← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11229

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (482 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال قالا لي أما إنا سنخبرك أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله ﷺ وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم" وقال أبو مسلم الكجي حدثنا صدقة بن جابر عن سليم بن عامر قال حدثني أبو أمامة الباهلي قال سمعت النبي ﷺ يقول: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأخرجاني فأتيا بي جبلا وعرا وقالا لي اصعد فقلت إني لا أطيقه فقالا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات مديدة فقلت ما هذه الأصوات فقالا هذا عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا أنا بفوج أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا وأسوأه منظرا فقلت من هؤلاء فقالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلق بي فإذا بفوج أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا كأن

стр. 352

ريحهم المراحيض فقلت من هؤلاء قال الزانون والزواني" وقال قتيبة بن سعيد حدثنا نوح بن قيس قال حدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ليلة أسري بي انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير نساء معلقات بثديهن ومنهن بأرجلهن منكسات ولهن صراخ وخوار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء اللواتي يزنين ويقتلن أولادهن ويجعلن لأزواجهن ورثة من غيرهم" وقال أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام بن شداد عن غزوان بن جرير عن أبيه أنهم تذاكروا عند علي بن أبي طالب ﵁ الفواحش فقال لهم هل تدرون أي الزنى أعظم قالوا يا أمير المؤمنين كله عظيم قال ولكن سأخبركم بأعظم الزنى عند الله هو أن يزني الرجل بزوجة الرجل المسلم فيصير زانيا وقد أفسد على الرجل زوجته ثم قال عند ذلك إن الناس يرسل عليهم يوم القيامة ريح منتنة حتى يتأذى منها كل بر وفاجر حتى إذا بلغت منهم كل مبلغ وألمت أن تمسك بأنفاس الأمم كلهم ناداهم مناد يسمعهم الصوت ويقول لهم هل تدرون ما هذه الريح التي قد آذتكم فيقولون لا ندري والله إلا أنها قد بلغت منا كل مبلغ فيقال ألا إنها ريح

стр. 353

فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم ولم يتوبوا منه ثم يصرف بهم فلم يذكر عند الصرف بهم جنة ولا نارا وقال الخرائطي حدثنا علي بن داود القنطري حدثنا سعيد بن عفير حدثني مسلم بن علي الخشني عن أبي عبد الرحمن عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المسلمين إياكم والزنى فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فذهاب البهاء ودوام الفقر وقصر العمر وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله وسوء الحساب ودخول النار" ويذكر عن أنس بن مالك ﵁ قال المقيم على الزنى كعابد وثن ورفعه بعضهم وهذا أولى أن يشبه بعابد الوثن من مدمن الخمر وفي المسند وغيره مرفوعا مدمن الخمر كعابد وثن فإن الزنى أعظم من شرب الخمر قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنى وفي الصحيحين من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قلت يا رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم منك

стр. 354

قال قلت ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك" فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما وقال قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن ابن أنعم عن رجل عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ويقول له ادخل النار مع الداخلين" وذكر سفيان بن عيينة عن جامع بن شداد عن أبي وائل عن عبد الله قال إذا بخس المكيال حبس القطر وإذا ظهر الزنى وقع الطاعون وإذا كثر الكذب كثر الهرج وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر" وذكر سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبغض ثلاثة

стр. 355

الشيخ الزاني والمقل المختال والبخيل المنان" وذكر الأعمش عن خيثمة عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مثل الذي يجلس على فراش المغيبة مثل الذي ينهشه الأساود يوم القيامة" المغيبة هي التي قد سافر زوجها في جهاد أو حج أو غيرهما وفي النسائي وغيره من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كأمهاتهم وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله إلا نصب له يوم القيامة فيقال يا فلان هذا فلان فخذ من حسناته ما شئت ثم التفت النبي ﷺ إلى أصحابه فقال ما ترون يدع له من حسناته شيئا وفي لفظ وإذ اخلفه في أهله فخانه قيل يوم القيامة هذا خانك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فما ظنكم" ويكفي في قبح الزنى أن الله مع كمال رحمته شرع فيه أفحش القتلات وأصعبها وأفضحها وأمر أن يشهد عباده المؤمنون تعذيب فاعله ومن قبحه أن الله سبحانه فطر عليه بعض الحيوان البهيم الذي لا عقل له كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا وكنت فيمن رجمهما

стр. 356

فصل والزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة فلا تجد زانيا معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين ومنها ظلمة القلب وطمس نوره وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له ومنها الفقر اللازم وفي أثر يقول الله تعالى أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة ومنها أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده ومنها أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن ومنها أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فسلبه اسم الإيمان المطلق وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال هذه دائرة الإيمان ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال هذه دائرة الإسلام فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له

стр. 357

أن يسمى مؤمنا كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم ومنها أن يعرض نفسه لسكنى التنور الذي رأى النبي ﷺ فيه الزناة والزواني ومنها أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة كما قال الله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ وقد حرم الله الجنة على كل خبيث بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب قال الله تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ وقال تعالى: ﴿وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم والزناة من أخبث الخلق وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم فلا يدخل النار طيب ولا يدخل الجنة خبيث ومنها الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه

стр. 358

استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به ومنها قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة ومنها أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده ومنها الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل كل به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له دع ربح العاقبة والفوز بثواب الله وكرامته ومنها أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن وقد تقدم أن الله إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه وإن ناله من حرام فاته نظيره يوم القيامة ومنها أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري فهذه المعصية لا تتم

стр. 359

إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى وقتيلها لا يودى وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال وشيك الزوال قال الله تعالى: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ وقال تعالى: ﴿وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ فصل فهذا بعض ما في هذه السبيل من الضرر وأما سبيل الأمة اللوطية فتلك سبيل الهالكين المفضية بسالكها إلى منازل المعذبين الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات مالم يجمعه على أمة من الأمم لا من تأخر عنهم ولا من تقدم وجعل ديارهم وآثارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين وكتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق ﵄ أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فجمع أبو بكر ﵁ لذلك ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب ﵁ فاستشارهم فكان علي ﵁ أشدهم قولا فيه فقال إن

стр. 360

هذا لم يعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار فأحرقوه بالنار وقال عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من الصحابة والتابعين يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن ووافقه على ذلك الإمام أحمد وإسحاق ومالك وقال الزهري يرجم أحصن أو لم يحصن سنه ماضية وقال جابر بن زيد في رجل غشي رجلا في دبره قال الدبر أعظم حرمة من الفرج يرجم أحصن أولم يحصن وقال الشعبي يقتل أحصن أو لم يحصن وسئل ابن عباس عن اللوطي ما حده قال ينظر أعلى بناء في المدينة فيرمى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة ورجم علي لوطيا وافتى بتحريقه وكأنه رأى جواز هذا وهذا وقال إبراهيم النخعي لو كان أحد ينبغي له أن يرجم مرتين لكان ينبغي للوطي أن يرجم مرتين وذهبت طائفة إلى أنه يرجم إن احصن ويجلد إن لم يحصن وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه وسعيد بن المسيب في رواية عنه وعطاء بن أبي رباح قال عطاء شهدت ابن الزبير أتي بسبعة أخذوا في اللواط أربعة منهم قد أحصنوا وثلاثة لم يحصنوا فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد الحرام فرجموا بالحجارة وأمر بالثلاثة فضربوا الحد وفي المسجد ابن عمر وابن عباس فالصحابة اتفقوا على قتل اللوطي وإنما اختلفوا في كيفية قتله فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقه بالزاني أو قتله مطلقا وقد اختلف الناس في عقوبته على ثلاثة أقوال أحدها أنها أعظم من

стр. 361

عقوبة الزنى كما أن عقوبته في الآخرة أشد الثاني أنها مثلها الثالث أنها دونها وذهب بعض الشافعية إلى أن عقوبة الفاعل كعقوبة الزاني وعقوبة المفعول به الجلد مطلقا بكرا كان أو ثيبا قال لأنه لا يلتذ بالفعل به بخلاف الفاعل وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا حد على واحد منهما قال لأن الوازع عن ذلك ما في الطباع من النفرة عنه واستقباحه وما كان ذلك لم يحتج إلى أن يزجر الشارع عنه بالحد كأكل العذرة والميتة والدم وشرب البول ثم قال هؤلاء إذا أكثر منه اللوطي فللإمام قتله تعزيرا صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة والصحيح أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة على ذلك ولغلظ حرمته وانتشار فساده ولأن الله لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية قال ابن أبي نجيح في تفسيره عن عمرو بن دينار في قوله تعالى: ﴿إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ قال ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقال محمد بن مخلد سمعت عباسا الدوري يقول بلغني أن الأرض تعج إذا ركب الذكر على الذكر وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن كعب قال كان إبراهيم يشرف على سدوم فيقول

стр. 362

ويل لك سدوم يوما مالك فجاءت إبراهيم الرسل وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا قال ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ﴾ فذهب بهم إلى منزله فذهبت امرأته فجاءه قومه يهرعون إليه فقال: ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ أزوجكم بهن أليس منكم رجل رشيد وجعل لوط الأضياف في بيته وقعد على باب البيت وقال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ قال أي عشيرة تمنعني قال ولم يبعث نبي بعد لوط إلا في عز من قومه فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سببهم ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ فخرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه ضربة طمست أعينهم قال والطمس أن تذهب حتى تستوي واحتمل مدائنهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل قال على أهل بواديهم وعلى رعاتهم وعلى مسافريهم فلم ينفلت منهم إنسان وقال مجاهد نزل جبرل ﵇ فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط فرفعها حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب وأصوت الدجاج والديكة ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة

стр. 363

وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال أغلق لوط على ضيفه الباب فخلعوا الباب ودخلوا فطمس جبرل أعينهم فذهبت أبصارهم فقالوا يا لوط جئتنا بالسحرة وتوعدوه فأوجس في نفسه خيفة قال يذهب هؤلاء ونؤذى فقالوا لا تخف إنا رسل ربك إن موعدهم الصبح قال لوط الساعة قال جبريل أليس الصبح بقريب قال فرفعت المدينة حتىسمع أهل السماء نبيح الكلاب ثم أقلبت ورموا بالحجارة وقال حذيفة بن اليمان لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط لتهلكهم قيل لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات وطريقهم على إبراهيم قال فأتوا إبراهيم فبشروه بما بشروه ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط﴾ قال كان مجادلته إياهم أن قال لهم إن كان فيهم خمسون أتهلكونهم قالوا لا قال أفرأيتم إن كان فيهم أربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة فأتا لوطا وهو في أرض يعمل فيها فحسبهم ضيفا فأقبل بهم حين أمسى إلى أهله فأتوا معه فاتلفت إليهم فقال أما ترون ما يصنع هؤلاء قالوا وما يصنعون قال من من الناس أحد شر منهم قال فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت العجوز السوء امرأته فأتت قومه فقالت لقد تضيف لوطا الليلة قوم ما رأيت قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا منهم فأقبلوا يهرعون إليه حتى دفعوا الباب ثم كادوا أن يقلبوه عليهم فقام ملك بجناحه فصفقه دونهم ثم أغلق الباب ثم علوا الأجاجير فجعل يخاطبهم فقال ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ

стр. 364

شَدِيدٍ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فطمس جبريل أعينهم فما بقي أحد منهم تلك الليلة حتى عمي قال فباتوا بشر ليلة عميا ينتظرون العذاب قال وسار بأهله واستأذن جبريل ﵇ في هلاكهم فأذن له فارتفع بالأرض التي كانوا عليها فألوى بها حتى سمع أهل السماء الدنيا ضغاء كلابهم وأوقد تحتها نارا ثم قلبها بهم قال فسمعت امرأته الوجبة وهي معه فالتفتت فأصابها العذاب وفي تفسير العوفي عن ابن عباس ﵄ جادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا فقال أرأيتم إن كان فيهم عشرةأبيات من المسلمين أتتركونهم فقالت الملائكة ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان فحزن إبراهيم على لوط وأهل بيته و ﴿قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ فذلك قوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب فقالت الملائكة يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فبعث الله إليهم جبريل فانتسف المدينة ومن فيها بأحد جناحيه فجعل عاليها سافلها وتبعتهم الحجارة بكل أرض فأهلك الله سبحانه الفاعل

стр. 365

والمفعول به والساكت الراضي والدال المحصن منهم وغير المحصن العاشق والمعشوق وأخذهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون وذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه قال إن الملائكة حين دخلوا على لوط ظن أنهم أضياف ضافوه فاحتفل لهم وحرص على كرامتهم وخالفته امرأته إلى فساق قومه فأخبرتهم أنه ضاف لوطا أحسن الناس وجها وأنضرهم جمالا وأطيبهم ريحا فكانت هذه خيانتها التي ذكر الله في كتابه وفيه عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فخانتاهما﴾ قال والله ما زنتا ولا بغت امرأة نبي قط فقيل له فما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط فقال أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل على الضيف وقال أبو مسلم الليثي في مسنده حثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الوارث حدثنا القاسم بن عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط" وقال هشام بن عمار حدثنا عبد العزيز الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال " لعن الله من وقع على بهيمة ولعن الله من عمل عمل قوم لوط" رواه الإمام أحمد وقال القعنبي حدثنا عبد العزيز هو الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي عن عكرمة عن

стр. 366

ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "لعن الله من تولى غير مواليه ولعن الله من غير تخوم الأرض ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثا ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من وقع على بهيمة" هذا الإسناد على شرط البخاري وقال أبو داود الطيالسي حدثنا بشر بن المفضل عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا باشر الرجل الرجل فهما زانيان وفي لفظ إذا أتى الرجل الرجل وفي المسند والسنن من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ "اقتلوا الفاعل والمفعول به" وفي لفظ "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وإسناده على شرط البخاري وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال

стр. 367

قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموه أو قال فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وحرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك وقال حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس عن عبيد الله بن معمر قال يقتل اللوطي وقال سعيد بن المسيب عندنا على اللوطي الرجم أحصن أو لم يحصن سنة ماضية وهذا يدل على أن ذلك سنة مضى عليها العمل وقال الشعبي يقتل أحصن أو لم يحصن وقال الزهري وربيعة وابن هرمز ومالك بن أنس عليه الرجم أحصن أو لم يحصن وقال بعض العلماء وإما قال سعيد بن المسيب إن ذلك سنة ماضية لقول النبي ﷺ : "اقتلوا الفاعل والمفعول به ولم يقل محصنا أو غير محصن" وحرقهم أبو بكر ﵁ بالنار بعد مشاورة الصحابة وأشار عليه علي بن أبي طالب ﵁ بذلك وحرقهم علي وابن الزبير كما ذكره الآجري وغيره عن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد رجلا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة فجمع أبو بكر لذلك اصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب ﵃ فقال علي إن هذا ذنب لم يعمل به إلا أمة واحدة ففعل الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق

стр. 368

قال وقد حرقهم ابن الزبير وهشام بن عبد الملك وقال ابن عباس ﵄ يرجم اللوطي بكرا كان أو ثيبا وقال عمر بن الخطاب ﵁ من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه ولم يفرق أحد منهم بين المحصن وغره وصرح بعضهم بعموم الحكم للمحصن وغير المحصن فلذلك قال ابن المسيب إن هذا سنة ماضية وفي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج قلت لأحمد يرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن فقال يرجم أحصن أو لم يحصن قال إسحاق بن راهويه هو كما قال والسنة في الذي يعمل عمل قوم لوط أن يرجم محصنا كان أو غير محصن لأن النبي ﷺ قال: "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه" رواه ابن عباس عن النبي ﷺ كذلك ثم أفتى ابن عباس بعد النبي ﷺ فيمن يعمل عمل قوم لوط أنه يرجم وإن كان بكرا فحكم في ذلك بما رواه عن النبي ﷺ وكذلك روي عن علي بن أبي طالب مثل هذا القول إن اللوطي يرجم ولم يذكر محصنا كان أو غير محصن وكذلك فعل الله سبحانه بقوم لوط وكذا يروى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه حرقهم بالنار هذا كلام إسحاق ﵀ وذكر الآجري في كتاب تحريم اللواط من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول ادخلوا النار مع الداخلين الفاعل والمفعول به والناكح يده وناكح

стр. 369

البهيمة وناكح المرأة في دبرها والجامع بين المرأة وابنتها والزاني بحليلة جاره والمؤذي لجاره حتى يلعنه" وذكر عن أنس مرفوعا نحوه وقال: "ادخلوا النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا فمن تاب تاب الله عليه الناكح يده والفاعل والمفعول به ومدمن الخمر والضارب أبويه حتى يستغيثا والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه والزاني بحليلة جاره" وقال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقال بعض العلماء إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار ﷻ عليهم وغشيتهم اللعنة

стр. 370

وحفت بهم الشياطين واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم وثقل العرش على حملته وكبرت الملائكة واستعرت الجحيم فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخزي والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار فصل وأما إن كانت الفاحشة مع ذي رحم محرم فذلك الهلك كل الهلك ويجب قتل الفاعل بكل حال عند الإمام أحمد وغيره واحتج أحمد بحديث عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد قال بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أضرب عنقه وآخذ ماله رواه الإمام أحمد واحتج به وقال شعبة حدثنا الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء

стр. 371

قال رأيت أناسا ينطلقون فقلت أين تذهبون قالوا بعثنا رسول الله ﷺ إلى رجل يأتي امرأة أبيه أن نقتله وذكر عبد الله بن صالح حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به والذي يأتي البهيمة والذي يأتي كل ذات محرم" وقال هشام بن عمار حدثنا رفدة بن قضاعة حدثنا صالح بن راشد قال أتي الحجاج برجل قد اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوه من هاهنا من أصحاب محمد فسألوا عبد الرحمن بن مطرف فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيف" وأفتى ابن عباس ﵄ بمثل ذلك وقال عمر بن شبة حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة قال أتي الحجاج برجل زنى بأخته فسأل عنها عبد الله فقال يضرب بالسيف فأمر به الحجاج فضرب عنقه بالسيف وذكر جماعة عن حماد بن سلمة عن بكر بن عبد الله المزني أن رجلا تزوج خالته فرفع إلى عبد الملك بن مروان فقال إني ظننت أنها تحل لي

стр. 372

فقال لا جهالة في الإسلام وأظن أنه أمر به فقتل وفي مسائل صالح بن أحمد قال سألت أبي عن الرجل الذي تزج ذات محرم منه فقال إن كان عمدا يقتل ويؤخذ ماله وإن كان لا يعلم يفرق بينهما وأستحب أن يكون لها ما أخذت منه ولا يرجع عليها بشيء وفي صحيفةعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من أتى ذات محرم"

стр. 373

الباب الخامس والعشرون: في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين قال الله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾ وكل من أعان غيره على أمر بقوله أو فعله فقد صار شفيعا له والشفاعة للمشفوع له هذا أصلها فإن الشافع يشفع صاحب الحاجة فيصير له شفعا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها فدخل في حكم هذه الآية كل متعاونين على خير أو شر بقول أو عمل ونظيرها قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وفي الصحيح عنه أنه كان إذا جاءه طالب حاجة يقول: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما أحب" وفي صحيح البخاري أن بريرة لما عتقت اختارت نفسها فكان زوجها يمشي خلفها ودموعه تسيل على لحيته فقال لها النبي ﷺ : "لوراجعتيه فإنه أبو ولدك" فقالت أتأمرني قال: "لا إنما أنا شافع" قالت فلا حاجة لي فيه فهذه شفاعة من سيد الشفعاء لمحب إلى محبوبه وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين

стр. 374

وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة ﴿يكن له نصيب منها﴾ وفي السيئة ﴿يكن له كفل منها﴾ فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخيز بالنصيب وحظ الشر بالكفل وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا على عهد رسول الله ﷺ زوج ابنة له وكان خطبها قبل ذلك عم بنتها فبلغ النبي ﷺ أنها كارهة هذا الذي زوجها أبوها وأنه كان يعجبها أن يتزوجها عم بنتها فأهدر النبي ﷺ نكاح أبيها وزوجها عم بنتها وقد تقدم حديث عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس ﵄ أن رجلا قال يا رسول الله ﷺ في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم فنحن نحب الموسر وهي تحب المعدم فقال رسول الله ﷺ : "ليس للمتحابين مثل النكاح" رواه سليمان بن موسى عنه وقال مخلد بن الحسين حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال كان عمر بن الخطاب يعس بالليل فسمع صوت امرأة تغني وتقول هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج

стр. 375

فقال أما وعمر حي فلا فلما أصبح بعث إلى نصر بن حجاج فإذا رجل جميل فقال اخرج فلا تساكني بالمدينة فخرج حتى أتى البصرة وكان يدخل على مجاشع بن مسعود وكانت له امرأة جميلة فأعجبها نصر فأحبها وأحبته فكان يقعد هو ومجاشع يتحدثان والمرأة معهما فكتب لها نصر في الأرض كتابا فقالت وأنا فعلم مجاشع أنها جواب كلام وكان مجاشع لا يكتب والمرأة تكتب فدعا بإناء فأكفاه على المكتوب ودعا كاتبا فقرأه فإذا هو إني لأحبك حبا لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك وبلغ نصرا ما صنع مجاشع فاستحيا ولزم بيته وضني جسمه حتى كان كالفرخ فقال مجاشع لامرأته اذهبي إليه فأسنديه إلى صدرك وأطعميه الطعام بيدك فأبت فعزم عليها فأتته فأسندته إلى صدرها وأطعمته الطعام بيدها فلما تحامل خرج من البصرة إن الذين بخير كنت تذكرهم ... هم أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا لا تطلبن شفاء عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا فإن قيل فهل تبيح الشريعة مثل ذلك قيل إذا تعين طريقا للدواء ونجاة العبد من الهلكة لم يكن بأعظم من مداواة المرأة للرجل الأجنبي ومداواته لها ونظر الطبيب إلى بدن المريض ومسه بيده للحاجة وأما التداوي بالجماع فلا يبيحه الشرع بوجه ما وأما التداوي بالضم والقبلة فإن تحقق الشفاء به كان نظير التداوي بالخمر عند من يبيحه بل هذا أسهل من التداوي

стр. 376

بالخمر فإن شربه من الكبائر وهذا الفعل من الصغائر والمقصود أن الشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاق سنة ماضية وسعي مشكور وقد جاء عن غير واحد من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم أنهم شفعوا هذه الشفاعة فقال الخرائطي حدثنا علي بن الأعرابي حدثنا أبو غسان النهدي قال مر أبو بكر الصديق ﵁ في خلافته بطريق من طرق المدينة فإذا جارية تطحن برحاها وهي تقول وهويته من قبل قطع تمائمي ... متمايسا مثل القضيب الناعم وكأن نور البدر سنة وجهه ... ينمي ويصعد في ذؤابة هاشم فدق عليها الباب فخرجت إليه فقال ويلك أحرة أنت أم مملوكة فقالت بل مملوكة يا خليفة رسول الله ﷺ قال فمن هويت فبكت ثم قالت بحق الله إلا انصرفت عني قال لا أريم أو تعلميني فقالت وأنا التي لعب الغرام بقلبها ... فبكت لحب محمد بن القاسم فصار إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب وقال هؤلاء فتن الرجال وكم قد مات بهن من كريم وعطب عليهن من سليم

стр. 377

ويذكر عن عثمان بن عفان ﵁ أنه جاءته جارية تستعدي على رجل من الأنصار فقال لها عثمان ما قصتك فقالت يا أمير المؤمنين كلفت بابن أخيه فما أنفك أراعيه فقال له عثمان إما أن تهبها لابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له وأتي علي بن أبي طالب بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له ما قصتك فقال لست بسارق ولكني أصدق تعلقت في دار الرباحي خودة ... يذل لها من حسنها الشمس والبدر لها في بنات الروم حسن ومنصب ... إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر فلما طرقت الدار من حر مهجة ... أتيت وفيها من توقدها جمر تبادر أهل الدار لي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر فلما سمع علي شعره رق له وقال للمهلب بن رباح اسمح له بها ونعوضك منها فقال يا أمير المؤمنين سله من هو لنعرف نسبه فقال النهاس بن عيينة العجلي فقال خذها فهي لك وذكر التميمي في كتابه المسمى بامتزاج النفوس أن معاوية بن أبي سفيان اشترى جارية من البحرين فأعجب بها إعجابا شديدا فسمعها يوما تنشد أبياتا منها وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه فسألها فقالت هو ابن عمي فردها إليه وفي قلبه منها وقال سالم بن عبد الله كانت عاتكة ابنة زيد تحت عبد الله بن أبي بكر

стр. 378

الصديق ﵁ وكانت قد غلبته على رأيه وشغلته عن سوقه فأمره أبو بكر بطلاقها واحدة ففعل فوجد عليها فقعد لأبيه على طريقه وهو يريد الصلاة فلما بصر بأبي بكر بكى وأنشأ يقو ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم يطلق لها خلق جزل وحلم ومنصب ... وخلق سوي في الحياة ومصدق فرق له أبو بكر ﵁ وأمره بمراجعتها فلما مات قالت ترثيه آليت لا تنفك عيني سخينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغرا فلله عينا من رأى مثله فتى ... أعف وأمضى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا فلما حلت تزوجها عمر بن الخطاب ﵁ وأولم عليها فقال له علي بن أبي طالب ﵁ أتأذن لي يا أمير المؤمنين أدخل رأسي إلى عاتكة أكلمها قال نعم فأدخل علي رأسه إليها وقال يا عدية نفسها آليت لا تنفك عيني قريرة ... عليك ولا ينفك جلدي أصفرا فبكت فقال له عمر ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن كل النساء يفعلن هذا فلما قتل عمر قالت ترثيه عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الجواد النجيب

стр. 379

فجعتني المنون بالفارس المعلم ... يوم الهياج والتثويب قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب فلما حلت تزوجها الزبير بن العوام فاستأذنت ليلة أن تخرج إلى المسجد فشق ذلك عليه وكره أن يمنعها لقول رسول الله ﷺ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فأذن لها ثم انكمى في موضع مظلم من الطريق فلما مرت وضع يده عليها فكرت راجعة تسبح فسبقها الزبير إلىالمنزل فلما رجعت قال لها ما ردك عن وجهك قالت كنا نخرج والناس ناس وأما اليوم فلا وتركت المسجد فلما قتل الزبير قالت ترثيه غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش السنان ولا اليد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى حتى تروح وتغتدي كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن أم الفرقد إن الزبير لذو بلاء صادق ... سمح سجيته كريم المشهد فلما حلت خطبها علي بن أبي طالب ﵁ فقالت إني لأضن بك على القتل

стр. 380

وذكر الخرائطي أن المهدي خرج إلى الحج حتى إذا كان بزبالة جلس يتغدى فأتي بدوي فناداه يا أمير المؤمنين إني عاشق ورفع صوته فقال للحاجب ويحك ما هذا قال إنسان يصيح إني عاشق قال أدخلوه فأدخلوه عليه فقال من عشيقتك قال ابنة عمي قال أولها أب قال نعم قال فماله لا يزوجك إياها قال هاهنا شيء يا أمير المؤمنين قال ما هو قال إني هجين والهجين الذي أمه أمة ليست عربية قال له المهدي فما يكون قال إنه عندنا عيب فأرسل في طلب أبيها فأتي به فقال هذا ابن أخيك قال نعم قال فلم لا تزوجه كريمتك فقال له مثل مقالة ابن أخيه وكان من ولد العباس عنده جماعة فقال هؤلاء كلهم بنو العباس وهم هجن ما الذي يضرهم من ذلك قال هو عندنا عيب فقال له المهدي زوجه إياها على عشرين ألف درهم عشرة آلاف للعيب وعشرة آلاف مهرها قال نعم فحمد الله وأثنى عليه وزوجه إياها فأتى ببدرتين فدفعهما إليه فأنشأ الشاب يقول إبتعت ظبية بالغلاء وإنما ... يعطي الغلاء بمثلها أمثالي وتركت أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخصن غوالي وذكر الخرائطي من حديث الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم أن عمر بن أبي ربيعة كان قد ترك الشعر ورغب عنه ونذر على نفسه بكل بيت يقوله هدى بدنة فمكث كذلك حينا ثم خرج ليلة يريد الطواف بالبيت إذ نظر

стр. 381

إلى امرأة ذات جمال تطوف وإذا رجل يتلوها كلما رفعت رجلها وضع رجله موضع رجلها فجعل ينظر إلى ذلك من أمرههما فلما فرغت المرأة من طوافها تبعها الرجل هنية ثم رجع فلما رآه عمر وثب إليه وقال لتخبرني عن أمرك قال نعم هذه المرأة التي رأيت ابنة عمي وأنا لها عاشق وليس لي مال فخطبتها إلى عمي فرغب عني وسألني المهر مالا أقدر عليه والذي رأيت هو حظي منها ومالي من الدنيا أمنية غيرها وإنما ألقاها عند الطواف وحظي ما رأيت من فعلي فقال له عمر ومن عمك قال فلان بن فلان قال انطلق معي إليه فانطلقا فاستخرجه عمر فخرج مبادرا فقال ما حاجتك يا أبا الخطاب قال تزوج ابنتك فلانة من ابن أخيك فلان وهذا المهر الذي تسأله يساق إليك من مالي قال فإني قد فعلت قال عمر إني أحب أن لا أبرح حتى يجتمعا قال وذلك ايضا قال فلم يبرح حتى جمعهما جميعا وأتى منزله فاستلقى على فراشه فجعل النوم لا يأخذه وجعل جوفه يجيش بالشعر فأنكرت جاريته ذلك فجعلت تسأله عن أمره وتقول ويحك ما الذي قد دهاك فلما أكثرت عليه جلس وأنشد تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا أراك اليوم قد أحدثت شوقا ... وهاج لك البكا داء دفينا بربك هل أتاك لها رسول ... فشاقك أم رأيت لها خدينا فقلت شكا إلي أخ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا فعد علي ما يلقى بهند ... فوافق بعض ما كنا لقينا

стр. 382

وذو القلب المصاب وإن تعزى ... يهيج حين يلقى العاشقينا وكم من خلة أعرضت عنها ... لغير قلى وكنت بها ضنينا رأيت صدودها فصددت عنها ... ولو هام الفؤاد بها جنونا وعرض خالد بن عبد الله القسري سجنه يوما وكان فيه يزيد بن فلان البجلي فقال له خالد في أي شيء حبست يا يزيد قال في تهمة أصلح الله الأمير قال أفتعود إن أطلقتك قال نعم وكره أن يعرض بقصته لئلا يفضح معشوقته فقال خالد أحضروا رجال الحي حتى نقطع يده بحضرتهم وكان ليزيد أخ فكتب شعرا ووجه به إلى خالد أخالد قد أعطيت في الخلق رتبة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق أقر بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في شأن الهوى غير ناطق إذا بدت الرايات للسبق في العلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق فلما قرأ خالد الأبيات علم صدق قوله فأحضر أولياء الجارية فقال زوجوا يزيد فتاتكم فقالوا أما وقد ظهر عليه ما ظهر فلا فقال لئن لم تزوجوه طائعين لتزوجنه كارهين فزوجوه ونقد خالد المهر من عنده وذكر أبو العباس المبرد قال كان رجل بالكوفة يدعى ليث بن زياد قد ربى جارية وأدبها فخرجت بارعة في كل فن مع جمال وافر فلم يزل معها مدة حتى تبينت منه الحاجة فقالت يا مولاي لو بعتني كان أصلح لك مما أراك به وإن كنت لأظن أني لا أصبر عنك فقصد رجلا من الأغنياء يعرفها

стр. 383

ويعرف فضلها فباعها بمائة ألف درهم فلما قبض المال وجه بها إلى مولاها وجزع عليها جزعا شديدا فلما صارت الجارية إلى سيدها نزل بها من الوحشة للأول مالم تستطع دفعه ولا كتمه فباحت به وقالت أتاني البلا حقا فما أنا صانع ... أمصطبر للبين أم أنا جازع كفى حزنا أني على مثل جمرة ... أقاسي نجوم الليل والقلب نازع فإن يمنعوني أن أبوح بحبه ... فإني قتيل والعيون دوامع سيدها شعرها فدعا بها وأرادها فامتنعت عليه وقالت له يا سيدي إنك لا تنتفع بي قال ولم ذاك قالت إني لما بي قال وما بك صفيه لي قالت أجد في أحشائي نيرانا تتوقد لا يقدر على إطفائها أحد ولا تسأل عما وراء ذلك فرحمها ورق لها وبعث إلى مولاها فسأل عن خبره فوجد عنده مثل الذي عندها فأحضره فرد الجارية عليه ووهب له من ثمنها خمسين ألفا فلم تزل عنده مدة طويلة وبلغ عبد الله بن طاهر خبرهما وهو بخراسان فكتب إلى خليفته بالكوفة يأمره أن ينظر فإن كان هذا الشعر الذي ذكر له من قبل الجارية أن يشتريها له بما ملكت يمينه فركب إلى مولى الجارية فخبره بما كتب إليه عبد الله بن طاهر فلم يجد سيدها بدا من عرضها عليه وهو كاره فأراد الأمير أن يعلم ما عند الجارية فأنشأ يقول بديع حسن رشيق قد ... جعلت مني له ملاذا فأجابته الجارية فعاتبوه فزاد عشقا ... فمات شوقا فكان ماذا فعلم أنها تصلح له فاشتراها بمائتي ألف درهم فجهزها وحملها إلى عبد الله بن

стр. 384

طاهر إلى خراسان فلما صارت إليه اختبرها فوجدها على ما أراد فغلبته على عقله ويقال إنها أم محمد بن عبد الله بن طاهر ولم تزل ألطافها وجوائزها تأتي مولاها الأول حتى ماتت وقال عمر بن شبة حدثنا أيوب بن عمر الغفاري قال طلق عبد الله بن عامر امرأته ابنة سهل بن عمرو فقدمت المدينة ومعها ابنة لها ومعها وديعة جوهر استودعها إياه فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ ثم أراد ابن عامر الحج فأتى المدينة فلقي الحسن فقال يا أبا محمد إن لي إلى ابنة سهل حاجة فأحب أن تأذن لي عليها فقال الحسن البسي ثيابك فهذا ابن عامر يستأذن عليك فدخل عليها فسألها وديعته فجاءته بها عليها خاتمه فقال لها خذي ثلثها فقالت ما كنت لآخذ على أمانة ائتمنت عليها شيئا أبدا ثم أقبل عليها ابن عامر فقال إن ابنتي قد بلغت فأحب أن تخلي بيني وبينها فبكت وبكت ابنتها فرق ابن عامر فقال الحسن فهل لكما فوالله ما من محلل خير مني قال فوالله لا أخرجها من عندك أبدا فكفلها حتى مات وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن زبيدة بنت أبي جعفر قرأت في طريق مكة على حائط أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل له مقلة أما المآقي فقرحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل

стр. 385

فنذرت أن تحتال لقائلهما حتى تجمع بينه وبين من يحبه قالت فإني لبمزدلفة إذ سمعت من ينشدهما فاستدعيت به فزعم أنه قالهما في بنت عم له وقد حلف أهلها أن لا يزوجوهها منه فوجهت إلى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوه وإذا المرأة أعشق من الرجل فكانت زبيدة تعده في أعظم حسناتها وتقول ما أنا بشيء أسر مني بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة قال الزمخشري وهوي أحمد بن أبي عثمان الكاتب جارية لزبيدة اسمها نعم حتى مرض وقال فيها أبياتا منها وإني ليرضيني الممر ببابها ... وأقنع منها بالشتيمة والزجر فوهبتها له وذكر الخرائطي أنه كان لبعض الخلفاء غلام وجارية من غلمانه وجواريه متحابين فكتب الغلام إليها يوما يقول ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد ثم انتبهت ومعصماك كلاهما ... بيدي اليمين وفي يمينك ساعدي فأجابته الجارية خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك بين ترائبي ومجاسدي

стр. 386

ونبيت ألطف عاشقين تعاطيا ... طرف الحديث بلا مخافة راصد فبلغ الخليفة خبرهما فأنكحهما وأحسن إليهما على شدة غيرته وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى سمع المهلب فتى يتغنى بشعر في جارية له فقال المهلب لعمري إني للمحبين راحم ... وإني بستر العاشقين حقيق سأجمع منكم شمل ود مبدد ... وإني بما قد ترجوان خليق ثم وهبها له ومعها خمسة آلاف دينار وقال الخرائطي كان رجل نخاس عنده جارية لم يكن له مال غيرها وكان يعرضها في المواسم فتغالى الناس فيها حتى بلغت مبلغا كثيرا من المال وهو يطلب الزيادة فعلقها رجل فقير فكاد عقله أن يذهب فلما بلغه ذلك وهبها له فعوتب في ذلك فقال إني سمعت الله تعالى يقول ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا أفلا أحيي الناس جميعا وقال علي بن قريش الجرجاني شكوت بلاء لا أطيق احتماله ... وقلبي مطيع للهوى غير دافع فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع وإني متى لم ألزم الصبر طائعا ... فلا بد منه مكرها غير طائع

стр. 387

إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع وكان أبو السائب المخزومي أحد القراء والفقهاء فرؤي متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له في ذلك فقال الدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة وذكر أحمد بن الفضل الكاتب أن غلاما وجارية كانا في كتاب فهويها الغلام فلما كان في بعض أيامه في غفلة من الغلمان كتب في لوح الجارية ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من طول حبك حتى صار حيرانا فلما قرأته الجارية أغرورقت عيناها بالدموع رحمة له وكتبت تحته إذا رأينا محبا قد أضر به ... طول الصبابة أوليناه إحسانا وذكر الهيثم بن عدي عن محمد بن زياد أن الحارث بن السليل الأزدي خرج زائرا لعلقمة بن حزم الطائي وكان حليفا له فنظر إلى ابنة له تدعى الرباب وكانت من أجمل النساء فأعجب بها وعشقها عشقا حال بينه وبين الانصراف إلى أهله فقال لعلقمة إني أتيتك خاطبا وقد ينكح الخاطب ويدرك الطالب ويمنح الراغب قال كفو كريم فأقم ننظر في أمرك ثم انكفأ إلى أم لجارية فقال لها إن الحارث سيد قومه حسبا ومنصبا وبيتا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته فشاوري ابنتك وأديريها عما في نفسها فقالت لها أي

стр. 388

بنية أي الرجال أعجب إليك الكهل الجحجاح المفضل المياح أم الفتى الوضاح الملوك الطماح قالت الفتى الوضاح فقالت إن الفتى يغيرك وإن الشيخ يميرك وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحديث السن الكثير المن فقالت يا أماه أحب الفتى كحب الرعاء أنيق الكلا قالت يا بنية إن الفتى شديد الحجاب كثير العتاب قالت يا أماه أخشى من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي ويشمت بي أترابي فلم تزل بها الأم حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث على خمسين ومائة من الإبل وخادم وألف درهم فبنى بها وكانت عنده أحب شيء إليه فارتحل بها إلى أهله فإنه لجالس يوما بفناء مظلته هي إلى جانبه إذ أقبل فتية يعتلجون الصراع فتنفست الصعداء ثم أرسلت عينيها بالبكاء فقال ما يبكيك فقالت مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ فقال ثكلتك أمك قد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فسارت مثلا أي لا تكون ظئرا وكان أول من نطق بها ثم قال أما وأبيك لرب غارة شهدتها وسبية أردفتها وخمرة شربتها

стр. 389

الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ثم أنشأ يقول وعيرت أن رأتني لابسا كبرا ... وغاية النفس بين الموت والكبر فإن بقيت رأيت الشيب راغمة ... وفي التفرق ما يقضي من العبر وإن يكن قد علا رأسي وغيره ... صرف الزمان وتقتير من الشعر فقد أروح للذات الفتى جذلا ... وهمتي لم تشب فاستخبري أثري

стр. 390

الباب السادس والعشرون: في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما هذا باب لا يدخل فيه إلا النفوس الفاضلة الشريفة الأبية التي لا تقنع بالدون ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون ولا يملكها لطخ جمال مغش على أنواع من القبائح كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأة مبرقعة إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع يريك عيون المها مسبلا ... ويكشف عن منظر في أشنع وقال الآخر لا يغرنك ما ترى من نقاب ... إن تحت النقاب داء دويا فالنفس الأبية لا ترضى بالدون وقد عاب الله سبحانه أقواما استبدلوا طعاما بطعام أدنى منه فنعى ذلك عليهم وقال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ وذلك دليل على وضاعة النفس وقلة قيمتها وقال الأصمعي خلا رجل من الأعراب بامرأة فهم بالريبة فلما تمكن منها تنحى سليما وجعل يقول إن امرءا باع جنة عرضها السموات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة
следующие страницы →