← Акыда

Акыда · id 11257

شرح ثلاثة الأصول للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (236 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ترجمة مؤلف كتاب (ثلاثة الأصول) شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نسبه: هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن رشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر من بني تميم. مولده: ولد هذا العالم في بلدة العيينة سنة ١١١٥ هجرية في بيت علم وشرف ودين، فأبوه عالم كبير، وجده سليمان عالم نجد في زمانه. نشأته: حفظ القرآن قبل بلوغ عشر سنين، ودرس في الفقه حتى نال حظاً وافراً وكان موضع الإعجاب من والده لقوة حفظه، وكان كثير المطالعة في كتب التفاسير والحديث، وجد في طلب العلم ليلاً ونهاراً، فكان يحفظ المتون العلمية في شتى الفنون، ورحل في طلب العلم في ضواحي نجد وفي مكة وقرأ على علمائها، ثم رحل إلى المدينة النبوية فقرأ على علمائها، ومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الشمري، كما قرأ على ابنه الفرضي الشهير إبراهيم الشمري مؤلف العذب الفائض في شرح ألفية الفرائض وعرفاه بالمحدث الشهير محمد حياة السندي فقرأ عليه في علم

стр. 2

الحديث ورجاله وأجازه بالأمهات. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى – قد وهبه الله فهماً ثاقباً وذكاءً مفرطاً وأكب على المطالعة والبحث، والتأليف وكان يثبت ما يمر عليه من الفوائد أثناء القراءة والبحث وكان لا يسأم من الكتابة وقد خط كتباً كثيرة من مؤلفات ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله – ولا تزال بعض المخطوطات الثمينة بقلمه السيال موجودة بالمتاحف. ولما توفى والده – سنة ١١٥٣ هـ – أخذ يعلن جهراً بالدعوة السلفية إلى توحيد الله وإنكار المنكر ويهاجم المبتدعة أهل الأوثان والأصنام، وقد شد أزره الولاة من آل سعود وقويت شوكته وذاع خبره. مؤلفاته: وله – رحمه الله تعالى – مؤلفات نافعة نذكر منها: ١-كتاب التوحيد. ٢-كتاب "كشف الشبهات". ٣-كتاب "الكبائر". ٤- كتاب "ثلاثة الأصول". ٥- كتاب "مختصر الإنصاف والشرح الكبير". ٦- كتاب " مختصر زاد المعاد". ٧- وله فتاوى ورسائل جمعت باسم مجموعة مؤلفاتالإمام محمد بن عبد الوهاب تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود.

стр. 3

وفاته: توفى رحمه الله تعالى عام ١٢٠٦ هـ فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بقلم الفقير إلى الله تعالى فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان

стр. 4

ترجمة الشارح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين الوهيبي التميمي. مولده: ولد في مدينة عنيزة في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام ١٣٤٧ هـ. نشأته: قرأ القرآن الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ ﵀ فحفظه، ثم اتجه إلى طلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الآداب، وكان الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ قد أقام اثنين من طلبة العلم عنده ليدرسا الطلبة الصغار أحدهما الشيخ علي الصالحي، والثاني الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع ﵀ , قرأ عليه مختصر العقيدة الواسطية للشيخ عبد الرحمن السعدي، ومنهاج السالكين في الفقه للشيخ عبد الرحمن أيضاً، والأجرومية والألفية. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان في الفرائض والفقه. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي الذي يعتبر شيخه الأول حيث لازمه وقرأ عليه التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه

стр. 5

والفرائض ومصطلح الحديث والنحووالصرف. وكانت لفضيلة الشيخ منزلة عظيمة عند شيخه ﵀ فعندما انتقل والد الشيخ محمد –﵀ – إلى الرياض إبان أول تطوره رغب في أن ينتقل معه ولده – الشيخ حفظه الله –فكتب له الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ "إن هذا لا يمكن نريد محمداً أن يمكث هنا حتى يستفيد". ويقول فضيلة الشيخ حفظه الله "إنني تأثرت به كثيراً في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني، وكذلك أيضاً تأثرت به من ناحية الأخلاق لأن الشيخ عبد الرحمن ﵀ كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة، وكان ﵀ على قدر كبير في العلم والعبادة، وكان يمازح الصغير ويضحك إلى الكبير، وهو من أحسن من رأيت أخلاقاً". قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حيث يعتبر شيخه الثاني، فابتدأ عليه قراءة صحيح البخاري وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض الكتب الفقهية. يقول الشيخ "تأثرت بالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله من جهة العناية بالحديث، وتأثرت به من جهة الأخلاق أيضاً وبسط نفسه للناس". في عام ١٣٧١هـ، يقول الشيخ حفظه الله: "دخلت المعهد الإسلامي من السنة الثانية، والتحقت به بمشورة من الشيخ علي الصالحي، وبعد أن أستأذنت من الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله، وكان المعهد العلمي في ذلك الوقت ينقسم إلى قسمين خاص وعام، فكنت في القسم الخاص، وكان في ذلك الوقت أيضاً من

стр. 6

شاء أن يقفز كما يعبرون بمعنى أنه يدرس السنة المستقبلة له في أثناء الإجازة ثم يختبرها في أول العام الثاني، فإذا نجح أنتقل إلى السنة التي بعدها وبهذا اختصرت الزمن" ١هـ. وبعد سنتين تخرج وعين مدرساً في معهد عنيزة العلمي مع مواصلة الدراسة انتساباً في كلية الشريعة ومواصلة طلب العلم على يد الشيخ عبد الرحمن السعدي. ولما توفى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ تولى إمامة الجامع الكبير بعنيزة والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية بالإضافة إلى التدريس في المعهد العلمي ثم أنتقل إلى التدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم حتى الآن، بالإضافة إلى عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، ولفضيلة الشيخ حفظه الله نشاط كبير في الدعوة إلى الله وتبصير الدعاة في كل مكان وله جهود مشكورة في هذا المجال. والجدير بالذكر أن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ قد عرض بل ألح على فضيلة الشيخ في تولي القضاء، بل أصدر قراره بتعيينه حفظه الله تعالى رئيساً للمحكمة الشرعية بالاحساء فطلب منه الإعفاء، وبعد مراجعات واتصال شخصي من فضيلة الشيخ سمح رحمه الله تعالى بإعفائه من منصب القضاء. مؤلفاته: له حفظة الله تعالى مؤلفات كثيرة تبلغ ٤٠ ما بين كتاب ورسالة وسوف تجمع إن شاء الله تعالى في مجموع الفتاوى والرسائل.

стр. 7

شرح البسملة ... بسم (١) الله (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) أبتدأ المؤلف ﵀ كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله مبدوء بالبسملة، واتباعاً لحديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" (١) واقتداء بالرسول ﷺ ، فإنه يبدأ كتبه بالبسملة. الجار والمجرور متعلق بمحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام تقديره بسم الله أكتب أو أصنف. وقدرناه فعلاً لأن الأصل في العمل الأفعال. وقدرناه مؤخراً لفائدتين: الأولى: التبرك بالبداءة باسم اله . الثانية: إفادة الحصر لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر. وقدرناه مناسباً لأنه أدل على المراد فلو قلنا مثلاً عندما نريد أن نقرأ كتاباً بسم الله نبتدئ، لكن بسم الله أقرأ يكون أدل على المراد الذي أبتدئ به. (٢) الله علم على الباري جل وعلا وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء حتى إنه في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 8

الرحمن (١) الرحيم (٢) أعلم (٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [ابراهيم: الآية ١-٢] لا نقول إن لفظ الجلالة "الله" صفة بل نقول هي عطف بيان لئلا يكون لفظ الجلالة تابعاً تبعية النعت للمنعوت. (١) الرحمن اسم من الأسماء المختصة بالله لا يطلق على غيره والرحمن معناه المتصف بالرحمة الواسعة. (٢) الرحيم يطلق على الله وعلى غيره، ومعناه ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة فإذا جمعا صار المراد بالرحيم الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده كما قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢١] .

стр. 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العلم ومراتب الإدراك ... (٣) العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. ومراتب الإدراك ست: الأولى: العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. الثانية: الجهل البسيط وهو عدم الإدراك بالكلية. الثالثة: الجهل المركب وهو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه. الرابعة: الوهم وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. الخامسة: الشك وهو إدراك الشيء مع احتمال مساو. السادسة: الظن وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. والعلم ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري.

стр. 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالضروري ما يكون إدراك المعلوم فيه ضرورياً بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال كالعلم بأن النار حارة مثلاً. والنظري ما يحتاج إلى نظر واستدلال كالعلم بوجوب النية في الوضوء.

стр. 11

الفرق بين الرحمة والمغفرة ... رحمك الله (١) ــ (١) رحمك الله أفاض عليك من رحمته التي تحصل بها على مطلوبك وتنجو من محذورك، فالمعنى غفر الله لك ما مضى من ذنوبك، ووفقك بالمغفرة فالمغفرة لما مضى من الذنوب، والرحمة والتوفيق للخير والسلامة من الذنوب في المستقبل. وصنيع المؤلف رحمه الله تعالى يدل على عنايته وشفقته بالمخاطب وقصد الخير له.

стр. 12

المسائل الأربع المسألة الأولى: العلم وهو: معرفة العبد ربه ونبيه ودينه ... أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل (٢) ؛ الأولى: العلم وهو: معرفة الله (٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ. (٢) هذه المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى تشمل الدين كله فهي جديرة بالعناية لعظم نفعها. (٣) أي معرفة الله بالقلب معرفة تستلزم قبول ما شرعه والإذعان والأنقياد له، وتحكيم شريعته التي جاء بها رسوله محمد ﷺ ، ويتعرف العبد على ربه بالنظر في الآيات الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، فإن الإنسان كلما نظر في تلك الآيات ازداد علماً بخالقه ومعبودة قال الله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآيتين: ٢٠-٢١] .

стр. 13

ومعرفة نبيه (١) ومعرفة دين الإسلام (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) أي معرفة رسوله محمد ﷺ المعرفة التي تستلزم قبول ما جاء به من الهدى ودين الحق، وتصديقه فيما أخبر، وامتثال أمره فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتحكيم شريعته والرضا بحكمه قال الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة النساء: ٥٩] . وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور، الآية: ٦٣] . قال الإمام أحمد ﵀: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". (٢) قوله معرفة دين الإسلام: الإسلام بالمعنى العام هو التعبد لله بما شرع منذ أن ارسل الله الرسل إلى أن تقوم الساعة كما ذكر ذلك في آيات كثيرة تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله : قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢٨] . والإسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي ﷺ يختص بما بعث به محمد ﷺ لأن ما بعث به النبي ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة فصار من أتبعه مسلماً ومن خالفه ليس بمسلم، فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم،

стр. 14

بالأدلة (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاليهود مسلمون في زمن موسى ﷺ والنصارى مسلمون في زمن عيسى ﷺ ، وأما حين بعث النبي محمد ﷺ فكفروا به فليسوا بمسلمين. وهذا الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله النافع لصاحبه قال الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران، الآية: ٨٥] وهذا الإسلام هو الإسلام الذي امتن به على محمد ﷺ وأمته، قال الله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣] . (١) قوله: بالأدلة جميع دليل وهو ما يرشد إلى المطلوب، والأدلة على معرفة ذلك سمعية، وعقلية، فالسمعية ما ثبت بالوحي وهو الكتاب والسنة، والعقلية ما ثبت بالنظر والتأمل، وقد أكثر الله من ذكر هذا النوع في كتابه فكم من آية قال الله فيها ومن آياته كذا وكذا وهكذا يكون سياق الأدلة العقلية الدالة على الله تعالى. وأما معرفة النبي ﷺ بالأدلة السمعية فمثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٩] الآية. وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٤٤] . بالأدلة العقلية بالنظر والتأمل فيما أتى به من الآيات البينات التي أعظمها كتاب الله المشتمل على الآخبار الصادقة النافعة والأحكام المصلحة العادلة، وما جرى على يديه من خوارق العادات، وما أخبر به من أمور الغيب التي لا تصدر إلا عن وحي والتي صدقها ما وقع منها.

стр. 15

المسألة الثانية العمل به ... الثانية العمل به (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) قوله العمل به أي العمل بما تقتضيه هذه المعرفة من الإيمان بالله والقيام بطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من العبادات الخاصة، والعبادات المتعدية، فالعبادات الخاصة مثل الصلاة، والصوم، والحج، والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك. والعمل في الحقيقة هو ثمرة العلم، فمن عمل بلا علم فقد شابه النصارى، ومن علم ولم يعمل فقد شابه اليهود.

стр. 16

المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إليه ... الثالثة: الدعوة إليه (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (٢) أي الدعوة إلى ما جاء به الرسول ﷺ من شريعة الله تعالى على مراتبها الثلاث أو الأربع التي ذكرها الله في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٥] والرابعة قوله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٤٦] . ولا بد لهذه الدعوة من علم بشريعة الله حتى تكون الدعوة عن علم وبصيرة. لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ١٠٨] والبصيرة تكون فيما يدعو إليه بأن يكون الداعية عالماً بالحكم الشرعي، وفي كيفية الدعوة، وفي حال المدعو. ومجالات الدعوة كثيرة منها: الدعوة إلى الله تعالى بالخطابة، وإلقاء المحاضرات، ومنها الدعوى إلى الله بالمقالات، ومنها الدعوة إلى الله بحلقات العلم، ومنها الدعوى إلى الله بالتأليف ونشر الدين عن طريق التأليف.

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها الدعوة إلى الله في المجالس الخاصة فإذا جلس الإنسان في مجلس في دعوة مثلاً فهذا مجال للدعوة إلى الله ولكن ينبغي أن تكون على وجه لا ملل فيه ولا إثقال، ويحصل هذا بأن يعرض الداعية مسألة علمية على الجالسين ثم تبتدئ المناقشة ومعلوم أن المناقشة والسؤال والجواب له دور كبير في فهم ما أنزل الله على رسوله وتفهيمه، وقد يكون أكثر فعالية من إلقاء خطبة أو محاضرة إلقاء مرسلاً كما هو معلوم. والدعوة إلى الله هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وطريقة من تبعهم بإحسان، فإذا عرف الإنسان معبوده، ونبيه، ودينه ومن الله عليه بالتوفيق لذلك فإن عليه السعي في إنقاذ أخوانه بدعوتهم إلى الله وليبشر بالخير، قال النبي ﷺ لعلي بن أبى طالب ﵁ يوم خيبر: "أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم" (١) متفق على صحته. ويقول ﷺ فيما رواه مسلم: "من دعا إلى الهدى كان له من الأجل مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الأثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" (٢) . وقال ﷺ فيما رواه مسلم أيضاً: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٣) . ــ (١) رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب: دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة. ومسلم. كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل علي بن أبي طالب ﵁. (٢) مسلم، كتاب العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة. (٣) مسلم، كتاب الإمارة باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره.

стр. 18

المسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه ... الرابعة: الصبر على الأذى فيه (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصبر حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله فيحبس النفس عن التسخط والتضجر والملل، ويكون دائماً نشيطاً في الدعوة إلى دين الله وإن أوذى، لأن أذية الداعين إلى الخير من طبيعة البشر إلا من طبيعة البشر إلا من هدى الله قال الله تعالى: لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٣٤] وكلما قويت الأذية قرب النصر، وليس النصر مختصاً بأن ينصر الإنسان في حياته ويرى أثر دعوته قد تحقق بل النصر يكون ولو بعد موته بأن يجعل الله في قلوب الخلق قبولاً لما دعا إليه وأخذاً به وتمسكاً به فإن هذا يعتبر نصراً لهذا الداعية وإن كان ميتاً، فعلى الداعية أن يكون صابراً على دعوته مستمراً فيها. صابراً على ما يعترضه هو من الأذى، وهاهم، وها هم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أوذوا بالقول وبالفعل قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٢] وقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٣١] ولكن على الداعية أن يقابل ذلك بالصبر وأنظر إلى قول الله لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٣] كان من المنتظر أن يقال فاشكر نعمة ربك ولكنه قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٤] وفي هذا إشارة إن كل من قام بهذا القرآن فلابد أن يناله ما يناله مما يحتاج إلى صبر، وأنظر إلى حال النبي ﷺ حين ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١) فعلى الداعية أن يكون صابراً محتسباً.

стр. 20

أقسام الصبر ... ــ والصبر ثلاثة أقسام: ١-صبر على طاعة الله. ٢-صبر عن محارم الله. ٣-صبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء.

стр. 21

تفسير سورة العصر ... والدليل على قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) قوله والدليل على هذه المراتب الأربع قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أقسم الله في هذه الصورة بالعصر الذي هو الدهر وهو محل الحوادث من خير وشر، فاقسم الله به على أن الإنسان كل الإنسان في خسر إلا من أتصف بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتوصي بالصبر. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: جهاد النفس أربع مراتب: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه.

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله الله، فإذا أستكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين". فالله أقسم في هذه الصورة بالعصر على أن كل إنسان فهو في خيبة وخسر مهما أكثر ماله وولده وعظم قدره وشرفه إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة: أحدها: الإيمان ويشمل كل ما يقرب إلى الله تعالى من أعتقاد صحيح وعلم نافع الثاني: العمل الصالح وهو كل قول أو فعل يقرب إلى الله بأن يكون فاعله لله مخلصاً ولمحمد ﷺ متبعاً. الثالث: التواصي بالحق وهو التواصي على فعل الخير والحث عليه والترغيب فيه. الرابع: التواصي بالصبر بأن يوصي بعضهم بعضاً بالصبر على فعل أوامر الله تعالى، وترك محارم الله، وتحمل أقدار الله. والتواصي بالحق والتواصي بالصبر يتضمنان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين بهما قوام الأمة وصلاحها ونصرها وحصول الشرف والفضيلة لها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١١٠] .

стр. 23

معنى قول الإمام الشافعي لو مأنزل الله ... قَالَ الشَّافِعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١) _: " لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السورة لكفتهم" (٢) وقال البخاري ﵀ (٣) -: "بَابُ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ". وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [سورة محمد، الآية: ١٩] ، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل (٤) . ــ (١) الشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي، ولد في غزة سنة ١٥٠ هـ وتوفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ وهو أحد الأئمة الأربعة على الجميع رحمة الله تعالى: (٢) مراده ﵀ أن هذه السورة كافية كافية للخلق في الحث على التمسك بدين الله بالإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على ذلك، وليس مراده أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة. وقوله: "لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم" لأن العاقل البصير إذا سمع هذه السورة أو قرأها فلا بد أن يسعى إلى تخليص نفسه من الخسران وذلك باتصافه بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. (٣) البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، ولد ببخارى في شوال سنة أربعة وتسعين ومائة ونشأ يتيماً في حجر والدته، وتوفي ﵀ في خرتنك بلدة على فرسخين من سمر قند ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين. (٤) أستدل البخاري ﵀ بهذه الآية على وجوب البداءة بالعلم قبل

стр. 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول والعمل وهذا دليل أثري يدل على أن الإنسان يعلم أولاً ثم يعمل ثانياً، وهناك دليل عقلي نظري يدل على أن العلم قبل القول والعمل وذلك لأن القول أو العمل لا يكون صحيحاً مقبولاً حتى يكون على وفق الشريعة، ولا يمكن أن يعلم الإنسان أن عمله على وفق الشريعة إلا بالعمل، ولكن هناك أشياء يعلمها الإنسان بفطرته كالعلم بأن الله إله واحد فإن هذا قد فطر عليه العبد ولهذا لا يحتاج إلى عناء كبير في التعلم، أما المسائل الجزئية المنتشرة فهي التي تحتاج إلى تعلم وتكريس جهود.

стр. 25

المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمهن المسألة الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا بل أرسل لنا رسولا ... اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ: أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن، الأولى: أن الله خلقنا (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) ودليل ذلك أعني أن الله خلقنا سمعي وعقلي: أما السمعي فكثير ومنه قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢] وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١١] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [سورة الحجر، الآية: ١٥] وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٩] وقوله: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ١٤] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٢] وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ٩٦] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] إلى غير ذلك من الآيات. أما الدليل العقلي على أن الله خلقنا فقد جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [سورة الطور، الآية: ٣٥] فإن الإنسان لم يخلق نفسه لأنه قبل وجوده عدم والعدم ليس بشيء وما ليس بشيء لا يوجد شيئاً، ولم يخلقه أبوه ولا أمه ولا أحد من الخلق، ولم يكن ليأتي صدفة بدون موجد؛ لأن كل حادث لا بد له من محدث؛ ولأن وجود هذه المخلوقات على هذا النظام والتناسق المتآلف يمنع منعاً باتاً أن يكون صدفة. إذا الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظماً حال بقائه وتطوره، فتعين بهذا أن يكون الخالق هو الله وحده فلا خالق ولا آمر إلا الله، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤]

стр. 26

ورزقنا (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يعلم أن أحداً من الخلق أنكر ربوبية الله إلا على وجه المكابرة كما حصل من فرعون، وعندما سمع جبير بن مطعم رسول الله ﷺ يقرأ سورة الطور فبلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [سورة الطور، الآية: ٣٥-٣٧] وكان جبير بن مطعم يومئذ مشركاً فقال: "كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي". (١) (١) أدلة هذه المسألة كثيرة من الكتاب والسنة والعقل أما الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٢٤] وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [سورة يونس، الآية: ٣١] والآيات في هذا كثيرة. وأما السنة: فمنها قوله ﷺ في الجنين "يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله، وعمله وشقي أم سعيد". (٢) وأما الدليل العقلي على أن الله رزقنا فلأننا لا نعيش إلا على طعام وشراب، والطعام والشراب خلقه الله كما قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ

стр. 27

وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلا (١) بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [سورة الواقعة، الآيات: ٦٣-٧٠] ففي هذه الآيات بيان إن رزقنا طعاماً وشراباً من عند الله . (١) هذا هو الواقع الذي تدل عليه الأدلة السمعية والعقلية: أما السمعية فمنها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة المؤمنين، الآيتين: ١١٥-١١٦] وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [سورة القيامة، الآيات: ٣٦-٤٠] . وأما العقل: فلأن وجود هذه البشرية لتحيا ثم تتمتع كما تتمتع الأنعام ثم تموت إلى غير بعث ولا حساب أمر لا يليق بحكمة الله بل هو عبث محض، ولا يمكن أن يخلق الله هذه الخليقة ويرسل إليها الرسل ويبيح لنا دماء المعارضين المخالفين للرسل عليهم الصلاة والسلام ثم تكون النتيجة لا شيء، هذا مستحيل على حكمة الله . (٢) أي أن الله أرسل إلينا معشر هذه الأمة أمة محمد ﷺ رسولاً يتلو علينا آيات ربنا، ويزكينا، ويعلمنا الكتاب والحكمة، كما ارسل إلى من قبلنا، قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٢٤] ولا بد أن يرسل إلى الخلق لتقوم عليهم الحجة وليعبدوا الله بما يحبه ويرضاه قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ

стр. 28

فمن أطاعه دخل الجنة (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [سورة النساء، الآيات: ٦٣-١٦٥] ولا يمكن أن نعبد الله بما يرضاه إلا عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنهم هم الذين بينوا لنا ما يحبه الله ويرضاه، وما يقربنا إليه فبذلك كان من حكمة الله أن أرسل إلى الخلق رسلاً مبشرين ومنذرين الدليل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [سورة المزمل، الآيتين: ١٦. ١٥] . (١) هذا حق مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآيتين: ١٣٢-١٣٣] ومن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٣] ومن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة النور، الآية: ٥٢] وقوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ [سورة النساء، الآية ٦٩] . وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٧١] والآيات في ذلك كثيرة.

стр. 29

وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ (١) وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [سورة الزمل، الآيتين: ١٥-١٦] . ــ =ومن قوله ﷺ "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فقيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار"١ رواه البخاري. (١) هذا أيضاً حق مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٦] وقوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [سورة الجن، الآية: ٢٣] ومن قوله ﷺ في الحديث السابق: "ومن عصاني دخل النار.

стр. 30

المسألة الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ معه أحد في عبادته ... الثَّانِيَةُ: (٢) أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن، الآية: ١٨] . ــ (٢) أي المسألة الثانية مما يجب علينا علمه أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، بل هو وحده المستحق للعبادة ودليل ذلك ما ذكره المؤلف ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن، الآية: ١٨] فنهى الله تعالى أن يدعو الإنسان مع الله أحداً،

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والله لا ينهى عن شيء إلا وهو لا يرضاه وقال الله : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٧] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: ٩] فالكفر والشرك لا يرضاه الله بل إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لمحاربة الكفر والشرك والقضاء عليهما، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٣٩] وإذا كان الله لا يرضى بالكفر والشرك فإن الواجب على المؤمن أن لا يرضى بهما، لأن المؤمن رضاه وغضبه تبع رضا الله وغضبه، فيغض لما يغضب الله ويرضى بما يرضاه الله ، وكذلك إذا كان الله لا يرضى الكفر ولا الشرك فإنه لا يليق بمؤمن أن يرضى بهما. والشرك أمره خطير قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٧٢] وقال النبي ﷺ "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" (١)

стр. 32

المسألة الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله ... الثَّالِثَةُ (١) أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل على قوله تعالى: ــ (١) أي المسألة الثالثة مما يجب علينا علمه الولاء والبراء، والولاء والبراء

стр. 33

﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] . ــ أصل عظيم جاءت فيه النصوص الكثيرة قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١١٨] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥١] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة، الآيتين: ٢٣-٢٤] . وقال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ٤] الآية. ولأن موالاة من حاد الله ومداراته تدل على أن ما في قلب الإنسان من الإيمان بالله ورسوله ضعيف؛ لأنه ليس من العقل أن يحب الإنسان شيئاً هو عدو لمحبوبه، وموالاة الكفار تكون بمناصرتهم ومعاونتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال، وموادتهم تكون بفعل الأسباب التي تكون بها مودتهم فتجده يوادهم أي يطلب ودهم بكل طريق، وهذا لا شك ينافي الإيمان كله أو كماله، فالواجب على المؤمن معاداة مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قريب إليه، وبغضه والبعد عنه ولكن هذا لا يمنع نصيحته ودعوته للحق.

стр. 35

معنى الحنيفية ... اعْلَمْ (١) أَرْشَدَكَ اللهُ (٢) لِطَاعَتِهِ (٣) : أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ (٤) مِلَّةَ (٥) إِبْرَاهِيمَ (٦) : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ (٧) مُخْلِصًا لَهُ الدين (٨) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) تقدم الكلام على العلم فلا حاجة إلى إعادته هنا. (٢) الرشد: الاستقامة عن طريق الحق. (٣) الطاعة: موافقة المراد فعلاً للمأمور وتركاً للمحظور. (٤) الحنيفية: هي الملة المائلة عن الشرك، المبينة على الإخلاص لله . (٥) أي طريقه الديني الذي يسير ﵊. (٦) إبراهيم هو خليل الرحمن قال : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢٥] وهو أبو الأنبياء وقد تكرر ذكر منهجه في مواضع كثيرة للإقتداء به. (٧) قوله "أن تعبد الله" هذه خبر "أن" في قول "أن الحنيفية" والعبادة بمفهومها العام هي "التذلل لله محبة وتعظيماً بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه". أما المفهوم الخاص للعبادة-يعين تفصيلها- فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "العبادة أسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة كالخوف، والخشية، والتوكل والصلاة والزكاة، والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام. (٨) الإخلاص هو التنقية والمراد به أن يقصد المرء بعبادته وجه الله والوصول إلى دار كرامته بحيث لا يعبد معه غيره لا ملكاً مقرباً ولا نبياً

стр. 36

وَبِذَلِكَ (١) أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] ومعنى يعبدون يوحدون (٢) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـتـ مرسلاً قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٣] . وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآيات: ١٣٠-١٣٢] . (١) أي بالحنيفة وهي عبادة الله مخلصاً له الدين أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٥] وبين الله في كتابه أن الخلق إنما خلقوا لهذا فقال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] . (٢) يعني التوحيد من معنى العبادة وإلا فقد سبق لك معنى العبادة وعلى أي شيء تطلق وأنها أعم من مجرد التوحيد. وأعلم أن العبادة نوعان: عبادة كونية وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [سورة مريم، الآية: ٩٣] فهي شاملة للمؤمن والكافر،

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والبر والفاجر. والثاني: عبادة شرعية وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى وأتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٦٣] . فالنوع الأول لا يحمد عليه الإنسان لأنه بغير فعله لكن قد يحصل منه من شكر عند الرخاء وصبر على البلاء بخلاف النوع الثاني فإنه يحمد عليه.

стр. 38

وَ أَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ وَهُوَ: إفراد الله بالعبادة (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (١) التوحيد لغة مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحداً وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد وإثباته له فمثلاً نقول: إنه لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله فينفي الألوهية عما سوى الله تعالى ويثبتها لله وحده. وفي الاصطلاح عرفه المؤلف بقوله: "التوحيد هو إفراد الله بالعبادة" أي أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً، لا تشرك به نبياً مرسلاً، ولا ملكاً مقرباً ولا رئيساً ولا ملكاً ولا أحداً من الخلق، بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيماً، ورغبة ورهبة، ومراد الشيخ ﵀ التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه لأنه هو الذي حصل به الإخلال من أقوامهم. وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو: "إفراد الله بما يختص به". وأنواع التوحيد ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية وهو "إفراد الله بالخلق، والملك

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتدبير" قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٢] وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٣] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الملك، الآية: ١] وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] . الثاني: توحيد الألوهية وهو "إفراد الله بالعبادة بأن، لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده ويتقرب إليه كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه". الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو "إفراد الله تعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل". ومراد المؤلف هنا توحيد الألوهية وهو الذي ضل فيه المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ واستباح دمهم وأموالهم وأرضهم وديارهم وسبى نساءهم وذريتهم،، واكثر ما يعالج الرسل أقوامهم على هذا النوع من التوحيد. قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٩] . فالعبادة لا تصح إلا الله ، ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فلو فرض أن رجلاً يقرأ إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ولكنه يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه أو ينذر له قرباناً يتقرب به إليه فإنه

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مشرك كافر خالد في النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٧٢] وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به.
следующие страницы →