفر عليه ٣؛ فهو خليق أن يكون حراما قطعيا، يخاف على مستحله الكفر، الله الحافظ.
مطلب مسح الرجلين
ومنها: إيجابهم المسح على الرجلين ومنعهم غسلهما، والمسح على الخفين٤ وقد صح عن رسول الله ﷺ الذي قال الله فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٥ برواية علي ﵁ غسلهما والأمر به٦. وكذا عنه برواية عثمان وابن عباس وزيد بن عاصم ومعاوية بن مرة والمقداد بن معد يكرب وأنس وعائشة وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وعمرو بن عنبسة وغيرهم ٧.
стр. 39
وقد صح عنه: "ويل للأعقاب من النار ١ ". فمجموع ما ورد عنه في غسلهما فعلا وقولا يفيد العلم الضروري اليقيني، ومن أنكر ذلك فقد أنكر المتواتر، وحال منكره معلوم، أقل مراتبه أن يكون فاسقا، بل تكون صلاته باطلة، فيبعث يوم القيامة مصليا بلا طهارة شرعية، والله أعلم.
وقد صح عنه ﷺ برواية نحو خمسين من الصحابة أو ثمانين أو أزيد المسح على الخفين، فمنكره مبتدع، فلا خير في قوم يتركون المتواتر من فعله ﷺ الذي يجب اتباعه في جميع أموره، من اتبعه وصل ومن لم يتبعه ضل وانفصل. أحيانا الله على سنته، وأماتنا على ملته، وحشرنا في زمرته.
مطلب الطلاق بالثلاث في لفظ واحد
ومنها: قولهم: أن من طلق امرأته بالثلاث في لفظ واحد لا يقع شيء٢ وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة، وإجماع أهل الإسلام؛ فإنهم أجمعوا على وقوع الطلاق، وإنما اختلافهم في عدد الطلاق أهي واحدة أم ثلاث. روى ابن ماجه عن الشعبي قال: "قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك. قالت: طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله ﷺ ٣") . وروى البيهقي
стр. 40
عن علي ﵁ فيمن طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: "لا تحل حتى تنكح زوجا غيره ١") . وروى ابن عدي عنه: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره٢") . وروى البيهقي عن مسلمة بن جعفر الأحمس قال: قلت لجعفر بن محمد: أن قوما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة، يجعلونها واحدة يروونها عنكم قال: معاذ الله أن يكون هذا من قولنا، من طلق ثلاثا فهو كما قال ٣. وتعرف بهذا وأضرابه افتراء الرافضة الكذبة على أهل البيت، وأن مذهبهم مذهب أهل السنة والجماعة، وروي عن غير واحد من الصحابة ما يوافق هذا، وروي عن الحسن ﵁ ما يؤيد ذلك. فهؤلاء الإمامية خارجون عن السنة بل عن الملة، واقعون في الزنى، وما أكثر ما فتحوا على أنفسهم أبواب الزنى في القبل والدبر، فما أحقهم بأن يكونوا أولاد الزنى. حمانا الله وإياكم معاشر الإخوان من اتباع خطوات الشيطان.
مطلب نفي القدر
ومنها: قولهم إن الله لم يقدر شيئا في الأزل، وأن الله لم يرد شرا ولا يريده، ٤. وقد روى مسلم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ