والإحسان؛ ومه الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا كُلُّهَا للهِ تَعَالَى (١) . وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن، الآية: ١٨] ، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) [سورة المؤمنون، الآية: ١١٧] .
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فأخبرني عن الساعة؟ قال: مال الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان، ثم أنطلق فلبثت ملياً ثم قال لي ياعمر: أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١) فجعل النبي ﷺ هذه الأشياء هي الدين وذلك أنها متضمنة للدين كله.
ــ
(١) أي كل أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده لا شريك له فلا يحل صرفها لغير الله تعالى:
(٢) ذكر المؤلف رحمه الله تعالى جملة من أنواع العبادة وذكر أن من صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كافر واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ
стр. 72
فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وبقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ووجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى أخبر أن المساجد وهي مواضع السجود أو أعضاء السجود لله ورتب على ذلك قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ أي لا تعبدوا معه غيره فتسجدوا له، ووجه الدلالة من الآية الثانية بأن الله بين أن من يدعو مع الله إله آخر فإنه كافر لأنه قال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفة كاشفة مبينة للأمر وليست صفة مقيدة تخرج ما فيه برهان لأنه لا يمكن أن يكون برهان على أن مع الله إلها آخر.
стр. 73
النوع الأول: الدعاء وأنواعه
...
(١) وَفِي الْحَدِيثِ: "الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ". وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) [سورة غافر، الآية: ٦٠] .
ــ
(١) هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في أدلة أنواع العبادة التي ذكرها في قوله: "وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء.. " إلخ، فبدأ ﵀ بذكر الأدلة على الدعاء وسيأتي إن شاء الله تفصيل أدلة الإسلام والإيمان والإحسان. وأستدل المؤلف ﵀ بما يروى عن النبي ﷺ ، أنه قال: " الدعاء مخ العبادة (١) واستدل كذلك بقوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فدلت الآية
стр. 74
الكريمة على أن الدعاء من العبادة ولولا ذلك ما صح أن يقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فمن دعا غير الله بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حياً أو ميتاً. ومن دعا حياً بما يقدر عليه مثل أن يقول يا فلان أطعمني، يا فلان إسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتاً أو غائباً بمثل هذا فإنه مشرك لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفاً في الكون فيكون بذلك مشركاً.
وأعلم أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة.
فدعاء المسألة هو دعاء الطلب أي طلب الحاجات وهو عبادة إذا كان من العبد لربه، لأنه يتضمن الإفتقار إلى الله تعالى واللجوء إليه، واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة. ويجوز إذا صدر من العبد لمثله من المخلوقين إذا كان المدعو يعقل الدعاء ويقدر على الإجابة كما سبق في قوله القائل يا فلان اطعمني.
وأما دعاء العبادة فأن يتعبد به للمدعو طلباً لثوابه وخوفاً من عقابه وهذا لا يصح لغير الله وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج من الملة وعليه يقع الوعيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر، الآية: ٦٠] .
стр. 75
النوع الثاني: الخوف وهو ثلاثة أنواع
...
وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) [سورة آل عمران، الآية: ١٧٥] ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) الخوف هو الذعر وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرراً أو أذى، وقد نهى الله عن خوف أولياء الشيطان وأمر بخوفه وحده.
стр. 76
والخوف ثلاثة أنواع:
النوع الأولى: خوف طبيعي كخوف الإنسان من السبع والنار والغرق وهذا لا يلام عليه العبد قال الله تعالى عن موسى ﵊: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [سورة القصص، الآية: ١٨] لكن إذا كان هذا الخوف كما ذكر الشيخ ﵀ سبباً لترك واجب أو فعل محرم كان حراماً؛ لأن ما كان سبباً لترك واجب أو فعل محرم فهو حرام ودليل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٧٥] .
والخوف من الله تعالى يكون محموداً، ويكون غير محموداً.
فالمحمود ما كانت غايته أن يحول بينك وبين معصية الله بحيث يحملك على فعل الواجبات وترك المحرمات، فإذا حصلت هذه الغاية سكن القلب واطمأن وغلب عليه الفرح بنعمة الله، والرجاء لثوابه. وغير المحمود ما يحمل العبد على اليأس من روح الله والقنوط وحينئذ يتحسر العبد وينكمش وربما يتمادى في المعصية لقوة يأسه.
النوع الثاني: خوف العبادة أن يخاف أحداً يتعبد بالخوف له فهذا لا يكون إلا لله تعالى. وصرفه لغير الله تعالى شرك أكبر.
النوع الثالث: خوف السر كأن يخاف صاحب القبر، أو ولياً بعيداً عنه لا يؤثر فيه لكنه يخافه مخافة سر فهذا أيضاً ذكره العلماء من الشرك.
стр. 77
النوع الثالث: الرجاء
...
ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١) [سورة الكهف، الآية: ١١٠] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) الرجاء طمع الإنسان في أمر قريب المنال، وقد يكون في بعيد المنال
стр. 78
تنزيلاً له منزلة القريب.
والرجاء المتضمن للذل والخضوع لا يكون إلا لله وصرفه لغير الله تعالى شرك إما اصغر، وإما أكبر بحسب ما يقوم بقلب الراجي. وقد أستدل المؤلف بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ .
واعلم أن الرجاء المحمود لا يكون إلا لمن عمل بطاعة الله ورجا ثوابها، أو تاب من معصيته ورجا قبول توبته، فأما الرجاء بلا عمل فهو غرور وتمن مذموم.
стр. 79
النوع الرابع: التوكل وهو أربعة أنواع
...
َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١) [سورة الطلاق، الآية: ٣] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) التوكل على الشيء الإعتماد عليه. والتوكل على الله تعالى: الإعتماد على الله تعالى كفاية وحسباً في جلب المنافع ودفع المضار وهو من تمام الإيمان وعلاماته لقوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإذا صدق العبد في اعتماده على الله تعالى. كفاه الله تعالى ما أهمه لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي كافيه ثم طمأن المتوكل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٣] فلا يعجزه شيء أراده. وأعلم أن التوكل أنواع:
الأول: التوكل على الله تعالى وهو من تمام الإيمان وعلامات صدقه
стр. 80
وهو واجب لا يتم الإيمان إلا به وسبق دليله.
الثاني: توكل السر بأن يعتمد على ميت في جلب منفعة، أو دفع مضرة فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقع إلا ممن يعتقد أن لهذا الميت تصرفاً سرياً في الكون، ولا فر ق بين أن يكون نبياً، أو ولياً، أو طاغوتاً عدوا لله تعالى.
الثالث: التوكل على الغير فيما يتصرف فيه الغير مع الشعور بعلو مرتبته وانحطاط مرتبة المتوكل عنه مثل أن يعتمد عليه في حصول المعاش ونحوه فهذا نوع من الشرك الأصغر لقوة تعلق القلب به والإعتماد عليه. أما لو أعتمد عليه على أنه سبب وأن الله تعالى هو الذي قدر ذلك على يده فإن ذلك لا بأس به، إذا كان للمتوكل بحيث ينيب غيره في أمر تجوز فيه النيابة فهذا لا بأس به بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع فقد قال يعقوب لبنيه ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٨٧] ووكل النبي ﷺ ، على الصدفة عمالاً وحفاظاً، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها، ووكل علي بن ابي طالب ﵁ في هديه في حجة الوداع أن يتصدق بجلودها وجلالها، وأن ينحر ما بقى من المئة بعد أن نحر ﷺ بيده ثلاثاً وستين. وأما الإجماع على جواز ذلك فمعلوم من حيث الجملة.
стр. 81
النوع الخامس: الرغبة
...
ودليل الرغبة (١)
ــ
(١) الرغبة: محبة الوصول إلى الشيء المحبوب.
стр. 82
النوع السادس: الرهبة
...
والرهبة - (٢)
ــ
(٢) والرهبة: الخوف المثمر للهرب من المخوف فهي خوف مقرون بعمل.
стр. 83
النوع السابع: الخشوع
...
والخشوع (٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا
ــ
(٣) الخشوع: الذل والتطامن لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي.
стр. 84
يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) [سورة الأنبياء، الآية: ٩٠] .
ــ
(١) في هذه الآية الكريمة وصف الله تعالى الخلص من عباده بأنهم يدعون الله تعالى رغباً ورهباً مع الخشوع له، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فهم يدعون الله رغبة فيما عنده وطمعاً في ثوابه مع خوفهم من عقابه وآثار ذنوبهم، والمؤمن ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ويغلب الرجاء في جانب الطاعة لينشط عليها ويؤمل قبولها، ويغلب الخوف إذا هم بالمعصية ليهرب منها وينجو من عقابها.
وقال بعض العلماء: يغلب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة؛ لأن المريض منكسر ضعيف النفس وعسى أن يكون قد اقترب أجله فيموت وهو يحسن الظن بالله ، وفي حال الصحة يكون نشيطاً مؤملاً طول البقاء فيحمله ذلك على الأشر والبطر فيغلب جانب الخوف ليسلم من ذلك.
وقيل يكون رجاؤه وخوفه واحداً سواء لئلا يحمله الرجاء على الأمن من مكر الله، والخوف على اليأس من رحمة الله وكلاهما قبيح مهلك لصاحبه.
стр. 85
النوع الثامن: الخشية وهي خمسة أنواع
...
وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (٢) [سورة البقرة، الآية: ١٥٠]
ــ
(٢) الخشية هي: الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٢٨] أي العلماء بعظمته وكمال سلطانه فهي أخص من الخوف، ويتضح الفرق بينهما بالمثال فإذا خفت من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم
стр. 86
لا فهذا خوف، وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية. ويقال في أقسام أحكام الخوف.
стр. 87
النوع التاسع: الإنابة
...
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (١) [سورة الزمر، الآية: ٥٤]
ــ
(١) الإنابة الرجوع إلى الله بالقيام بطاعته واجتناب معصيته وهي قريبة من معنى التوبة إلا أنها أرق منها لما تشعر به من الاعتماد على الله واللجوء إليه ولا تكون إلا لله تعالى ودليلها قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾
والمراد بقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الإسلام الشرعي وهو الاستسلام لأحكام الله الشريعة وذلك أن الإسلام لله تعالى نوعان:
الأول: إسلام كوني وهو الاستسلام لحكمه الكوني وهذا عام لكل من في السماوات والأرض من مؤمن وكافر، وبر وفاجر لا يمكن لأحد أن يستكبر عنه ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٨٣] .
الثاني: إسلام شرعي وهو الاستسلام لحكمه الشرعي وهذا خاص بمن قام بطاعته من الرسل وإتباعهم بإحسان، ودليله في القرآن كثير ومنه هذه الآية التي ذكرها المؤلف ﵀.
стр. 88
النوع العاشر: الإستعانة
...
وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: ٥] وفي الحديث " إذا استعنت فاستعن بالله" (١) .
(١) الإستعانة طلب العون وهي أنواع:
الأول: الإستعانة بالله وهي: الإستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته وهذه لا تكون إلا لله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ووجه الاختصاص أن الله تعالى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ وقاعدة اللغة التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تعالى شركاً مخرجاً عن الملة.
الثاني: الإستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه فهذه على حسب المستعان عليه فإن كانت على بر فهي جائزة للمستعين مشروعة للمعين لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة، الآية: ٢] .
وإن كانت على إثم فهي حرام على المستعين والمعين لقوله تعالى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة الآية: ٢]
وإن كانت على مباح فهي جائزة للمستعين والمعين لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير ومن ثم تكون في حقه مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٥]
الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر فهذه لغو لا طائل تحتها مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.
ــ
(١) أخرجه الإمام أحمد ١ / ٢٩٣، والترمذي ٤/٥٧٥.
стр. 89
الرابع: الإستعانة بالأموات مطلقاً أو بالأحياء على أمر الغائب لا يقدرون على مباشرته فهذا شرك لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفاً خفيا في الكون.
الخامس: الإستعانة بالأعمال والأحوال المحبوبة إلى الله تعالى وهذه مشروعة بأمر الله تعالى في قوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٥٣] .
وقد أستدل المؤلف رحمه الله تعالى للنوع الأول بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة، الآية: ٤] وقوله ﷺ : "إذا أستعنت فأستعن بالله". (١)
стр. 90
النوع الحادي عشر: الإستعاذة
...
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [سورة الفلق، الآية: ١] .
و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١) [سورة الناس، الآية: ١] .
ــ
(١) الإستعاذة: طلب الإعاذة والإعاذة الحماية من مكروه فالمستعيذ محتم بمن أستعاذ به ومعتصم به والاستعاذة أنواع:
الأول: الإستعاذة بالله تعالى وهي المتضمنة لكمال الافتقار إليه والاعتصام به واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شيء حاضر أو مستقبل، صغير أو كبير، بشر أو غير بشر ودليلها قوله تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ إلى آخر السورة وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ إلى آخر السورة.
стр. 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: الإستعاذة بصفة ككلامه وعظمته وعزته ونحو ذلك ودليل ذلك قوله ﷺ : "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" (١) وقوله: "أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" (٢) وقوله: في دعاء الألم "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (٣) ، وقوله: " أعوذ برضاك من سخطك" (٤) ، وقوله ﷺ حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦٥] فقال: "أعوذ بوجهك" (٥)
الثالث: الإستعاذة بالأموات أو الأحياء غير الحاضرين القادرين على العوذ فهذا شرك ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [سورة الجن، الآية: ٦]
الرابع: الإستعاذة بما يمكن العوذ به من المخلوقين من البشر أو الأماكن أو غيرها فهذا جائز ودليله قوله ﷺ في ذكر الفتن: "من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذبه" (٦) متفق عليه وقد بين ﷺ هذا الملجأ والمعاذ بقوله: "فمن كان له إبل فليلحق بإبله" الحديث رواه مسلم، وفي صحيحه أيضاً عن جابر ﵁ أ، امرأة من بني مخزوم سرقت فأتى
стр. 92
بها النبي ﷺ فعاذت بأم سلمة (١) الحديث، وفي صحيحه أيضاً عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث" (٢)
الحديث.
ولكن إن استعاذ من شر ظالم وجب إيواؤه وإعاذته بقدر الإمكان، وإن استعاذ ليتوصل إلى فعل محظور أو الهرب من واجب حرم إيواؤه.
ــ
(١) رواه ومسلم، كتاب الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب: الخسف بالجيش يؤم البيت.
стр. 93
النوع الثاني الثاني عشر: الإستغاثة وهي أربعة أنواع
...
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (١) [سورة الأنفال، الآية: ٩]
ــ
(١) الإستغاثة طلب الغوث وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك، وهو أقسام:
الأول: الإستغاثة بالله وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم، ودليله ما ذكره الشيخ ﵀ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي ﷺ إلى المشركين في ألف رجل وأصحابه ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً فدخل العريش يناشد ربه رافعاً يديه مستقبل القبلة يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة الإسلام لا تعبد في الأرض" (٣) وما زال يستغيث بربه رافعاً يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر ﵁ رداءه فألقاه على منكبيه ثم ألتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك وعدك فأنزل الله هذه الآية.
стр. 94
الثاني: الإستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفاً خفياً في الكون فيجعل لهم حظاً من الربوبية قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النمل، الآية: ٦٢] .
الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [سورة القصص، الآية: ١٥] .
الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العله، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما أغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة.
стр. 95
النوع الثالث عشر: الذبح وهو ثلاثة أنواع
...
ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ (١) [سورة الأنعام، الآيتين: ١٦٢،١٦٣] وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله". *
ــ
(١) الذبح إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص ويقع على وجوه
الأول: أن يقع عبادة بأن يقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه فهذا لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وصرفه لغير الله شرك أكبر ودليله ما ذكره الشيخ ﵀ وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾ .
стр. 96
الثاني: أن يقع إكراماً لضيف أو وليمة لعرس أو نحو ذلك فهذا مأمور به إما وجوباً أو إستحباباً لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (١) وقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف "أو لم ولو بشاة" (٢) .
الثالث: أن يقع على وجه التمتع بالأكل أو الإتجار به ونحو ذلك فهذا من قسم المباح فالأصل فيه الإباحة لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [سورة يس، الآيتين: ٧١، ٧٢] وقد يكون مطلوباً أو منهياً عنه حسبما يكون وسيلة له.
стр. 97
النوع الرابع عشر: النذر
...
وَدَلِيلُ النَّذْرِ (١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٧] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) أي دليل كون النذر من العبادة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾
(٢) وجه الدلالة من الآية أن الله أثنى عليهم لإيفائهم النذر وهذا يدل على أن الله يحب ذلك، وكل محبوب لله من الأعمال فهو عبادة.
ويؤيد ذلك قوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ .
وأعلم أن النذر الذي امتدح الله تعالى هؤلاء القائمين به هو جميع العبادات التي فرضها الله فإن العبادات الواجبة إذا شرع فيها
ــ
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. ومسلم، كتاب اللقطة، باب: الضيافة ونحوها.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب: ما جاء في قوله تعالى: "فإذا قضت الصلاة". مسلم، كتاب النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم القران وخاتم الحديث.
стр. 98
الإنسان فقد التزم بها ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٢٩] .
والنذر هو إلزام الإنسان نفسه بشيء ما، أو طاعة لله غير واجبة مكروه، وقال بعض العلماء إنه محرم لأن النبي ﷺ ، نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل" (١) ومع ذلك فإذا نذر الإنسان طاعة لله وجب عليه فعلها لقول النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (٢) .
والخلاصة أن النذر يطلق على العبادات المفروضة عموماً، ويطلق على النذر الخاص وهو إلزام الإنسان نفسه بشيء لله وقد قسم العلماء النذر الخاص إلى أقسام ومحل بسطها كتب الفقه.
стр. 99
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ (١) ، وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤) [سورة البينة، الآية: ٥]
ــ
المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآيتين: ١٦٢-١٦٣] . وأن حقه ﷺ ، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى أياها وهو أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه.
(١) أي أن الصلاة والزكاة من الدين قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البينة، الآية: ٥] . وهذه الآية عامة شاملة لجميع أنواع العبادة فلا بد أن يكون الإنسان فيها مخلصاً لله حنيفاً متبعاً لشريعته.
(٢) هذا من باب عطف الخاص على العام، لأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. من العبادة ولكنه نص عليهما لما لهما من الأهمية فالصلاة عبادة البدن، والزكاة عبادة المال وهما قرينتان في كتاب الله .
(٣) أي عبادة الله مخلصين له الدين حنفاء، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
(٤) أي دين الملة القيمة التي لا إعوجاج فيها لأنها دين الله ودين الله مستقيم كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥٣] .
وهذه الآية الكريمة كما تضمنت ذكر العبادة والصلاة فقد تضمنت حقيقة التوحيد وأنه الإخلاص لله من غير ميل إلى الشرك، فمن
стр. 100
لم يخلص لله لم يكن موحداً، ومن جعل عبادته لغير الله لم يكن موحداً.
стр. 101
دليل الصيام والحج
...
َودَلِيلُ الصِّيَامِ (١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) [سورة البقرة الآية: ١٨٣] ، َودَلِيلُ الْحَجِّ (٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
ــ
(١) أي دليل وجوبه قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وفي قوله ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فوائد:
أولاً: أهمية الصيام حيث فرضه الله على الأمم من قبلنا وهذا يدل على محبة الله له وأنه لازم لكل أمة.
ثانياً: التخفيف على هذه الأمة حيث إنها لم تكلف وحدها بالصيام الذي قد يكون فيه مشقة على النفوس والأبدان.
ثالثاً: الإشارة إلى أن الله تعالى أكمل لهذه الأمة دينها حيث أكمل لها الفضائل التي سبقت لغيرها.
(٢) بين الله في هذه الآية حكمة الصيام بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تتقون الله بصيامكم وما يترتب عليه من خصال التقوى وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الفائدة بقوله: "لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (١) .
(٣) أي دليل وجوبه قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلخ.
стр. 102
مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١) [سورة آل عمران، الآية: ٩٧] .
وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة من الهجرة وبها كانت فريضة الحج ولكن الله قال. ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ففيه دليل على أن من لم يستطع فلا حج عليه.
(١) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ دليل على أن ترك الحج ممن أستطاع إليه سبيلاً يكون كفراً ولكنه كفر لا يخرج من الملة على قول جمهور العلماء لقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (١) .
ــ
(١) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن ترك الصلاة.
стр. 103
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ (١) :،الإِيمَانُ (٢) ،وَهُوَ بِضْعٌ (٣) وَسَبْعُونَ شُعْبَةً (٤) ، فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى (٥) عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ (٦) شُعْبَةٌ مِنْ الأيمان،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) أي مراتب الدين.
(٢) الإيمان في اللغة التصديق.
وفي الشرع "إعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح وهو بضع وسبعون شبعة".
(٣) البضع: بكسر الباء من الثلاثة إلى التسعة.
(٤) الشعبة: الجزء من الشيء.
(٥) أي إزالة الأذى وهو ما يؤذي المارة من أحجار واشواك، ونفايات وقمامة وماله رائحة كريهة ونحو ذلك.
(٦) الحياء صفة إنفعالية عند الخجل وتحجز المرء عن فعل ما يخالف المروءة.
стр. 104
فائدة في الجمع بين كون الإيمان بضع وسبعون شعبة وأركانه ستة
...
والجمع بين ما تضمنه كلام المؤلف رحمه الله تعالى من أن الإيمان بضع وسبعون شعبة وأن الإيمان أركانه ستة أن نقول: الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة وهي المذكورة في حديث جبريل ﵊ حينما سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: "الإيمان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) .
ــ
(١) تقدم تخريجه.
стр. 105
وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون شبعة ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيماناً في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] قال المفسرون يعني صلاتكم إلى بيت المقدس لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة يصلون إلى بيت المقدس.
стр. 106
الركن الأول: الإيمان بالله ويتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله
...
وأركانه ستة: أن تؤمن بالله (١) ,. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى:
وقد دل على وجوده تعالى: الفطرة، والعقل، والشرع والحس.
١-أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" (١) .
٢-وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدقة.
لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأن قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقاً؟
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لابد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والإرتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظماً حال بقائه وتطوره؟!
وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.
وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [سورة الطور، الآية: ٣٥] يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله ﵎، ولهذا لما سمع – جبير بن مطعم – ﵁ رسول الله ﷺ يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [سورة الطور، الآيات: ٣٥-٣٧] وكان – جبير يؤمئذ مشركاً قال: "كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي" رواه – البخاري – مفرقاً (١) .
ولنضرب مثلاً يوضح ذلك، فإنه لو حدثك شخص عن قصير مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، وملئ بالفرش والأسرة، وزين
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفها من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه وسمائه، وأفلاكه وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟ !
٣-وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى: فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.
٤-وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين:
أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٧٦] وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٩] وفي صحيح البخاري عن – أنس بن مالك ﵁: "أن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: " يا رسول الله" هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره.
стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: "يارسول الله" تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فما يشير إلى ناحية إلا أنفرجت" (١) .
وما زالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.
الوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى (المعجزات) ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى تاييداً لرسله ونصراً لهم.
مثال ذلك: آية موسى ﷺ حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق أثنى عشر طريقاً يابساً، والماء بينها كالجبال، قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٦٣] .
ومثال ثان: آية عيسى ﷺ حيث كان يحيى الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٤٩] وقال: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [سورة المائدة، الآية: ١١٠] .
ومثال ثالث: لمحمد ﷺ حين طلبت منه قريش آية، فاشار إلى القمر فأنفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ
стр. 110
الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [سورة القمر، الآيتين: ١-٢] . فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييداً لرسله، ونصراً لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى.