قال ابن القيم ﵀:"وأقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه
من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي"١.
قلت: ولم يتبين لي وجه هذه الأقدمية، ولم أقف على تاريخ وفاة عمير ﵁، وإنما عد ممن أسلم قبل الفتح، وفي الذين نقل عنهم من الصحابة ذلك عبد الله بن رواحه وكان قد استشهد في غزوة مؤتة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
стр. 108
٩- وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: إن الرجل ليتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة"١.
قلت: ولعل التشبيه بثوب المرأة هو لكونه ضافياً وافياً، وقد تقدم معنا الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ حيث قال:"بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص.." الحديث، ثم فسر القمص بالدين.
١٠- وعن عمار بن ياسر ﵁ قال:"ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم"٢.
стр. 109
١١- وعن علقمة بن قيس النخعي١ ﵀ أنه كان يقول لأصحابه:"امشوا بنا نزدد إيماناً"٢.
١٢- وكتب عمر بن عبد العزيز٣ إلى عدي بن عدي٤ أحد عماله على الجزيرة:"أما بعد: فإن للإيمان حدوداً وشرائع وفرائض، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان"٥.
стр. 110
علقه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، وقال ابن حجر مبيناً سبب ذكر البخاري له:"والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص، حيث قال: استكمل ولم يستكمل"١.
١٣- وعن مجاهد بن جبر٢ قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص٣.
стр. 111
١٤- وقال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي١: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع"٢.
وسئل ﵀ عن الإيمان أيزيد؟ قال: نعم حتى يكون كالجبال. قيل: فينقض؟ قال: نعم حتى لا يبقى منه شيء"٣.
١٥- وقال سفيان الثوري٤:"الإيمان يزيد وينقص"٥.
стр. 112
١٦- وكتب حماد بن زيد١ إلى جرير بن عبد الحميد:"بلغني أنك تقول في الإيمان بالزيادة، وأهل الكوفة يقولون بغير ذلك، أثبت على ذلك ثبتك الله"٢.
١٧- وثبت عن الإمام مالك ﵀ القول بزيادة الإيمان ونقصانه من طرق متعددة يأتي ذكرها في مبحث مستقل.
١٨- وقال عبد الله بن المبارك ٣:"الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل"٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وبعضهم أي: السلف عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل. فقال أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت، ويروى هذا عن ابن المبارك، وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته"٥.
стр. 113
قلت: ولا ريب كذلك في ثبوت لفظ الزيادة والنقصان عند السلف؛ فالزيادة مصرح بها في القرآن والنقصان مصرح به في السنة، كما تقدم بيانه، ولعل سبب عدول ابن البارك ﵀ عن لفظ الزيادة والنقصان هو استحسانه لكلمة"التفاضل"، لا لسبب آخر، كما إنه روي ذلك عن بعض السلف، فقد ساق الخلال بسنده إلى محمد بن أبان١ قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي٢: الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. قلت: يزيد وينقص؟ قال يتفاضل كلمة أحسن من كلمة٣. فهذا هو وجه عدول ابن مهدي عن كلمة الزيادة والنقصان كما هو منصوصه على ذلك، فلعل ذلك أيضاً هو سبب عدول ابن المبارك عن هذه الكلمة، والله أعلم.
وقد كان من السلف من ينكر على من عدل عن لفظة الزيادة والنقصان لثبوتها، كما قد روى ذلك عبد الرحمن بن مهدي نفسه ﵀ قال:"أنا أقول الإيمان يتفاضل، وكان الأوزاعي يقول: ليس هذا زمان تعلم، هذا زمان تمسك"٤.
ثم وقفت على أثر عن الإمام أحمد- ﵀ قد يفهم منه سبب
стр. 114
اختيار ابن المبارك للفظة"يتفاضل"فقد قال ابن هاني في مسائله:"سمعت أبا عبد الله سأل ابن أبي رزمة ما كان أبوك يقول عن عبد الله بن المبارك في الإيمان؟ قال: كان يقول: الإيمان يتفاضل.
قال أبو عبد الله:"يا عجباه، إن قال لكم بزيد وينقص رجمتموه، وإن قال يتفاضل تركتموه، وهل شيء يتفاضل إلا وفيه الزيادة والنقصان"١.
وعلى كل فابن المبارك عدل عن ذلك، وصار يصرح بزيادة الإيمان لكونها منصوصاً عليها في القرآن، قال ﵀:"م أجد بداً من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله".
ذكر ذلك لما قال له المستملي: يا أبا عبد الرحمن: إن ها هنا قوماً يقولون: الإيمان لا يزيد، فسكت عبد الله، حتى سأله ثلاثاً. فأجابه، فقال: لا تعجبني هذه الكلمة منكم أن ها هنا قوماً، ينبغي أن يكون أمركم جمعاً، ثم ساق ابن المبارك بسنده قول عمر بن الخطاب:"لو وزن إيمان أبي بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم"ثم قال: بلى إن الإيمان يزيد، بلى إن الإيمان يزيد ثلاثاً، وقال:"لم أجد بداً من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله"٢.
وقال له شيبان بن فروخ: ما تقول فيمن يزنى ويشرب الخمر ونحو هذا أمؤمن هو؟ قال ابن المبارك: لا أخرجه من الإيمان. فقال شيبان: على كبر السن صرت مرجئاً؟ فقال له ابن البارك: يا أبا عبد الله إن المرجئة لا تقبلني أنا أقول الإيمان يزيد والمرجئة لا تقول ذلك، والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة وأنا لا أعلم تقبلت مني حسنة٣.
стр. 115
بل قد وجد في كلامه ﵀ التصريح بنقصان الإيمان. كما روى ذلك النجاد عن علي بن الحسن بن شقيق قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول:"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"١.
وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد بن أعين قال: قال ابن المبارك وذكر له الإيمان فقال: قوم يقولون إيماناً مثل جبريل وميكائيل. أما فيه زيادة أما فيه نقصان، هو مثله سواء، وجبريل ربما صار مثل الوضع من خوف الله تعالى. وذكر أشباه ذلك٢.
قلت: أي ذكر أشباه ذلك من أساليب الإنكار على المرجئة القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وأن أهله فيه سواء، وبهذا يعلم أن ابن المبارك ﵀ كان يقول بزيادة الإيمان ونقصانه كغيره من أئمة أهل السنة والجماعة، رحم الله الجميع.
١٩- وقال خالد بن الحارث٣:"الإيمان قول وعمل، يزيد وبنقص"٤.
٢٠- وقال جرير بن عبد الحميد٥:"الإيمان قول وعمل، يزيد
стр. 116
وبنقص١.
٢١- وقال وكيع بن الجراح٢:"الإيمان يزبد وينقص"٣.
٢٢- وحسن يحيى بن سعيد القطان٤: الزيادة والنقصان ورآه٥.
قاله الإمام أحمد.
وتقدم في صدر هذا المبحث قول يحيى:"ما أدركت أحداً من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان ويقولون: الإيمان يزيد وينقص".
стр. 117
٢٣- وقال ابن عيينة١"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم ابن عيينة٢ يا أبا محمد لا تقولن يزيد وينقص فغضب وقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء"٣.
وقيل له: هل الإيمان يزيد وينقص؟ قال: فأي شيء إذن؟ ٤.
وسئل أيضاً عن الإيمان فقال:"قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى ما يبقى منه شيء مثل هذه وأشار بيده"٥.
٢٤- وقال النضر بن شميل٦:"الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل"٧.
стр. 118
٢٥- وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"١.
وروي أن اثنين تناظرا عند الشافعي في هذه المسألة فذهب أحدهما إلى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، فحمي الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص٢.
٢٦- وقال عبد الرزاق الصنعاني٣:"سمعت معمراً وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"٤.
стр. 119
وفي رواية أن عبد الرزاق قال:"وأنا أقول ذلك، الإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص، فإن خالفتهم فقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين"١.
٢٧- وقال عبد الله بن الزبير الحميدي٢: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة"٣.
٢٨- وقال إسحاق بن راهويه٤:"الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء"٥.
стр. 120
٢٩- وأما أقوال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في زيادة الإيمان ونقصانه فكثيرة جداً.
قال ﵀:"الإيمان بعضه أفضل من بعض، يزيد وينقص، وزيادته في العمل، ونقصانه في ترك العمل، لأن القول هو مقر به"١.
وقال:"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا عملت الخير زاد، وإذا ضيعت نقص"٢.
وسئل ﵀ عن زيادة الإيمان ونقصانه فقال:"يزيد حتى يبلغ أعلى السموات السبع وينقص حتى يصير إلى أسفل السافلين السبع"٣ وأقواله غير ما ذكرت كثيرة يطول ذكرها٤.
٣٠- وقال أبو زرعة الرازي٥:"الإيمان عندنا قول وعمل، يزيد
стр. 121
وينقص، ومن قال غير ذلك فهو مبتدع مرجىء"١.
٣١- وقال أبو حاتم الرازي٢:"مذهبنا واختيارنا وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل.. يزيد وينقص"٣.
هذه بعض أقوال السلف الصالح أهل السنة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه، والأمر كما قال شيخ الإسلام:"والآثار في هذا كثيرة، رواها المصنفون في هذا الباب عن الصحابة والتابعين في كتب كثيرة معروفة"٤.
وقد قال بهذا القول غير من تقدم خلق كثير من أهل السنة يطول ذكرهم، يمكن مطالعة أقوالهم في الكتب التي تعني بنقل أقوال السلف والآثار الواردة عنهم في ذلك أمثال: الإيمان لأبي عبيد، والإيمان لابن أبي شيبة، والمصنف له، والمصنف لعبد الرزاق، والسنة لعبد الله، والسنة للخلال، والشريعة للآجري، وتهذيب الآثار للطبري، والتفسير له، والإيمان لابن مندة، والإبانة لابن بطة، وأصول السنة لابن أبي زمنين، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والتمهيد لابن عبد البر، وشعب الإيمان للبيهقي، والاعتقاد له، وغيرها وهؤلاء العلماء المشار إلى مصنفاتهم آنفاً كلهم قالوا بهذا القول، ولهذا ذكروه في
стр. 122
مصنفاتهم، واحتجوا له بنصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة.
وقال بهذا القول بعدهم خلق كثير، ممن نهج منهج السلف الصالح، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم كثير مما يصعب حصره، ويطول ذكره، ولو تقصيت أقوالهم في ذلك، ودونتها، لطال المقام، وأفضى إلى الإملال.
والمقصود بيان أن قول أهل السنة والجماعة بلا ريب، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، لا قول لهم غيره، بل هم مجمعون عليه ومن نسب إليهم خلاف ذلك فقد جهل مذهبهم ونسب إليهم ما لم يقولوه.
ثم إني بعد ذلك لأعجب أشد العجب ممن يعد هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل السنة ثم يقول: وجمهور أهل السنة على أنه يزيد وينقص، وذلك لأنه رأى البعض شذ في هذا، وأتى بقول ليس عليه دليل لا من كتاب ولا سنة ولا عقل، بل الكتاب والسنة والعقل على خلافه.
فهل كل من شذ في مثل هذا عد شذوذه معتبراً، وعد الأمر المجمع عليه خلافياً؟!
وهل كل من خالف النور الأبلج والحق المبين، عد ما خالف فيه من الأمور المتنازع فيها؟!
стр. 123
الفصل الثاني
أوجه زيادة الإيمان ونقصانه
أوضحت في الفصل الذي سبق، قول أهل السنة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه، وبسطت أدلتهم عليه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم اتبعت الأدلة بنقل جملة من أقوالهم الصالحة في ذلك.
أما هذا الفصل فهو لبيان الأوجه التي يكون فيها زيادة الإيمان ونقصانه، إذ إن الإيمان الذي أمر الله به عباده، والذي يكون من عباده المؤمنين يزيد وينقص من أوجه متعددة، فهو يزيد وينقص من جهة معرفة القلب وتصديقه وأعماله، ومن جهة أقوال اللسان وأعماله، ومن جهة الأعمال الظاهرة، ومن أوجه أخرى غيرها، وفي هذه الأوجه أبلغ رد على من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه إجمالاً، أو أنكر ذلك في بعض جوانبه، كتصديق القلب أو معرفته أو غير ذلك.
وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الإيمان هذه الأوجه بسطاً وافياً وأحسن في بيانها وذكر أدلتها١ فسأذكر في هذا الفصل الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام مع شيء من التصرف في العبارة، وزيادة بيان في بعض المواضع، وزيادة في بعض الأدلة، وذلك
стр. 124
حسب ما يقتضيه المقام وتدعو إليه الحاجة وفيما يلي ذكر هذه الأوجه مجملة ثم يأتي بعد ذلك تفصيلها.
ا- أن الإيمان يزيد وينقص من جهة الإجمال والتفصيل فيما أمروا به.
٢- أنه يزيد وينقص من جهة الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم.
٣- أنه يزيد وينقص من جهة علم القلب وتصديقه.
٤- أنه يزيد وينقص من جهة المعرفة القلبية وهي دون التصديق.
٥- إنه يزيد وينقص من جهة عمل القلب كالمحبة والخوف والرجاء وغيرها.
٦- أنه يزيد وينقص من جهة أعمال الجوارح الظاهرة.
٧- أنه يزيد وينقص من جهة استحضار الإنسان لأوامر الدين الحنيف وعدم الغفلة عنها والثبات والدوام عليها.
٨- أنه يزيد وينقص من جهة أن الإنسان قد يكون منكراً ومكذباً بأمور، لا يعلم أنها من الإيمان، ثم يتبين له بعد أنها منه، فيزداد بذلك إيمانه.
٩- أنه يزيد وينقص في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها.
فهذه أوجه زيادة الإيمان ونقصانه على وجه الإجمال، أما التفصيل لها فكما يلي:
الوجه الأول:
الإجمال والتفصيل فيما أمروا به، فإنه وإن وجب على جميع
стр. 125
الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمرهم به رسولهم، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله وإتمام الشرع، ولا يجب على كل عبد أن يؤمن إيماناً مفصلاً بكل ما أخبر به الرسول إن لم يبلغه تفاصيل ذلك، فمن بلغه وجب عليه أن يؤمن به إيماناً مفصلاً، فإن من عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره. فلو آمن رجل بالله وبالرسول باطناً وظاهراً، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين، مات مؤمناً بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا الأخير أكمل وجوباً ووقوعاً، لأن ما وجب عليه من الإيمان أكمل وكذلك ما وقع منه أكمل، وبهذا يعلم أنه ليس من التزم طاعة الرسول مجملاً، ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به، كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلاً وأطاعه فيه، فليس إيمان من آمن بالرسول مجملاً من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته، والجنة والنار والأمم، وآمن به في ذلك كله، فشتان ما بين هذا وذاك.
وقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ ١ المراد به إكمال التشريع بالأمر والنهي، وليس المراد به أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة، وأنه فعل ذلك، بل لقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين٢، وجعل نقصان عقلها أن شهادة امرأتين شهادة رجل واحد، ونقصان دينها أنها إذا
стр. 126
حاضت لا تصوم ولا تصلي، وهذا النقصان ليس هو نقصاً مما أمرت به، فلهذا لا تعاقب عليه لأنها لم تؤمر به، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله كان دينه كاملاً بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين، والتي تترك الصلاة والصوم حال حيضها، وإن كانت مأمورة بهذا الترك، فذاك إيمانه أكمل من هذه للتفاوت بينهما في المأمور به. فهدا وجه من أوجه الزيادة، والنقصان في الإيمان.
وذكر شيخ الإسلام نحو ما تقدم في شرحه للعقيدة الأصفهانية ثم قال: "فصار النقص في الدين والإيمان نوعين نوعاً لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حساً أو شرعاً، وإما لكونه مستحباً ليس بواجب، ونوعاً يذم عليه وهو ترك الواجبات"١ قلت. أي دون عذر.
الإجمالي والتفصيل فيما وقع منهم، فإن الناس وإن تساووا في وجوب الإيمان عليهم جميعاً، فهم متفاوتون في القيام به:
١- فمنهم من يطلب علم ما أمر به وما وجب عليه فيتعلمه ويعمل به، فيجمع بين العلم والعمل.
٢- ومنهم من يطلب علم ما أمر به فيتعلمه ويؤمن به ويصدق، ولكن لا يعمل به.
٣- ومنهم من يؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ مطلقاً ولا يكذبه قط، لكنه يعرض عن معرفة أمره ونهيه ويعرض عن طلب
стр. 127
العلم الواجب عليه بل يتبع هواه فلا يتعلم الواجب عليه ولا يعمل به.
فهؤلاء الثلاثة وإن اشتركوا في الوجوب، فإنهم متفاوتون في الإيمان تفاوتاً عظيماً فالأول منهم وهو الذي طلب علم التفصيل وعمل به إيمانه أكمل من إيمان الثاني الذي عرف ما يجب عليه والتزمه وأقرّ به، لكنه لم يعمل به وهو خائف من عقوبة ربه على ترك العمل معترف بذنبه، وهذا الثاني إيمانه أكمل من إيمان الثالث الذي لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به رسول الله ﷺ ، مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً.
وهذا التفاوت بينهم في الإيمان إنما هو فيما وقع منهم، لا في ما أمروا به لأنهم متساوون في وجوبه عليهم جميعاً، وبهذا يتبين أن الإيمان يزيد وينقص من جهة قيام المؤمنين به ووقوعه منهم، فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام، وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها، فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيماناً مجملاً، أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته، كان إيمانه به أكمل.
وبالجملة فإنه كلما ازداد المسلم قياماً بأوامر هذا الدين والتزاماً لأحكامه، زاد إيمانه بذلك، وكان أكمل من غيره ممن لم يقم بذلك، وهذه الزيادة في الإيمان إنما وقعت من جهة قيام المؤمنين به ووقوعه منهم.
стр. 128
الوجه الثالث:
أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، فإن الإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمريئه، وحبه لمحبوبه، وكراهيته لمكروهه، ورضاه بمرضيه، وبغضه لبغيضه، ولا ينكر التفاضل في هذه أحد، بل من أنكر التفاضل فيها كان مسفسطاً مكذباً للأمور المسلمات.
فالعلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك، فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل كان بمنزلة قوله القدرة على المقدور الواحد لا تتفاضل، وقوله ورؤية الشيء الواحد لا تتفاضل.
ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، فهم وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحد يتكلم بها الشخصان ويتفاضلان في النطق بها وكذلك شم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام يتفاضل الشخصان فيه، فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وغير صفات الحي، إلا وهي تقل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان.
فإذا كان ذلك كذلك فإن علم القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من هذا بكثير، فالمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها، أعظم من تفاضلهم فني معرفة غيرها، وهكذا سائر أمور الإيمان
стр. 129
ومما يوضح هذا الوجه في التفاضل في تصديق القلب، أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله١، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فمن آمن وصدق بأن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وأوجب له هذا التصديق محبة الله وخشيته والرغبة في الجنة، والهرب من النار، فإيمان هذا أكمل ممن آمن وصدق بهذه الأمور إلا أن إيمانه لم يوجب له ذلك.
قال النووي بعد أن ذكر قول من قال إن التصديق لا يزيد ولا ينقص وإنه متى قبل الزيادة كان شكا وكفراً، قال: "والأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره ... "٢.
وقال النووي أيضاً. "والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم فمن زيادته بالعلم قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً﴾ ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ فجعل له مزية على علم اليقين والله أعلم "٣.
стр. 130
ونقله عنه الحافظ في الفتح ثم قال: "ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكلاً منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها"١.
وقال شيخ الإسلام: "إن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه٢ البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات، وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد"٣.
وقال ابن رجب: "والتصديق القائم بالقلوب يتفاضل، وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ... "٤.
قلت: لم أقف على نقل عن الإمام أحمد رأى فيه أن التصديق لا يتفاضل، وإنما الذي نقل عن الإمام فيه روايتان فيما أطلعت عليه هو: "المعرفة القلبية"كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكما سيأتي في الوجه التالي، فلعل الحافظ ابن رجب قصد بالروايتين عنه
стр. 131
في التصديق ما جاء عنه في المعرفة والله أعلم.
وقال الكرخي: "إن نفس التصديق يقبل القوة، وهي التي عبر عنها بالزيادة، للفرق المميز بين يقين الأنبياء ويقين آحاد الأمة وكذا من قام عليه دليل واحد ومن قامت عليه أدلة كثيرة، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه"١.
فبهذا البيان والنقول يتضح بما لا مجال للشك في، أن التصديق نفسه يقبل الزيادة والنقصان، فتأمل هذا الوجه جيداً فقد اشتمل على أوضح رد وأجلى بيان لبطلان قول من قال إن التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإن نقصانه يقتضي الشك والكفر، وسيأتي مزيد بيان لذلك، وذكر من قال به وإبطاله في مبحث قادم إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع:
إن المعرفة القلبية- وهي دون التصديق٢- يتفاضل الناس فيها، فهي تختلف من حيث الإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور والغفلة فليست المعرفة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها كالمجملة التي غفل عنها صاحبها، وإذا حصل له ما يريبه فيها ارتاب ثم رغب إلى الله في كف الريب.
قال شيخ الإسلام: "وكذلك المعرفة التي في القلوب تقبل التفاضل
стр. 132
على الصحيح عند أهل السنة، وفي هذا نزاع، فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل في هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن عقيل وغيرهما، وقد حكي عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان "١.
وقال شيخ الإسلام: "وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد روايتين، ٢.
قلت: وكلتا الروايتين ثابتتان عن الإمام ﵀ بسند صحيح، أما الرواية الأولى فقد خرّجها الخلال في السنة من طريق أبي بكر محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدّثهم قال: سألت أبا عبد الله عن المعرفة والقول تزيد وتنقص؟ قال: لا، قد جئنا بالقول والمعرفة وبقي العمل٣.
وأما الرواية الثانية فخرجها أيضاً الخلال في السنة من طريق المروذي قال: قلت لأبي عبد الله في معرفة الله في القلب يتفاضل فيه؟ قال: نعم، قلت: ويزيده قال: نعم٤.
стр. 133
قلت: ولا تعارض عندي بين هاتين الروايتين عن الإمام، فهو ﵀ جزم في الرواية الأولى بالإتيان بالمعرفة والقول، وهذا مما لا يجوز لمسلم أن يرتاب فيه إذ إن من شك في إتيانه بالمعرفة والقول يكفر، لكن المعرفة تختلف من شخص لآخر قرة وضعفاً بحسب قوة الأدلة وكثرة النظر، وهذا ما بينّه ﵀ في الرواية الثانية، حيث بين أن الناس يتفاضلون في المعرفة ث أنها تزيد، وهذا لا يتنافى مع الجزم بالإتيان بالمعرفة، لأن القدر الواجب من المعرفة يجزم به المسلم، ولا يمكن أن يجزم بأنه بلغ أعلى درجات المعرفة، لأن المعرفة درجات والناس متفاضلون فيها، والله أعلم.
ثم بعد كتابتي هذا التوفيق بين الروايتين، وقفت على كلام نحوه للقاضي أبي يعلى في التوفيق بينهما، حيث قال ﵀ بعد أن أشار إلى هاتين الروايتين "وعندي أن المسألة ليست على روايتين وإنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال لا تزيد ولا تنقص يعني به نفس المعرفة، لأن المعرفة هي: معرفة المعلوم على ما هو به، وذلك لا يختلف بحال.. والموضع الذي قال: تزيد وتنقص يعني بالزيادة في معرفة الأدلة وذلك قد يزيد وينقص، فمنهم من يعرف الشيء من جهة واحدة، ومنهم من يعرفه من جهات كثيرة"١.
ثم إن مما يوضح لنا هذا الوجه. أعني التفاضل في المعرفة ويبينه أن معرفة الإنسان بالشيء إن عاينه تختلف عن معرفته به إن لم يعاينه وإن كان جازماً بصدق من أخبره.
стр. 134
ولهذا قال النبي ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة" ١ فإن موسى لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المُخْبَر وإن جزم بصدق المُخْبِر، فقد لا يتصور المُخْبَر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه، بل يكون قلبه مشغولاً عن تصور المخبر به، وإن كان مصدقاً به، ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له من تصور المخبر به ما لم يكن عند الخبر٢.
فالزيادة والنقصان في الإيمان شاملة لمعرفة القلوب لتفاضل الناس فيها، من جهة الإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، والذكر والغفلة، فمعرفة الله وأسمائه وصفاته، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب، إلى غير ذلك من صفاته، كل ذلك داخل في الإيمان، إذ لا يمكن لمسلم أن يقول إنه ليس من الإيمان، ومعلوم أن الناس متفاوتون في معرفتها وغير متماثلين، بل لا يمكن لأحد أن يدعي تماثل الناس في ذلك٣.
ثم من المعلوم أيضاً أن الناس يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، ويتفاضلون في معرفة الروح وصفاتها، وفي معرفة الجن وصفاتهم، وفي معرفة الآخرة وما بها من نعيم وعذاب، بل ويتفاضلون
стр. 135
في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فإن كانوا متفاضلين في ذلك كله، فتفاضلهم في معرفة الله أعظم وأعظم١.
قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربّهم في الدنيا، ويتفاوتون في درجات العرفان، والنبي ﷺ أعلمنا بالله وقد قال: "لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ٢ وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه "٣.
وقال ابن قاضي الجبل٤ في أصوله: "الأصح التفاوت، فإنا نجد بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين، وبين ما علمناه من جهة التواتر مع كون اليقين حاصل فيهما"٥.
قال السبكي في رسالة له ألّفها في الاستثناء نقل أكثرها الزبيدي في الإتحاف: "والمعرفة يتفاوت الناس فيها تفاوتا كثيراً ... وأعلى الخلق معرفة النبي ﷺ ثم الأنبياء والملائكة على مراتبهم وأدنى المراتب الواجب الذي لا بد منه في النجاة من النار وفي عصمة الدم، وبين ذلك وسائط كثيرة منها واجب ومنها ما ليس بواجب وكل ذلك داخل في اسم الإيمان ... "٦.
وبهذا يتبين أن المعرفة القلبية تقبل الزيادة والنقصان وبالله التوفيق.
стр. 136
فائدة جليلة: تنازع الناس في المعرفة القلبية هل حصلت بالشرع أو بالعمل؟
قال شيخ الإسلام بعد أن نقل الخلاف في ذلك "وحقيقة المسألة: أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل، ومنها ما لا يعرف إلا بالشرع، فالإقرار الفطري، كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار، قد يحمل بالعقل كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١.
وأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ٢ فلا يحصل إلا بالوحي.. "٣.
الوجه الخامس:
إن أعمال القلوب كالمحبة والخشية والخشوع والذل والإنابة والتوكل والحياة والرغبة والرهبة والخوف والرجاء وغيرها. يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً. وهي جميعها من أعمال الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق سلف هذه الأمة.
فالمحبة مثلاً الناس متفاوتون فيها، ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وهما خليلا الله وأشد الناس محبة له، إلى أدنى الناس درجة في الإيمان كمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وبين هذين الحدين من الدرجات ما لا يحصيه إلا رب الأرض
стр. 137
والسموات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على البعض كبني آدم.
بل إن هذا التفاضل في المحبة يعلمه كل إنسان من نفسه بحسب الحب الذي قام في قلبه لأي محبوب كان، سواء كان حباً لولده أو لامرأته أو لرياسته أو لصديقه أو غير ذلك، فإن حبه لهذه الأشياء على درجات، فالحب أوله علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب نحوه، ثم غرام للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه، إلى غير ذلك من درجات الحب وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، فإذا علم تفاضل الناس في حب هذه الأشياء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم.
وقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على تفاضل الناس فيها قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ... ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢.
فهاتان الآيتان فيهما دلالة على تفاضل الناس في المحبة، ففي قوله: ﴿أَشَدُّ حُبّاً﴾ في الآية الأولى وقوله: ﴿أَحَبَّ﴾ في الآية الثانية أعظم دلالة على ذلك، لاستخدام أفعل التفضيل فيهما الدال صراحة على
стр. 138
التفاضل.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" ١.
وفيهما عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدهم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " ٢.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر" ٣.
فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، فيها أوضح دلالة على تفاضل الناس في المحبة. فقد ذكر فيها كلمة "أحب" الدالة على التفاضل تصريحاً.
فمن أنكر ذلك وقال بخلافه، فقد خالف الكتاب والسنة، بل وخالف اللغة والعقل والحس.
وكما أن الناس يتفاضلون في المحبة كما سبق، وهي عمل قلبي،
стр. 139
فهم كذلك يتفاضلون في سائر أعمال القلوب من خشية وإنابة وتوكل ورجاء وخوف وحياء وغير ذلك، فهذه كلها يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً، وهذا من الأمور المعلومة الظاهرة، والأدلة عليها في الكتاب والسنة كثيرة منها:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٤.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٥.
وقوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٦.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ
стр. 140
فُرْقَاناً ... ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢ وغيرها من الآيات.
ومن السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير" ٣ الحديث.
وحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٤.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ :"والحياء
شعبة من الإيمان" ٥.
وحديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" ٦.
وغيرها من الأحاديث ففي هذه النصوص أوضح دلالة على تفاضل الناس في أعمال القلوب وتفاوتهم فيها.
стр. 141
ثم إن النصوص الواردة في ذلك كثيرة، ولو تتبعتها وذكرت كل عمل من الأعمال القلبية بأدلته كما فعلت في المحبة، لطال المقام، والأمر لا يحتاج إلى ذلك، لأن كل إنسان يحس ذلك ويلمسه في نفسه، فإن الإنسان يجد نفسه في وقت أشد حياء منه في الوقت الآخر، وفي وقت أشد خوفاً منه في الوقت الآخر، وهكذا سائر أعمال القلب، فإن الإنسان يحس في نفسه تفاوته من وقت لآخر فيها.
قال شيخ الإسلام: "فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم.. ثم ذكر بعض نصوص الكتاب والسنة الدالة على ذلك، ثم قال: وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة"١.
وبين في موضع آخر أن هذا هو قول أهل السنة والجماعة، فقال: "والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل ... "٢.
وقال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما كون الذي في القلب والذي في الجوارح يزيد وينقص فذاك شيء معلوم، والسلف كانوا يخافون على الإنسان إذا كان ضعيف الإيمان
стр. 142
النفاق أو سلب الإيمان كله"١.
الوجه السادس:
إن الأعمال الظاهرة يتفاضل الناس فيها وتزيد وتنقص وهذا شامل لأعمال اللسان، كالتسبيح والتكبير والاستغفار والذكر وقراءة القرآن وغيرها، وشامل لأعمال الجوارح، كالصلاة والحج والجهاد والصدقة وغيرها. فهذه الأعمال الظاهرة هي من الإيمان، وداخله في مسماه، والتفاضل يقع فيها كما يقع في الأعمال الباطنة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان ... "٢.
وقال: "وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وان كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، والذي عليه أهل السنة والحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٣.
أما الأدلة على تفاضل الناس في الأعمال الظاهرة: أعمال اللسان، وأعمال الجوارح فكثيرة جداً.
فمن أدلة تفاضل الناس في أعمال اللسان:
قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٤.
стр. 143
وقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ ١.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٣.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ ٥.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت" ٦.
وفي الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها" ٧.
стр. 144
فهذه النصوص فيها أوضح دلالة على تفاضل الناس في أعمال اللسان، إذ هم ليسوا سواء في القيام بأعماله، بل متفاوتون.
ومن أدلة تفاضل الناس في أعمال الجوارح:
قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ ٢.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
وتقدم حديث الشعب، وفيه جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، وتقدم قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... " الحديث.
فهذه النصوص فيها ذكر جملة من الأعمال الإيمانية كالصلاة والزكاة، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وتغيير المنكر باليد على حسب
стр. 145
الاستطاعة، وإماطة الأذى عن الطريق فهذه كلها من الأعمال الإيمانية التي تكون بالجوارح، وما من شك في أن الناس متفاضلون في هذه الأعمال أداء لها ومحافظة عيها وقياماً بها، فهم ليسوا في ذلك على درجة واحدة، بل بينهم فيها تفاوت عظيم.
الوجه السابع:
إن الإيمان يتفاضل ويزيد وينقص من جهة استحضار الإنسان بقلبه لأمور الإيمان، وذكره لها، ودوامه وثباته عليها، بحيث لا يكون غافلاً عنها، فإن من كان كذلك أكمل إيماناً ممن صدق بالمأمور به وغفل عنه.
وذلك لأن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق والذكر، وأما دوام الاستحضار وعدم الغفلة فإنه يكمل العلم واليقين ويقوي الإيمان، فالعالم بالشيء في حالة غفلته عنه دون العالم بالشيء حال ذكره له، والعلم وإن كان في القلب فالغفلة تنافي تحققه.
فالغفلة وعدم استحضار الأوامر، لها أثر في نقص كمال الإيمان وضعفه ولهذا قال عمير بن حبيب الخطمي ﵁: "إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضعينا فذلك نقصناه"١. وكان معاذ بن جبل يقول لأصحابه "اجلسوا بنا نؤمن ساعة"٢. وهذا يدلنا على أن الحذر من الغفلة، واستحضار الإيمان سبب لزيادة الإيمان، وعدم ذلك سبب لنقصه. ولهذا فإن الله الكريم نبّه في مواضع كثيرة من كتابه على أهمية الذكرى وعظم شأنها، وخطر الغفلة وشدة ضررها، ومن ذلك قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ