مقدمة
...
رسالة في القرآن وكلام الله
للإمام أبي عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المعروف بالموفق بن قدامة ٥٤١-٦٢٠هـ
تحقيق وتعليق: الدكتور يوسف بن محمد
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن من أعظم الأمور التي وقع فيها الخلاف بين هذه الأمة: مسألة القرآن وكلام الله تعالى، فإن سلف هذه الأمة وأئمتها، كانوا على صراط مستقيم في هذه المسألة كغيرها من المسائل، فقد كانوا يعتقدون أن هذا القرآن كلام الله-تعالى- وأنه منزل منه- جل وعلا- حتى نبغت نابغة الجهمية، فأتوا بقول خالفوا فيه من سبقهم، وشاقوا بذلك على المسلمين، وخالفوا إجماعهم وما كانوا عليه متفقين، وكان لهؤلاء الجهمية الدولة في وقت من الأوقات، فامتحنوا بذلك علماء هذه الأمة، وجعلوا القول بخلق القرآن دليل الإيمان، وترك القول به دليلا على عدمه، وقتلوا من قتلوا من العلماء، وسجنوا
стр. 2
من سجنوا، وجلدوا من جلدوا، وأجلبوا على ذلك بخيلهم ورجلهم.
ووقف علماء هذه الأمة الربانيون من أولئك الجهمية موقفا يحمدون عليه، فقد نصروا السنة، وفضحوا أهل البدع، وكشفوا عوارهم، فبان خزيهم، وافتضح أمرهم.
وقد أجمع العلماء على كفر من قال بمقالة الجهمية في خلق القرآن، وصنفوا في ذلك المصنفات الكبار والصغار.
ولما أخمدت نار الجهمية، وانطفأت فتنة القول بخلق القرآن، وكان في هذه الأمة من لم يفهم كلام السلف، ولم يرفع بالسنة رأسا، وكان يريد مجادلة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الطوائف على القول بخلق القرآن، فإنه قد وقع في أخطاء جسيمة لا تقل شناعة عن قول الجهمية والمعتزلة، بل جهم العلماء من قال بها، حيث ظهرت "اللفظية" الذين يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. وقد شدد العلماء في ذلك.
стр. 3
قال الإمام أحمد (ت٢٤١) ﵀: " افترقت الجهمية على ثلاث فرق: الذين يقولون: مخلوق، والذين شكوا، والذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة "١
وقال أبو زرعة (ت ٢٦٤) وأبو حاتم (ت ٢٧٧) الرازيان: " من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي"٢
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني (ت٢٨٠) :"أن الحق والصواب الواضح المستقيم الذي أدركنا عليه أهل العلم: أن من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا مخلوقة، فهو جهمي مبتدع خبيث"٣
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨) ﵀: " وأما البدعة الثانية المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له، وهي "مسألة اللفظية" فقد أنكر بدعة اللفظية الذين
стр. 4
يقولون: إن تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم، جعلوهم من الجهمية وبينوا أن قولهم يقتضي القول بخلق القرآن، وفي كثير من كلامهم تكفيرهم، وكذلك من يقول: إن هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو عبارة عنه، أو أنه ليس في المصحف والصدور إلا كما أن الله ورسوله في المصاحف والصدور ونحو ذلك، وهذا محفوظ عن الإمام أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي مصعب الزهري، وأبي ثور، وأبي الوليد الجارودي، ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن يحيى بن أبي عمرو العدني، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعدد كثير لا يحصيهم إلا الله من أئمة الإسلام وهداته ".١
стр. 5
وحقيقة قول القائلين بأن القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه هو قول اللفظية.
قال الإمام ابن بطة (ت ٣٨٧) –﵀:"واعلموا-﵏ أن صنفا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم وخبث آرائهم وقبيح أهوائهم أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها تمويها وبهرجة على العامة، ليخفي كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قل علمه وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلم الله به وقاله، فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة، فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد والعقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا، وكشفوا١
стр. 6
أولا: اسمه وكنيته ولقبه ونسبه:
هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر الجماعيلي الصالحي الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، موفق الدين.
ثانيا: مولده:
ولد أبو محمد ﵀ في شهر شعبان من سنة ٥٤١، بقرية من قرى فلسطين اسمها "جماعيل"، ثم انتقل إلى دمشق سنة ٥٥١، وعمره إذ ذاك عشر سنوات.
ثالثا: طلبه للعلم، ورحلاته فيه:
بدأ أبو محمد ﵀ طلب العلم قديما، فحفظ القرآن الكريم وهو صغير، ثم حفظ بعض المتون، ومن أمها: مختصر أبي القاسم الخرقي في فقه الحنابلة.
والمتتبع لحال أهل ذلك الوقت يدرك أنهم كانوا يحرصون على الرحلات العلمية، غير أن أبا محمد كان حظه منها قليلا مقارنة بغيره من طلبة العلم في ذلك
стр. 7
العصر، ولعل العلة في ذلك أن العلماء في ذلك الوقت كان أكثرهم ما بين مقيم بأرض العراق ومقيم بأرض الشام، حيث إن أبا محمد رحل-أولا- من أرض فلسطين إلى دمشق مع أهله، ثم رحل سنة ٥٦١ إلى بغداد، وأخذ عن كبار علمائها، ومن أجلهم: عبد القادر الجيلي الحنبلي، ثم عاد ألى دمشق، وفي طريقه إليها أخذ عن بعض علماء الموصل.
وفي سنة ٥٦٧ رحل مرة إلى بغداد، ثم عاد بعد إلى دمشق الشام.
رابعا: شيوخه:
تلمذ أبو محمد ﵀ على عدد من العلماء الأجلاء في عدد من الفنون، ونال حظا وافرا من العلم عن طريقهم، ومنهم:
стр. 8
القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم".١
وقد كان لأبي محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي ﵀ قدم صدق في رد هذه البدعة، وبيان فسادها، وصنف في ذلك مصنفات، منها:
١- البرهان في بيان القرآن.
٢- الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم.
٣- حكاية المناظرة في القرآن الكريم.
٤ - هذه الفتيا التي بين أيدينا.
وفي هذه الكتب كلها يقرر بطلان قول الأشعرية في هذه المسألة.
وقد أحببت نشر هذه الفتيا، لأمور:
أولا: لأهمية موضوعها.
ثانيا: لجلالة مؤلفها، وكونه من الأئمة الكبار.
ثالثا: لتكمل ما سبق نشره من تلك الكتب المتعلقة بالموضوع نفسه.
стр. 9
وسلكت- بعد ههذه المقدمة – الخطة التالية في العمل في هذه الفتيا:
أولا: ترجمت للمؤلف ترجمة موجزة.
ثانيا: قمت بالتعريف بهذه الفتوى من حيث وصف النسخة الخطية، وإثبات نسبتها للموفق.
ثالثا: قراءة المخطوط، وتصويب ما فيه من أخطاء، وكتابته وفق الرسم الإملائي الحديث.
رابعا: عزوت الآيات إلى مواطنها من السور، وخرجت الأحاديث والآثار، وترجمت لبعض الأعلام، وعلقت على ما يحتاج إلى تعليق.
خامسا: صنعت فهرسا للآيات والأحاديث والآثار المذكورة في الكتاب الأصل.
والله –تعالى- أسأل الهداية والسداد، وأن يستر العورات، ويغفر الزلات، وأن يحسن الختام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 10
ترجمة المؤلف١
стр. 11
-أحمد بن صالح الجيلي البغدادي، المتوفى سنة٥٦٥ ١
-أحمد بن محمد بن قدامة، والده، المتوفى سنة٥٥٨.٢
-شهدة بنت أحمد بن الفرج الدينورية، الملقبة بفخر النساء، المتوفاة سنة٥٧٤.٣
-طاهر بن محمد المقدسي المتوفى سنة ٥٦٦.٤
стр. 12
- عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن الجوزي، أبو الفرج، المتوفى سنة ٥٩٧.١
-عبد القادر الجيلي، البغدادي، أبو محمد، المتوفى سنة٥٦١.٢
-عبد الله بن أحمد الخشاب، أبو محمد النجوي، المتوفى سنة٥٦٧.٣
стр. 13
-عبد الله بن أحمد الطوسي، أبو الفضل، المتوفى سنة٥٧٨.١
-محمد بن عبد الباقي البغدادي، أبو الفتح، المعروف بابن بطي، المتوفى سنة ٥٦٤.٢
رابعا: تلامذته:
تلمذ على يد أبي محمد ﵀ طلبة كثيرون جدا، ومن هؤلاء:
- إبراهيم بن علي بن أحمد الواسطي الحنبلي، تقي الدين أبو إسحاق، المتوفى سنة ٦٩٢٣.
стр. 14
-أحمد بن محمد بن عبد الغني المقدسي، أبو العباس، تقي الدين، المتوفى سنة ٦٤٣.١
-عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي، أبو محمد، بهاء الدين، المتوفى سنة٦٢٤.٢
-عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، أبو القاسم، المعروف بأبي شامة، المتوفى سنة ٦٦٥.٣
стр. 15
- عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المقدسي، أبو محمد، المتوفى سنة ٦٨٢.١
-عبد العظيم المنذري‘ أبو محمد، المتوفى سنة ٦٥٦.٢
- عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الكردي الموصلي، أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح، المتوفى سنة ٦٤٣.٣
стр. 16
- محمد بن سعيد بن يحيى الواسطي الشافعي، أبو عبد الله، المعروف بابن الدبيثي، المتوفى سنة ٦٣٧.١
- محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، أبو عبد الله، ضياء الدين، المتوفى سنة٦٤٣.٢
- محمد بن محمود بن حسن البغدادي، أبو عبد الله، المعروف بابن النجار، المتوفى سنة٦٤٣.٣
стр. 17
خامسا: مصنفاته:
ألف ابن قدامة ﵀ مصنفات كثيرة، منها ما يتعلق بالتوحيد ومسائله، ومنها ما يتعلق بالفقه، ومنها ما يتعلق بأصول الفقه، ومنها ما يتعلق بالزهد والرقائق، وغير ذلك، وسأذكر بعض هذه الكتب مرتبة ترتيبا هجائيا:
* الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار.
* البرهان في بيان القرآن.
* التبيين في أنساب القرشيين.
* تحريم النظر في كتب الكلام، وهو الرد على ابن عقيل.
* حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدعة.
* ذم التأويل.
* ذم الوسواس.
ذم ما عليه مدعوا التصوف، وهو الفتيا في ذم الشبابة والرقص.
стр. 18
* الرقة والبكاء في أخبار الصالحين.
* روضة الناضر وجنة المناضر.
* الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم.
* العمدة في الفقه.
* قنعة الأريب في تفسير الغريب من حديث رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين.
* الكافي في الفقه.
* كتاب التوابين.
* كتاب المتحابين في الله.
* لمعة الإعتقاد.
* مسألة العلو.
* المغني شرح مختصر الخرقي في الفقه.
* المقنع في الفقه.
* وصية ابن قدامة.
ثانيا: الكتب غير المطبوعة:
*جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن.١
стр. 19
* رسالة إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية في تخليد أهل البدع في النار.١
*رسالة في التصوف٢،ولعلها هي ذم ما عليه مدعوا التصوف.
* رسالة في المذاهب الأربعة٣.
* الشافعي.٤
* صفة الفلق.٥
* فضائل العشر.٦
стр. 20
* فضائل عاشوراء.١
* القدر.٢
*مختصر العلل للخلال.٣
*مختصر الهداية في أصول الفقه لأبي الخطاب الكلوذاني.٤
стр. 21
* مشيخة ابن قدامة.١
* مقدمة في الفرائض.٢
*مناسك الحج.٣
* مناظرة بين الحنابلة والشافعية.٤
* منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين.٥
* الميزان في أصول الفقه.٦
стр. 22
وقد أثنى العلماء على الموفق في علمه خيرا١، حتى قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الموفق".٢
سادسا: وفاته:
توفي شيخ الإسلام موفق الدين، ﵀-يوم السبت-وكان يوم عيد الفطر-سنة ٦٢٠٠.
стр. 23
التعريف بالكتاب
هذه الفتوى لم تطبع-حسب علمي-من قبل، وهي موجودة في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تحت الرقم (١٠٦٣٥/ف١٢/توحيد) .
وتقع ضمن مجموعة من ص ١٠١ إلى ص ١٠٥، وفي كل لوحة عشرون سطرا تقريبا سطرا، وفي كل سطر تسع كلمات تقريبا.
وهي مكتوبة يوم الإثنين ١٧ رجب ١٢٢٧ بقلم عبد الصالح بن حسن بن صالح المقدسي الحنبلي السلفي.
وخطها مقروء، وعليها بعض التصحيحات.
стр. 24
إثبات نسبة هذه الفتوى للموفق
يدل على نسبة هذه الفتوى للموفق أمور:
أولا: ما جاء في مقدمتها.
ثانيا: أن هذه الفتوى طرقت الموضوعات التي بحثها الموفق في كتبه الأخرى ك"البرهان في بيان القرآن"، وكتابه "الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم"، وكتاب "حكاية المناظرة".
ثالثا: أسلوب المؤلف في هذه الفتوى هو أسلوبه في كتبه السابقة، وذلك من حيث العرض والمناقشة والاستدلال.
стр. 25
رسالة في القرآن وكلام الله
...
بسم الله الرحمن الرحيم.
ما يقول الفقهاء أئمة الدين وسادات المسلمين وفقهم الله بتوفيق العارفين فيمن يعتقد أن كلام الله تعالى معنى قائم بالذات؟ وأن هذه السور والآيات والحروف والكلمات التي هي في مصاحف المسلمين وصدور الحافظين ليست كلام رب العالمين؟ أهم أهل السنة والجماعة الذين وافقوا أئمة دينهم، وتمسكوا بسنة نبيهم، وقفوا طريق صالح سالفهم؟ أم الذين قالوا: إن القرآن الكريم والكلام القديم الذي هو كلام الله العظيم هو هذه السور والآيات والحروف والكلمات التي في مصاحف المسلمين وصدور العالمين، وأي الفريقين أتبع للحق من ربه وتمسك بسنة نبيه وقفا طريق صالح سلفه؟ أفتونا مأجورين مثابين.
стр. 26
أجاب الشيخ الإمام العالم العلامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى:
الحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
إن القرآن العظيم الذي هو كلام الله القديم١، المنزل على قلب سيد المرسلين، هو هذا الكتاب العزيز
стр. 27
المبين، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، وهو سور محكمات وآيات بينات، وكلمات تامات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، أوله سورة الفاتحة وآخره الناس.
سماه الله تعالى قرآنا وفرقانا، وكتابا، وذكرا وروحا، ونورا وضياء، وهدى، ووصفه بكونه عربيا١
стр. 28
وهاديا ورحمة وشفاء، ينذر ويبشر، ويهدي ويقص، ويقرأ ويتلى ويسمع، ويحفظ ويكتب.
نزله الله تنزيلا، ورتله، وسماه قولا ثقيلا، وفضله على سائر الكتب تفضيلا، وأحكمت آياته ثم فصلت تفصيلا.
أمر الله بترتيله، وامتن بتنزيله، وشهد الله والملائكة بإنزاله إلى رسوله ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .١
ندب الله إلى الإستعاذة عند قراءته، وأمر بالاستماع والإنصات عند تلاوته، فمن اعتقد أنه القرآن فقد أصاب، وهدي إلى الصراط المستقيم، واعتقد معتقد المسلمين.
стр. 29
ومن زعم أن هذا الكتاب غير القرآن، وأنه كلام المخلوقين، وأن القرآن معنى في النفس لا ينزل ولا يقرأ، ولا يسمع ولا يتلى، ولا ينفع، ولا له أول ولا آخر، ولا جزء ولا بعض، ولا هو سور، ولا آيات وحروف، ولا كلمات، فهذا زنديق راد على رب العالمين، وعلى رسوله الصادق الأمين، مخالف لجميع المسلمين، ناكب عن الصراط المستقيم.
أما رده على الله سبحانه فإن الله تعالى قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ١،وقال: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ ٢،وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ .٣
والذي يرتل وينزل ويقرأ، إنما هو هذا الكتاب.
стр. 30
وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ ٢وهذا إشارة إلى حاضر، والذي يقص ويهدي إنما هو هذا الكتاب العربي.
وقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ .٣
وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ٤والذي صرفت فيه الأمثال وضربت إنما هو هذا الحاضر.
وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٥
стр. 31
ولا يتحداهم بالإتيان بما لا يعرفونه ولا يدرون ما هو.
وسماه الله عربيا، وأخبر أنه هو الكتاب، فقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢
فمن أنكر كون القرآن هو الكتاب العربي، فهو من لا يعقلون.
ومن أوضح الدلائل على ذلك: أن الكفار قالوا: هذا شعر، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ
стр. 32
مُبِينٌ﴾ ١وما ليس بحروف لا يجوز أن يكون شعرا عند أحد، فلما سموه شعرا علم يقينا أنهم إنما أرادوا بذلك هذا النظم العربي، فلما نفى الله عنه كونه شعرا، وأثبته قرآنا، لم تبق شبهة لذي عقل أن القرآن هو هذه السور والآيات.
كذلك قالوا ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٢فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُ لْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ٣.وقالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٤.
стр. 33
وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١، فقال سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢وما كانوا يشيرون بهذا القول إلا إلى هذا الكتاب العزيز.
وأيضا فإنهم طلبوا الإتيان ببدله، قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْه﴾ ٣ أفتراهم طلبوا تبديل ما في نفس الباري مما لا يعلمونه ولا يدرون ما هو؟! ثم كيف علموا أن ما نفس الله تعالى قرآنا؟! وبأي طريق وصل إليهم؟! هذا وما كان قائل هذه المقولة خلق بعد.
والآيات الدالة على أن القرآن هو هذا الكتاب العربي كثيرة، ومن لم ينتفع بما قد ذكرنا منها لم ينتفع
стр. 34
بزيادة عليها، لكنا نتحداهم بما تحدى الله تعالى به نظراءهم من الملحدين، فنقول: إن زعمتم أن هذا من كلام المخلوقين فأتوا بسورة مثله إن كنتم صادقين.
وإن زعمتم أنه مفترى من دون الله فأتو بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.
وأما بيان مخالفتهم لرسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ ما كان يعتقد قرآنا سوى هذا القرآن، ولو اعتقد أن هذا ليس بقرآن، وأن القرآن سواه لبينه لأمته، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته، ثم كيف يكتم مثل هذا الأمر العظيم وقد أمره الله تعالى بتبليغ رسالته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ١ وقد كان النبي ﷺ حريصا على أمته شفيقا عليهم رؤوفا بالمؤمنين رحيما
стр. 35
عزيزا عليه ما عنتهم، فكيف يكتم عنهم ما فيه رشدهم، ويتركهم على ضلالتهم، ويستر عنهم الحق والصواب، ولا يرشدهم إليهم، ولا يدلهم عليه، ولا يذكر لهم قولا في ذلك قليلا ولا كثيرا؟!.
هذا ما لا يعتقده مسلم، ثم وإن ساغ له كتمان ذلك، فكيف ساغ له أن يظهر أن القرآن هذا بتلاوته الآيات الدالة على ذلك، وبقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١ ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ ٢، وغير هذا من الآيات؟! وقوله: "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات"٣، وقوله: "اقرأوا
стр. 36
القرآن قبل أن يأتي قوم يقرأونه ويقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم"١وغير هذا من الأخبار مما
стр. 37
يطول مما يدل على أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو السور والآيات والحروف والكلمات، أفتراه ﷺ أخبرهم أن القرآن هو هذا وهو يعلم أنه غير هذا، ليصدهم عن الصواب، ويعميهم عن الهدي، ويضلهم عن سبيل الله؟! كلا، بل قائل هذه المقالة، وسالك هذه الضلالة أعمى القلب، ضال عن القصد، وليس لمن ادعى هذا على رسول الله ﷺ في الإسلام نصيب، فإن الله سبحانه شهد لرسوله، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، وقال: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
стр. 38
ومقتضى قول هذه الطائفة: أن رسول الله ﷺ أضل أمته بإخباره إياهم أن هذا القرآن هذا الكتاب العربي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأما مخالفتهم للمسلمين، فإن المسلمين أجمعوا على أن القرآن أنزل على محمد ﷺ ، وأجمعوا على أنه معجزه الدال على صدقه ونبوته، وأجمعوا على أن في القرآن ناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، وقصصا وأمثالا، وهذه إنما هو هذا الكتاب.١
ولما اختلف أهل السنة والمعتزلة٢في القرآن: هل هو
стр. 39
قديم أو مخلوق١؟ إنما اختلفوا في هذه السور والآيات لا غير.٢
وقد صرحوا بذكر صور القرآن وآياته وحروفه، فقال أبو بكر وعمر ﵄: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه".٣
стр. 40
وقال علي ﵁:"من كفر بحرف من القرآن، فقد كفر به كله". ١