← Язык

Язык · id 1122

مغالطات لغوية

عادل مصطفى

Полный текст (264 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فتقول: إذا أجازوا نحو هذا ومنه بدٌّ وعنه مندوحةٌ، فما ظنك بهم إذا لم يجدوا منه بدلًا ولا عنه مَعدِلًا، ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها، ليُعِدَّوها لوقت الحاجة إليها، فمن ذلك قوله: قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ تدَّعي … عَلَيَّ ذنبًا كلُّه لم أصنعِ أفلا تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع، ولو نصب لحفظ الوزن وحمى جانب الإعراب من الضعف! وكذلك قوله: لم تتلَفَّع بفضل مئزرها … دَعدٌ ولم تُغْذَ دعدُ في العُلَب كذا الرواية بصرف «دعد» الأولى، ولو لم يصرفها لما كسر وزنًا، وأمن الضرورة أو ضعف إحدى اللغتين.» (١) وجاء في «الأشباه والنظائر»: «قال أبو حيان: يعْنُون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر، المختصة به، ولا يقع في كلامهم النثري، وإنما يستعملون ذلك في الشعر خاصة دون الكلام، ولا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإنما يعنون ما ذكرناه، وإلا كان لا توجد ضرورة؛ لأنه ما من لفظ إلا ويمكن الشاعر أن يغيِّره.» (٢) ثم جاء ابن مالك في القرن السابع الهجري، فلمس فكرة التفريق بين ما هو «خاص بالشعر» وما هو «ضرورة»؛ فجعل الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، وناقش الكثير من ظواهر الشعر التي حكم النحاة عليها بالضرورة فرفض أن يكون الشاعر مضطرًّا إليها، وبيَّن ما كان يمكن للشاعر أن يقوله بدل الضرورة المزعومة، وأنه مختار ولا ضرورة تُلجِئه إلى ذلك، مثال ذلك دخول «أل» على المضارع في قول الشاعر: ما أنت بالحكم التُّرضى حكومتُه … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل وقال إن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة؛ لتمكن الشاعر أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته؛ هذا إذن شيء «خاص بالشعر» وليس «ضرورة»، ولو أن من جاءوا بعد

стр. 37

ابن مالك توسعوا في تطبيق هذه الفكرة لأمكنهم عزل الكثير مما سُمِّي «ضرورة» على أنه «خاص بالشعر»، ولأمكن لدراسة الشعر أن تستقل بخصائصها كليًّا عن دراسة النثر، لكن شيئًا من هذا لم يحدث، وظل النحاة على مذهبهم في الضرورة؛ ذلك أن تمييز لغة الشعر عن لغة النثر يفتح بابًا لإعادة النظر في الطريقة التي تمت بها دراسة نصوص الكلام العربي جملة، وما كان تقليد المتأخرين للمتقدمين يسمح بهذه المراجعة. (١) وفي شرح التلخيص للسبكي نجد التفاتًا ذكيًّا إلى طبيعة «الضرورة» وطبيعة الاختلاف بين لغة النثر ولغة الشعر. كان شراح التلخيص يَعدُّون مخالفة القاعدة النحوية المطردة ضعفًا في التأليف وبُعدًا عن الفصاحة، ومن أمثلة ذلك «الإضمار قبل الذكر» لفظًا ومعنى، كما في قول الشاعر: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ … وحُسن فعلٍ كما يُجزى سنِمَّار يرى السبكي أن هذا قد يكون ضعفًا في النثر، أما في لغة الشعر فالأمر يختلف: «لأن ضرورة الشعر كما تجيز ما ليس بجائز فقد تقوِّي ما هو ضعيف، فعلى البياني أن يعتبر ذلك، فربما كان الشيء فصيحًا في الشعر غير فصيح في النثر.» ومن يتأمل البيت المذكور يدرك صواب السبكي فيما ارتآه، فحين انصهرت مثل هذه «المجاوزة» في سبيكة الشعر لم نكد نُحسُّ أي نشوز أو اختلال، وربما أطربتنا المجاوزة ذاتها ووجدنا لها وقعًا جماليًّا معينًا. وجدير بالذكر أن الإضمار قبل الذكر لم يعد مستنكرًا حتى في لغة النثر بعد أن وفد علينا بكثرةٍ في الأساليب الأجنبية هذه الأيام. (٢) لا لم تكن فكرة «الضرورة» إلا ضرورة النحاة أنفسهم في دراستهم وقد جبهتهم لغة الشعر بما لا يتفق مع قواعدهم. انظر إلى سيبويه نفسه كيف اغترب عن بيت عمر بين أبي ربيعة: صددْتِ فأطولتِ الصدود وقلَّما … وِصالٌ على طول الصدود يدوم

стр. 38

فقال: يحتمل الشعراء قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه، وإنما الكلام «قلما يدوم وصال». لم يوفق سيبويه في هذا المثال إلى تمييز الفرق الجوهري بين لغة النثر ولغة الشعر، فهذا الحيود في لغة البيت ليس قبحًا وليس اضطرارًا، وإنما هو طريقةٌ للشعر في الصوغ والتركيب، أو هو «خاص بالشعر»، ولو أن البيت صيغ على غير ذلك لذهب ماؤه وزال موضع التعجب منه. لم يحتمل العلماء فكرة وجود لغتين أو مستويين لغويين للفصحى: لغة النثر ولغة الشعر، بحيث يكون أغلب ما أسموه «ضرورة» هو، ببساطة، «خاص بالشعر». ولعل ابن فارس خير ممثل لاتجاه عامة النحاة إلى تخطئة الشعراء في خروجهم على المطرد والقياسي من القواعد. في رسالته «ذم الخطأ في الشعر» يذهب ابن فارس إلى أن الضرورة ضربٌ من الخطأ ومجانبة الصواب، فالشعراء عنده يخطئون كما يخطئ الناس ويغلطون كما يغلطون، وما جعل الله الشعراء معصومين يوَقَّوْن الخطأ والغلط، فما صح من شعرهم فمقبول، وما أبتْه العربية وأصولها فمردود، ورأى ابن فارس أن كلام النحويين في هذا الباب إنما هو ضرب من التوجيه لخطأ الشعراء وتكلف التأويلات لأغلاطهم، (١) وقال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين»: «وينبغي أن تجتنب ارتكاب الضرورات، وإن جاءت فيه رخصة من أهل العربية؛ فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه، وإنما استعملها القدماء في أشعارهم لعدم علمهم - كان - بقباحتها، ولأن بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مَزَلَّة، وما كان أيضًا تُنقَد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبُهرِج منها المعيب، كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويُبهرَج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنبوها.» (٢) ونقل الدمنهوري عن السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية ما نصه: قاعدة: ما جاز للضرورة يُقَدَّر بقدرها، ومن فروعه: إذا دعت الضرورة إلى منع المنصرف المجرور فإنه يقتصر فيه على حذف التنوين وتبقى الكسرة؛

стр. 39

لأن الضرورة دعت إلى حذف التنوين فلا يتجاوز محل الضرورة. قاعدة: ما لا يؤدي إلى الضرورة أولى مما يؤدي إليها. وخلاصة هذه الأحكام أن للشعر خصائص منها الضرورات، وأن هذه الضرورات ينبغي أن تجتنب، ويجب أن يقتصر فيها على الحاجة فيُقَدَّر بقدرها، وأن يعلم الشاعر أن ما لا يؤدي إلى الضرورة أولى مما يؤدي إليها. (١) قلنا: إنَّ النحاة لم يحتملوا فكرة وجود مستويين للفصحى، وظنوا أن الشعر لا يعدو أن يكون فنًّا من الكتابة التزم بما لا يلزم في النثر، طموحًا إلى قيمٍ تأثيرية كبرى، فآدَهُ حملُه الثقيل من وزنٍ وقافية، وأَعذَرَه فيما اضطر إليه من ضروب التعثر والظلع اللغوي. وحتى ابن جني في تمجيده للشاعر لم يعْدُ أن مهَّد له عذرًا ونوَّه ببسالته، ولكنه لم يبلغ عمق الظاهرة الشعرية، (٢) لم يفهم ابن جني أنَّ الشاعر ليس بهلوانًا يُوَفَّقُ فيُكْبَر أو يسقط فيُعذَر! «فالشاعر لا يتلقى اللغة تلقيًا سلبيًّا، بل له عليها أثرٌ إيجابي، بطبيعة ما بينهما من علاقةٍ جدلية يتأثر فيها الشاعر باللغة ويؤثر هو كذلك فيها. والضرورة الشعرية يتجلى فيها عمل الشاعر الخلاق من جهة تناوله للغة تناولًا مختلفًا (وإن كان يتم في أحضان اللغة نفسها)؛ فالشاعر يغير في اللغة بحكم ما له عليها من أثرٍ إيجابي تتحقق به المحافظة على روح اللغة ونموها معًا (فاللغة ثبات وتغير وبهما يتحقق للغة شخصيتها وحياتها معًا).» (٣)

стр. 40

من آليات الدراسة الأسلوبية للعمل الأدبي «ملاحظة مواطن الخروج ومناهضة الاستعمال الجاري عليه الكلام، ثم محاولة الكشف عن العلل الاستطيقية (الجمالية/ الفنية) الباعثة على ذلك، ويعد الألماني ليو سبتزر رائدًا في هذا الباب، فهو يبحث عن روح الكاتب أو الشاعر في لغته على ما تظهر في الخصائص التي يخرج فيها عن المعايير اللغوية الشائعة ويتجاوزها، بحيث يلوح منها الطريق التاريخي الذي يختطه والتغير الطارئ عليه من روح العصر والثقافة في الصورة اللغوية الجديدة. لقد اعتُبرت المخالفات النحوية على أيدي النقاد جميعًا هفوات، ولكن الضرورة الشعرية باعتبارها خروجًا على الاستعمال المألوف للغة وما تقتضيه المعايير المقررة في النظام اللغوي؛ تكشف عن الخصائص الفردية التي بها يظهر روح الشاعر أو الأديب، فمغالبة القوة التي يصنعها اطراد العادة اللغوية لا يمكن تفسيره إلا بالتسليم بأن قوةً مناهضةً بعثت على النشاط الجديد الذي به خالف التعبير ما استقر عليه الاستعمال. إن اطراد الاستعمال اللغوي من شأنه أن يصبح قوة تتسلط على كل تعبير ناهض؛ إذ تتكون العادة اللغوية التي عليها يطَّرد التعبير، وتستقر في عقل الجماعة اللغوية، فلا ينفك عنها أي تعبير جديد؛ ولهذا يلزم في بحث الظاهرة اللغوية الكشف عن العلل الداخلية التي تستبطنها. فأي دراسة لا تنطلق في بحث الظاهرة من داخلها تقع في الأوهام التي تقع فيها أي دراسة لا تقوم على الموضوعية؛ لأنها لا تظهر على شيء من حقيقة الموضوع المبحوث»، (١) «وإذا كان الشاعر يناهض الأعراف اللغوية المستقرة؛ فلأن هذه الأعرف لم تعد في خدمة الأغراض التي يسعى إليها الشاعر، فالواقع في الوهم أن الشعراء يتجنون على اللغة، والصحيح أن الضرورة الشعرية إنما هي ضرورة تحتِّمها القوانين الداخلية للظاهرة اللغوية، وهي في خدمة هذه القوانين وحدها؛ لأنها إنما تستمد وجودها منها، وأي قوانين أخرى تسبق ميلاد الظاهرة نفسها مردودة لأنها أجنبية، والظاهرة إنما تحمل في باطنها المبدأ الخالق لها.» (٢) للشعر مناخه اللغوي الخاص، الشعر حيود عن جادة اللغة السوية - لغة النثر؛ لأن للنثر مطلبًا وللشعر مطلبٌ آخر، الشعر يقدم المتأخر (أقيسَ أرى؟ - بالحسن أَعْدى … )، ويؤخر المتقدم (بادٍ هواك - من الموجَعاتِ النجوم)، ويفصل المتصل (وما للسيف إلا

стр. 41

القطعَ فعلٌ - تبزغُ سائلها لماذا الشمس)، ويصل المنفصل (ما أنت بالحكم الترضى حكومته - الدَّرَجُ الرنا إليَّ عهدا)، ويكرر (لا يبصر الخطب الجليل جليلا - حتى خطاياه ما عادت خطاياه - كان يا مَبسَمَها كان أن - أخبرتها أخبرتها النجوم)، ويُنكِّر (عزيز أسًى مَنْ داؤه الحَدَقُ النُّجْلُ - مررت كصحوٍ ببال) … إلخ. يبحث الشاعر في مادة اللغة عما يحقق له الشكل الجمالي (الاستطيقي) الدال، وإذا كان للغة سلطانٌ على الناس فللشاعر سلطانٌ على اللغة، وهو في سعيه إلى الأثر الجمالي لا يخرج عن اللغة بل يطورها وينمِّيها ممتدًّا بها ومنها. وينبغي أن نفهم مواطن خروجه عن المألوف المطَّرد على أنها كشوفٌ لغوية: منافذ انعتاق، رءوس تبرعم، نقاط شطء، طلائع نمو؛ فهمها النحاة فهمًا «ألْكَن» على أنها مواطن قصورٍ وضعفٍ وخطأ، سمَلَها النحاة فأوقفوا نمو اللغة. في كتابه «بناء لغة الشعر» يَخْلُص جون كوين إلى أن الشعر «انحراف» Ecart بالقياس إلى النثر، أو «مجاوزة» كما فضل د. أحمد درويش ترجمتها: «الشعر خروج منظم على قواعد اللغة، والشعر ليس هو النثر مضافًا إليه شيءٌ ما، ولكنه هو «المضاد للنثر»، ومن هذه الزاوية فإنه يبدو شيئًا سلبيًّا تمامًا كأنه شكل «معتل» للغة، لكن هذا العنصر الأول يتضمن عنصرًا ثانيًا إيجابيًّا هو أن الشعر لا يهدم اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها وفقًا لتخطيطٍ أسمَى». (١) وبالرغم من أن الشعر يستخدم الكلمات، ويحمل دائمًا مضمونًا ذهنيًّا، وينطوي على معانٍ عقلية، فإن الكلمات في الشعر الرفيع تفقد ثقلها السابق، وتتخفف من ماضيها، ولا تعود «أداةً» تخدم الفكر وتحيل إلى معانٍ. إنها تنصهر وتكتسب «الشكل» Form وتتحول إلى «غاية»، وتفارق صفة «العلامة» وتأخذ صفة «الرمز» الملتحم بمعناه. وكأنما الشعر عودة باللغة إلى بدائيتها الأولى، وهو يصطنع من أجل هذه العودة طرائق كثيرة، منها الوزن. فالوزن، كما أشار كرورانسوم، (٢) هو طريقة لفرض الصورة صوتيًّا على الانتباه الذي قد ينهمك بدون الوزن في معاني الألفاظ نفسها؛ وبذلك يخلق الوزن نوعًا محببًا من التشتيت يجعل من التلقي تجربةً جمالية، كما أن للوزن تأثيرًا

стр. 42

سيمانطيقيًّا (دلاليًّا) هائلًا: فهو يضطر الشاعر إلى أن يضحي بدقة الألفاظ الفكرية حتى يسلم له النغم، ويلوي بالتركيب النحوي ليسلم له العروض، وفي هذه العملية يسترخي المعنى ويتفكك ويحقق الشعر ذاته؛ فيكون لغةً بدائية صورية شيئية غامضة، أفضل تسجيلًا لكثافة الدنيا وروعتها وحيويتها الوهاجة. ولعل هذا هو السبب في أن القصيدة تعني دائمًا أكثر مما تعنيه ترجمتها النثرية في لغة أخرى، من حيث إن بناءها الشكلي والموسيقي قد جعل منها «رمزًا» لا انفصام فيه بين الشكل ودلالته. (١) صفوة القول أن الضرورة الشعرية ليست معلولًا مباشرًا للوزن ولا تتحدد به، «وإنما تتحدد بماهية الشعر نفسه من حيث هو مستوًى من التعبير مختلف عما عليه سائر الكلام، فللشعر تركيبات لغوية تختص به، وهذه هي محل الضرورة.» (٢) ومما سبق يتبين لنا حجم الخطأ الذي وقع فيه النحاة حين اعتمدوا في جمع اللغة وتقعيدها على الشعر بالدرجة الأساس، حيث كان ينبغي الاعتماد على النثر بوصفه اللغة السوية القياسية، ويبقى الشعر مستوًى آخر من اللغة جديرًا بالدراسة بحقه الشخصي، وقد أدى هذا الخلط الأساسي إلى تضخم القواعد واضطرابها وتناقضها، وإلى ضروبٍ أخرى من الخلط ما زالت الفصحى تعاني من آثارها وجرائرها إلى يومنا هذا.

стр. 43

الفصل الثالث نشأة اللغة توقيفٌ أم اصطلاح ذهب العرب مذهبين في تفسير أصل اللغة: الأول أنها «توقيف» (إلهام/ وحي) من الله، أي أن الله هو صانع اللغة. ويستند هذا الرأي إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٣١). (١) الثاني أنها «اصطلاح» (عُرف/ اتفاق/ تواضع/ تواطؤ)، بمعنى أن يصطلح اثنان أو أكثر من الناس على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن يليهم. وبدا للعربي في ذلك الزمن أن ليس هناك احتمالٌ ثالث لهذين الاحتمالين؛ فقد كان سقف التاريخ البشري في إطاره الذهني وطيئًا لا يتعدى بضعة آلاف من السنين لا تسمح بتخلقٍ تلقائي لمثل هذا النظام الهائل - اللغة - فلم يكن بدٌّ من صانعٍ مباشر: إما الله (التوقيف)، وإما غيره (الاصطلاح). (٢) والحق أن هذا الإطار المعرفي كان يتلبس بالفكر اللغوي الغربي أيضًا: «وقد كان المدى الزمني لأي دراسة تاريخية للغات أقصر كثيرًا

стр. 44

مما هو متاح لدينا؛ فالناس، وبالتالي لغتهم الإنسانية، ترجع - عبر قرون قليلة - إلى أسلافهم من الأبطال والآلهة والإلهات في الأساطير المسلَّم بها، وقد اتجهت الجهود أساسًا إلى الإجابة عن السؤال: كيف أمكن لمجموعة من الكلمات الأولية المتوافقة صوتيًّا والتي منحتها أو علمتها الآلهة في البداية أن تتضاعف، لتنتج الأعداد الهائلة من كلمات معجم اليونانية أولًا ومعجم اللاتينية بعد ذلك، لتواجه متطلبات المدنية ذات الثقافة الرفيعة؟» (١) يقول ابن فارس في كتاب «الصاحبي»: «اعلم أن لغة العرب توقيف، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١). كان ابن عباس يقول: علَّمه الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض، وسهل وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.» (٢) استند القائلون بالتوقيف إلى ظاهر النص: فالأسماء كلها معلَّمة من عند الله بالنص، وكذا الأفعال والحروف؛ لأن الأفعال والحروف أيضًا أسماء، لأن الاسم ما كان علامة، والتمييز (بين الأسماء والأفعال والحروف) من تصرف النحاة لا من اللغة، ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر. (٣) واستندوا أيضًا إلى استحالة أن يجري اصطلاحٌ بدون لغة مسبقة يتواصل بها المصطلحون. يقول السيوطي في «المزهر»: «لو كانت اللغات اصطلاحيةً لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة، ويعود إليه الكلام، ويلزم إما الدور أو التسلسل في الأوضاع، وهو محال، فلا بد من الانتهاء إلى التوقيف.» (٤) (المزهر ١: ١٨).

стр. 45

ويرد القائلون بالاصطلاح بأنَّ المقصود بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أَقدَرَه عليها ومَكَّنَه من الكلام والتسمية، ويردون على أهل التوقيف بطريقتهم: «لو كانت اللغات توقيفية فذلك إما بأن يخلق الله تعالى علمًا ضروريًّا في العاقل أنه وضع الألفاظ لكذا، أو في غير العاقل، أو بألَّا يخلق علمًا ضروريًّا أصلًا، والأول باطل، وإلا لكان العقل عالمًا بالله بالضرورة؛ لأنه إذا كان عالمًا بالضرورة بكون الله وضع كذا لكذا لكان علمه بالله ضروريًّا ولو كان كذلك لبطل التكليف. والثاني باطل؛ لأن غير العاقل لا يمكنه إنهاء تمام هذه الألفاظ. والثالث باطل؛ لأن العلم بها إذا لم يكن ضروريًّا احتيج إلى توقيفٍ آخر، ولزم التسلسل.» (المزهر ١: ١٨). جاء في كتاب الحروف للفارابي: «فهكذا تحدث أولًا حروف تلك الأمة وألفاظها الكائنة عن تلك الحروف، ويكون ذلك أولًا ممن اتفق منهم، فيتفق أن يستعمل الواحد منهم تصويتًا أو لفظة في الدلالة على شيء ما عندما يخاطب غيره فيحفظ السامع ذلك، فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما يخاطب المنشئ الأول لتلك اللفظة، ويكون السامع الأول قد احتذى بذلك فيقع به، فيكونان قد اصطلحا وتواطآ على تلك اللفظة، فيخاطبان بها غيرهما إلى أن تشيع عند جماعة، ثم كلما حدث في ضمير إنسان منهم شيءٌ احتاج أن يفهمه غيره ممن يجاوره، اخترع تصويتًا فدل صاحبه عليه وسمعه منه فيحفظ كل واحد منهما ذلك وجعلاه تصويتًا دالًّا على ذلك الشيء، ولا يزال يحدث التصويتات واحدًا بعد آخر ممن اتفق من أهل ذلك البلد، إلى أن يحدث من يدبر أمرهم ويضع بالإحداث ما يحتاجون إليه من التصويتات للأمور الباقية التي لم يتفق لها عندهم تصويتات دالة عليها، فيكون هو واضع لسان تلك الأمة، فلا يزال منذ أول ذلك يدبر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما يحتاجون إليه في ضرورية أمرهم.» (١) وجدير بالملاحظة أن فكرتي «التوقيف» و «الاصطلاح» لم تكونا واضحتين في أذهان أصحابهما، كما يتصور القارئ المعاصر، ولا متمايزتين إحداهما عن الأخرى تمام التمايز! فبعض القائلين بالاصطلاح لا يستبعدون أن تكون اللغة من وضع مخلوقات ذكية سابقة على الإنسان. يقول الغزالي في المنخول إن «قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ظاهر في كونه توقيفًا وليس بقاطع، ويحتمل كونها مصطلحًا عليها من خلق الله تعالى قبل آدم» (المزهر ١: ٢٣).

стр. 46

وبعض القائلين بالتوقيف يرون أن اللغات كلها تم صنعها في بدء الخليقة (المزهر ١: ١١)، وبعضهم يرى أن التوقيف لم يقع في الابتداء إلا على لغةٍ واحدة، وأن اللغات الأخرى ثم التوقيف عليها بعد الطوفان في أولاد نوح حين تفرقوا في أقطار الأرض (المزهر ١: ٢٧)، ويرى فريقٌ ثالث أنه يجوز أن تكون اللغات التي تلت اللغة التوقيفية الأولى جاءت اصطلاحًا أو توقيفًا (المزهر ١: ٢٧)، ويرى آخرون أن اللغة الأولى فقط هي التوقيفية (وهي العربية - اللغة التي نزل بها آدم من الجنة)، بينما نشأت اللغات الأخرى تحريفًا (المزهر ١: ٣٠). ومن التوقيفيين مَنْ ذهب إلى أن اللغة العربية ظهرت أيضًا في مرحلة متأخرة عندما حشر الله الخلائق إلى بابل، جاء في «المزهر»: « … لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحًا، فاجتمعوا ينظرون لماذا حشروا له، فنادى منادٍ: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء، فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود، أنت هو؟ فكان أول من تكلم بالعربية المبينة» (المزهر ١: ٣٢). ومنهم من ذهب إلى أن العربية ظهرت أول مرة بعد قدوم سيدنا إسماعيل ﵇ إلى مكة واستقراره بها، وأن أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه هو إسماعيل ﵇ (المزهر ١: ٣٢ - ٣٣). ويبدو أيضًا أن النسق المذهبي لعالم اللغة كان يملي عليه الرأي في أصل اللغة، وأن تفكيره في هذا الشأن لم يكن علميًّا خالصًا، أو فلسفيًّا محضًا، فثَمَّ مذهبٌ كلامي كلي عليه أن يخضع له ويضمن اتساقه. يقول د. إبراهيم أنيس: «إن الخلاف بين علماء العرب ظهر واضحًا في منتصف القرن الرابع الهجري وما بعده، فرأيناهم فريقين: أولًا: أهل التقاليد من المحافظين الذين اعتمدوا على النصوص من السنيين وأضرابهم، وهؤلاء كانوا ينادون بأن اللغة توقيفية وأن لا يد للإنسان في نشأة ألفاظها أو كلماتها، وزعيم هؤلاء ابن فارس في كتابه «الصاحبي»، والفريق الثاني من علماء اللغة الذين نادوا بأن اللغة اصطلاحية، وكان معظمهم من المعتزلة الذين استمدوا أدلتهم من المنطق العقلي، وفسروا ما ورد من نصوص بحيث تلائم اتجاههم وتنسجم مع منطقهم.» (١)

стр. 47

(١) تردد ابن جني بين الاصطلاح والتوقيف ولعل ابن جني هو خير من يعكس لنا حيرة فقيه اللغة في ذلك الزمن بين التوقيف والاصطلاح، وقد سجل تردده في غير موضع من «الخصائص»، يقول ابن جني في «باب القول على أصل اللغة إلهامٌ هي أم اصطلاح»: «هذا موضع محوج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف، إلا أن أبا علي ﵀، قال لي يومًا: هي من عند الله، واحتج بقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وهذا لا يتناول موضع الخلاف، وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أَقْدَرَ آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة، فإذا كان ذلك محتملًا غير مستنكَر سقط الاستدلال به … ثم لنعدْ فلنقلْ في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيًا، وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، قالوا: كأن يجتمع حكمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمةً ولفظًا، إذا ذُكر عُرف به ما مسماه، ليمتاز من غيره، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مَرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف وأسهل من تكلف إحضاره، لبلوغ الغرض في إبانة حاله … فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم، فأومَئوا إليه، وقالوا: إنسان إنسان إنسان، فأيَّ وقت سُمع هذا اللفظ عُلم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك، فقالوا: يد، عين، رأس، قدم، أو نحو ذلك، فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معناها، وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيح الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجهٌ صالح، ومذهبٌ متقبَّل، واعلم فيما بعد، أنني على تقادم الوقت دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات التغول على فكري؛ وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة، ما يملك عليَّ جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السِّحر … وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله جل وعز، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفًا من الله سبحانه وأنها وحي، ثم أقول في ضد هذا: كما وقع لأصحابنا ولنا، وتنبهوا وتنبهنا، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا،

стр. 48

وإن بَعُدَ مداه عنا، من كان ألطف منا أذهانًا، وأسرع خواطر وأجرأ جنانًا؛ فأقف بين تَيْن الخلتين حسيرًا، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورًا، وإن خطر خاطرٌ فيما بعد، يعلق الكف بإحدى الجهتين، ويكفُّها عن صاحبتها، قلنا به، وبالله التوفيق.» (١) وفي موضعٍ آخر من الخصائص يقول ابن جني: «هذا كله وما أكني عنه من مثله - تحاميًا للإطالة به - إن كانت هذه اللغة شيئًا خوطبوا به وأخذوا باستعماله، (٢) وإن كانت شيئًا اصطلحوا عليه، وترافدوا بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله وترتيبه فهو مفخرٌ لهم، ومعلمٌ من معالم السداد دل على فضيلتهم.» (٣) وفي موضعٍ ثالث من الخصائص يقول بصريح العبارة: «قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام؟ وحكينا وجوَّزنا فيها الأمرين جميعًا، وكيف تصرفت الحال، وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها؛ فإنها لا بد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه؛ لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئًا فشيئًا، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه … » (٤) يرى د. لطفي عبد البديع «أن التوقيف يمكن حمله على الإلهام من الله تعالى للبشر بالأسماء في مطلق معناها دون أن يكون في ذلك تعارض ما مع القول بالاصطلاح على معنى أن يتواطأ اثنان فأكثر من أبناء لغة بعينها على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن يليهم، ويكون التوقيف والاصطلاح أمرين «متكاملين» في الإنسان لا يتم أحدهما إلا بالآخر فهما جانبان للغة التي تدرج على الأرض ولكنها تمد بسببٍ إلى السماء؛ فالتوقيف كالأصل الميتافيزيقي للغة، والاصطلاح كالأصل الاجتماعي لها، وكلاهما له مكانه السائغ في العمل اللغوي، أما ما أفاض فيه القائلون بهذا وذاك من حجج وأدلة فمبناه على قضايا كلامية في جملتها ينقض بعضها بعضًا … » (٥)

стр. 49

(٢) استكمال اللغة وسواء على اللغوي أكان أميل إلى التوقيف أم الاصطلاح، فقد كان يشعر بأن اللغة لم توضع مرةً واحدة، وأنها قد تَلاحَق تابعٌ منها بفارط، ليس بمعنى التطور الذي ندركه اليوم (فالحق أن مفهوم اللغة عندهم ما زال يتمتع بكمالٍ مرحليٍّ معين) ولكن بمعنًى آخر مقيد أيضًا بالتوقيف الإلهي أو بوضع الواضع الأول! يذهب ابن فارس مثلًا إلى أن الله وقف آدم على ما شاء أن يُعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، ثم علم آخرين من عرب الأنبياء ما شاء أن يعلمهم، حتى انتهى الأمر إلى خاتم الرسل فلا نعلم لغةً من بعده حدثت. ويميل ابن جني إلى أن استكمال اللغة مقيدٌ بوضع الواضع الأول، الذي لا يخالف عليه من بعده، وأن خلاف من بعده ليس إلا أثرًا لمتابعة المتأخر للمتقدم: ذلك أن الواضع الأول توقَّع حاجات الخلف بحكمةٍ استقبلت من أمر الحياة ما استدبر، (١) وتعرفت المستقبل فوضعت القياس الذي يأخذ به الخالف حين يحتاج إلى الزيادة في اللغة أو يضطر إلى مخالفة الواضع الأول! (٢) (٢ - ١) كمال اللغة ورأي ابن حزم «العربية خير اللغات» يقول العربي … «اليونانية أفضل اللغات» يقول جالينوس … «العبرية لغة الرب، والملائكة لا يفهمون غير العبرية» يقول اليهود … «السريانية لغة الحساب في الآخرة ولغة أهل الجنة» يقول السريان … «الفارسية لغة الجنة» يقول الفرس … «أنا الحق وكل ما سواي الباطل» يقول «العرق» Ethnos! لاحظ أن بعض اللغات المذكورة لم يدم في الحياة لكي يلحق بالآخرة!

стр. 50

لكي ننفي هذا التفضيل اللاهوتي للعربية (ولكل لغة) فمن الأقرب والأيسر أن نستشهد بواحد من قدامى العلماء الأجلاء أنفسهم هو ابن حزم، القائل في «الإحكام في أصول الأحكام»: «وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات، وهذا لا معنى له؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤)، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الدخان: ٥٨)، فأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه ﵇ لا لغير ذلك، وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع. قال علي: وهذا جهلٌ شديد؛ لأن كل سامع لغةٍ ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر جالينوس، ولا فرق … وقد قال قومه: العربية أفضل اللغات لأن بها نزل كلام الله تعالى، قال علي: وهذا لا معنى له؛ لأن الله قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولًا إلا بلسان قومه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤)، وقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٦)، فبكل لغة قد نزل كلام الله ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى ﵇ بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم ﵇ بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويًا واحدًا.» (١) (٢ - ٢) ملاحظات واستدراكات «الاصطلاح» عند قدماء النحاة يعني تواطؤ حكماء، من البشر أو غير البشر، وهو مصطلح يختص بنشأة اللغة، وهو ضد «التوقيف». أما «الاصطلاح» أو «المواضعة» Convention في فلسفة اللغة الحديثة، والفلسفة الغربية بعامة، فهو مصطلح يختص بطبيعة اللغة، ويعني العلاقة الاتفاقية التعسفية الاعتباطية بين «الدال» Signifier و «المدلول» Signified، وهي ضد العلاقة الضرورية أو الطبيعية بين الدال والمدلول (Naturalism)، وقد لزم التنويه بذلك حتى لا يقع القارئ في الخلط ويظن أن قدماء النحاة كانوا يعنون بالاصطلاح ما يعنيه

стр. 51

هورموجينيس في محاورة أقراطيلوس (كراتيلوس)، أو ما يعنيه دي سوسير ب «اعتباطية العلامة» Arbitrariness of sign. إن الكثير من فقهاء اللغة العرب كانوا يضمرون الاعتقاد في التوقيف والاصطلاح معًا: أن الله صنع العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف عن حكمته فيما صنعه، وأن العرب صنعت العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف عن حكمة العرب فيما صنعته. إن المذهبين كليهما يلتقيان في أن اللغة كيانٌ محكمٌ، متناهي الإتقان، ثابت الأركان، أتى بتدبير مدبرٍ وفعل فاعل، ومن ثم فإن علينا حفظه وتأمله، وليس لنا أن نعبث به ونتصرف فيه. لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة من تطوره ينفر من التناقض نفورنا منه الآن، ولم يكن «قانون التناقض» Law of contradiction فاعلًا فيه! هذا ما يجب أن نعيه ونحن نشهد النقائض متراصةً في فكر القدماء جنبًا إلى جنب Juxtapose في وئام وسلام، مثلما تتراص في أحلامنا! ونشهد التصورات الميثوبية (١) والغيبية تُتبلع ببساطةٍ تدعونا إلى العجب. كان الفكر القديم يدرك العلاقة بين السبب والنتيجة، ولكنه لن يدرك ما نراه من سببية تعمل كالقانون، آليًّا ودونما أي هوًى شخصي؛ وذلك لأننا قد ابتعدنا كثيرًا عن عالم التجربة المباشرة بحثًا عن الأسباب الحقيقية … إنه أعجز من أن ينسحب كل هذا الانسحاب عن الحقيقة المحسوسة، كما أنه لن يقنع بأفكارنا، فإذا بحث عن السبب، فإنه يبحث عن «مَنْ» لا عن «كيف»، إنه يبحث عن إرادةٍ ذات غرض تأتي فعلًا معينًا، (٢) هذا ما جعل مسألة «اللغة» كظاهرة «انبثاقية» Emergent تنجم تلقائيًّا من طبيعة الاجتماع، شيئًا عصيًّا على إدراكه، بعيدًا عن منال فهمه.

стр. 52

(٣) علم اللغة الحديث ونشأة اللغة إن اختلافنا عن هذا السلف البعيد هو اختلاف «إطار معرفي» Paradigm (نموذج شارح) و «رؤية عالم» World-view، يقول الأستاذ أمين الخولي: «لكن ما يبدو لنا غريبًا لم يكن في منطق القوم على هذه الغرابة، فإنك لتعرف أنهم يرون أن الدنيا نصف، قد ذهب خير نصفيها: ويقررون أن الأول قد ذهب بالمعرفة كلها، كما ذهب بالخير كله، وأن أفضل القرون قد مضى منذ أكثر من عشرة قرون … فالنظام عندهم ليس ترقيًّا، بل هو تنزُّلٌ وتدهور، بعد كمال وفضل. ومن هنا تدرك أن أساس الخلاف فكري جوهري عام، يمتد إلى أشياء كثيرة، ولا يقتصر على اللغة، بل يمس النظرة الكبرى في سير الوجود كله لا سير اللغة فقط.» (١) من الثابت الآن في ضوء اللغويات الحديثة وعلم الاجتماع الحديث «أن اللغة ليست إلا ظاهرة اجتماعية، وتلك الظواهر الاجتماعية لا تقوم إلا على غير ما تصوره الأقدمون من أمور عقلية منطقية، وأعمال صناعية تحكمية» (٢) «تلك الظواهر الاجتماعية ليست صناعة فرد بعينه أو أفراد بعينهم، ولا عمل جيل بذاته، ولا توجيه فيها لعقل الفرد، أو الإرادة الفردية، ولا تأثير له عليها، فلا هو يستطيع دفعها إذا أراد، ولا هو يستطيع صدها إذا شاء، وما هو ولا قومه مجتمعين بمستطيعين أن يقدموا من أمرها شيئًا أو يؤخروه، فلا هم يتدخلون تدخلًا إراديًّا في وجودها، ولا هم يسهمون في تنظيمها، ولا هم يختطون طريقها، وكل ما تتعرض له وما يواجهها من دوافع أو موانع، وما ينالها من تغير وتحول، أو توسع وتبسط، أو توقف وتعطل، لا يكون شيء منه إلا من نتائج العقل

стр. 53

الجمعي، ومقتضيات الوجود التجمعي، وهو ما لا ينفي فيه منطق الأفراد ولا يثبت، ولا تعطي فيه إرادتهم ولا تمنع، ولن يغيروا أبدًا من واقعٍ تحتمه القوانين الاجتماعية الثابتة المطردة.» (١) هذ أمرٌ ينبغي تفهمه ابتداءً حين يتبين لنا خطأ القدماء الأوَّليِ فيما ذهبوا إليه، «فاللغة في كل مجتمع نظامٌ عام يشترك الأفراد في اتباعه، ويتخذونه أساسًا للتعبير عما يجول بخواطرهم، وفي تفاهمهم بعضهم مع بعض. واللغة ليست من الأمور التي يصنعها فردٌ معين أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه هذه الحياة من تعبير عن الخواطر، وتبادل للأفكار، وكل فرد منا ينشأ فيجد بين يديه نظامًا لغويًّا يسير عليه مجتمعه فيتلقاه عنه تلقيًا بطريق التعليم والمحاكاة، كما يتلقى سائر النظم الاجتماعية الأخرى، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذيه في تفاهمه وتعبيره». (٢) «واللغة من الأمور التي يرى كل فرد نفسه مضطرًّا إلى الخضوع لما ترسمه، وكل خروج على نظامها، ولو كان عن خطأ، أو جهل، يلقى من المجتمع مقاومة تكفل رد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتأخذ المخالف ببعض أنواع الجزاء … وإذا حاول فرد أن يخرج كل الخروج على النظام اللغوي بأن يخترع لنفسه لغة يتفاهم بها فإن عمله هذا يصبح ضربًا من ضروب العبث العقيم؛ إذ لن يجد من يفهم حديثه، ولن يستطيع إلى نشر مخترعه هذا سبيلًا». (٣) والحق أن «علم اللغة» Linguistics الحديث من العلوم الإنسانية الدقيقة التي بلغت في أدائها ونتائجها مستوًى من الدقة العلمية يقترب من مستوى العلوم الطبيعية، وصارت مثالًا يحتذى لبقية العلوم الإنسانية. وقد أثبت هذا العلم الحديث على نحوٍ حاسم صلب «أن اللغة ظاهرة اجتماعية يتميز بها كل مجتمعٍ إنساني، وهي ظاهرةٌ إنسانية لا علاقة لها بالآلهة، ولم تهبط من علٍ، بل نشأت من أسفل، وتطورت بتطور الإنسان ذاته، ونمت بنمو حضارته»، (٤) فإذا نحن سلطنا هذا الضوء العلمي الكاشف

стр. 54

على آراء القدماء «فسنتبين سريعًا وفي وضوح أن ما زعمه الزاعمون من عمل الأفراد، أو الكثرة، في تكوينها ووضعها لا يؤيده شيء من طبيعة اللغة! وسيتبين لنا كذلك بأسرع وأوضح مما سبق أن إدراك هذا الفرد الممتاز، أو الكثرة الحكيمة، لمستقبل اللغة واحتياطهم لآخر أمرها … كل ذلك لا تحتمل تصديقَه طبيعةُ اللغة على ما عرفها البحث الاجتماعي، فليس لوضع الواضع الأول، بحكمته وحسن تأَتِّيه - أو بغير ذلك - وجودٌ ولا سند … لأن اللغة ليست إلا نشاطًا اجتماعيًّا، لا اجتهادًا عقليًّا وتدبيرًا منطقيًّا … وإذا ما استقرت هذه الحقيقة من خصائص اللغة بما هي نظام اجتماعي، اتضح لنا أن اللغات الصناعية المبنية على خطة منطقية قد وضعت مقدمًا غير ممكنة الوقوع إلا إذا كانت لغات خاصة: لغات فنية (تكنيكية) ولوائح إعلانات، ففي هذه الحال يكفي الاتفاق بين الأشخاص المعدودين الذين يستعملونها للاحتفاظ بها كما خلقت دون تغيير.» (١) ولا يفوتنا، أخيرًا، أن نتبين البون البعيد بين الإطار المعرفي الذي كان يوجه عقل القدامى ويرشد بحثهم وبين النموذج المعرفي الحديث: كان «التنَزُّل»، إن صح التعبير هو الإطار القديم، كمقابل ل «التطور» في العقل الحديث، فالتطور «أصل أصيل في حياة اللغة بما هي كائن اجتماعي، وأساس التطور هو الوجود البسيط أولًا، ثم النماء المترقي ثانيًا، وخلال هذا الانتقال يتكون الكائن مترقيًا، ويتغير تغيرات متدرجة … وعلى ذلك لن نهتدي إلى صواب من الرأي في مشكلات حياتنا اللغوية إلا إذا ما أخذنا أنفسنا في تبين هذه المشكلات بالمنهج الذي يقرر عكس ما قرره الأقدمون في تكون اللغة العربية وحياتها؛ فإذا ما قالوا: إنها كانت كاملةً دقيقة أولًا ثم فسدت واضطربت، قال هذا المنهج إنها كانت ناميةً متغيرةً مكتملة، ولها في ذلك تاريخ حيوي ومرضي لا بد من معرفته قبل أن تقولوا بفسادها واضطرابها، أو بمَ فسدت؟ أو لمَ اضطراب؟! وتلك هي المهمة الكبرى، بل الهائلة، لمن يتحدث عن مشكلات حياتنا اللغوية حتى يكون حديثه سليم الأساس.» (٢)

стр. 55

الفصل الرابع طبيعة اللغة العلاقة بين الدال والمدلول علاقةٌ ضرورية، لا في ذاتها، بل في ذاتنا نحن! ما هي العلاقة بين الكلمات والأشياء؟ بين الدالِّ والمدلول؟ بين الألفاظ وما تشير إليه الألفاظ؟ ثمة جوابان ممكنان على هذا السؤال: الأول يقول إن العلاقة بين الكلمة ومدلولها علاقةٌ طبيعية ضرورية تجعل هذه الكلمة بعينها هي المقيَّضة للتعبير عن هذا الشيء بعينه، وهي المناسبة، دون غيرها من الأصوات الممكنة، للإشارة إلى هذا المعنى المحدد؛ وبالتالي فإن أمر الدلالة (أو التدليل Signification) غير متروكٍ للمصادفة أو الاعتساف، ذلك هو «المذهب الطبيعي» Naturalism في اللغة. والجواب الثاني يقول إن العلاقة القائمة بين العلامات اللغوية، كالكلمات، وبين معانيها هي في عامة الأحوال مسألة «عُرف» أو «اصطلاح» أو «تواطؤ» أو «مواضعة» Convention. «إن الرموز اللغوية لا تحمل قيمة ذاتية طبيعية تربطها بمدلولها في الواقع الخارجي؛ فليس هناك أي علاقة بين كلمة «حصان» ومكونات جسم الحصان، والعلاقة كامنة فقط عند الجماعة الإنسانية التي اصطلحت على استخدام هذه الكلمة اسمًا لذلك الحيوان، ومعنى هذا أن قيمة هذه الرموز اللغوية تقوم على العرف، أي على ذلك الاتفاق الكائن بين الأطراف التي تستخدمها في التعامل، وهذا معناه أن المؤثر والمتلقي متفقان على استخدام هذه الرموز اللغوية المركبة بقيمتها المعرفية.» (١) وليس هناك ما يحتم على كلمة Dog أن تعني ذلك الصنف المستأنس من الكلبيات، إنما يجعل

стр. 56

هذه الكلمة تعني ما تعنيه هو أن الناطقين بالإنجليزية يرقب بعضهم بعضًا ويتوقعون فيما بينهم أن يلتزم كل منهم بالعرف المتفق عليه والذي يربط كلمة Dog بالكلب، (١) ذلك هو «المذهب الاصطلاحي، أو التواضعي» Conventionalism في اللغة. شغلت هذه المسألة عقول المفكرين اللغويين منذ أقدم العصور، وفي زمن الإغريق طُرح هذا السؤال طرحًا ناضجًا، وانقسم الفلاسفة فيه بين قائل بالمذهب الطبيعي، مثل هيراقليطس وكراتيلوس، وقائل بالمذهب الاصطلاحي، مثل ديمقريطس وهيرموجينيس. (١) أفلاطون وقد أفرد أفلاطون لهذه المسألة محاورةً كاملة، تنتمي إلى المرحلة الوسيطة من محاوراته، هي محاورة «كراتيلوس» (أقراطيلوس). في هذه المحاور يجري نقاش طويل بين سقراط ومحاوريه: هيرموجينيس وكراتيلوس، يمثل هيرموجينيس الموقف الاصطلاحي القائل بأن منشأ اللغة هو عملية تواطؤ (اصطلاح/ اتفاق/ تواضع) بين أفراد المجتمع اللغوي على أن يطلق لفظٌ ما لتسمية شيءٍ معين، والاسم الذي نتفق عليه يغدو، بموجب هذا الاتفاق، هو الاسم الصحيح، فإذا اتفقنا على تغييره والاستعاضة عنه باسمٍ آخر؛ فإن الاسم الجديد يصبح هو الاسم الصحيح. ونحن نغير أسماء عبيدنا فلا يكون الاسم الجديد أقل صوابًا من القديم، الطبيعة ليست موكلة بأن تطلق لنا أسماء على الأشياء، بل هذه مهمتنا نحن، التسمية صناعة بشرية ومناط التسمية التكرار والاعتقاد والتواطؤ بين من يقومون بفعل التسمية، وليس ثمة استحالة في أن تطلَق نفس الأسماء على أشياء مختلفة تمام الاختلاف، أو أن تعطَى نفس الأشياء أسماء متباينةً كل التباين، ما دام مستخدمو اللغة قائمين على اتفاقهم بهذا الشأن. أما كراتيلوس، نصير المذهب الطبيعي في اللغة، فيرى أن الأسماء لا يمكن أن تسبغ على الأشياء كيفما اتفق كما يتصور أصحاب المذهب الاصطلاحي؛ لأن الأسماء تنتمي إلى مسمياتها المحددة انتماءً «طبيعيًّا» «ضروريًّا»، فإذا ما حاولت أن تتحدث عن شيءٍ ما بأي اسم غير اسمه الطبيعي فإنك ببساطة تفشل في الإشارة إليه فشلًا ذريعًا. ثمة

стр. 57

بالطبيعة طريقةٌ صحيحةٌ للتدليل على الأشياء، واسم صحيح لكل كائن في الوجود، عند الناس جميعًا على السواء. وقد كان هيراقليطس مهتمًّا بتحليل الأسماء لأنها تعبر عنده عن ماهية الأشياء، وتأتي بمشيئة إلهية، إنها «توقيف»، وحي، إلهام. أما رأي أفلاطون، الذي يضعه - كعادته في محاوراته - على لسان سقراط، فهو محير حقًّا، ويشبه أن يكون وسطًا بين الاصطلاحية والطبيعية: طبيعية معدلة، وربما اصطلاحية معدلة! فالأسماء في نظره لا يمكن أن تعطَى للأشياء على نحوٍ عشوائي كما يتصور الاصطلاحيون، بل ينبغي أن تُسكَّ بمهارةٍ وحذقٍ لكي تؤدي الغرض منها، (١) والغرض منها هو فصل أو عزل الشيء الذي تسميه عن بقية الأشياء وإفراده في عملية الإشارة بشكل دقيق، وذلك بأن يطابق الاسم طبيعة هذا الشيء على نحوٍ ما … أن يحاكيه بطريقةٍ ما، (٢) غير أن واضعي الأسماء الأوائل ليسوا سلطة مطلقة، و «التأثيل» (البحث في أصل الكلمات) Etymology ليس طريقًا مأمونًا لتأسيس الحقيقة؛ فواضعو

стр. 58

الأسماء قد يخطئون، ورغم أنهم كانوا موفَّقين في المجال الكوزمولوجي إلى حدٍّ كبير، فقد أخطئوا في مجال الأخلاق أخطاءً فادحة، تلك هي الشوكة المقيمة في صلب المذهب الطبيعي، وفي صلب نظرية التوقيف: وجود الخطأ. كيف نفسر وجود الخطأ؟ إذا كانت هناك قوة إلهية هي التي تطلق الأسماء على الأشياء، فمن أين يأتي الخطأ؟! من هنا رأى أفلاطون أن الأسماء والألفاظ هي الجالبة للفساد ومنها ينشأ الضلال؛ (١) لذا وجب

стр. 59

أن ننطلق من الأشياء عينها لا من الكلمات التي تشير إليها؛ فالكلمات كالزئبق لا تستقر على حال، بينما الحقيقة ثابتة لا تقبل تغييرًا ولا تبديلًا. (١) (٢) أرسطو رأينا أن أفلاطون لم يتخذ في مسألة طبيعة اللغة مذهبًا محددًا، أما العلماء الذين جاءوا بعده فاتخذوا مواقف أكثر حسمًا؛ فقد أفاد أرسطو من افتراضات أستاذه أفلاطون وطورها، وذهب إلى أن اللغة ظاهرةٌ اجتماعية وأصواتها رموز اصطلاحية ليس لها بالمعاني علاقة طبيعية أو مباشرة أو ضرورية. يقول ابن سينا في تلخيص كتاب أرسطو في العبارة: «فإنها إنما تدل بالتواطؤ، أعني أنه ليس يلزم أحدًا من الناس أن يجعل لفظًا من الألفاظ موقوفًا على معنًى من المعاني، ولا طبيعة الناس تحملهم عليه، بل قد واطأ تاليهم أولهم على ذلك وسالمه عليه … »، (٢) غير أن أرسطو يميز بين مستويين أساسيين: مستوى الكلمات والألفاظ والكتابة: وهي تقوم على العرف والاتفاق والتواطؤ والاصطلاح وتختلف باختلاف الأمم والشعوب، ومستوى الأفكار والمعاني والموجودات: وهي واحدة عند جميع الأمم والأجناس. موقف أرسطو إذن هو موقف الاصطلاح على مستوى اللفظ، والضرورة على مستوى المعنى، (٣) وللفارابي نصٌّ يلخص موقف أرسطو من جميع جوانبه، وربما الموقف الفلسفي برمَّته من أصل اللغة وعلاقة الأسماء بمسمياتها، يقول فيه: «هذا رأي أرسطوطاليس في القول وفي الألفاظ المفردة جميعًا، فإن قومًا يرون في الألفاظ المفردة الدالة أنها ليست على طريق المواطأة، فبعضهم يرى أنها بالطبع، وبعضهم يرى أنها آلة استخرجت بالإرادة على ما تُستخرج آلات الصنائع، وذلك أنهم يقولون إن كل لفظة دالة فينبغي أن تكون محاكية للمعنى المدلول عليه ومعرفة بطبعها لذات ذلك الشيء، أو لغرض يكون ملاءمة للمدلول عليه خاصة وتكون اللفظة بطبعها محاكية، مثل قولنا: هدهد، للطائر الذي يحاكي هذه اللفظةَ صوتُه الخاص به … وربما لم تكن بأسرها محاكية، ولكن بعض أجزائها مثل «طنبور» الذي يحاكي الجزءُ الأولُ من هذه

стр. 60

اللفظة صوتَ الآلة … وآخرون رأوا أن الألفاظ المفردة الأولى باصطلاح وتواطؤ، وأما المشتق عن الأول والأسماء المركبة عن الأول فليست باصطلاح، وإنما ألزمت طبيعة الأمر المدلول عليه باسمٍ مركب، أو باسمٍ مشتق من الألفاظ المفردة الأُوَل، وقوم آخرون رأوا هذا في الأقاويل عن الألفاظ التي تدل على أجزاء الأمر المركب الذي يدل عليه القول، وأرسطوطاليس يرى أن جميع ذلك باصطلاح وتواطؤ.» (١) اتخذ أرسطو إذن وجهة نظر عرفية بشكل حازم «فاللغة نتاج العرف، ما دامت الأسماء لا تنشأ بشكل طبيعي، والمحاكاة الصوتية لا تحتم نقض هذا الرأي؛ نظرًا لأن صيغ المحاكاة الصوتية تختلف من لغة إلى أخرى، وهي قليلة في فونولوجيا كل لغة على حدة، ورأي أرسطو في اللغة ملخصٌ في بداية De Interpretatione كالتالي: الكلام تمثيل للخبرات العقلية، والكتابة تمثيل للكلام.» (٢) أما أبيقور (٣٤١ - ٢٧٠ ق. م) فقد اتخذ موقفًا وسطًا معتقدًا أن صيغ الكلمات قد نشأت بشكلٍ طبيعي، ولكنها تغيرت عن طريق العرف. وبشكلٍ أكثر أهمية في تاريخ علم اللغة فإن الرواقيين قد تحيزوا للأساس الطبيعي للغة، معولين إلى حدٍّ كبير على المحاكاة الصوتية والرمزية الصوتية: فالأسماء في رأيهم قد صيغت بشكلٍ طبيعي، أي من الأصوات الأولى التي تبدو مثل الأشياء التي تطلق عليها، وهذا الموقف يتفق في الواقع مع تأكيدهم الأعم على الطبيعة بوصفها مرشدًا للحياة الإنسانية اللائقة، (٣) وفي بحثهم عن أصول الكلمات فقد أوْلوا أهميةً كبيرة ل «الصيغ الأصلية للكلمات» Protai phonai التي زعم أنها كانت محاكاةً صوتية، ولكنها فيما بعد خضعت لتغيرات من أنواع مختلفة. (٤) هذان الرأيان المتعارضان لكل من أرسطو والرواقيين رأيان مهمان؛ لأنهما قادا إلى الخلاف اللغوي الثاني للعصور القديمة، وهو القياس مقابل الشذوذ، وهذا الخلاف لم يظهر بشكلٍ جوهري قبل المعالجة الموسعة التي قدمها للمسألة الكاتب اللاتيني فارو Varro في القرن الأول قبل الميلاد … ويبدو واضحًا أن أرسطو قد انحاز للقياس، وأن

стр. 61

الرواقيين قد انحازوا إلى الشذوذ بوصفه السمة المسيطرة في اللغة، (١) فأرسطو في ذلك أشبه بعلماء البصرة (فيما سيأتي بعد أكثر من ألف عام!) والرواقيون أشبه بالكوفيين. (٣) دي سوسير: اعتباطية العلامة اللغوية ثمة شقٌّ آخر من العرف أو التواطؤ ينبغي أن نلتفت إليه: وهو أن هناك أكثر من طريقة لتجزئة العالم وتقطيعه، وكل لغة من اللغات الطبيعية تقوم بذلك على نحوٍ مختلفٍ بعض الشيء، هذه العرفية المزدوجة لكل العلامات اللغوية هي ما يعرف حاليًّا ب «اعتباطية العلامة» Arbitrariness of sign، وهو مصطلح مأثور عن فرديناند دي سوسير (١٨٠٧ - ١٩١٣)، يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط «الدال» Signifier ب «المدلول» Signified علاقة اعتباطية. ولما كنت أعني بالعلامة اللغوية النتيجة الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز وبساطة: العلامة اللغوية علامة اعتباطية، ففكرة «الأخت» Sister لا ترتبط بأية علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات s-o-r التي تستعمل كدالٍّ بالنسبة لهذه الفكرة في اللغة الفرنسية، إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات، وأكبر دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال b-o-f على طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، و (Ochs) o-k-s على الطرف الآخر، (٢) لقد استُخدم لفظ «رمز» Symbol للدلالة على العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة للدلالة على ما نسميه «الدال». ولكن هناك بعض المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه؛ وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه: فللرمز خاصية أنه لا يُدرك دومًا اعتباطيًّا، فهو ليس فارغًا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال والمدلول، فرمز العدالة مثلًا، أي الميزان، لا يمكن أن يُستبدل به أي شيء آخر: دبابة مثلًا أو عربة! (٣) يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعًا بأن أمر اختيار الدال متروك تمامًا للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمُكنة أي أحد أن يغير شيئًا

стр. 62

في علامة لغوية استتبت في مجتمعٍ لغويٍّ ما)، إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ليس لها من سبب، أي أن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية. (١) والاستثناء الوحيد الممكن لهذه الطبيعة الاعتباطية للعلامة اللغوية هو ما عرف بالأونوماتوبيا Onomatopoeia أي التسمية بالمحاكاة الصوتية، حيث تقوم بعض الكلمات بمحاكاة الأصوات التي تسميها (مثل كلمة Boom بمعنى هدير أو أزيز، وكلمة Bow-wow بمعنى نباح). (٢) غير أن دي سوسير سرعان ما يهون من شأن الأونوماتوبيا ويضعها في حجمها: «قد تتخذ الكلمات الأونوماتوبية كدليلٍ على أن اختيار الدال ليس اعتباطيًّا دائمًا، غير أن الكلمات الأونوماتوبية ليست عناصر حيوية (عضوية) في بناء النظام اللغوي، ثم إن عددها أقل بكثير مما يُعتقد … كما أن أونوماتوبيتها إنما جاءت نتيجةً تصادفية للتطور الصوتي فيها. أما الكلمات التي هي أمثلة حقيقية للعلاقة بين الصوت والمعنى، مثل Tuik-Tick، Glug-Glug، فهي قليلة العدد، فضلًا عن أن اختيارها يكون عادةً بصورة اعتباطية؛ لأنها محاولات تقريبية تعتمد أيضًا على العُرف، في محاكاة بعض الأصوات (مثال ذلك Bow-Wow في الإنجليزية يقابله Ouaoua في الفرنسية (نباح الكلب))، ثم إن هذه الكلمات ما إن تدخل اللغة حتى تصبح إلى حدٍّ ما خاضعةً للتطور اللغوي - الصوتي والصرفي إلخ - الذي تخضع له الكلمات الأخرى (مثال ذلك كلمة Pigeon (حمام) مشتقة من اللاتينية العامية Pipio وهذه الكلمة بدورها مشتقة من الصوت الذي يوحي به صوت الطائر)، وهذا دليل واضح على أن هذه الكلمات تفقد شيئًا من صفتها الأولى لكي تكسب الصفة العامة للعلامة اللغوية وهي صفة الاعتباطية (انعدام الصلة الطبيعية). وأما ألفاظ التعجب، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكلمات الأونوماتوبية (التي توحي أصواتها بمعانيها)، ويصح عليها أيضًا النقد السابق، فهي ليست دليلًا على بطلان حجة الاعتباطية في العلامة اللغوية. وقد ينظر المرء إلى ألفاظ التعجب على أنها تعابير تلقائية للحقيقة تمليها على المتكلم القوى اللغوية الطبيعية، ولكننا نستطيع أن نبين عدم وجود علاقة ثابتة بين المدلول والدال في معظم ألفاظ التعجب، فما علينا إلا أن نقارن بين هذه

стр. 63

الألفاظ في لغتين حتى نرى اختلافها من لغة إلى أخرى (فلفظة Aie! الفرنسية يقابلها Ouch! في الإنجليزية)، (١) ثم إننا نعلم أن كثيرًا من ألفاظ التعجب كانت في وقت ما كلمات لها معانٍ محددة، لاحظ: الكلمة الفرنسية Diable (اللعنة)، Mordieu (الله) من Mort Dicu (في الإنجليزية Zounds Goodness)، إذن فالألفاظ التي توحي بمعناها وألفاظ التعجب ذات أهمية ثانوية، وأصلها الرمزي موضع خلاف.» (٢) وقع كثير من النحاة العرب في الغلو في خصائص اللغة، وذهب بهم إعجابهم باللغة العربية بعيدًا بحيث تصوروا فيها ما لا وجود له إلا في خيالهم، وأضفوا عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ولا تتصف به لغة من لغات البشر، (٣) من ذلك أنهم كانوا يؤمنون إيمانًا قويًّا بوجود «مناسبة» بين اللفظ والمعنى، أو رابطة عقلية منطقية بين الأصوات ومدلولاتها، ولا يتصورون أن الأمر يمكن أن يكون اعتباطيًّا مرده إلى التكرار والعادة، وأن يكون وهمًا ناتجًا عن التداعي وميل العقل إلى الربط والتعميم. يقول ابن جني في كتابه «التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري»: «وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا أبعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها بعض، ألا ترى أن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس، وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة … وهذا باب إنما يصحب وينجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له، ولاطفه ولم يجفُ عليه، ومنه قولهم: «بحثت» التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب، والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض، والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضًا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا تترك الحقيقة إلى المجاز إلا لضرب من المبالغة، ولولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز.» (٤)

стр. 64

وفي «الخصائص»: «فإن كثيرًا من هذه اللغة وجدته مضاهيًا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا قضم في اليابس، وخضم في الرطب؛ وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف. وكذلك قالوا: صر الجندب، فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا: صرصر البازي، فقطَّعوه؛ لما هناك من تقطيع صوته، وسموا الغراب غاق حكايةً لصوته، والبط بطًّا حكايةً لأصواتها، وقالوا «قَطَّ الشيء» إذ قطعه عرضًا، و «قَدَّه» إذا قطعه طولًا؛ وذلك لأن منقطع الطاء أقصر مدة من منقطع الدال. وقالوا «مدَّ الحبل» و «متَّ إليه بقرابة» فجعلوا الدال - لأنها مجهورة - لما فيه علاج، وجعلوا التاء - لأنها مهموسة - لما لا علاج فيه.» (١) ثم يقول في الفقرة التالية عليها: «نعم، وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبُعدها في الزمان عنا»، وهو شبيهٌ بقول أفلاطون في كراتيلوس: «إن العصور القديمة قد ألقت عليه حجابًا.» وقد ابتدع بعض النحاة، مثل ابن جني وابن فارس، فكرة «الاشتقاق الكبير» زاعمين أن تقلبات الفعل الثلاثي تشير جميعًا إلى معنًى معين كيفما اختلف ترتيب أصواتها. وفي الخصائص: «وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلًا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنًى واحدًا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن تباعد شيءٌ من ذلك (عنه) رُد بلطف الصنعة والتأويل إليه.» (٢) وهكذا رد ابن جني أصل «الكلام» (مادة «كَلَمَ» وتقاليبها) إلى معنى القوة والشدة، وأصل «القول» (مادة «قَوَلَ» وتقاليبها) إلى معنى الإسراع والخفة والحركة، ومادة «جَبَرَ» إلى القوة والشدة، ومادة «قسو» إلى القوة والاجتماع، ومادة «سَلَمَ» إلى الإصحاب والملاينة، وهو لا يدَّعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، «بل لو صح من هذ النحو وهذه الصنعة المادة الواحدة تتقلب على ضروب التقلب كان ذلك غريبًا معجبًا، فكيف به وهو يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ويجاريه إلى المدى الأبعد؟» (٣) وفي «باب في تصاقب (٤) الألفاظ لتصاقب المعاني» يعرض ابن جني لأمثلة على تقارب الألفاظ لتقارب معانيها: من ذلك: تَؤُزُّهم أزًّا، أي تزعجهم وتقلقهم، فهذا في

стр. 65

معنى تهزهم هزًّا، والهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا بال له، كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك. ومنه العسف والأسف، والعين أخت الهمزة، كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف، فقد ترى تقارب اللفظين لتقارب المعنيين، ومثله تركيب «ع ل م» في العلامة والعلم، ومنه تركيب «ج ب ل» و «ج ب ن» و «ج ب ر» لتقاربها في موضع واحد، وهو الالتئام والتماسك، منه الجبل لشدته وقوته، وجبن إذا استمسك وتوقف وتجمع، ومنه جبرت العظم ونحوه أي قويته، ومنه الغدر والختل، والمعنيان متقاربان، واللفظان متراسلان، فذاك من «غ د ر» وهذا من «خ ت ل» فالغين أخت الخاء، والدال أت التاء، والراء أخت اللام (١) وفي «باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني» يقول ابن جني: «اعلم أن هذا موضعٌ شريف لطيف، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته. قال الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدًّا فقالوا: صر، وتوهموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صرصر. وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة؛ نحو النقَزان، والغليان، والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال، ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة … وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعَّفة تأتي للتكرير، نحو الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والجرجرة، والقرقرة … ومن ذلك أنهم جعلوا «استفعل» في أكثر الأمر للطلب، نحو استسقى، واستطعم، واستوهب، واستمنح، واستقدم عمرًا، واستصرخ جعفرًا … ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين في المثال دليلًا على تكرير الفعل، فقالوا: كَسَّر، وقطَّع، وفتَّح، وغلَّق … فلما كانت الأفعال دليلة المعاني كرروا أقواها، وجعلوه دليلًا على قوة المعنى المحدَّث به، وهو تكرير الفعل، كما جعلوا تقطيعه في نحو صرصر وحقحق دليلًا على تقطيعه … فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فبابٌ عظيم واسع … من ذلك قولهم خضم وقضم، فالخصم لأكل الرطب، كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس، قضمت الدابة شعيرها، ونحو ذلك، وفي الخبر «قد يدرك الخَضَمُ بالقَضم» أي قد يدرك الرخاء بالشدة واللين

стр. 66

بالشظف؛ وعليه قول أبي الدرداء: «يخضمون ونقضم لليابس، حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحدث. ومن ذلك قولهم: النضح للماء ونحوه، والنضخ أقوى من النضح، قال الله سبحانه: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ فجعلوا الحاء (لرقتها) للماء الضعيف، والخاء (لغلظها) لما هو أقوى منه … ومن ذلك أيضًا سد وصد، فالسد دون الصد؛ لأن السد للباب يسد، والمنظرة ونحوها، والصد جانب الجبل والوادي والشِّعب، وهذا أقوى من السد، الذي قد يكون لثقب الكوز ورأس القارورة ونحو ذلك (فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى، والسين لضعفها للأضعف)، ومن ذلك القسم والقصم، فالقصم أقوى فعلًا من القسم؛ لأن القصم يكون معه الدق، وقد يقسم بين الشيئين فلا ينكأ أحدهما؛ فلذلك خصت بالأقوى الصاد، وبالأضعف السين … وقولهم: بحث (عرضنا لها آنفًا)، ومن ذلك قولهم: شد الحبل ونحوه، فالشين بما فيها من التفشي تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل قبل استحكام العَقْد، ثم يليه إحكام الشد والجذب، وتأريب العَقد، فيعبر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين، لا سيما وهي مدغمة؛ فهي أقوى لصنعتها وأدل على المعنى الذي أريد لها … ومن ذلك أيضًا جر الشيء يجره، قدموا الجيم لأنها حرفٌ شديد، وأول الجر بمشقة على الجار والمجرور جميعًا، ثم عقبوا ذلك بالراء، وهو حرف مكرر، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك لأن الشيء إذا جر على الأرض في غالب الأمر اهتز عليها، واضطرب صاعدًا عنها، ونازلًا إليها، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق، فكانت الراء - لما فيها من التكرير، ولأنها أيضًا قد كررت في نفسها في «جر» و «جررت» - أوفق لهذا المعنى من جميع الحروف غيرها. هذا محجة هذا ومذهبه … ومن طريف ما مر بي في هذه اللغة التي لا يكاد يُعلَم بُعدُها، ولا يُحاط بقاصيها، ازدحام الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون، إذا مازجتهن الفاء على التقديم والتأخير، فأكثر أحوالها ومجموع معانيها أنها للوهن والضعف ونحوهما، من ذلك «الدالف» للشيخ الضعيف، والشيء التالف … و «الدَّنف» المريض … و «التُّرفة» لأنها إلى اللين والضعف … «والطرف» لأن طرف الشيء أضعف من قلبه وأوسطه، و «الفرد» لأن المنفرد إلى الضعف والهلاك ما هو … و «الفتور» للضعف، و «الطفل» للصبي لضعفه … » (١)

стр. 67

ومع تقديرنا العميق لعبقرية ابن جني ونظره اللغوي الثاقب، فليس يخفى ما في بعض أمثلته من التكلف والتعسف، وتمحُّل العلاقة حيث لا علاقة. يقول د. إبراهيم أنيس: «ألست ترى فيما تقدَّم قدرًا كبيرًا من التكلف والتعسف؟ خذ مثلًا المادة «سمح» التي لم نعمد إليها عمدًا، أو قصدنا إليها قصدًا، وإنما كانت أول ما صادفنا حين فتحنا الجزء الأول من قاموس المحيط، أليس منها السماحة التي هي لين ودعةٌ وإشراق؟ ولكن منها أيضًا «المسح» وهو إزالةٌ ومحو، ومنها «حمس» بمعنى اشتد وصلب في القتال، ومنها «السحم» الذي هو السواد ولا إشراق في السواد، ثم منها «حسم» بمعنى قطع، والحسوم الشؤم، الليالي الحسوم التي تحسم الخير عن أهلها! فإذا كان ابن جني قد استطاع، في مشقة وعَنَت، أن يسوق لنا للبرهنة على ما يزعم بضع مواد من كل مواد اللغة التي يقال إنها في معجم صحاح اللغة تصل إلى أربعين ألفًا، وفي معجم لسان العرب تكاد تصل إلى ثمانين ألفًا، فليس يكفي مثل هذا القدر الضئيل المتكلَّف لإثبات ما يسمى بالاشتقاق الكبير.» (١) «هكذا نرى أن ابن جني كان ممن يؤمنون إيمانًا قويًّا بوجود الرابطة العقلية المنطقية بين الأصوات والمدلولات أو ما يسميه بعض المحْدَثين بالرمزية الصوتية، بل لقد غالى ابن جني ومعه الثعالبي صاحب فقه اللغة، إذ جعلا مجرد الاشتراك في أصلين فقط من الأصول الثلاثة دليلًا على الاشتراك في معنًى عام لبعض الكلمات، فيقرر أن المعنى العام للتفرقة يكون بصوتي «الفاء والراء» والمعنى العام للقطاع يكون «بالقاف والطاء»، إلى غير ذلك من تخيلاتٍ وتأملاتٍ تشبه أحلام اليقظة عند رجل اشتد ولعه وإعجابه باللغة العربية؛ فتصور فيها ما ليس فيها، وأضفى عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ولا تتصف به لغةٌ من لغات البشر.» (٢) ويرفض البحث اللغوي الحديث هذا كله وإلا فإنه يجب على هذا أن نتصور نوعًا من الارتباط بين حروف الفعل «أدرك» وحروف الفعل «فهم» لأن لكل منهما نفس الدلالة؛ وعليه من جهة أخرى أن ننكر من اللغة تلك المئات من الكلمات التي اشتركت لفظًا واختلفت معانيها اختلافًا بيِّنًا (من قبيل: ضرب، فصل، عين … ). وفي كتابه «دلالة الألفاظ» يقول د. إبراهيم أنيس: «الأمر الذي لم يبدُ واضحًا في علاج كل هؤلاء الباحثين هو وجوب التفرقة بين الصلة الذاتية والصلة المكتسبة، ففي

стр. 68

كثير من ألفاظ كل لغة نلحظ تلك الصلة بينها وبين دلالتها، ولكن هذه الصلة لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها، وإنما اكتسبتها اكتسابًا بمرور الأيام وكثرة التداول والاستعمال، وهي في بعض الألفاظ أوضح منها في البعض الآخر، ومرجع هذا إلى الظروف الخاصة التي تحيط بكل كلمة في تاريخها، وإلى الحالات النفسية المتباينة التي تعرض للمتكلمين والسامعين في أثناء استعمال الكلمات. فإذا تصادف أن عُني أحد المتكلمين بأصوات لفظٍ من الألفاظ، واسترعى انتباهه أكثر من غيره، لا يلبث أن يعقد الصلة الوثيقة بينه وبين دلالته، ويتصور نوعًا من المناسبة بين تلك الأصوات وما تدل عليه، ويحاول نقل شعوره إلى غيره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فإذا تصادف أيضًا أن أحس فريق من الناس نفس الإحساس، بدأت عملية ذهنية أخرى هي الربط بين هذه الأصوات وأشباهها من الكلمات الأخرى؛ لأن الذهن الإنساني يميل إلى التجميع والتعميم، وتلتقي تلك العملية بعمليةٍ نفسية أخرى هي التي تسمى بتداعي المعاني، أي أن المعنى حين يخطر في الذهن يدعو ما يشبهه أو يقاربه، وهنا قد يخطر في الذهن فكرة الربط بين مجموعة من الألفاظ المتشابهة المتقاربة، بمجموعة من المعاني المتشابهة أو المتقاربة، ويترتب على هذا أن يشيع بين أبناء اللغة نوعٌ من الوهم يشعرون معه بوثوق الصلة بين الألفاظ والمدلولات.» (١) وقد عرض الأستاذ العقاد لمسألة المحاكاة الصوتية في كتابه «أشتاتٌ مجتماتٌ في اللغة والأدب»، تعقيبًا على رأي للأستاذ رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) في اختصاص بعض الحروف بمعانٍ معينة؛ فالفاء للإبانة والوضوح، والضاد للشؤم، والحاء للمعاني الشريفة القوية. يقول العقاد: «كان الأستاذ برادة يبحث عن أثر الحروف في السمع وعلاقة ذلك بالفصاحة والإقناع، ويعتقد أن الحاء أظهر الحروف أثرًا في الإيحاء بمعاني السعة، حسية كانت أو فكرية، ويعمم الحكم فيسوِّي بين موقع الحاء في أول الكلمة وموقعها في وسطها أو آخرها، ويتمثل بكلمات الحرية والحياة والحكم والحكمة والحلاوة … ولقد كان زميله الهلباوي على عادته في الفكاهة والدعابة يسخر من فلسفته «الحائية» كما يسميها، ويقول إن اسم «الحمار» مبدوء بالحاء، وإن أَشيَع اللفظات على ألسنة النادبات يتردد فيها حرف «الحاء» … إلا أننا كنا نخالف الأستاذ برادة في تعميم الحكم على الحرف بغير تفرقة بين مواقعه في الكلمات ومواقعه في السماع، وقد ضربنا

стр. 69

له المثل بكلمات لا تغيب عن المحامين على التخصيص وهي كلمات «الحبس والحجر والحرج والحد والحساب والحرس» وغيرها من الكلمات التي تناقض معاني السعة بالحس والتفكير.» (١) على أن الأستاذ العقاد ينتهي من هذه المناقشة بقبول مبدأ المحاكاة الصوتية في اللغة العربية بشروط، وبأن العبرة بموقع الحرف من الكلمة لا بمجرد دخوله في تركيبها، وبأن الاستثناء في الدلالة قد يأتي من اختلاف الاعتبار والتقدير، ولا يلزم أن يكون شذوذًا في طبيعة الدلالة الحرفية. وما كان العقاد ليفوِّت فرصةً يبين فيها تميز العربية عن غيرها من اللغات دون أن يفيد منها أقصى فائدة ممكنة. الحق أن ابن جني لا يدَّعي أن مقارباته المذكورة تشمل اللغة جميعًا (واعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة)، (٢) غير أن هذا يعد تقويضًا لفكرة المناسبة بين اللفظ والمعنى، وفكرة العلاقة الطبيعية أو الضرورية بين الدال والمدلول. وإذا كان دأب ابن جني التحرج من التعميم ومن الاندفاع إلى وجهة واحدة من الرأي، فإن من تبعه في تأملاته، ومنهم بعض المحدثين من أهل اللغة، لم يأتموا به في تأنيه وتروِّيه وحصافته العلمية، وأخذَهم التعميمُ المتسرع، وفتَنتهم الأمثلة المؤيدة، فقالوا بمناسبة اللفظ لمعناه ولم يتحرَّزوا من الأمثلة المضادة وهي الأعم والأغلب بما لا يقاس. (٤) التعميم المتسرع يقول جودور أولبورت: «ما نكاد نتلقى «حَبَّةً» من الوقائع، حتى نشيد منها «قبة» من التعميمات.» ويقول شكسبير في مسرحية «عطيل»: «ولا تشيد صرحًا من الأوهام المزعجة على أساسٍ غير متين من ملاحظاته الناقصة.» لعل «التعميم المتسرع» Hasty Generalization من أكثر الأغلاط المنطقية شيوعًا؛ فهو يتبطن الكثير من التحيزات العنصرية والنعرات القومية والتعصب الطائفي والأيديولوجي، كذلك يتبطن التعميم المتسرع كثيرًا من الأوصاف النمطية عن الشعوب المختلفة، وعن أهل الأقاليم المحلية، وربما يتبطن كثيرًا من اعتقاداتنا حول أصناف

стр. 70

المنتجات وماركات الأجهزة التي تقوم في الغالب على بضعة أمثلةٍ من واقع خبرتنا الحياتية القصيرة المحدودة. حين يسمح المرء لعقله أن يشيد تعميماتٍ عريضةً على أساس معلومات شحيحة أو أدلة هزيلة أو أمثلة قليلة أو عيِّنة «غير ممثِّلة»، فلن يُعييه أن يقيض أدلةً لكل شيء ويجد بينةً لأي دعوى مهما بلغت من السخف والبطلان، ولن يعجزه أن يؤيد أي شيء يميل إلى الاعتقاد به ما دام يعنيه الاعتقاد ولا تعنيه الحقيقة. ومن الحق أيضًا أننا مضطرون إلى التعميم في حياتنا العملية، ولا يسعنا إلا التعميم إذا شئنا أن نفكر في أي شيء أو نتخذ أي قرار، ويبقى أن نتبع الأسلوب العلمي في استخلاص التعميمات، وأن نتجنب التعميم المتسرع جهد استطاعتنا، وأن نملك تعميماتنا ولا تملكنا، أي أن نجعل منها مجرد فروض عمل قابلة للمراجعة والتنقيح لا اعتقادًا دوجماطيقيًّا صلبًا يأخذ علينا سبل التأمل ويسد علينا منافذ التفكير. (١) (٥) انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد) يبدو أن لدينا ميلًا صميمًا إلى أن «نؤيد» Confirm فرضياتنا بدلًا من أن «نفنِّدنا» Disconfirm، يفكر الواحد منا هكذا: إذا عثرت على مثالٍ موجِب أو أمثلةٍ موجبة أكون قد أيدت فرضيتي، غير أن العثور على مثالٍ يؤيد القاعدة لا يثبت أن القاعدة صادقة، بينما العثور على مثالٍ واحد يكذب القاعدة هو أمر يكفي لأن يثبت كذبها على نحو نهائي حاسم ويقضي عليها قضاءً مبرمًا، التكذيب إذن، وليس التأييد، هو معيار العلم. (٢) وفي مجال الاستدلال الإحصائي يعد «انحياز التأييد» Confirmation Bias (أو انحياز التحقيق Verification Bias) ضربًا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة. ومن أجل معادلة هذا الميل البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي بطريقةٍ تلزمنا بأن نحاول «تفنيد» أو «تكذيب» Falsification فرضياتنا.

стр. 71

يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية «المخلِّدة لذاتها» أو «المحقِّقة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا الانحياز هو أن الذهن البشري بحكم تكوينه يجد صعوبةً في «معالجة» Processing الإشارات السالبة أكثر مما يجده في معالجة الإشارات الموجبة. (١) (٦) الجرجاني يومئ إلى مبدأ اعتباطية العلامة لا نعدم من علماء العربية القدامى من نظر إلى اللغة نظرةً أعمق، واستكْنه جوهر الظاهرة اللغوية، وتفطَّن إلى اعتباطية العلامة اللغوية بحد ذاتها؛ فهذا عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز» يقول في مفتَتح الفصل الثالث: «ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل الفرق بين قولنا حروف منظومة وكلم منظومة؛ وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط وليس نظمها بمقتضًى عن معنًى (أي ليس واجبًا لمعنًى اقتضاه) ولا الناظم لها بمقتفٍ في ذلك رسمًا من العقل اقتضى أن يتحرَّى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب» لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد. وأما نظم الكلم فليس الأمر فيه كذلك؛ لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق … »، ويقول بمعرض بيان الإعجاز في نظم الكلم لا في الكلم ذاته: «فقد اتضح إذن اتضاحًا لا يدع للشك مجالًا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة، وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلُّق له بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضعٍ آخر … » (٢) كان الجرجاني حقًّا ثاقب الفهم لطبيعة الظاهرة اللغوية، ومستبقًا لكثير من أفكار دي سوسير وفتجنشتين وسواهما. يقول الجرجاني في الفصل قبل الأخير من «الدلائل»: «اعلم أن ها هنا أصلًا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من

стр. 72

جانب آخر، وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يُضَمَّ بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم (علم التراكيب Syntactics) والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها، لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقلٌ في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لنعرفها بها حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: رجل وفرس ودار، لما كان يكون لنا علم بمعانيها، وحتى لو لم يكونوا قالوا: فعل ويفعل، لما كنا نعرف الخبر في نفسه وفي أصله، ولو لم يكونوا قالوا: افعل، لما كنا نعرف الأمر من أصله ولا نجده في نفوسنا، وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها؛ فلا نعقل نفيًا ولا نهيًا ولا استفهامًا ولا استثناء. وكيف والمواضعة لا تكون ولا تُتصوَّر إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنك إذا قلت: خذ ذاك، لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها تبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له، ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل، والفرس، والضرب، والقتل إلا من أساميها؟ لو كان لذلك مساغٌ في العقل لكان ينبغي إذا قيل: زيد، أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة.» (١) النظم إذن هو مقصد المفردات، ومناط المعنى، وجوهر الفصاحة. (٧) الضرورة السيكولوجية في علاقة الدال/ المدلول في كتابه «مسائل في اللسانيات» يؤكد بنفنيست وجود علاقة ضرورية بين الدال والمدلول، ولكن بمعنًى سيكولوجي معين، يقول بنفنيست، مقتفيًا مصطلحات دي سوسير ومحتذيًا حذو حجته: «إن العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطية بل هي على العكس علاقة ضرورية، فالفكرة أو المفهوم (المدلول) «ثور» مماثل في وعيي بالضرورة للمجموع الصوتي (الدال) ث و ر، وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك؟ فكلاهما نقشا في ذهني، وكل منهما يستحضر الآخر في كل الظروف، ثمة بينهما اتحاد وثيق إلى درجة أن الفكرة «ثور» هي بمثابة روح الصورة الصوتية ث و ر. إن الذهن لا يحتوي على أشكالٍ خاوية،

стр. 73

أي لا يحتوي على أفكارٍ غير مسماة، إن الذهن لا يتقبل من الأشكال الصوتية إلا ذلك الشكل الذي يكون حاملًا لتَمَثُّلٍ يمكنه التعرف عليه، وإلا رفضه بوصفه مجهولًا وغريبًا، فالدال والمدلول، التمثل الذهني والصورة الصوتية، هما في الواقع وجهان لأمرٍ واحد ويتشكلان معًا كالمحتوي والمحتوى، فالدال هو الترجمة الصوتية للفكرة، والمدلول هو المقابل الذهني للدال، إن هذه الوحدة الجوهرية للدال والمدلول هي التي تضمن الوحدة البنيوية للعلامة اللسانية.» (١) وصفوة القول أن العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقةٌ ضرورية: ضرورية لا في ذاتها، بل في ذاتنا نحن! (٨) سطوة اللغة لو غيرنا أسماء الأشياء جميعًا ونمنا، لصحونا على عالمٍ جديد! اللغة تشيِّد العقل وتصوغ الفكر، اللغة هي وسيلتنا لإدراك العالم والتعامل معه، لم تعد اللغة مجرد نافذة شفافة تطل على الواقع الكائن هناك بمعزل عنها وعن الطريقة التي تسمى بها الأشياء، يقول شكسبير: «إن ما نسميه (الوردة) سيظل ينشر عبيره ولو تسمى باسمٍ آخر»، وهو قولٌ حق، وأحق منه إن ما نسميه الوردة سوف تختلف رائحته بعض الشيء لو تسمى باسمٍ آخر؛ لأن العناصر الصوتية للاسم الجديد بجميع مصاحباتها وتداعياتها الممكنة سوف تنفذ إلى جماع الوعي وتعيد تشكيل الوقع الحسي المباشر للوردة. إن معرفتنا بالأشياء وتناولنا للأشياء يتأثران حتمًا بتسميتنا للأشياء، فالأسماء، الدلالة الإشارية، التغطية الرمزية، هي أداتنا لإدراك الواقع، ومهما بلغ بنا وهم الحرية فإن اللغة التي نستخدمها هي التي ترسم الحدود النهائية للعالم كما نعرفه، وإن الشطر الأكبر من هذه اللغة هو شيء مفروض علينا في حقيقة الأمر، شيء يأتينا «جاهزًا» من ثقافتنا المحلية التي نعيش فيها وتعيش فينا. «وأمر اللغة ليس مقصورًا على ما بينها وبين الأشياء والكائنات من مغايرة بل هي تتجاوز ذلك إلى التأثير في تصورات الإنسان لها، فالكلمات لا تنزل من الحقيقة منزلة

стр. 74

الصور التي تشير إليها وتحاكيها، بل تنزل منزلة القوى التي تخلق عالمها وتقرره، بحيث يظهر الروح لذاته في هذا الديالكتيك الذي لا توجد بمقتضاه إلا «حقيقة واحدة» هي ظهور الموجود المتسق ذي السمات.» (١) «وكما قال همبولت بصدد مشكلة اللغة: يعيش الإنسان مع أشيائه كما تقدمها له اللغة غالبًا (بل لك أن تقول حصرًا، في حقيقة الأمر، ما دام شعوره وفعله يتوقفان على إدراكاته)، وبنفس العملية التي يغزل بها اللغة من قلب وجوده الخاص فإنه يوقع نفسه في شركها، فكل لغة ترسم دائرة سحرية حول الشعب الذي تنتمي إليه، دائرة لا مفر منها إلا إذا تخطاها إلى دائرة أخرى.» (٢)

стр. 75

الفصل الخامس اللغة والمنطق هي العرب تقول ما تشاء. من الطبيعي أن يكون بين اللغة والمنطق تداخلٌ معين ومناطق اهتمامٍ مشترك، فاللغة تعبير عن الفكر، وعليها من ثم أن تراعي مقولاته وتراكيبه، والمنطق بحثٌ في الفكر، وعليه من ثم أن يبحث في أمر التعبير عن هذا الفكر، أي في أمر اللغة، وليس من قبيل المصادفة أن لفظة «منطق» نفسها مشتقة من النطق أو الكلام، بل إن معناها الأصلي بالعربية هو «اللغة» أو «الكلام» ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. يقول التوحيدي في «المُقابسات» على لسان أبي سليمان السجستاني: «النحو منطق عربي، والمنطق نحوٌ عقلي، وجُلُّ نظر المنطقي في المعاني، وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحُلل والمعارض، وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر … وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط، فكذلك التقصير في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط … النحو نظرٌ في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتعتاده، أو تفرقه وتعلل منه، أو تفرقه وتخليه، أو تأباه وتذهب عنه وتستغني بغيره … والمنطق آلةٌ بها يقع الفصل والتمييز بين ما يقال: هو حق أو باطل، فيما يُعتقد؛ وبين ما يقال: هو خير أو شر، فيما يُفعل؛ وبين ما يقال: هو صدق أو كذب، فيما يطلق باللسان؛ وبين ما يقال: هو حسن أو قبيح بالفعل … قلت: فهل يعين أحدهما الآخر؟ قال: نعم، وأي معونة، إذا اجتمع المنطق العقلي والمنطق الحسي فهو الغاية والكمال … وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيبًا يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيبًا يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة، والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو مأخوذة من العُرف، ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق
следующие страницы →