← Общие книги

Общие книги · id 11242

شبهات القرآنيين

عثمان بن شيخ علي

Полный текст (68 стр.). Показаны 36–68 · переход к 41.

стр. 36

أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الآحزاب: ٣٦) . وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النّساء:٨٠) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النّساء: ٦٤) . فظهر من هذه الآيات أنّ القوم إنّما فيهم كيد الإسلام وكراهته، وجعله شيئاً آخر يوافق أهواءهم العليلة، كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ.

стр. 37

الشبهة الخامسة: يقولون: إن نسبة السنة إلى النبي ﷺ ليست يقينية؛ لأنها: أولاً: تأخر تدوينها ولا يوثق بناقليها. وثانياً: رويت بالمعنى، مع عدم كفالة الله بحفظها كالقرآن، وكثرة ما غزاها من الأحاديث الموضوعة. أما الشق الأول: فيقول عبد الله جكرالوي: "لم تدون السنة أيام حياته ﵊، وتناقلت (١) سماعاً إلى القرن الثالث الهجري، وإذا كان سامعونا لا يستطيعون ذكر ما تحدثنا عنه في خطبة الجمعة الماضية فكيف بسماع مائة سنة وصحة بيانه" (٢) . وأكد حشمت علي هذا المعنى فقال: "إن الصحاح (٣) الستة التي يُفْتَخَرُ بها والتي يقال بحاجة القرآن إليها، كل تلك الكتب جُمعت ودونت في القرن الثالث حسب إقرار المحدثين" (٤) . ويضيف عبد الله جكرالوي قائلاً: "بالإضافة إلى هذا التأخر في تدوين السنة كان المجتمع المدني يضم كثيراً من المنافقين في صفوفه، وقد استحالت معرفتهم على النبي ﷺ فخاطبه ربه بقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (التوبة: ١٠١) ، فهذه الآية

стр. 38

وشبيهاتها تنفي معرفة الرسول بهم، وأي شخص أكثر معرفة منه ﵊ بهؤلاء " (١) . ووسع من هذا المفهوم في موضع آخر فقال: "ليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقاً وكذباً؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور" ٢) . ويقول الحافظ أسلم: "قد كان للعواطف البشرية يد في تصحيح السنة وتضعيفها، وإنا لنرى توثيق الرواة لم ينحصر في الصدق فحسب، بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيخ والمشاركة الفكرية والعواطف والميول الوجدانية" (٣) . الرد على الفرية الأولى: وهي تأخر تدوين الحديث: إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يُعْنَوْنَ بتدوين أحاديث رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته بإذن منه ﷺ . روى البخاري بسنده عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من حديث عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" (٤) . وروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة ... فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن – فقال: اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه" (٥) .

стр. 39

وأخرج البخاري بسنده عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر)) (١) . وروى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك من حديث أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً، قال: فقال عبد الله: بينا نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولاً:قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : "مدينة هرقل تفتح أولاً يعني قسطنطينية" (٢) . ففي هذه الأحاديث وغيرها كثير دليل صريح على أن الصحابة ﵃ كانوا يكتبون الأحاديث النبوية، وقد كانت لبعضهم صحائف مثل صحيفة عبد الله بن عمرو وصحيفة جابر بن عبد الله. هذا وقد أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الصحابة الذين كانوا يكتبون أو كانت لهم صحف فبلغ عددهم اثنين وخمسين صحابيا (٣) . هذا جيل الصحابة فإذا جئنا إلى جيل التابعين نجد أن الكتابة انتشرت

стр. 40

أكثر من جيل الصحابة فقد أوصل محمد مصطفى الأعظمي التابعين الذين كانت لهم صحائف ورسائل إلى أكثر من اثنين وخمسين ومائة تابعي (١) . ولعل مرد ذلك إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فقد روى أبو نعيم أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الآفاق: "انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه " (٢) . وأصدر أمره إلى أبي بكر بن حزم أن "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء " (٣) . وأما جيل تابعي التابعين فقد أخذت كتابة الأحاديث النبوية منحى آخر إذ أضيف إليها آثار الصحابة والتابعين وصُنفت على حسب الكتب والأبواب الفقهية. وما من حاضرة من حواضر العالم الإسلامي إلا وقام علماؤها بتدوين هذه الكتب وتصنيفها، وكانت هذه الكتب مادة أساسية للكتب الستة. قال الحافظ ابن حجر: "ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين

стр. 41

ومن بعدهم، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معاً، كأبي بكر بن أبي شيبة" (١) . فسقط بذلك قول جكرالوي وبطلت دعواه أن تدوين الحديث تأخر إلى القرن الثالث. أما قول حشمت علي: إن الصحاح الستة تأخر تدوينها إلى القرن الثالث فنقول: نعم، دونت في القرن الثالث فكان ماذا؟ . لقد تبين آنفاً أن أصولها كانت مدونة مكتوبة (٢) ، ويظهر من مجموع كلام الرجلين أنهما ضلا في مفهوم السنة وأنهما يظنان أن السنة هي الكتب

стр. 42

الستة. أما تشبث جكرالوي بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (التوبة: ١٠١) . فالجواب عنه في ثلاثة مقامات: المقام الأول: عدم معرفة الرسول ﷺ بأعيان بعض المنافقين لا يقتضي الشك في أحاديث الرسول ﷺ ؛ لأن المنافقين كانوا معروفين بصفاتهم فكان الصحابة يأخذون حذرهم منهم، ففي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك لما صلى له النبي ﷺ في بيته فاجتمع إليه نفر من أهل الحي فقال قائل منهم: أين مالك الدخشن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : لا تقل له ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ قال: قالوا: الله ورسوله أعلم، أما نحن فو الله لا نرى ودّه وحديثه إلا إلى المنافقين فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " (١) . فظهر من هذا الحديث أن الصحابة كانوا في غاية الصرامة في شأن المنافقين بحيث اتهموا من جالسهم وخالطهم وإن لم يبلغ به الأمر إلى الكفر الباطني كما شهد بذلك الرسول ﷺ لمالك بن الدخشن (٢) ، أفتراهم يأخذون الأحاديث من المنافقين بعد ذلك؟ أو ترى المنافقين يجرؤون على اختلاق الأحاديث وبثها في الناس مع أنهم معزولون عن المجتمع المؤمن ومنبوذون فيهم؟

стр. 43

وليس عند جكرالوي شبهة دليل على أن المنافقين كانوا يتصدون لبث الأحاديث المختلقة وروايتها في حياة رسول الله ﷺ وبعد مماته. المقام الثاني: أن في الآية التي استدل بها ما يرد دعواه إذ أوعدهم الله عذابين في الدنيا قبل العذاب الشديد في الآخرة. قال بعض المفسرين: أحد العذابين هو فضيحتهم بكشف أمورهم وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله ﷺ . روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قول الله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ث﴾ (التوبة:١٠١) . قال: قام رسول الله ﷺ خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق، فأخرج من المسجد ناسا منهم ففضحهم " (١) . المقام الثالث: الاعتماد على الثقة في نقل الأخبار ضرورة دينية ودنيوية وأن وجود بعض الكذبة في المجتمع لا يسد عليهم باب نقل الأخبار وتلقيها من الثقات. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات:٦) .، ففي هذه الآية لم يأمر الله برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة وإنما أمر بالتبين فدل ذلك على أنه يقبل خبر العدل ولا يُتبين فيه. وإذا رُد خبر الفاسق والعدل جملة على السواء لوجود بعض الكذبة ومن لا يوثق بخبره في المجتمع بطلت الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة، وتعطلت

стр. 44

حقوق الناس واختلت حياتهم واضطربت معيشتهم، وهذا فاسد ضرورة، وما أدى إليه – أعني فهمهم لآية سورة التوبة – فهو مثله. أما ما ذهب إليه جكرالوي من أنه: "ليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقا أو كذبا؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور " وحاصله أنه أغلق باب معرفة عدالة النقلة وصدقهم من كذبهم. فأقول: إن الله تعالى رد عليه فريته وأفسد عليه مزاعمه إذ قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطلاق:٢) ،وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (البقرة:٢٨٢) . وقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (المائدة: ٩٥) . ففي هذه الآيات أناط الله الشهادة والحكم بالشاهدين العدلين فدل ذلك على أن مناط العدالة (١) يمكن الوقوف عليه والحكم بمقتضاه، فلو لم يمكن معرفة مناط العدالة لكان الله أمرنا بالمحالات والممتنعات، وهذا فاسد وما أدى إليه فهو فاسد مثله. وأما قول الحافظ أسلم إنه كان للعواطف البشريّة يد فى تصحيح السنّة وتضعيفها، ولم ينحصر التوثيق في الصدق بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيّخ والمشاركة الفكرية. فالجواب أن يقال: إنّ العدالة التى تشترط لراواي الحديث تشترط أيضا

стр. 45

للمتصدّي للجرح والتعديل، فإذا كان يوثّق ويضعّف حسب الأهواء والميول فإنّه يسقط فى ميزان المحدّثين ولا يحابون بهذا أحداً، فقد وُجد منهم الطعن فى آبائهم وأبنائهم لأجل الاحتياط للرّواية، أفتراهم بعد ذلك يعدّلون من انتمى إلى مذهبهم وشاركهم فكريّاً إن كان لا يستحقُّ ذلك؟ . سُئل علي بن المديني عن أبيه فقال: اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق ثمّ رفع رأسه وقال: "هذا هو الدّين أبي ضعيف" (١) ورُوي عن أبي داود صاحب السنن أنه كذّب ابنه عبد الله (٢) وإ ن كان لهذه الكلمة تأويلٌ مقبول، إلاّ أنّ المقصود هنا إثبات أنّهم كانوا لا يحابون أباً ولا ابناً إذا تعلّق الأمر بالدّين. الشق الثاني من شبهتهم: وهو كون السنة ليست يقينية بسبب روايتها بالمعنى مع عدم كفالة الله بحفظها، وكثرة ما غزاها من الأحاديث الموضوعة. يقول الحافظ أسلم:"كل الروايات التي نسبت إلى النبي ﷺ جاءت بالمعنى ولم تأت بألفاظه ﵊ والمعروف أن تغيير اللفظ موجب لتغيير المعنى ولو يسيرا" (٣) . ويقول برويز: "اعلم أن الله لم يتكفل بحفظ شيء سوى القرآن، فلذا لم يجمع الله الأحاديث كما أنه لم يأمر بجمعها ولا تكفل بحفظها" (٤) . ويقول عبد الله جكرالوي: " بعد وفاة الرسول ﷺ بمئآت السنين نحت

стр. 46

بعض النّاس هذه الهزليات من عند أنفسهم ثم نسبوها إلى محمّدٍ ﷺ وهو منها براء " (١) . الرد: إن النبي ﷺ حث أمته على أن ينقلوا عنه سنته ويُعْنَوْا بها ويبلِّغوها كما سمعوها منه فقال:" نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع" (٢) . ولا شك أن أداء لفظ الحديث كما سمع هو الأولى والأجدر الذي يتحقق به دعاء النبي ﷺ لسامعه إلا أن المعنى هو المقصود الأول من الأحاديث واللفظ وسيلة، فإذا روى الراوي الحديث وأصاب المعنى قبل منه ذلك. وقد وضع أهل العلم لرواية الحديث بالمعنى ضوابط تكفل صونه من تغيير المعنى. قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: "قال جمهور الفقهاء: يجوز للعالم بمواقع الخطاب ومعاني الألفاظ رواية الحديث على المعنى، وليس بين أهل العلم خلاف في أن ذلك لا يجوز للجاهل بمعنى الكلام وموقع الخطاب، والمحتمل منه وغير المحتمل فأما الدليل على أنه ليس للجاهل بمواقع الخطاب، وبالمتفق معناه والمختلف من الألفاظ فهو أنه لا يؤمن عليه إبدال اللفظ بخلافه بل هو الغالب من أمره.

стр. 47

وأما الدليل على جواز ذلك للعالم بمعناه. [فهو] (١) اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي ﷺ وللسامع بقوله أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللغة العربية، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين.. وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه، دون إيراد نفس لفظه وصورته. وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه والعلم بأحكامه. ويدل على ذلك أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله ﷺ وتغيير معنى اللفظ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك كان مخبرا بالمعنى المقصود من اللفظ، وصادقا على الرسول ﷺ " (٢) . قال المعلمي: "ولو قلت لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب وقال له: والدي – أو الوالد – يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعا صادقاً، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه قد عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنكر العقلاء عليك ذلك، وقد قص الله في القرآن كثيرا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم؛ لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما

стр. 48

يأتي في موضع بألفاظ وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر، فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي ﷺ بيان شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب. واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ وهي كثيرة، ومنها ما أصله قولي، ولكن الصحابي لا يذكر القول، بل يقول: أمرنا النبي ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذن في كذا، وأشباه هذا وهذا كثير أيضا. وهذان الضربان ليسا محل نزاع، والكلام فيما يقول الصحابي فيه: قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، أو نحو ذلك. ومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذ حكوا قوله ﷺ يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها فيقع له تقديم وتأخير، أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك. ومع هذا فقد عرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ، وكان ابن عمر ممن شدد في ذلك، وقد آتاهم الله من جودة الحفظ ما أتاهم. فعلى هذا ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفظ فهو بلفظ النبي ﷺ ، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك؛ لأنهم كلهم كانوا يتحرون ما أمكنهم، ويبقى النظر في تصرف من بعدهم" (١) . أما قول برويز إن الله لم يتكفل بحفظ السنة فنقول: إن الله تكفل بحفظ

стр. 49

الذكر، وهو يشمل القرآن والسنة لأنها بيان له لا تنفك عنه، ومظاهر حفظ الله للسنة النبوية بادية أمامنا، إذ لم تخل العصور الإسلامية من حفاظ الحديث الذين شمّروا عن ساعد الجدّ لحفظه في صدورهم وتتبعه من أفواه الرجال وقطع المفاوز والفيافي للقاء من سبقهم من الحفاظ، واشتد حرص كثير منهم في كتابة ما سمعوه فاجتمع لهم الضبطان: ضبط الصدر وضبط الكتاب، ثم كانوا إذا أرادوا أن يرووا عن رجل سألوا عنه وفحصوا حاله حتى كان يقال لبعضهم: أتريدون أن تزوجّوه، كل ذلك احتياطاً للسنة، ونشأ عن ذلك علمٌ قائم بنفسه هو علم الرجال، بحيث لا يخفى على المعنيّ بأمر الحديث حال الرواة جرحاً وتعديلاً، وهو علمٌ لا يوجد عند الأمم غير الإسلامية، فمن عرف اجتهاد المحدثين ونصحهم للأمة علم مدى عناية الله سبحانه بحفظ السنة النبوية. أما إلغاء حجية السنة بسبب وجود أحاديث موضوعة فسيأتي في الجواب عن الشبهة الثامنة الكلام عن وجود الغش في النفائس عموماً، وأن هذا لم يصدَّ الناس عن أخذ الصحيح وترك المغشوش، هذا في الأمور الدنيوية فكيف يتركهم الله عُمياً فاقدي البصائر فيما يتعلق بدينهم؟ هذا بعيد عن حكمة الله. ثم إن العلماء وضعوا لمعرفة الحديث الموضوع ضوابط تعين على إدراكه ليُعرف فيحذرَ، منها: ١- اشتمال الحديث على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله ﷺ كحديث "من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبياً" قال ابن قيم الجوزية:" وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر

стр. 50

نوح ﵇ لم يعط ثواب نبي واحد" (١) . ٢- تكذيب الحس له. ٣- سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث "لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً، ما أكله جائع إلا أشبعه" ٤- مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة المتواترة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث أو مدح باطل أو ذم حق، أو نحو ذلك فرسول الله ﷺ منه بريء. ٥- أن يُدّعى على النبي ﷺ أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كما يزعم الرافضة أن النبي ﷺ أخذ بيد علي بن أبي طالب بمحضر من الصحابة كلهم، وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال: "هذا وصيّي وأخي والخليفة من بعدي" (٢) . ٦- أن يكون الحديث باطلاً في نفسه كحديث "المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش" (٣) . ٧- أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلاً عن كلام رسول الله ﷺ الذي هو وحي يوحى كحديث "النظر إلى الوجه الجميل عبادة " (٤) . ٨- ومنها أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله: "إذا كان سنة

стр. 51

كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت". ٩- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق. ١٠- أن يكون الحديث مما تقوم به الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج بن عنق الطويل ففي حديثه أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلثاً، مع أنه صحّ عن النبي ﷺ أن طول آدم ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" (١) (٢) . ١١- مخالفة الحديث صريح القرآن كحديث مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة، قال ابن قيم الجوزية: "وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحاً لكان كل أحد عالماً أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة. قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الأعراف:١٨٧) (٣) . ١٢- أن تكون ألفاظ الحديث أو معانيه ركيكة يمجها السمع ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن كحديث "إن لله ملكاً من حجارة يقال له: عمارة ينزل على حمار من حجارة كل يوم فيسعر الأسعار ثم يعرج" (٤) . ١٣- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يُعلم بها أنه باطل مثل حديث

стр. 52

وضع الجزية عن أهل خيبر، قال ابن قيم الجوزية، "وهذا كذب من عدة وجوه: أحدها أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد قد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق. ثانيها: أن فيه ((وكتب معاوية بن أبي سفيان)) هكذا، ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح، وكان من الطلقاء " إلى آخر الوجوه التي أوصلها إلى عشرة (١) . ولم يكتفوا ببيان تلك الضوابط، بل أفردوا الموضوعات بكتب نُشر أكثرها، من أعظمها " الموضوعات " لابن الجوزي واشتمل على نحو خمسين كتاباً على ترتيب الكتب المصنفة في الفقه. كما أن كتب العلل تذكر كثيراً من الحديث الموضوع، فهي السباقة لتنبيه الناس إلى الأحاديث الموضوعة، ولم يقتصروا على ذلك بل ألّفوا كتباً لبيان الضعفاء والمتروكين والوضاعين وأحاديثهم كالضعفاء للعقيلي والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي وكتاباهما جامعان لما سبقهما من الكتب المؤلفة في الضعفاء كالضعفاء لعلي بن المديني والضعفاء للبخاري والشجرة في أحوال الرجال للجوزجاني والضعفاء والمتروكين للنسائي. فكيف يحاول رجال بعد ذلك نزع الثقة بالسنة لوجود الأحاديث الموضوعة التي ميّزها أهل العلم وأُمن اختلاطها بالصحيح؟ فما مَثَلُهم في محاولتهم تلك إلا كمثل متطبب جاهل عُرِض عليه مريض مصاب بخراج في إحدى أصابع يده ويكفيه إزالة هذه الأصبع وحدها فقال ذلك الجاهل: لا علاج له إلا بتر اليد من أصلها.

стр. 53

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام" (١) .

стр. 54

الشبهة السادسة: زعمهم أن التمسك بالسنة يفرق الأمة وأنها لو انسلخت منها لاتحدت. يقول جكرالوي: "لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم مكتب فكر موحد، ما بقوا متمسكين بروايات زيد وعمرو" (١) . ويؤكد المعنى نفسه حشمت علي فيقول: "لن تتحقق وحدة المسلمين ما لم يتركوا كتبهم الموضوعة في طاعة الرسول ﷺ ، ولن يروا سبيل الرقي والتقدم ما لم يمح عنهم التشتت والفرقة" (٢) . ويقول برويز: "قد فاق تقديس هذه الكتب (كتب السنة) كل التصورات البشرية، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية استهدفت النيل من الإسلام وأهله " (٣) . ويعلل ذلك فيقول: "فما أصحاب الصحاح الستة٤ إلا جزء من تلك المؤامرة، لذا نجدهم إيرانيين جميعا، لا وجود لساكن الجزيرة بينهم، والشيء المحير للعقول أن العرب لم يسهموا في هذا العمل البناء، بل أسندوا جمع الأحاديث وتدوينها إلى العجم حتى تم بناء هذا الصرح المؤامر " (٥) .

стр. 55

الرد: أثبت الواقع أن المسلمين لما كانوا متمسكين بالسنة كانوا أكثر ترابطاً وانسجاماً وقوة وغلبة للأعداء، وأن الأمر انعكس لما خالف بعضهم السنة، فقد ذكر الله أن نسيان حظ مما ذكر الناس به يؤجج نار العداوة والبغضاء بينهم، قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (المائدة:١٤) ، وقال ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه" (١) ، ثم إنكم انسلختم عن السنة فهل اتحدتّم؟ بل أنتم مختلفون فيما بينكم شر اختلاف، فبرويز رد على جكرالوي، وأصبحتم أربع فرق ولم تتفقوا فيما بينكم على عدد ركعات الصلوات فضلا عن بقية الشعائر التعبدية، وسائر المعاملات. أما "أسباب التفرق والاختلاف الواجب تركها باتفاقهم (٢) [ف] هي الجهل والهوى والتعصب، وكذلك الخطأ بقدر الوسع. فأما أن يترك أحدهم ما يراه حقا فلا قائل به، بل هو محظور باتفاقهم" ٣) . وأما قول برويز: إنها مؤامرة أعجمية إيرانية: فالجواب: أن أصول هذه الكتب الستة ألفها علماء الحجاز والعراق واليمن، مثل موطأ مالك بن أنس، وموطأ عبد الله بن وهب تلميذ الإمام مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وسنن الشافعي، ومسند الحميدي القرشي، وجامع سفيان بن عيينة شيخ

стр. 56

مكة، ومسند ابن أبي عمر العدني المكي، وسنن ابن جريج المكي، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني، وجامع معمر بن راشد الصنعاني، ومصنف وكيع بن الجراح الكوفي، وحماد بن سلمة البصري، ومسند أبي داود الطيالسي البصري، ومسند ابن أبي عاصم البصري الكوفي، ومسند ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي، ومصنف أبي الربيع سليمان بن داود العتكي البصري، ومسند أحمد بن حنبل أكبر مسند في الدنيا وقلَّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه (١) ، ومسند عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي، ومسند يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي، ومسند مسدد بن مسرهد البصري، ومسند أبي جعفر محمد بن عبد الله الكوفي، ومسند أحمد بن منيع البغدادي، ومسند عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي (٢) . فهذه أربعة أضعاف الكتب الستة ألفها علماء الجزيرة، وكلهم في طبقة مشايخ أصحاب الكتب الستة أو مشايخ مشايخهم، أو مشايخ مشايخ مشايخهم، وهي أصول هذه الكتب الستة. ومع ذلك لم يكونوا كلهم إيرانيين كما زعم برويز، بل بعضهم من أصول عربية بالاتفاق، فمسلم عربي من بني قشير، والترمذي عربي من بني سليم، وأبو داود عربي من قبيلة أزد. مع أن ذمّ جنس من أجناس البشر لم يرد به شرع ولم يدل عليه عقل، بل مدح رسول الله ﷺ أهل فارس، وخرَّجت بلاد فارس علماء نوابغ في كل العلوم: تفسيراً، وحديثاً، وفقهاً، ولغة، وإنما غلب عليها الرفض أيام

стр. 57

إسماعيل الصفوي أوائل القرن العاشر الهجري. أما أن الكتب الستة جزء من مؤامرة أعجمية فإن كانت هناك مؤامرة أعجمية فأنتم قد حزتم النصيب الأوفر منها؛ لأنكم قمتم واستفرغتم وسعكم لنقض أصول الإسلام من أصلها، فلا مؤامرة أخبث من مؤامرتكم وهم أقرب نسباً إلى العرب منكم، فلا وجه لتعييركم إياهم بالعجمة.

стр. 58

الشبهة السابعة: تتلخص هذه الشبهة في قولهم: إن الخطاب بالأحاديث كان موجهاً لأمة خاصة وهم العرب في زمن النبي ﷺ بما يوافق ظروفهم الخاصة، فلا تلزمنا طاعته إذ كانت مقيدة بزمنه، وزالت بوفاته ﷺ . يقول الخواجه: "اعلم أن طاعة الرسول ﷺ كانت طاعة مقيدة بزمنه، وامتثال أحكامه، لا تتجاوز حياته، وقد أوصد هذا الباب منذ وفاته ﵊ " (١) . ويشرح حشمت علي هذه الشبهة فيقول: "لقد كانت إرشاداته ﷺ تصدر وفق ظروف أصحابه، ولو كنا في تلك الآونة لوجب علينا اتباع أقواله وإرشاداته ﵊ وكما أن خطاب القرآن عام عندنا غير أن المخاطبين بالأحاديث أمة خاصة وهم العرب" (٢) . الرد: ما أشبه قولة القرآنيين بمقالة بعض أهل الكتاب الذين قالوا: إن محمدا رسول الله لكن إلى العرب خاصة. فنقول للقرآنيين: هل الأحاديث لازمة للعرب إلى يوم القيامة بمعنى أنهم إذا بلَّغ بعضهم بعضا كانت الحجة عليهم قائمة بذلك، فإن كنتم تقولون بذلك فما الفرق بين العرب والعجم؟ لأن رسالة الرسول ﷺ عامة للخلق كلهم إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ

стр. 59

اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف:١٥٨) .، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ (النساء: ٧٩) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ:٢٨) ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) ، حذف المفعول الثاني إرادة عموم المبلَّغين. وقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) أي من بلغه القرآن ومن لم يكن في زمن الرسول صلى اله عليه وسلم. وقال الرسول ﷺ في وصيته يوم الحج الأكبر: "ليبلغ الشاهد الغائب" (١) ، فإن كانت الحجة لا تقوم بالسنة، لما أمرهم النبي ﷺ بتبليغ الغائب الصادق على من هو في هذه الأعصر المتأخرة. فأتمر الصحابة أمر النبي ﷺ ، فبلغوا القرآن والحديث على أنهما الدين الذي جاء به محمد ﷺ . بل كان الصحابة يتطلبون سنة رسول الله ﷺ بعد وفاته، فإذا بلغهم الحديث عن صحابي آخر عن النبي ﷺ لم يترددوا في قبوله، وهذه كانت عادة الخلفاء الراشدين، فأبو بكر كان يحكم بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجد سأل الصحابة إن كان عند أحد منهم حديث عن رسول الله ﷺ في القضية، فإن وجد ذلك حكم به، وكذلك عمر، وعثمان، وعلي، فإن لم يجدوا سنة عندهم، أو عند غيرهم من الصحابة اجتهدوا رأيهم. وكان عمر لا يورّث المرأة من دية زوجها، ثمّ ورّثها لرواية الضحاك

стр. 60

بن سفيان عن النبي ﷺ توريثها (١) . وانظر قصة أبي موسى الأشعري مع عمر في الاستئذان حيث لم يقل عمر: ما سمعنا من رسول الله ﷺ أيام حياته أخذنا به، وما بلغنا عنه بعد وفاته لا يلزمنا، لأنه يعلم أن ذلك ينافي الإيمان برسالة محمد ﷺ . وانظر إلى ابن عمر إذ تروي له عائشة حديثا عن النبي ﷺ بعد وفاته فيأخذ به. "فإذا كان حكم الآيات القرآنية لا يختص بزمن ولا بأشخاص معدودين، فكذلك السنة، إذ لا فرق بين أحكام الكتاب وأحكام السنة لصدورهما من مصدر واحد، ولأن رسالته عامة شاملة للخلق أجمعين، فيجب ضرورة أن تكون سنته كذلك، لعدم الخلف بين أحكامها وأحكام القرآن، ومن ثم لا فرق في تطبيق الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة بين من شاهد التنزيل وعاصره وبين من ولد في عصر الذرة وآمن برسالة محمد ﵊ تصديقاً بخبر الله" (٢) .

стр. 61

الشبهة الثامنة: يقول الحافظ أسلم: "إن الأحاديث انتقدت علمياً ما أفقدها صفة التدين؛ لأن الأمور الدينية لا يدخلها النقد وآراء الرجال" (١) إلى أن قال: "الاعتراضات الموجهة للإسلام من غير أهله لا تأتي إلا عن طريق الأحاديث التي أقر المسلمون بصحتها وهي موضوعة الأصل لا صلة لها بالدين" (٢) . ويؤكد محب الحق هذا المعنى فيقول: "يجب نبذ تلك الأحاديث التي توصل الإسلام إلى بوتقة الهدف والاتهام؛ لأن نبي الإسلام بريء منها" (٣) . الرد: لا يخفى أن النفيس من كل شيء يُتَغالى في الحصول عليه، وتبذل الأموال والنفوس لاقتنائه، فللقيمة العالية للحديث النبوي أراد كل صاحب هوى أن يتقوى به، وتبارت الطوائف في إيجاد سند لها منه حتى تنفق بضاعتها ويسمع قولها. لكن هل معنى ذلك أن ما راموه تحقق لهم وأنهم ظفروا بمطلوبهم؟ كلا، فلقد قيض الله للذود عن حياض السنة رجالا اصطنعهم لنفسه، وأمدهم بروح منه، وأراد إكرامهم وإعلاء درجاتهم بذلك الجهاد، فنقدوا الزيف والبهرج حتى مازوه، وبقي المحض النقي فحرزوه واحتازوه.

стр. 62

والذي يقول: لا نقبل الحديث؛ لأنه وجه النقد إلى بعض المنسوب إليه. نقول له: إنك في تعاملك الدنيوي تقبل أشياء يكثر الغش والتزييف فيها وتعدها ضرورية للحياة، وأنه يمكن تمييز جيدها من رديئها فلا ترفض رفضا كلياً، ولم يزل الناس يهتدون إلى الجيد منها بوسائل يسخرها الله لهم، ولم يتكفل الله بحفظها كما تكفل بحفظ الوحي، فلا تجعل يا منكر السنة الحديث النبوي أدنى مرتبة من هذه المرغوبات الدنيوية. و"لا يكاد يدخل الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ، والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله بعباده في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لا بد أن تكون أتم وأبلغ" (١) .

стр. 63

مصادر ومراجع ... فهرس المصادر: - آداب البحث والمناظرة. لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، دون تاريخ. - أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية. خادم حسين إلهي بخش، دار حراء، مكة المكرمة، ط١، ١٤٠٨ هـ. - الأنوار الكاشفة لما في كتاب " أضواء على السنة " من الزلل والتضليل والمجازفة. لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، عالم الكتب، ١٤٠٣ هـ. - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. لابن بطة العكبري، دار الراية، ط ٢، ١٤١٥ هـ. - الإحكام في أصول الأحكام. لابن حزم، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط٢، ١٤٠٣ هـ. - إعلام الموقعين عن رب العالمين. ابن قيم الجوزية، تعليق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الحاج عبد السلام بن شقرون، ١٣٨٨ هـ. - الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع. للقاضي عياض، تحقيق: السيد أحمد صقر – الطبعة الثانية، دار التراث والمكتبة العتيقة، ١٣٩٨ هـ. - تذكرة الحفاظ للذهبي. دار إحياء التراث العربي، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن- الهند.

стр. 64

- تفسيير القرآن العظيم. عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: حكمت بشير ياسين، مكتبة الدار، المدينة النبوية. - تكملة معجم المؤلفين. لمحمد خير رمضان، دار ابن حزم، ١٤١٨ هـ. - تهذيب الآثار والسنن. للطبري، تحقيق: محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، دون تاريخ. - جامع بيان العلم وفضله. لأبي عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ط٤، ١٤١٩ هـ. - جامع البيان عن تأويل القرآن. محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، دار المعارف بمصر، دون تاريخ. - دراسات في الحديث النبوي. محمد مصطفى الأعظمي، نشر جامعة الرياض، دون تاريخ. - ذكر أخبار أصبهان. لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب الإسلامي، مصورة عن طبعة المستشرق الألماني سفن ديدرنج SEVEN DEDERING، دون تاريخ. - الرسالة. محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، المكتبة العلمية، بيروت، دون تاريخ.

стр. 65

- سلسلة الأحاديث الصحيحة. محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي – الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ. - سنن أبي داود. ضبط وتعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر. - سنن ابن ماجه. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث – دون تاريخ. - سنن الترمذي. تحقيق: إبراهيم عطوة، طبعة مصطفى الحلبي – ط ٢، ١٣٩٥ هـ. - السنن الكبرى. للبيهقي، دار الفكر، دون تاريخ. - السنة. محمد بن نصر المروزي، تحقيق: سالم بن أحمد السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط١، ١٤٠٨ هـ. - شرح الإلمام لابن دقيق العيد. - شرح صحيح مسلم يحيى بن شرف محيي الدين النووي، دار إحياء التراث العربي، ط٣، ١٤٠٤هـ. - الشريعة للآجري. تحقيق عبد الله الدميجي، دار الوطن، الرياض، ط١، ١٤١٨ هـ. - صحيح البخاري. نسخة فتح الباري.

стр. 66

- صحيح الجامع الصغير وزيادته. محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط٢، ١٤٠٦ هـ. - فتح الباري شرح صحيح البخاري. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية، دون تاريخ. - القرآنيون وشبهاتهم حول السنة. خادم حسين إلهي بخش، مكتبة الصدّيق بالطائف، ط١، ١٤٠٩ هـ. - الكفاية في علم الرواية. للخطيب البغدادي، دار الكتب الحديثة بالقاهرة، ١٤١٠ هـ. - المجروحون. لمحمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤ هـ) ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة. - مجلة الأصالة. عدد (٢٣) ١٥ / شعبان / ١٤٢٠ هـ، تصدر في الأردن. - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية-جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ١٤١٦هـ. - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز. جمع وإشراف محمد بن سعد الشويعر، رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، ط ٢، ١٤١٦ هـ. - المدخل إلى السنن الكبرى. للبيهقي، تحقيق: محمد ضياء الرحمن الأعظمي، مكتبة أضواء السلف، ط٢، ١٤٢٠هـ.

стр. 67

- المستدرك. الحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند، دون تاريخ. - المسند. أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤١٥ هـ. - المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه ((كتاب الوضوء)) . محمد عبد الله أبو بكر باجعمان، رسالة مكتوبة بالحاسب الآلي مقدمة لكلية التربية بالمدينة لإكمال متطلبات الحصول على الماجستير، ١٤٠٩ هـ. - المصعد الأحمد إلى مسند أحمد. ابن الجزري، طبع في مقدمة المسند لأحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف بمصر، ١٣٧٧ هـ. - معرفة الصحابة. لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن عبد الله الأصبهاني، تحقيق: عادل العزازي، دار الوطن، ط١، ١٤١٩ هـ. - مفاتيح الغيب محمد بن عمر الرازي، دار الفكر، ط٣، ١٤٠٥ هـ. - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة. للسيوطي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٧هـ. - مقدمة ابن الصلاح. تحقيق: بنت الشاطئ، دار المعارف – الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.

стр. 68

- الموطأ. مالك بن أنس، طبع مع شرحه تنوير الحالك، مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة ١٣٧٠ هـ. - ناسخ الحديث ومنسوخه. عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) تحقيق سمير الزهيري، مكتبة المنار، الأردن، ط١، ١٤٠٨ هـ. - النحو الوافي لعباس حسن- دار المعارف بمصر ط٥ دون تاريخ. - النكت على مقدمة ابن الصلاح. محمد بن بهادر الزركشي. تحقيق: زين العابدين بن محمد، مكتبة أضواء السلف، ١٤١٩هـ. - هدي الساري مقدمة فتح الباري. ابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، دون تاريخ. - الوصية الكبرى. ضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة، ١٣٨٥ هـ. - الوضع في الحديث. عمر بن حسن عثمان فلاتة، مكتبة الغزالي، دمشق، ١٤٠١ هـ.