وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ .
قال البغوي ﵀ سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهَاجِرُوا, نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ : "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ, وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغربها". فَلَمَّا اسْتَقَرَّ١ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإسلام, مثل
ــ
الله له بالهجرة هاجر إليهم. وكان بعض أصحابه قد هاجر قبل ذلك إلى الحبشة ومكثوا عند النجاشي مدة. ثم هاجر بقيتهم إلى المدينة فلما استقر بالمدينة جاء الذين في الحبشة إلى المدينة واستقر الجميع في المدينة والحمد لله.
١. فلما استقر في المدينة بعد الهجرة أمره الله ببقية شرائع الإسلام من الزكاة وصيام رمضان وحج البيت والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المدينة صارت دار إسلام وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فلهذا أمروا بهذه الأمور؛ لأنهم يتمكنون حينئذ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا من ﵀ أن أجل هذه الواجبات إلى أن هاجر إلى المدينة وكان أصل الزكاة
стр. 72
الزَّكَاةِ, وَالصَّوْمِ, وَالْحَجِّ, وَالأَذَانِ, وَالْجِهَادِ, وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ.
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ, وَتُوُفِّيَ١ , صلاة الله وسلامه عليه,
ــ
مشروعاً في مكة كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١, ولكن أنصباؤها ومصارفها وتفاصيل أحكامها, كل هذا صار في المدينة وهكذا صيام رمضان شرع في السنة الثانية من الهجرة, وهكذا الحج شرع في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة وأنزل الله فيه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٢, في سورة آل عمران وهي مدنية. وهكذا الجهاد أمر به في المدينة, وكان في أول الأمر يجاهد من جاهده, ويكف عمن كف عنه, ثم أمر بأن يبدأهم بالقتال, وأن يجاهد الكفار وإن لم يبدأوا, فيدعوهم إلى الله يرشدهم إليه, فإن أجابوا وإلا قاتلهم؛ حتى يستجيبوا للحق إلا أهل الكتاب فإنه يقبل منهم الجزية. وسن الله في المجوس ٣ سنة أهل الكتاب. إما إسلام وأما جزية. وأما بقية الكفرة إما الإسلام وإما السيف مع القدرة.
١. وبعدما أكمل الله به الدين توفاه الله إليه بعد عشر سنين من الهجرة قال الله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ .
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ .
وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾
وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ
ــ
وقال سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢, فهم محاسبون ومجزيون يوم القيامة, ويعطون كتبهم بأيمانهم وشمائلهم فالسعيد يعطى كتابه بيمينه, والشقي يعطى كتابه بشماله. السعيد يرجح ميزانه والكافر يخف ميزانه, وأصحاب المعاصي على خطر فقد يرجح ميزانهم بالتوبة, أو بعفو الله, أو بالحسنات, وقد يخف ميزانهم فيكونوا من أهل النار, فيعذبون فيها ما شاء الله, ثم يخرجهم الله من النار بسبب موتهم على الإسلام. فالواجب على كل مكلف أن
стр. 75
لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
وَأَرْسَلَ اللهُ١ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
ــ
يحذر سيئات العمل, وأن يلزم التوبة والاستقامة؛ لأنه لا يدري متى يهجم عليه الأجل. فالحزم كل الحزم أن يأخذ المسلم بالعزيمة؛ ويجاهد نفسه حتى يستقيم على الحق, والتوبة النصوح من جميع الذنوب, حتى إذا هجم عليه الأجل إذا هو على خير عمل وعلى استقامة فيفوز بالسعادة والنجاة يوم القيامة.
١. والرسول ﷺ مرسل إلى جميع الناس إلى الجن والإنس, كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٢ فهو خاتم الأنبياء ليس بعده نبي, وهكذا الرسل جميعاً أرسلوا إلى أممهم مبشرين ومنذرين, من أولهم إلى آخرهم, فأولهم نوح ٣ بعثه لما وقع الشرك في قومه.
وقبله آدم فإنه نبي رسول مكلف. أرسله الله إلى ذريته؛
стр. 76
َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ , وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا
ــ
ليعبدوا الله بالشريعة التي جاء بها أبوهم آدم ﵊, واستمروا على الإسلام والاستقامة, حتى وقع الشرك في قوم نوح, فلما وقع الشرك في قوم نوح, أرسل الله إليهم نوحاً ﵊, وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك. وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً. فعاد أرسل الله إليهم هودا, ثم أرسل الله صالحاً إلى قومه ثمود, ثم أرسل إبراهيم ولوطاً وشعيباً في زمان متقارب, ثم جاءت الرسل بعد ذلك تترى, ففيهم موسى وهارون وعيسى وأيوب وداود وسليمان, ثم ختموا بمحمد ﵊.
١. ثم ختموا بمحمد ﵊, وهو خاتمهم وآخرهم وأفضلهم ﵊, قال الله جل وعلا: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١, فقوله مبشرين يعني: يبشرون من أطاعهم بالجنة. ومنذرين: يعني ينذرون الناس من الشرك بالله, ومن النار والعذاب الأليم, إذا خالفوا أمر الله. وهكذا محمد ﷺ أرسله الله بشيراً ونذيراً, كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِه
стр. 77
إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾
وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم ١
ــ
وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ ١, وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢, فالواجب على جميع الأمم اتباع رسلهم. فكل أمة يجب عليها أن تتبع رسولها, وتنقاد لما جاء به من الهدى, وقد وعدها الله على ذلك السعادة في الدنيا والآخرة, وأكثر الخلق قد عصوا رسلهم وخالفوا ما جاءت به الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣,وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٥, وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦.
١. وكل رسول يدعو أمته إلى توحيد الله, وطاعته, وترك الشرك به ومعصيته. قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ , اعبدوا الله يعني: أطيعوه ووحدوه واستقيموا على دينه, واجتنبوا الطاغوت.
стр. 78
بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ, وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ. والدليل قوله
ــ
١. والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله وهو راض. وكل من حكم بغير ما أنزل الله أو دعا ذلك. والطاغوت هو الذي يتجاوز الحد إما بشركه وكفره, وإما بدعوته إلى ذلك, وشرهم ورأسهم إبليس لعنه الله. وهكذا كل من دعا إلى عبادة نفسه, أو رضي أن يعبد من دون الله, كفرعون والنمرود, أو ادعي شيئاً من علم الغيب, كالكهنة والعرافين والسحرة في الجاهلية وفي الإسلام. وكذلك من حكم بغير ما أنزل الله متعمداً, فهؤلاء رؤوس الطواغيت, وكل من جاوز الحد, وخرج عن طاعته الله, يسمى طاغوت. قال تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١ فالرشد: الإسلام وما جاء به النبي ﷺ والغي: الكفر بالله والضلال. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. فيكفر بالطاغوت, يعني: يتبرأ منه, ويعتقد بطلانه, فيتبرأ من الشرك: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ يعني: يصدق أن الله معبوده , وإلهه الحق , ويؤمن بالشريعة وبمحمد ﵊ وينقاد لذلك. هذا هو المؤمن. ثم قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ . يعني:استعصم: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وهي لا إله إلا الله كلمة التوحيد. يعني: فقد
стр. 79
تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
ــ
استمسك بالعروة التي لا انقطاع لها. بل من استمسك بها صادقاً, واستقام عليها, وصل إلى الجنة والكرامة، لأن لها حقوقاً, وهي توحيد الله, وطاعته واتباع شريعته. ومحمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو رسول الله إلى جميع أهل الأرض. من الجن والإنس. فيجب على جميع المكلفين, طاعته واتباع شريعته. ولا يجوز لأحد الخروج عنها, وجميع الشرائع الماضية كلها نسخت بشريعته ﵊ كما قال الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١ الآية وقال قبلها سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٣, وقال ﵊ في الحديث الصحيح: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار " ٤, أخرجه مسلم في صحيحه. والآيات
стр. 80
وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ, وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ, وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ, وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ, وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ, وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ, وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا اله إِلا اللهُ, وفي الحديث: "رأس الأمر١
ــ
والأحاديث في ذلك كثيرة, وقد أجمع أهل العلم ﵏ على أنه لا يسمع أحداً من هذه الأمة الخروج على شريعة محمد ﷺ وأن من اعتقد ذلك فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة.
١. وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ, وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ, وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" ١.
стр. 81
الإِسْلامِ, وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ, وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سبيل الله". والله أعلم.
ــ
فعلى جميع المكلفين أن يوحدوا الله, ويعبدوه دون كل ما سواه, وأن يكفروا بالطاغوت, وينكروا عبادته, ويلتزموا بالتوحيد, واتباع شريعته , وتعظيم أمره ونهيه.
ورأس الأمر يعني: رأس الدين هو الإسلام. يعني: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمداً رسول الله. فمن التزم بها دخل الإسلام, وعموده الصلاة وهي الركن الثاني وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين, ثم يلي ذلك الزكاة والصيام والحج وبقية أوامر الله. وذروة سنامه, الجهاد في سبيل الله، لأن به صيانة الدين وحمايته, وبه دعوة الناس إلى دين الله وإلزامهم بالحق.
فهو ذروة سنامه، من جهة ما تضمنه من حماية الدين، والدعوة إلى الحق. والله أعلم.