شرح العقيدة الواسطية
لشيخ الإسلام ابن تيمية
شرحه
سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين
خرج أحاديثه واعتنى به
سعد بن فواز الصميل
[المجلد الأول]
دار ابن الجوزي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
شَرحُ العَقِيدة الوَاسِطِيَّة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لقد جرى مني الإذن لـ «دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع» بطبعي مؤلفي «شرح العقيدة الواسطية» بشرط العناية بالتصحيح وأن لا يحتفظوا بحقوق الطبع.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٩/ ١٢/ ١٤١٥ هـ
الطبعة السادسة
جمادى الأولى ١٤٢١ هجري
دار ابن الجوزي
للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية
الدمام - شارع ابن خلدون - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣
ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠
الإحساء - الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢
جدة: ت: ٦٥١٦٥٤٩
الرياض: ت: ٤٢٦٦٣٣٩
стр. 5
مقدمة
الحمد لله رب العالَمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا كتاب "شرح العقيدة الواسطية" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، نقدّمه لطلبة العلم بعد أن تمت مراجعته من قبل الشيخ نفسهِ -حفظه الله-، فصححه، ونقحه، وأضاف إليه زيادات هامة، فخرج في ثوب جديد قشيب.
وكتاب "العقيدة الواسطية" الذي ألّفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كتاب مختصر مفيد، اشتمل على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة بأوضح بيان وأخصر عبارة، فكانت هذه الرسالة على صغر حجمها من أحسن ما جُمع وكُتب في موضوعه، ولا أدلَّ على هذا من عناية العلماء بشرحه وتدريسه على طلاب العلم.
ولقد كان عُلَماؤنا يحرصون على تدريس مثل هذه المختصرات على طلبتهم، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى ما هو أوسع وأشمل.
стр. 6
ولقد سلك فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -نفع اللهُ بعلومهِ- هذه الطريقة، وكان يؤكِّد دائمًا على العناية بمثل هذه المختصرات وحفظِها.
فكان في دروسه للعقيدة مثلًا يقوم بتدريس كتاب "العقيدة الواسطية"، وكتاب "التوحيد" لشيخ الإسلامِ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وفي الفقه بكتاب "زاد المستقنع" للحجَّاوي ﵀، وفي الفرائض بـ"منظومة القلائد البرهانية"، وفي النحو بـ"الآجرومية"، وهكذا في سائر دروسه.
فكان لهذه الطريقة الأثر البالغ في نفوس طلابه ومستمعيه، فانتشرت كتبه وأشرطته في شرق البلاد الإسلاميّةِ وغربها، وعمَّ الله بها النفع العظيم.
وهذا الأمرُ قد جعل دور النشر تقوم على طبع مؤلفات ورسائل الشيخ -حفظه الله-، وقد كان لدار ابن الجوزي للنشر والتوزيع السبق في ذلك منذ زمن ليس بالقريب، فنحمد الله تعالى ونشكره على أن يسّر لنا ذلك.
ولقد طبع هذا الكتاب من قبل، ولكنه في الحقيقة لم يُعْطَ حقه في التدقيق والتحقيق من قبل الشيخ -سدّده اللهُ-، لذلك قام فضيلة الشيخ بمراجعة الكتاب وتصحيحه وإعادة النظر فيه، واستدراك النقص الذي في الطبعة الأولى.
فكانت طبعة هذا الكتاب -حقًا- خيرًا من سابقتها.
стр. 7
عملي في الكتاب:
خرَّجت الأحاديث والآثار التي أمكنني الوقوف عليها بقدر استطاعتي، فإن كان في "الصحيحين" أو في أحدهما فإنني أكتفي بهما، وإن كان في غيرهما عزوته إلى أهم مصادره تفاديًا للتطويل، وذكرنا ما قيل عنه من صحة وضعف مسترشدًا بأقوال العلماء المعتبرين في هذا الفن، دون أن يكون لنا زيادة على ذلك.
قمت بعمل فهارس لأحاديث المتن والشرح، وفهرسٍ آخر لمواضيع الكتاب.
آثرت عدم ذكر ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية مكتفيًا بالتراجم التي خرجت له ﵀ وهي كثيرة جدًا (١).
كما أنَّنا ذكرنا ترجمة موجزة للشيخ محمد بن عثيمين، قام بكتابتها الأخ الفاضل وليد بن أحمد الحسين.
هذا هو جهد المقلِّ، وأنا أعلم بأن هناك من طلاب العلم من هو أولى بهذا العمل، فأسأل الله تعالى العفو والمغفرة، وأن يوفِّقنا لما فيه الخير والصواب.
كما أرى لزامًا عليَّ أن أتوجَّه بالشكر لله -أولًا-، ثم لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين -نَفَعَ الله بعلومهِ- الذي أولانا
стр. 8
العناية بطبع هذا الكتاب، وتخريج أحاديثه ومراجعته لها.
كما أشكر الإخوة في دار الحسن للنشر والتوزيع -بالأردن، الذين قاموا بصف حروف وإخراج هذا الكتاب بحلته القشيبة.
وختامًا؛ أسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه، ليس لأحد فيه شيء، ويغفر لي ما كان فيه من خطأ، إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سعد بن فواز الصميل
الخُبر
стр. 9
ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه:
هو أبو عبد الله، محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي.
مولده ونشأته:
ولد الشيخ أبو عبد الله في مدينة عنيزة، إحدى مدن القصيم، عام ١٣٤٧ هـ، في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، في عائلة معروفة بالدين والاستقامة، بل تتلمذ على بعض أفراد عائلته، أمثال جدّه من جهة أمه، الشيخ عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ، ﵀؛ فقد قرأ عليه القرآن، فحفظه، ثم اتجه إلى طلب العلم، فتعلم الخط والحساب، وبعض فنون الآداب.
وكان الشيخ قد رزق ذكاء وزكاء، وهمة عالية، وحرصًا على التحصيل العلمي في مزاحمته الركب لمجالس العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ العلامة المفسر الفقيه عبد الرحمن بن ناصر السعدي وكان الشيخ عبد الرحمن قد أقام اثنين من طلابه لتعليم
стр. 10
الصغار، وهما الشيخ علي الصالحي، والشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فقرأ الشيخ محمد بن صالح العثيمين عليهما "مختصر العقيدة الواسطية"، للشيخ عبد الرحمن السعدي، و"منهاج السالكين في الفقه" للشيخ السعدي أيضًا، و"الآجرومية"، و"الألفية" في النحو والصرف، وهكذا كانت نشأة الشيخ بين أحضان العلماء.
ولم يرحل الشيخ لطلب العلم إلا إلى الرياض، حين فتحت المعاهد العلمية عام ١٣٧٢ هـ، فالتحق بها.
وبعد وفاة شيخه عبد الرحمن السعدي، الذي توفى في عنيزة عام ١٣٧٦ هـ، عن عمر يناهز التاسعة والستين، رشح بعض المشايخ لإمامة الجامع الكبير، إلا أنهم لم يستمروا على ذلك إلا مدة قصيرة جدًا، فرشح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لإمامة الجامع الكبير، عندها تصدى للتدريس مكان شيخه، ولم يتصدَّ للتأليف إلا عام ١٣٨٢ هـ، حين ألف أول كتاب له، وهو "فتح رب البرية بتلخيص الحموية"، وهو تلخيص لكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "الحموية في العقيدة".
واستغل الشيخ وجوده في الرياض بالدراسة على الشيخ عبد العزيز بن باز، فقرأ عليه من "صحيح البخاري"، وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الكتب الفقهية.
وقد عرض على الشيخ تولي القضاء من قبل مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ﵀،
стр. 11
الذي ألح على فضيلته بتولي القضاء، بل أصدر قراره بتعيينه رئيسًا للمحكمة الشرعية بالأحساء، فطلب منه الإعفاء، وبعد مراجعات واتصالات سمح بإعفائه من منصب القضاء.
مشايخه:
استفاد الشيخ أبو عبد الله في طلبه للعلم من عدة شيوخ منهم.
١ - الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المتوفى عام ١٣٧٦ هـ، المفسر المشهور، صاحب التفسير المعروف بـ"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" في ثمان مجلدات.
٢ - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء.
٣ - الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، المتوفي عام ١٣٩٣ هـ، المفسر، واللغوي، صاحب التفسير المشهور والمعروف بـ"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن".
٤ - الشيخ علي بن حمد الصالحي، ولا يزال على قيد الحياة، أطال الله عمره، وأحسن عمله.
٥ - الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، ﵀.
٦ - الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان، ﵀.
٧ - الشيخ عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ ﵀، جد
стр. 12
الشيخ من جهة أمه.
تلاميذه:
لا يمكن حصر جميع من تتلمذ على الشيخ؛ لأنهم ازدحموا في مجلسه -لاسيما في السنوات الأخيرة- بما يزيد على الخمسمائة طالب في بعض الدروس، على اختلاف مستوياتهم، وقد ذكرت مجموعة من طلابه البارزين في ترجمته المفصلة في "مجلة الحكمة" العدد الثاني لا على سبيل الحصر فارجع إليها.
منهجه العلمي:
لقد أوضح الشيخ -حفظه الله- منهجه، وصرح به مرات عديدة، أنه يسير على الطريقة التي انتهجها شيخه العلامة الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، يقول شيخنا أبو عبد الله: "لقد تأثرت كثيرًا بشيخي عبد الرحمن السعدي في طريقة التدريس، وعرض العلم، وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني".
والمنهج الذي سلكه الشيخ عبد الرحمن السعدي هو منهج خرج به عن المنهج الذي يسير عليه علماء الجزيرة -علماء نجد- عامتهم أو غالبتهم، حيث اعتماد المذهب الحنبلي في الفروع من مسائل الأحكام الفقهية، والاعتماد على كتاب "زاد المستنقع" في فقه الإمام أحمد بن حنبل، فكان الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي معروفًا بخروجه عن المذهب الحنبلي، وعدم التقيد به في مسائل كثيرة.
стр. 13
ومنهج الشيخ السعدي هو أنه كثيرًا ما يتبنى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ويرجحهما على المذهب الحنبلي، فلم يكن عنده الجمود تجاه مذهب معين، بل كان متجردًا للحق، وقد انطبعت فيه هذه الصفة وانتقلت إلى تلميذه محمد الصالح العثيمين.
ولا بأس في أن نذكر أمثلة لبعض المسائل التي خالف شيخنا أبو عبد الله العثيمين فيها شيخ الإسلام ابن تيمية منها:
١ - يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، ويرى شيخنا أنها واجبة.
٢ - يرى شيخ الإسلام أن المتمتع في الحج يكفيه سعي العمرة عن سعي الحج، ويرى شيخنا أن سعي العمرة لا يكفي عن سعي الحج.
٣ - يرى شيخ الإسلام جواز سفر المرأة بلا محرم مع الأمن، ويرى شيخنا عدم جواز سفر المرأة بلا محرم مطلقًا.
٤ - يرى شيخ الإسلام جواز الجمع بين الأختين من الرضاع، ويرى شيخنا التحريم لعموم حديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
٥ - يرى شيخ الإسلام جواز دفع الزكاة في قضاء دين الميت الذي لم يخلف وفاء، ويرى شيخنا عدم الجواز.
٦ - يرى شيخ الإسلام جواز تعفير الوجه بالتراب تذللًا لله
стр. 14
تعالى -ذكرها في الاختيارات- ويرى شيخنا ضعف هذا القول؛ لأن الأصل في العبادات المنع والحظر، حتى يقوم دليل على المشروعية.
٧ - يرى شيخ الإسلام أن للأم الثلث مع الإخوة المحجوبين بالأب، ويرى شيخنا أن للأم السدس؛ أي إن الأخوة، وإن كانوا محجوبين بالأب، لكن تأثيرهم على الأم يظل باقيًا، فيحجبونها حجب نقصان من الثلث إلى السدس، وهو قول الجمهور.
٨ - يرى شيخ الإسلام جواز الزيادة بين الربويين من جنس واحد في مقابل الصنعة، ويرى شيخنا عدم الجواز للعمومات الدالة على أن الذهب بالذهب لابد فيه من التساوي وزنًا بوزن، سواء بسواء، يدًا بيد.
٩ - يرى شيخ الإسلام أن المأموم تكفيه قراءة إمامه في الصلاة الجهرية، وهو المذهب، ويرى شيخنا وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الجهرية.
طبيعة الدرس عند الشيخ:
إن طبيعة الدرس التي التزمها الشيخ، وسار عليها، واتخذها منهجًا له منذ توليه التدريس في الجامع الكبير خلفًا لشيخه منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة تكمن في نمط معين؛ ذلك أن الشيخ يركز كثيرًا على حفظ المتون، ويطالب التلميذ ويتابعه على الحفظ في كل درس، بل إن الشيخ ينكر على من يحضر درسه ولا يلتزم الحفظ. وقد حفظنا على الشيخ كثيرًا من المتون المنثورة
стр. 15
والمنظومة.
ومن آثاره العلمية:
ذكرت من آثاره العلمية خمسة وخمسين مؤلفًا، وأكثرها عبارة عن رسائل صغيرة، فارجع إلى التفصيل في ذكرها إلى مجلتنا "مجلة الحكمة" في عددها الثاني، في ترجمة الشيخ -حفظه الله-. فقد أطلنا في ترجمته إلى ثلاثين صفحة فارجع إليها.
هذا ما تيسر كتابته وتدوينه باختصار عن ترجمة المؤلف، والله أسأل أن يَمُدَّ في عمره، ويحسن عمله، وينفع به الأمة إنه سميع قريب مجيب والحمد لله رب العالمين.
بقلم تلميذه
وليد بن أحمد الحسين أبو عبد الله الزبيري
رئيس تحرير مجلة الحكمة
стр. 16
مقدمة الطبعة الثانية
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد مَنَّ الله تعالى علينا بشرح "العقيدة الواسطية" التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدة أهل السنة والجماعة تقريرًا على الطلبة الذين درسوها علينا في المسجد، ومن أجل حرصهم على حفظ التقرير؛ قاموا بتسجيله ثم تفريغه كتابة من أشرطة التسجيل.
ومن المعلوم أن الشرح المتلقى من التقرير ليس كالشرح المكتوب بالتحرير؛ لأن الأول يعتريه من النقص والزيادة ما لا يعتري الثاني.
وقد تقدمت عدة مكاتب نشر بطلب طباعته، وسبق إلى ذلك (مكتبة طبرية)، فأخرجته بثوب قشيب، وعليه تعليقات مفيدة في تحقيقه وتخريج أحاديثه لأخينا أبي محمد أشرف بن عبد المقصود بن
стр. 17
عبد الرحيم وفقه الله وجزاه خيرًا.
ولكن؛ لما كان الشرح المتلقى من التقرير ليس كالشرح المكتوب بالتحرير؛ رأيت من المهم أن أقرأ الشرح بتمهُّل من أجل إخراج الشرح على الوجه المَرْضِيِّ، ففعلت ذلك ولله الحمد، وحذفت ما لا يُحتاج إليه، وزدت ما يُحتاج إليه.
وأسأل الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره؛ إنه قريب مجيب.
المؤلف
محمد العثيمين
٢٧/ ٣ / ١٤١٥ هـ
стр. 18
مقدمة الشارح
...
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فإنه هذا الكتاب الذي يسمى "العقيدة الواسطية" ألفه حبر الأمة في زمانه: أبو العباس، شيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، ﵀، المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
ولهذا الرجل من المقامات ـ التي يشكر عليها والتي نرجو من الله له المثوبة عليها ـ في الدفاع عن الحق ومهاجمة أهل الباطل ما يعلمه كل من تتبع كتبه وسبرها، والحقيقة أنه من نعم الله على هذه الأمة، لأن الله كف به أموراً عظيمة خطيرة على العقيدة الإسلامية.
وهذا الكتاب كتاب مختصر، يسمى "العقيدة الواسطية"، ألفه شيخ الإسلام، لأنه حضر إليه رجل من قضاة واسط، شكا إليه ما كان الناس يعانونه من المذاهب المنحرفة فيما يتعلق بأسماء الله
стр. 19
وصفاته، فكتب هذه العقيدة التي تُعدُّ زبدة لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالأمور التي خاض الناس فيها بالبدع وكثر فيها الكلام والقيل والقال.
وقبل أن نبدأ الكلام على هذه الرسالة العظيمة نحب أن نبين أن جميع رسالات الرسل، من أولهم نوح ﵊، إلى آخرهم محمد ﷺ ، كلها تدعو إلى التوحيد.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وذلك أن الخلق خلقوا لواحد, وهو الله ، خلقوا لعبادته، لتتعلق قلوبهم به؛ تألهاً, وتعظيماً، وخوفاً, ورجاء, وتوكلاً, ورغبة, ورهبة، حتى ينسلخوا عن كل شيء من الدنيا لا يكون معيناً لهم على توحيد الله في هذه الأمور؛ لأنك أنت مخلوق، لابد أن تكون لخالقك، قلباً وقالباً في كل شيء.
ولهذا كانت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى هذا الأمر الهام العظيم، عبادة الله وحده لا شريك له.
ولم يكن الرسل الذين أرسلهم الله إلى البشر يدعون إلى توحيد الربوبية كدعوتهم إلى توحيد الألوهية، ذلك أن منكري توحيد الربوبية قليلون جداً, وحتى الذين ينكرونه هم في
стр. 20
قرارة نفوسهم لا يستطيعون أن ينكروه، اللهم إلا أن يكونوا قد سُلبوا العقول المدركة أدنى إدراك، فإنهم قد ينكرون هذا من باب المكابرة.
وقد قسم العلماء ﵏ التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: توحيد الربوبية:
وهو "إفراد الله في أمور ثلاثة: في الخلق والملك والتدبير".
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف، ٥٤] ووجه الدلالة من الآية: أنه قدم فيها الخبر الذي من حقه التأخير، والقاعدة البلاغية: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ثم تأمل افتتاح هذه الآية بـ (ألا) الدالة على التنبيه والتوكيد: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٤]، لا لغيره، فالخلق هذا هو، والأمر هو التدبير.
أما الملك، فدليلة مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٢٧]، فإن هذا يدل على انفراده بالملك، ووجه الدلالة من هذه الآية كما سبق تقديم ما حقه التأخير.
إذاً، فالرب منفرد بالخلق والملك والتدبير.
فإن قلت: كيف تجمع بين ما قررت وبين إثبات الخلق لغير الله، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:
стр. 21
١٤]، ومثل قوله ﷺ في المصورين: "يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (١) , ومثال قوله تعالى في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" (٢)، فكيف تجمع بين قولك: أن الله منفرد بالخلق، وبين هذه النصوص؟!
فالجواب أن يقال: إن الخلق هو الإيجاد، وهذا خاص بالله تعالى، أما تحويل الشيء من صورة إلى أخرى، فإنه ليس بخلق حقيقة، وإن سمي خلقاً باعتبار التكوين، لكنه في الواقع ليس بخلق تام، فمثلا: هذا النجار صنع من الخشب باباً، فيقال: خلق باباً, لكن مادة هذه الصناعة الذي خلقها هو الله ، لا يستطيع الناس كلهم مهما بلغوا في القدرة أن يخلقوا عود أراك أبداً، ولا أن يخلقوا ذرة ولا أن يخلقوا ذباباً.
واستمع إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يشمل كل ما يدعى من دون الله من شجر وحجر وبشر وملك وغيره، كل الذين يدعون من دون الله
стр. 22
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، ولو انفرد كل واحد بذلك، لكان عجزه من باب أولى، ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]، حتى الذين يدعون من دون الله لو سلبهم الذباب شيئاً، ما استطاعوا أن يستنقذوه من هذا الذباب الضعيف، ولو وقع الذباب على أقوى ملك في الأرض، ومص من طيبه، لا يستطيع هذا الملك أن يستخرج الطيب من هذا الذباب، وكذلك لو وقع على طعامه، فإذاً الله هو الخالق وحده.
فإن قلت: كيف تجمع بين قولك: إن الله منفرد بالملك وبين إثبات الملك للمخلوقين، مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] ﴿إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦١]؟
فالجواب: أن الجمع بينهما من وجهين:
الأول: أن ملك الإنسان للشيء ليس عاماً شاملاً، لأنني أملك ما تحت يدي، ولا أملك ما تحت يدك والكل ملك لله ، فمن حيث الشمول: مُلكُ الله أشمل وأوسع، وهو ملك تام.
الثاني: أن ملكي لهذا الشيء ليس ملكاً حقيقياً أتصرف فيه كما أشاء، وإنما أتصرف فيه كما أمر الشرع، وكما أذن المالك الحقيقي، وهو الله ، ولو بعت درهماً بدرهمين، لم أملك ذلك، ولا يحل لي ذلك، فإذا ملكي قاصر, وأيضاً لا أملك فيه شيئاً من الناحية القدرية، لأن التصرف لله، فلا أستطيع أن أقول
стр. 23
لعبدي المريض: ابرأ! فيبرأ، ولا أستطيع أن أقول لعبدي الصحيح الشحيح: امرض! فيمرض، لكن التصرف الحقيقي لله ، فلو قال له: ابرأ! برأ، ولو قال: امرض! مرض، فإذا لا أملك التصرف المطلق شرعاً وقدراً، فملكي هنا قاصر من حيث التصرف، وقاصر من حيث الشمول والعموم، وبذلك يتبين لنا كيف كان انفراد الله بالملك.
وأما التدبير، فللإنسان تدبير، ولكن نقول: هذا التدبير قاصر، كالوجهين السابقين في الملك، ليس كل شيء أملك تدبير فيه, وإنما أملك تدبير ما كان تحت حيازتي وملكي, وكذلك لا أملك تدبيره إلا على وفق الشرع الذي أباح لي هذا التدبير.
وحينئذ يتبين أن قولنا: "إن الله منفرد بالخلق والملك والتدبير": كلية عامة مطلقة، لا يستثنى منها شيء، لأن كل ما أوردناه لا يعارض ما ثبت لله من ذلك.
القسم الثاني: توحيد الألوهية:
وهو إفراد الله بالعبادة؛ بألا تكون عبداً لغير الله، لا تعبد ملكاً ولا نبياً ولا ولياً ولا شيخاً ولا أُمَّاً ولا أباً، لا تعبد إلا الله وحده، فتفرد الله وحده بالتأله والتعبد، ولهذا يسمى: توحيد الألوهية، ويسمى: توحيد العبادة، فباعتبار إضافته إلى الله هو توحيد ألوهية، وباعتبار إضافته إلى العابد هو توحيد عبادة.
والعبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما المحبة والتعظيم،
стр. 24
الناتج عنهما: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة والخوف.
ولهذا كانت العبادة أوامر ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم والرهبة من هذا العظيم.
فإذا أحببت الله ، رغب فيما عنده ورغب في الوصول إليه، وطلبت الطريق الموصل إليه، وقمت بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمته خفت منه، كلما هممت بمعصية، استشعرت عظمة الخالق ، فنفرت، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهذه من نعمة الله عليك، إذا هممت بمعصية، وجدت الله أمامك، فهبت وخفت وتباعدت عن المعصية، لأنك تعبد الله رغبة ورهبة.
فما معنى العبادة؟
العبادة: تطلق على أمرين، على الفعل والمفعول.
تطلق على الفعل الذي هو التعبد، فيقال: عبد الرجل ربه عبادة وتعبداً وإطلاقها على التعبد من باب إطلاق اسم المصدر، ونعرفها باعتبار إطلاقها على الفعل بأنها: "التذلل لله حباً وتعظيماً، بفعل أوامره واجتناب نواهيه". وكل من ذل لله عز بالله، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨].
стр. 25
وتطلق على المفعول، أي: المتعبد به, وهي بهذا المعنى تعرف بما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال ﵀: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" (١)
هذا الشيء الذي تعبدنا الله به يجب توحيد الله به، لا يصرف لغيره، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر والخشية والتوكل .. إلى غير ذلك من العبادات.
فإن قلت: ما هو الدليل على أن الله منفرد بالألوهية؟
فالجواب: هناك أدلة كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وأيضاً قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، لو لم يكن من فضل العلم إلا هذه المنقبة، حيث إن الله ما أخبر أن أحداً شهد بألوهيته إلا أولو العلم، نسأل الله أن يجعلنا منهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] , بالعدل، ثم قرر هذه الشهادة بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل
стр. 26
عمران: ١٨] ,فهذا دليل واضح على أنه لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنتم تشهدون أن لا إله إلا الله.
هذه الشهادة الحق؛ إذا قال قائل: كيف تقرونها مع أن الله تعالى يثبت ألوهية غيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]، ومثل قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، ومثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، ومثل قول إبراهيم: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ... إلى غير ذلك من الآيات، كيف تجمع بين هذا وبين الشهادة بأن لا إله إلا الله؟
فالجواب: أن ألوهية ما سوى الله ألوهية باطلة، مجرد تسمية، ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، فألوهيتها باطلة، وهي وإن عبدت وتأله إليها من ضل، فإنها ليست أهلا لأن تعبد، فهي آلهة معبودة، لكنها آلهة باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠].
وهذا النوعان من أنواع التوحيد لا يجحدهما ولا ينكرهما أحد من أهل القبلة المنتسبين إلى الإسلام، لأن الله تعالى موحد بالربوبية والألوهية، لكن حصل فيما بعد أن من الناس من ادعى ألوهية أحد من البشر، كغلاة الرافضة مثلاً، الذين يقولون: إن علياً إليه، كما صنع زعيمهم عبد الله بن سبأ، حيث جاء إلى علي بن أبي طالب ﵁، وقال له: أنت الله حقاً! لكن عبد الله بن سبأ
стр. 27
أصله يهودي دخل في دين الإسلام بدعوى التشيع لآل البيت، ليفسد على أهل الإسلام دينهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: "إن هذا صنع كما صنع بولص حين دخل في دين النصارى ليفسد دين النصارى" (١). هذا الرجل عبد الله بن سبأ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ أنت الله حقاً! وعلي ابن أبي طالب لا يرضى أن أحداً ينزله فوق منزلته هو حتى إنه ﵁ من إنصافه وعدله وعلمه وخبرته كان يقول منزلته هو حتى إنه ﵁ من إنصافه وعدله وعلمه وخبرته كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" (٢)، يعلن ذلك في الخطبة، وقد تواتر النقل عنه بذلك ﵁، والذي يقول هكذا ويقر بالفضل لأهله من البشر كيف يرضي أن يقول له قائل: إنك أنت الله؟ ! ولهذا عزرهم أبشع تعزير، أمر بالأخاديد فخدت، ثم ملئت حطباً وأوقدت، ثم أتى بهؤلاء فقذفهم في النار وأحرقهم بها، لأن فريتهم عظيمة ـ والعياذ بالله ـ وليست هينة،
стр. 28
ويقال: إن عبد الله بن سبأ هرب ولم يمسكوه المهم أن علي بن أبي طالب ﵁ أحرق السبئية بالنار، لأنهم ادعوا فيه الألوهية.
فنقول: كل من كان من أهل القبلة لا ينكرون هذين النوعين من التوحيد: وهما: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وإن كان يوجد في بعض أهل البدع من يؤله أحداً من البشر.
لكن الذي كثر فيه النزاع بين أهل القبلة هو:
القسم الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات:
هذا هو الذي كثر فيه الخوض، فانقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام، وهم: ممثل، ومعطل، ومعتدل، والمعطل: إما مكذب أو محرف.
وأول بدعة حدث في هذه الأمة هي بدعة الخوارج، لأن زعيمهم خرج على النبي ﷺ وهو ذو الخويصرة من بني تميم، حين قسم النبي ﷺ ذهبية جاءت فقسمها بين الناس، فقال له هذا الرجل: يا محمد! اعدل (١) ! فكان هذا أول خروج خُرِج به على الشريعة الإسلامية، ثم عظمت فتنتهم في أواخر خلافة عثمان وفي الفتنة بين علي ومعاوية، فكفروا المسلمين واستحلوا دماءهم.
стр. 29
ثم حدثت بدعة القدرية مجوسي هذه الأمة الذين قالوا: إن الله لم يقدر أفعال العباد وليست داخلة تحت مشيئته وليست مخلوقة له، بل كان زعماؤهم وغلاتهم يقولون: إنها غير معلومة لله، ولا مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن الله لا يعلم بما يصنع الناس، إلا إذا وقع ذلك ويقولون: إن الأمر أُنف، أي: مستأنف وهؤلاء أدركوا آخر عصر الصحابة، فقد أدركوا زمن عبد الله بن عمر ﵁ وعبادة بن الصامت وجماعة من الصحابة، لكنه في أواخر عصر الصحابة.
ثم حدثت بدعة الإرجاء وأدركت زمن كثير من التابعين، والمرجئة هم الذين يقولون: إنه لا تضر المعصية مع الإيمان تزني وتسرق وتشرب الخمر، وتقتل ما دمت مؤمنا، فأنت مؤمن كامل الإيمان وإن فعلت كل معصية!
لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كلام القدرية والمرجئة حين رده بقايا الصحابة كان في الطاعة والمعصية والمؤمن والفاسق، لم يتكلموا في ربهم وصفاته.
فجاء قوم من الأذكياء! ممن يدعون أن العقل مقدم على الوحي، فقالوا قولا بين القولين ـ قول المرجئة وقول الخوارج ـ قالوا: الذي يفعل الكبيرة ليس بمؤمن كما قاله المرجئة، وليس بكافر كما قاله الخوارج، بل هو في منزلة بين منزلتين، كرجل سافر من مدينة إلى أخرى فصار في أثناء الطريق، فلا هو في
стр. 30
مدينته ولا في التي سافر إليها، بل في منزلة بين منزلتين، هذا في أحكام الدنيا، أما في الآخرة، فهو مخلد في النار، فهم يوافقون الخوارج في الآخرة، لكن في الدنيا يخالفونهم.
ظهرت هذه البدعة وانتشرت، ثم حدثت بدعة الظلمة والجهمة، وهي بدعة جهم بن صفوان وأتباعه، ويسمون الجهمية، حدثت هذه البدعة، وهي لا تتعلق بمسألة الأسماء، والأحكام، مؤمن أم كافر أم فاسق، ولم في منزلة بين منزلتين، بل تتعلق بذات الخالق.
انظر كيف تدرجت البدع في صدر الإسلام، حتى وصلوا إلى الخالق جل وعلا، وجعلوا الخالق بمنزلة المخلوق، يقولون كما شاؤوا، فيقولون: هذا ثابت لله، وهذا غير ثابت، هذا يقبل العقل أن يتصف الله به، وهذا لا يقبل العقل أن يتصف به، فحدثت بدعة الجهمية والمعتزلة، فانقسموا في أسماء الله وصفاته إلى أقسام متعددة:
١ - قسم قالوا: لا يجوز أبداً أن نصف الله لا بوجود ولا بعدم، لأنه إن وصف بالوجود، أشبه الموجودات، وإن وصف بالعدم، أشبه المعدومات، وعليه يجب نفي الوجود والعدم عنه، وما ذهبوا إليه، فهو تشبيه للخالق بالممتنعات والمستحيلات، لأن تقابل العدم والوجود تقابل نقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشيء ولا تقبله، فانظر كيف فروا من شيء فوقعوا في أشر منه!
стр. 31
٢ - وقسم آخر قالوا: نصفه بالنفي ولا نصفه بالإثبات، يعني: أنهم يجوزون أن تسلب عن الله الصفات لكن لا تثبت، يعني: لا نقول: هو حي، وإنما نقول: ليس بمبيت! ولا نقول: عليم، بل نقول: ليس بجاهل ... وهكذا. قالوا: لو أثبت له شيئاً شبهته بالموجودات، لأنه على زعمهم كل الأشياء الموجودة متشابهة، فأنت لا تثبت له شيئاً، وأما النفي، فهو عدم، مع أن الموجود في الكتاب والسنة في صفات الله من الإثبات أكثر من النفي بكثير.
قيل لهم: إن الله قال عن نفسه: سميع بصير!
قالوا: هذا من باب الإضافات، بمعنى: نُسِب إليه السمع لا لأنه متصف به، ولكن لأن له مخلوقا يسمع، فهو من باب الإضافات، فـ (سميع)، يعني: ليس له سمع، لكن له مسموع. وجاءت طائفة ثانية، قالوا: هذه الأوصاف لمخلوقاته، وليست له، أما هو، فلا يثبت له صفة.
٣ - وقسم قالوا: يثبت له الأسماء دون الصفات، وهؤلاء هم المعتزلة أثبتوا أسماء الله، قالوا: إن الله سميع بصير قدير عليم حكيم ... لكن قدير بل قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة.
وقسم رابع قالوا: نثبت له الأسماء حقيقة، ونثبت له صفات معينة دل عليها لعقل وننكر الباقي، نثبت له سبع صفات فقط والباقي ننكره تحريفاً لا تكذيباً، لأنهم لو أنكروه تكذيباً،
стр. 32
كفروا، لكن ينكرونه تحريفاً وهو ما يدعون أنه "تأويل".
الصفات السبع هي مجموعة في قوله:
له الحياة والكلام والبصر ... سمع إرادة وعلم واقتدر
فهذه الصفات نثبتها لأن العقل دل عليها وبقية الصفات ما دل عليها العقل، فنثبت ما دل عليه العقل، وننكر ما لم يدل عليه العقل وهؤلاء هم الأشاعرة، آمنوا بالبعض، وأنكروا البعض.
فهذه أقسام التعطيل في الأسماء والصفات وكلها متفرعة من بدعة الجهم، "ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١).
فالحاصل أنكم أيها الإخوة لو طالعتم في كتب القوم التي تعتني بجمع أقاويل الناس في هذا الأمر، لرأيتم العجب العجاب، الذي تقولون: كيف يتفوه عاقل ـ فضلاً عن مؤمن ـ بمثل هذا الكلام؟! ولكن ... من لم يجعل الله له نوراً، فما له من نور! الذي أعمى الله بصيرته كالذي أعمى الله بصره، فكما أن أعمى البصر لو وقف أمام الشمس التي تكسر نور البصر لم يرها، فكذلك من أعمى الله بصيرته لو وقف أمام أنوار الحق ما رآها والعياذ بالله.
ولهذا ينبغي لنا دائماً أن نسأل الله تعالى الثبات على الأمر،
стр. 33
وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا لأن الأمر خطير، والشيطان يدخل على ابن آدم من كل صوب ومن كل وجه ويشككه في عقيدته وفي دينه وفي كتاب الله وسنة رسوله فهذه في الحقيقة البدع التي انتشرت في الأمة الإسلامية.
ولكن ولله الحمد ما ابتدع أحد بدعة، إلا قيض الله له بمنه وكرمه من يبين هذه البدعة ويدحضها بالحق وهذا من تمام مدلول قول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، هذا من حفظ الله لهذا الذكر، وهذا أيضاً هو مقتضى حكمة الله ، لأن الله تعالى جعل محمداً ﷺ خاتم النبيين، والرسالة لابد أن تبقى في الأرض، وإلا لكان للناس حجة على الله وإذا كانت الرسالة لابد أن تبقى في الأرض، لزم أن يقيض الله بمقتضى حكمته عند كل بدعة من يبينها ويكشف عورها، وهذا هو الحاصل، ولهذا أقول لكم دائماً: احرصوا على العلم، لأننا في هذا البلد في مستقبل إذا لم نتسلح بالعلم المبني على الكتاب والسنة، فيوشك أن يحل بنا ما حل في غيرنا من البلاد الإسلامية، وهذا البلد الآن هو الذي يركز عليه أعداء الإسلام ويسلطون عليه سهامهم، من أجل أن يضلوا أهلها، فذلك تسلحوا بالعلم، حتى تكونوا على بينة من أمر دينكم وحتى تكونوا مجاهدين بألسنتكم وأقلامكم لأعداء الله .
وكل هذه البدع انتشرت بعد الصحابة، فالصحابة رضي الله
стр. 34
عنهم لم يكونوا يبحثون في هذه الأمور، لأنهم يتلقون الكتاب والسنة على ظاهرهما وعلى ما تقتضيه الفطرة، والفطرة السليمة سليمة، لكن أتى هؤلاء المبتدعون، فابتدعوا في دين الله تعالى ما ابتدعوا، إما لقلة علمهم، أو لقصور فهمهم، أو لسوء قصدهم، فأفسدوا الدنيا بهذه البدع التي ابتدعوها، ولكن كما قلنا: إن الله تعالى بحكمته وحمده ومنته وفضله ما من بدعة خرجت إلا قيض الله لها من يدحضها ويبينها.
ومن جملة الذين بينوا البدع وقاموا قياماً تاماً بدحضها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأسأل الله لي ولكم أن يجمعنا في جنات النعيم.
هذا الرجل الذي نفع الله بما آتاه من فضله ومن على الأمة بمثله ألف هذه "العقيدة" كما قلت إجابة لطلب أحد قضاة واسط الذي شكا إليه ما كان الناس عليه من البدع وطلب منه أن يؤلف هذه "العقيدة" فألفها.
стр. 35
شرح العقيدة الواسطية
...
شرح مقدمة ابن تيمية
* قول المؤلف ﵀ "بسم الله الرحمن الرحيم":
الشرح
البداية بالبسملة هي شأن جميع المؤلفين، اقتداء بكتاب الله، حيث أنزل البسملة في ابتداء كل سورة واستناداً إلى سنة الرسول ﷺ .
وإعراب البسملة ومعناها تكلم فيه الناس كثيراً، وفي متعلقها، وأحسن ما يقال في ذلك: أنها متعلقة بفعل محذوف متأخر مناسب للمقام، فإذا قدمتها بين يدي الأكل، فيكون التقدير: بسم الله آكل، وبين يدي القراءة يكون التقدير: بسم الله اقرأ.
نقدره فعلاً، لأن الأصل في العمل الأفعال لا الأسماء، ولهذا كانت الأفعال تعمل بلا شرط، والأسماء لا تعمل إلا بشرط، لأن العمل أصل في الأفعال تعمل بلا شرط، والأسماء، ولهذا كانت الأفعال تعمل بلا شرط، والأسماء لا تعمل إلا بشرط، لأن العمل أصل في الأفعال، فرع في الأسماء.
ونقدره متأخراً لفائدتين:
الأولى: الحصر، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، فيكون: باسم الله أقرأ، بمنزلة: لا أقرأ إلاّ باسم الله.
стр. 36
الثانية: تيمناً بالبداءة باسم الله .
ونقدره خاصاً، لأن الخاص أدل على المقصود من العام، إذ من الممكن أن أقول: التقدير: باسم الله أبتدئ لكن (باسم الله أبتدئ) لا تدل على تعيين المقصود، لكن (باسم الله أقرأ) خاص، والخاص أدل على المعنى من العام.
"الله" علم على نفس الله ، ولا يسمى به غيره ومعناه: المألوه، أي: المعبود محبة وتعظيماً وهو مشتق على القول الراجح لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، فإن ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بلفظ الجلالة، يعني: وهو المألوه في السموات وفي الأرض.
"الرحمن"، فهو ذو الرحمة الواسعة، لأن (فعلان) في اللغة العربية تدل على السعة والامتلاء، كما يقال: رجل غضبان: إذا امتلأ غضباً.
"الرحيم": اسم يدل على الفعل، لأنه فعيل بمعنى فاعل فهو دال على الفعل.
فيجتمع من "الرحمن الرحيم": أن رحمة الله واسعة وأنها واصلة إلى الخلق. وهذا هو ما أومأ إليه بعضهم بقوله: الرحمن رحمة عامة والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، ولما كانت رحمة الله للكافر رحمة خاصة في الدنيا فقط فكأنها لا رحمة لهم، لأنهم في الآخرة يقول تعالى لهم إذا سألوا الله أن يخرجهم من النار وتوسلوا إلى الله تعالى بربوبيته واعترافهم على أنفسهم:
стр. 37
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، فلا تدركهم الرحمة، بل يدركهم العدل، فيقول الله لهم: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
* قوله: "الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً"
شرح:
قوله: "الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق": الله تعالى يحمد على كماله وعلى إنعامه، فنحن نحمد الله لأنه كامل الصفات من كل وجه، ونحمده أيضاً لأنه كامل الأنعام والإحسان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، وأكبر نعمة أنعم الله بها على الخلق إرسال الرسل الذي به هداية الخلق، ولهذا يقول المؤلف: "الحمد لله الذي أرسل رسول رسوله بالهدى ودين الحق".
و المراد بالرسول هنا الجنس، فإن جميع الرسل أرسلوا بالهدى ودين الحق، ولكن الذي أكمل الله به الرسالة محمد ﷺ ، فإنه قد ختم الله به الأنبياء، وتم به البناء، كما وصف محمد ﷺ نفسه بالنسبة للرسل، كرجل بنى قصراً وأتمه، إلا موضع لبنة، فكان الناس يأتون إلى هذا القصر ويتعجبون منه، إلا موضع هذه اللبنة، يقول: "فأنا اللَبِنَة، وأنا خاتم النبيين" (١)، عليه الصلاة
стр. 38
والسلام.
وقوله: "بالهدى": الباء هنا للمصاحبة, والهدى هو العلم النافع ويحتمل أن تكون الباء للتعدية، أي: إن المرسل به هو الهدى ودين الحق.
و"ودين الحق" هو العمل الصالح، لأن الدين هو العمل أو الجزاء على العمل، فمن إطلاقه على العمل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ومن إطلاقه على الجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧]. والحق ضد الباطل، وهو ـ أي الحق ـ المتضمن لجلب المصالح ودرء المفاسد في الأحكام والأخبار.
قوله: "ليظهره على الدين كله": اللام للتعليل ومعنى "ليظهره"، أي: يعليه، لأن الظهور بمعنى العلو، ومنه: ظهر الدابة أعلاها ومنه: ظهر الأرض سطحها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].
والهاء في "يظهره" هل هو عائد على الرسول أو على الدين؟
إن كان عائداً على "دين الحق"، فكل من قاتل لدين الحق سيكون هو العالي. لأن الله يقول: "ليظهره"، يظهر هذا الدين على الدين كله، وعلى مالا دين له فيظهره عليهم من باب أولى، لأمن لا يدين أخبث ممن يدين بباطل، فإذا: كل الأديان التي يزعم أهلها أنهم على حق سيكون دين الإسلام عليه ظاهراً، ومن سواهم من باب أولى.
стр. 39
وإن كان عائداً إلى الرسول ﵊، فإنما يظهر الله رسوله لأن معه دين الحق.
وعلى كلا التقديرين، فإن من تمسك بهذا الدين الحق، فهو الظاهر العالي، ومن ابتغى العزة في غيره، فقد ابتغى الذل، لأنه لا ظهور ولا عزة ولا كرامة إلا بالدين الحق، ولهذا أنا أدعوكم معشر الإخوة إلى التمسك بدين الله ظاهراً أو باطناً في العبادة والسلوك والأخلاق، وفي الدعوة إليه، حتى تقوم الملَّة وتستقيم الأمة.
قوله: "وكفى بالله شهيداً" يقول أهل اللغة: إن الباء هنا زائدة، لتحسين اللفظ والمبالغة في الكفاية، وأصلها: "وكفى الله".
و"شهيداً": تمييز محول عن الفاعل لأن أصلها "وكفت شهادة الله".
المؤلف جاء بالآية؛ ولو قال قائل: ما مناسبة "كفى بالله شهيداً"، لقوله: "ليظهره على الدين كله "؟
قيل: المناسبة ظاهرة، لأن هذا النبي ﵊ جاء يدعو الناس ويقول: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار (١). ويقول بلسان الحال: من أطاعني سالمته، ومن
стр. 40
عصاني حاربته ويحارب الناس بهذا الدين، ويستبيح دماءهم وأموالهم ونساءهم وذريتهم، وهو في ذلك منصور مؤزر غالب غير مغلوب، فهذا التمكين له في الأرض، أي تمكين الله لرسوله في الأرض: شهادة من الله فعلية بأنه صادق وأن دينه حق، لأن كل من افترى على الله كذباً فمآله الخذلان والزوال والعدم، وانظر إلى الذين ادعوا النبوة ماذا كان مآلهم؟ أن نسوا وأهلكوا، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي .... وغيرهما ممن ادعوا النبوة، كلهم تلاشوا وبان بطلان قولهم وحرموا الصواب والسداد لكن هذا النبي محمداً ﷺ على العكس دعوته إلى الآن والحمد لله باقية، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم عليها، دعوته إلى الآن باقية وإلى أن تقوم الساعة ثابتة راسخة، يستباح بدعوته إلى اليوم دماء من ناوأها من الكفار وأموالهم، وتسبى نساؤهم وذريتهم (١)، هذه الشهادة فعلية، ما أخذه الله ولا فضحه ولا كذبه، ولهذا جاءت بعد قوله: "ليظهره على الدين كله".
* وقوله: "وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، إقراراً به وتوحيداً".