Полный текст (188 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
" إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ويقول: انظروا إلى عبادي، أتونى شُعْثًا غُبْرًا " فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى السماء الدنيا، ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ما أراد هؤلاء؟ " فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه، لكن ليس هذا الذى في قلوبهم هو الذى يدنو إلى السماء الدنيا، ويباهي الملائكة بالحجيج.
والجهمية ونحوهم من المعطلة، إنما يثبتون مخلوقًا بلا خالق، وأثرًا بلا مؤثر، ومفعولًا بلا فاعل، وهذا معروف من أصولهم، وهذا من فروع أقوال الجهمية.
وأيضًا , فيقال له: وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان، وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة , وبالمجيء والإتيان في قوله: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] , وقال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
والأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة , وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة، وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث، فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث , كما احتج به إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهرـ أمير خراسان.
قال أبو عبد الله الرِّبَاطي: حضرت يومًا مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم , وحضر إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ فقال: نعم، فقال له بعض
стр. 37
قواد عبد الله: يا أبا يعقوب , أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق , حتى أصف لك النزول , فقال له الرجل: أثبته فوق , فقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة! فقال إسحاق: أعز الله الأمير , ومن يجيء يوم القيامة , من يمنعه اليوم؟ ! .
ثم بعد هذا، إذا نزل: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ هذه مسألة أخرى تكلم فيها أهل الإثبات.
فمنهم من قال: لا يخلو منه العرش , ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مُسَدَّد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم.
ومنهم من أنكر ذلك، وطعن في هذه الرسالة , وقال: راويها عن أحمد بن حنبل مجهول لا يعرف.
والقول الأول معروف عند الأئمة , كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه وغيرهما، قال الخلال في [كتاب السنة] : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا أحمد بن محمد المقدمي، ثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السُّرِّي حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا " يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد , ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء. ورواه ابن بطة في كتاب [الإبانة] فقال: حدثني أبو القاسم حفص بن عمر الأردبيلي، حدثنا أبو حاتم الرازي , حدثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء "ينزل الله إلى سماء الدنيا " أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد , ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء , وقال ابن بطة: وحدثنا أبو بكر النجاد، ثنا أحمد بن على الأبار [هو أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبار , الحافظ المتقن، من علماء الأثر ببغداد , وكان من أزهد الناس، وتوفي سنة ٠٩٢هـ] ، ثنا على بن خَشْرَم [هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي الأثرم، أحد الأعلام ومصنف السنن، له مصنفات في علل الحديث، وثقه ابن حبان، وتكلم فيه غيره، مات سنة ٢٧٣هـ وقيل غير ذلك] .، قال: قال إسحاق بن راهويه: دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ قلت: أي شيء، أصلح الله الأمير؟ قال: تروون أن
стр. 38
الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ ! قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه. قال: نعم. قلت: ولم تتكلم في هذا؟ !
وقد رواها اللالكائي ـ أيضًا ـ بإسناد منقطع، واللفظ مخالف لهذا. وهذا الإسناد أصح، وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما أئمة ثقات. فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، فأثبت قربه إلى خلقه مع كونه فوق عرشه، وعبد الله بن طاهر ـ وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان ـ كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم، فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟ يقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا.
ونظيره ما رواه أبو بكر الأثرم في [السنة] قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني العُبَادي ـ قال: حدثني الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. أراد الفضيل بن عياض ﵀ مخالفة الجهمي الذي يقول: إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه إتيان، ولا مجيء، ولا نزول، ولا استواء، ولا غير ذلك من الأفعال الاختيارية القائمة به. فقال الفضيل: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر بربيزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما شاء. فأمره أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من الأفعال القائمة بذاته التي يشاؤها، لم يرد من المفعولات المنفصلة عنه.
ومثل ذلك ما يروى عن الأوزاعي وغيره من السلف، أنهم قالوا في حديث النزول: يفعل
стр. 39
الله ما يشاء. قال اللالكائي: حدثنا المسير بن عثمان , حدثنا أحمد بن الحسين، ثنا أحمد بن على الأبَّار، قال: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: إذا سمعت الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل , فقل: أنا أومن برب يفعل ما يريد، فإن بعض من يعظمهم وينفي قيام الأفعال الاختيارية به ـ كالقاضي أبي بكر , ومن اتبعه، وابن عَقِيل , والقاضي عياض , وغيرهم ـ يحمل كلامهم على أن مرادهم بقولهم: [يفعل ما يشاء] أن يحدث شيئًا منفصلًا عنه من دون أن يقوم به هو فعل أصلًا. وهذا أوجبه أصلان لهم:
أحدهما: أن الفعل عندهم هو المفعول , والخلق هو المخلوق , فهم يفسرون أفعاله المتعدية، مثل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة وهي أمر عدمي , لا وجودي , كما يقولون مثل ذلك في كونه يسمع أصوات العباد، ويرى أعمالهم وفي كونه كلم موسى وغيره، وكونه أنزل القرآن، أو نسخ منه ما نسخ، وغير ذلك؛ فإنه لم يتجدد عندهم إلا مجرد نسبة وإضافة بين الخالق والمخلوق , وهي أمر عدمي , لا وجودي.
وهكذا يقولون في استوائه على العرش إذا قالوا: إنه فوق العرش، وهذا قول ابن عقيل وغيره، وهو أول قولي القاضي أبي يعلى. ويسمى ابن عقيل هذه النسبة: الأحوال، ولعله يشبهها بالأحوال التي يثبتها من يثبتها من النظار، ويقولون: هي لا موجودة ولا معدومة، كما يقول ذلك أبو هاشم , والقاضيان: أبو بكر، وأبو يعلى , وأبو المعالي الجويني في أول قوليه.
وأكثر الناس خالفوهم في هذا الأصل , وأثبتوا له ـ تعالى ـ فعلًا قائمًا بذاته، وخلقًا غير المخلوق ـ ويسمى التكوين ـ وهو الذي يقول به قدماء الكُلابية , كما ذكره الثقفي والضُّبَعِي وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خُزَيّمة في العقيدة؛ التي كتبوها وقرؤوها على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة؛ لما وقع بينهم النزاع في [مسألة القرآن] . وهو آخر قولي القاضي أبي
стр. 40
يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية، وهو الذي ذكره البغوي في [شرح السنة] عن أهل السنة، وذكره البخاري إجماع العلماء، كما بسط ذلك في مواضع أخر.
والأصل الثاني: نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته، ويسمون ذلك: [حلول الحوادث] فلما كانوا نفاة لهذا، امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختياري، يحصل بقدرته ومشيئته، لا لازم ولا متعد، لا نزول ولا مجيء، ولا استواء ولا إتيان، ولا خلق، ولا إحياء، ولا إماتة، ولا غير ذلك. فلهذا فسروا قول السلف بالنزول بأنه يفعل ما يشاء، على أن مرادهم حصول مخلوق منفصل، لكن كلام السلف صريح في أنهم لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا الفعل الاختياري الذي يقوم به.
والفضيل بن عياض ﵀ لم يرد أنه يخلو منه العرش، بل أراد مخالفة الجهمية؛ فإن قوله: [يفعل ما يشاء] لا يتضمن أنه لابد أن يكون تحت العرش بل كلامه من جنس كلام أمثاله من السلف، كالأوزاعي، وحماد بن زيد، وغيرهما. ومنهم من أنكر ما روى عن أحمد في رسالته إلى مُسَدَّد، وقال: راويها عن أحمد مجهول، لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البَرْدَعِيّ.
وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره.
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش، وسماه: [الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول] .
وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في
стр. 41
[أقوال أهل السنة] ؛ عن أبي الحسن محمد بن على المروزي , عن محمد بن إبراهيم الدينوري، عن على بن أحمد بن محمد بن موسى، عن أحمد بن محمد البَرْدَعِي التميمي، قال: لما أشكل على مُسَدَّد بن مسرهد أمر السنة، وما وقع فيه الناس من [القدر] و [الرفض] و [الاعتزال] و [الإرجاء] , و [خلق القرآن] كتب إلى أحمد بن حنبل: أن أكتب إلىّ سنة رسول الله ﷺ فكتب إليه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد , ثم ذكر فيها: وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش، وعن حديث روي عن إسحاق بن راهويه في هذا المعنى.
وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما، وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البَرْدَعِيّ مجهول، لا يعرف في أصحاب أحمدمن اسمه [أحمد بن محمد] , فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ، وأبي بكر الأثرم، وأحمد بن محمد بن الحجاج [هو أحمد بن محمد بن الحجاج، عالم بالفقه والحديث، وكان أجل أصحاب الإمام أحمد , وروى عنه مسائل كثيرة، ووصف بأنه كثير التصانيف، توفي سنة ٢٧٥هـ] ، وأبي بكر المروزي [هو إمام محدث، ورحَّال صادق، من الثقات ببلخ، طوف وسمع الكثير، وخرج لنفسه معجمًا، توفي سنة ٣٧٦هـ] ، وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي، وأحمد بن محمد الصائغ , وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل، وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق.
وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي، وأحمد بن خالد أبا العباس البراني، وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله ابن صالح الأسدي , وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، وأحمد بن محمد بن يحيى الكحال , وأحمد بن محمد بن البخاري، وأحمد بن محمد بن بطة، وذكر أحمد ابن الحسن أبا الحسن الترمذي , وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة الترمذي.
وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي , قال: ولم يعد هذا فيمن روى عن مُسَدَّد أيضًا. قال: وهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة على لفظ واحد
стр. 42
منهم: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأبو أمامة، وعُقْبَة بن عامر، وأبو ثعلبة الخُشَنِي، ورفاعة بن عَرَابة الجهَنِيّ، وعبادة بن الصامت، وعمر بن عَبْسَة، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله، وجُبَيْر بن مُطْعَم، وأنس بن مالك، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم ﵃ أجمعين ـ ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ، ولا من رواه من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم.
ثم ساق الأحاديث بألفاظها، وذكر أن أحدًا منهم لم يقل هذا اللفظ. قال: وهو لفظ موافق لرأى من زعم أنه لا يخلو منه مكان، ورأى من زعم أنه ليس له مكان.
قال: وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، ولقوله: فلا يزال كذلك إلى الفجر.
قلت: القائلون بذلك لم يقولوا: إن هذا اللفظ في الحديث، وليس في الحديث أيضًا أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش، كما يدعيه المدعون لذلك، فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك، ولا لفظ النفاة له. وهؤلاء يقولون: إنهم يتأولون النزول على غير النزول، بل قد يكون من هؤلاء من ينفي نزولًا يقوم به، ويجعل النزول مخلوقًا منفصلًا عنه، وعامة رد ابن منده المستقيم إنما يتناول هؤلاء، لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة؛ ولهذا كانوا يفضلون أباه أبا عبد الله عليه، وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي وغيره يتكلمون فيه في ذلك، كما هو معروف عنهم.
قال عبد الرحمن: قال أبي في الرد على من تأول النزول على غير النزول، واحتج في إبطال الأخبار الصحاح بأحاديث موضوعة: وادعى المدبر أنه يقول بحديث النزول فحرفه على من حضر مجلسه، وأنكر في خطبته ما أنزل الله في كتابه من حجته، وما بين الرسول ﷺ من أنه ينزل بذاته، وتأول النزول على معنى الأمر والنهي، لا حقيقة النزول، وزعم
стр. 43
أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن التنقلات، فأبطل جميع ما أخرج في هذا الباب إذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث، واعتماده على التأويل الباطل والمعقول الفاسد.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، نفي التشبيه من جميع الجهات وكل المعاني، ولكن البائس المسكين لم يجد الطريق إلى ثلب الأئمة إلا بهذا الطريق الذي هو به أولى، ثم قصد تعلىل حديث النزول بما لا يعد علة ولا خلافًا من قول الراوي [ينزل] و [يقول إذا مضى نصف الليل] وقال بعضهم: [ثلث الليل، ونصف الليل] قال ابن منده: وليس هذا اختلافًا ولكنه جهل، واحتج معها بحديث محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طارق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: " إنه يأمر مناديًا ينادي كل ليلة ".
وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه. زعم أن يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي والبخاري ومسلمًا، أخرجوا في كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين ترددًا منه وجهلًا، وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص. رواه محاضر وغير واحد، قال: [إن الله ينزل كل ليلة] .
وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أبي أنَيْسَة، عن طارق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:" إن الله ينزل كل ليلة ".
وأما حديث الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، فقد تقدم الكلام عليه فيما ذكرنا، وليس في هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح، قال: ولو سكت عن معرفة الحديث كان أجمل به وأحسن؛ إذ قد سلب الله معرفته وأرسخ في قلبه تبطيل الأخبار الصحاح، واعتماد معقوله الفاسد.
قلت: فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه، وأبوه أعلم منه وأفقه وأسد قولًا. ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده هذا، قال: حدثنا محمد بن محمد بن الحسن، ثنا عبد الله
стр. 44
بن محمد الوراق , ثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثم قال عبد الرحمن: حدثني أحمد بن نصر قال: كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلاميُّ من أصحاب الكلام فقال له: تقولون: إن الله على عرشه لا يزول، ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال: عن حماد بن زيد: إن الله على عرشه، ولكن يقرب من خلقه كيف شاء.
قال عبد الرحمن: ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب، أرادا بقولهما: يقرب من خلقه كيف شاء؛ أرادا ألا يزول عن مكانه؛ فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد في الكتاب والسنة.
قال: وحدثنا عبد الصمد بن محمد المعاصمي ببلخ، أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي، قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حراش، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن زياد، حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أومن برب يزول عن مكانه، فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
قال: رواه جماعة عن فضيل بن عياض، قال: ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ذهب إليه الزنادقة، فلا يبقى خلاف بين من يقول: أنا أكفر برب ينزل ويصعد وبين من يقول: أنا أومن برب لا يخلو منه العرش في إبطال ما نطق به الكتاب والسنة. ثم روى بإسناده عن الفضيل بن عياض: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب ينزل ويصعد، فقل: آمنت برب يفعل ما يشاء.
قلت: زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث، وكثير مما نقل في كتاب [مقالات الإسلاميين] من مذهب أهل السنة والحديث، وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش، وأنه يقرب من خلقه كيف شاء.
ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته، أنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا، كما قال: إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء. وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل , بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان , وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه.
стр. 45
والأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش بذاته، ولكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به , والسلف الذين قالوا: يفعل ما يشاء، وينزل كيف شاء وكما شاء , والفضيل بن عياض الذي قال: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء ـ مرادهم نقيض هذا القول. ورد أبي عبد الله بن منده متناول لهؤلاء , وعلى هذا فلا يبقى خلاف بين من يقول: ينزل ويصعد , وبين من ينفي ذلك , وذلك لأن الأفعال المنفصلة لم ينازع فيها أحد من المسلمين، فعلم أن مراد هؤلاء إثبات الفعل الاختياري القائم به؛ ولكنهم مع هذا ليس في كلامهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه، وأنه لا يبقى فوق العرش؛ كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث.
وروى بإسناده من [كتاب السنة] لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال: أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن، حدثني أبي، ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبناني، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل , ثنا أبي , ثنا موسى بن داود أبو معمر، ثنا عباد بن العوام، قال: قدم علىنا شَرِيك فسألته عن الحديث [إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان] . قلنا: إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث! ! قال: فما يقولون؟ قلنا: يطعنون فيها , فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن وبالصلاة وبالحج وبالصوم، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث.
قال: وأما حديث إسحاق بن راهويه , فرواه إسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي حاتم أنهم تكلموا فيه. قال: والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بُرَيْدة , عن أحمد ابن عبد الله بن محمد بن بشير، عن الترمذي: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يومًا فقالوا له: أيها الأمير , إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه، وهو كافر يزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش. قال: فغضب عبد الله وبعث إلى , فدخلت عليه وسلمت، فلم يرد على السلام غضبًا ولم يستجلسني، ثم رفع
стр. 46
رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق، ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت: لا أدري، قال: تزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه العرش؟ فقلت: أيها الأمير، لست أنا قلته، قاله النبي ﷺ : ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسحاق، عن الأغر بن مسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "ينزل الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له " ولكن مرهم يناظروني. قال فلما ذكرت له النبي ﷺ ، سكن غضبه، وقال لي اجلس، فجلست. فقلت: مرهم أيها الأمير يناظروني. قال: ناظروه، قال: فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا يستطيع؟ قال: فسكتوا وأطرقوا رؤوسهم. فقلت: أيها الأمير، مرهم يجيبوا، فسكتوا. فقال: ويحك يا إسحاق، ماذا سألتهم؟ قال: قلت: أيها الأمير! قل لهم يستطيع أن ينزل؛ ولا يخلو منه العرش أم لا؟ قال: فإيش هذا؟ قلت: إن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش، فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم، وقد كفروا. وإن زعموا أنه يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش، فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولا يخلو منه المكان.
قال عبد الرحمن: والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن طاهر ما أخبرنا أبي: ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا محمد بن حاتم، سمعت إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذه الأحاديث التي تروونها في النزول ـ يعني وغير ذلك ـ ما هي؟ قلت: أيها الأمير، هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام، ونقلها العلماء، فلا يجوز أن ترد، هي كما جاءت بلا كيف، فقال عبد الله: صدقت، ما كنت أعرف وجوهها إلى الآن.
قال عبد الرحمن: ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول، وتبطل قول من يقول: هي كما جاءت بلا كيف، فيقال: بل مخاطبة إسحاق لعبد الله بن طاهر كان فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية؛ ولكن هذه المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره، كما نقلوا في مناظرة أحمد بن حنبل وغيره، هذا ينقل ما لا ينقله هذا، كما نقل صالح وعبد الله والمروزي وغيرهم وكلهم ثقات، وإسحاق بسط الكلام مع ابن طاهر.
стр. 47
قال الشيخ أبو عثمان النيسابوري الصابوني، الملقب بشيخ الإسلام، في رسالته في السنة قال: ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه، كما نطق به كتابه في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وذكر عدة آيات من ذلك؛ فإن هذا ذكره الله في سبعة مواضع من القرآن، قال: وأهل الحديث يثبتون في ذلك ما أثبته الله ـ تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه الله ـ سبحانهـ من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ـ تعالى ـ و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
وروى بإسناده من طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول , والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأمر أن يخرج من المجلس. وروى بإسناده الثابت عن عبد الله بن المبارك أنه قال: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: بأنه هاهنا، وأشار بيده إلى الأرض.
وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ـ يعني الحاكم ـ في كتاب [التاريخ] الذي جمعه لأهل نيسابور , وفي كتاب [معرفة أصول الحديث] اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ , سمعت الإمام أبا بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته، فهو كافر به، حلال الدم يستتاب , فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل.
قال الشيخ أبو عثمان: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف , بل يثبتون ما أثبته رسول
стр. 48
صلى الله عليه وسلم , وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ، وقوله : ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] .
وقال: أخبرنا أبو بكر بن زكريا , سمعت أبا حامد الشرقي , سمعت حمدان السلمى وأبا داود الخفاف، قالا: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب , هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا " كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب: كيف! إنما ينزل بلا كيف.
قال: وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرِّبَاطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم ﵀ فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال: نعم , فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب , أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ ! قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال إسحاق: أثبته فوق. فقال: أثبته فوق. فقال إسحاق: قال الله : ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ، فقال الأمير عبد الله: هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، من يجىء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ! .
وقال أبو عثمان: قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، على ما صح به الخبر عن النبي ﷺ ، وقد قال الله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ ِ [البقرة: ٢١٠] وقال: ﴿وَجَاء
стр. 49
رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] , نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء ـ سبحانه ـ أن يبين كيف ذلك فعل؛ فانتهينا إلى ما أحكمه , وكففنا عن الذي يتشابه , إذ كنا قد أمرنا به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] . وروى عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل , قال: سألت إسحاق ابن إبراهيم , قلت: حديث النبي ﷺ (ينزل الله إلى السماء الدنيا) قال: نعم ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء، وقال: عن حرب: لا يجوز الخوض في أمر اللَّه ـ تعالى ـ كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . وروى ـ أيضًا ـ عن حرب قال: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم. كان قولهم: إن اللَّه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء , ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وروي ـ أيضًا ـ عن حرب: قال: قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين؛ وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأنه الخالق يصنع كيف شاء.وروى ـ أيضًا ـ عن محمد بن سلام، قال: سأل فضالةُ عبدَ الله بن المبارك عن النزول ليلة النصف من شعبان؛ فقال عبد الله: يا ضعيف، تجد خداي خوشيركن ينزل كيف شاء.
стр. 50
وروى عن ابن المبارك قال: من قال لك: يا مشبه، فاعلم أنه جهمي. وقال عبد الرحمنبن منده: إياك أن تكون فيمن يقول: أنا أومن برب يفعل ما يشاء، ثم تنفي ما في الكتاب والسنة مما شاء اللَّه وأوجب على خلقه الإيمان به: أفاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا، والزنادقة ينكرونه بزعمهم أن اللَّهَ لا يخلو منه مكان.
وروى حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد، عن جرير , عن ليث , عن بشر , عن أنس: أن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته ". قلت: ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمي وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعًا، ورواه ابن الجوزي في [الموضوعات] ,، وقال أبو القاسم التميمي: [ينزل] معناه صحيح أنا أقر به ,، لكن لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ ,، وقد يكون المعنى صحيحًا وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور , كما لو قيل: إن الله هو بنفسه وبذاته خلق السموات والأرض، وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليما، وهو بنفسه وذاته استوى على العرش؛ ونحو ذلك من أفعاله التي فعلها هو بنفسه، وهو نفسه فعلها؛ فالمعنى صحيح، وليس كل ما بين به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ومرفوعًا.
فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن منده، مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأول , فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك إلى الفجر) . وفي لفظ: (إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا) وفي لفظ: " حتى ينشق الفجر ثم يرتفع "، وفي رواية يقول: "لا أسأل عن عبادي غيري , من ذا الذي يسألني فأعطيه "، وفي رواية عمرو بن عبسة: "أن الرب يتدلى في جوف الليل إلى السماء الدنيا "، وفي لفظ: " حتى ينشق الفجر، ثم يرتفع " وذكر نزوله عشية عرفة من عدة طرق، وكذلك ليلة النصف من شعبان ,، وذكر نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام،
стр. 51
وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الآخرة، وما فيه من ذكر نزوله وارتفاعه، وأمثال ذلك منالأحاديث، وهو ينكر على من يقول: إنه لا يخلو منه العرش , ويجعل هذا مثل قول من يقول: إنه في كل مكان، ومن يقول: إنه ليس في مكان.
وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين: قول من يقول: إنه ينزل نزولًا يخلو منه العرش.
وقول من يقول: ما ثم نزول أصلًا كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته باختياره.
وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر. ثم منهم من ينفي النزول عنه، ينزهه عن مثل ذلك. ومنهم من أثبت له نزولًا من هذا الجنس، يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر، فأولئك يقولون: هذا القول باطل , فتعين الأول , كما يقول من يقابلهم: ذلك القول باطل فتعين الثاني. وهو يحمل كلام السلف [يفعل ما يشاء] على أنه نزول يخلو منه العرش، ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن الله.
وفي الجملة، فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه، وما ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق، فقد ذكرنا الرواية الأخرى الثابتة التي رواها ابن بطة وغيره، وذكرنا ـ أيضًا ـ اللفظ الثابت عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد , رواه الخلال وغيره.
وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مُسَدَّد بن مسرهد، فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم، تلقوها بالقبول، وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب [الإبانة] ، واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه.
стр. 52
فصل
وقد تأول قوم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ حديث النزول ـ وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم؛ كالإتيان والمجيء , والهبوط ونحو ذلك , ونقلوا في ذلك قولا لمالك، ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب أحمد ـ كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره ـ عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين، بخلاف غير هذا الباب , فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزاعًا.
وطرد ابن عقيل الروايتين في [التأويل] في غير هذه الصفة، وهو تارة يوجب التأويل، وتارة يحرمه، وتارة يسوغه.
والتأويل عنده تارة للصفات الخبرية مطلقًا ويسميها الإضافات ـ لا الصفات ـ موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة , كأبي علي بن الوليد , وأبي القاسم بن التَّبَّان ـ وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري ـ وأبو الفرج بن الجوزي مع ابن عقيل على ذلك في بعض كتبه، مثل [كف التشبيه بكف التنزيه] ، ويخالفه في بعض كتبه.
والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعًا في التأويل , لا في هذه الصفات ولا في غيرها.
وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية، أن أحمد لم يتأول إلا [ثلاثة أشياء] : " الحجر الأسود يمين الله في الأرض "، و " قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن "، و " إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن ": فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد , ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه. وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال.
وأيضًا، وقع النزاع بين أصحابه: هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والإتيان، والنزول ونحو ذلك؟ لأن حنبلًا نقل عنه في [المحنة] أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي ﷺ : " تجيء البقرة، وآل عمران، كأنهما غَمَامَتَان، أو غَيَايَتَان، أو فِرْقَان من طَيْرٍ صَوَافَّ "
стр. 53
ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه. وقالوا له: لا يوصف بالإتيان والمجيء إلا مخلوق؛ فعارضهم أحمد بقوله: وأحمد وغيره من أئمة السنة ـ فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران، كما ذكر مثل ذلك من مجيء الأعمال في القبر وفي القيامة , والمراد منه ثواب الأعمال.
والنبي ﷺ قال: " اقرءوا البقرة وآل عمران، فإنهما يجيئان يوم القيامة كأنهما غَيَايَتان، أو غَمامتان، أو فِرْقان من طير صَوَافَّ , يحاجان عن أصحابهما" وهذا الحديث في الصحيح: فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ، علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها، كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال.
وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع: هل يقلب الله العمل جوهرًا قائمًا بنفسه أم الأعراض لا تنقلب جواهر؟ وكذلك قوله: "يؤتى بالموت في صورة كَبْشٍ أمْلَحَ " [أي بياضه أكثر من سواده] .
والمقصود هنا: أن النبي ﷺ لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ التي هي عمله , وذلك هو ثواب قارئ القرآن , ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به , وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين. فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه.
ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] . قال: قيل: إنما يأتي أمره هكذا نقل حنبل , ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في [المحنة] كعبد الله بن أحمد , وصالح بن أحمد، والمروزي وغيره، فاختلف أصحاب أحمد في ذلك.
فمنهم من قال: غلط حنبل، لم يقل أحمد هذا. وقالوا: حنبل له غلطات معروفة وهذا منها , وهذه طريقة أبي إسحاق بن شاقلا.
ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم. يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان ولم يكن ذلك دليلًا على أنه مخلوق، بل تأولتم ذلك على أنه جاء
стр. 54
أمره , فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن , لا أنه نفسه هو الجائي , فإن التأويل هنا ألزم , فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن، وثوابه عمل له لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن.
فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى.
وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقًا لهم عليه، وهو لا يحتاج إلى أن يلتزم هذا. فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة فيمجيء أعمال العباد، والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله، وأعمال العباد مخلوقة، وثوابها مخلوق.
ولهذا قال أحمد , وغيره من السلف: إنه يجيء ثواب القرآن , والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله.
وذهب طائفة ثالثة من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا: ذلك الوقت، وجعلوا هذا رواية عنه، ثم من يذهب منهم إلى التأويل ـ كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما ـ يجعلون هذه عمدتهم؛ حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره، ولا يذكر من كلام أحمد والسلف ما يناقضها.
ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك.
والذين ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من [الأفعال] لهم قولان:
منهم من يتأول ذلك بالقصد، كما تأول بعضهم قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [فصلت: ١١] بالقصد، وهذا هو الذي ذكره ابن الزاغوني.
ومنهم من يتأول ذلك بمجيء أمره ونزول أمره، وهو المذكور في رواية حنبل.
وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ـ كالقاضي أبي يعلى وغيره ممن يوافق أبا الحسن الأشعري ـ على أن [الفعل] هو المفعول؛ وأنه لا يقوم بذاته فعل اختياري. يقولون: معنى النزول والاستواء وغير ذلك: أفعال يفعلها الرب في المخلوقات. وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعري وغيره،
стр. 55
قالوا: الاستواء فعل فعله في العرش كان به مستويًا، وهذا قول أبي الحسن بن الزاغوني.
وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف، وليس الأمر كذلك، كما قد بسط في موضعه.
وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك، رويت من طريق كاتبه حبيب بنأبي حبيب، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم نقله عن مالك، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه.
واختلف أصحاب أحمد وغيرهم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ في النزول والإتيان، والمجيء وغير ذلك: هل يقال: إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال، ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب [اختلاف الروايتين والوجهين] :
فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته.
والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره.
ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى، وهو قول كثير منهم، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد الرحمن وغيره.
ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ، وهم في المعنى منهم من يتصوره مجملًا، ومنهم من يتصوره مفصلًا؛ إما مع الإصابة، وإما مع الخطأ.
والذين أثبتوا هذه رواية عن أحمد هم، وغيرهم ـ ممن ينتسب إلى السنة والحديث ـ لهم في تأويل ذلك قولان:
أحدهما: أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره.
والثاني: أن المراد بذلك عمده وقصده. وهكذا تأول هؤلاء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] قالوا: قصد وعمد.
وهذا تأويل طائفة من أهل العربية، منهم أبو محمد عبد الله بن قتيبة، ذكر في كتاب [مختلف الحديث] له، الذي رد فيه على أهل الكلام، الذين يطعنون في الحديث، فقال: قالوا: حديث في التشبيه يكذبه القرآن والإجماع. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: " ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داع
стр. 56
فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له؟ "، و "ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة) . و " ينزل ليلة النصف من شعبان ". وهذا خلاف لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .
فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان، ولا يشغله شأن عن شأن.
ونحن نقول في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أنه معهم بالعلم بما هم عليه، كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع، ووكلته بأمر من أمرك: احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك، فإني معك؛ يريد: أنه لا يخفي علىّ تقصيرك أو جدك بالإشراف عليك، والبحث عن أمورك، فإذا جاز هذا في المخلوق والذي لا يعلم الغيب، فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز.
وكذلك هو بكل مكان يراك، لا يخفي عليه شيء مما في الأماكن، هو فيها بالعلم بها والإحاطة، فكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول، مع قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: استقر، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] أي: استقررت، ومع قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] .
وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح يوم القيامة؟ وتعرج بمعنى: تصعد، يقال: عرج إلى السماء: إذا صعد، والله ذو المعارج، والمعارج: الدرج. فما هذه الدرج؟ فإلى من تؤدي الملائكة الأعمال إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى؟
ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم، وما رُكِبَتْ عليه خلقتهم، من معرفة الخالق، لعلموا أن اللَّه هو العلي وهو الأعلى، وبالمكان الرفيع، وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترتفع بالدعاء إليه. ومن العلو يرجى الفرج، ويتوقع النصر والرزق.
وهناك الكرسي والعرش، والحجب والملائكة. يقول الله ﵎: ﴿وَلَهُ مَن فِي
стр. 57
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩،٢٠] . وقال في الشهداء: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قيل لهم: شهداء؛ لأنهم يشهدون ملكوت الله، واحدهم شهيد، كما يقال: علىم وعلماء، وكفيل وكفلاء.
وقال : ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] أي: لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم؛ لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته لا عند غيره.
والأمم كلها ـ عجمها وعربها ـ تقول: إن الله في السماء، ما تركت على فطرتها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم.
وفي الحديث: أن رجلًا أتى إلى النبي ﷺ بأمَةٍ أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله ﷺ : " أين اللَّه؟ " قالت: في السماء. قال: " من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، فقال:" هي مؤمنة " وأمره بعتقها. وقال أمية بن أبي الصَّلْت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرًا
بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا
شَرْجَعًا ما يناله بصر العيـ ... ـن ترى دونه الملائك صُورًا
وصُورًا جمع أصْوَر، وهو المائل العنق، وهكذا قيل في حملة العرش صور، وكل من حمل شيئًا ثقيلًا على كاهله أو على منكبه، لم يجد بدًا من أن يميل عنقه.
وفي [الإنجيل] : أن المسيح ﵇ قال: " لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم ـ الذي في السماء ـ يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء، فإنهن لا يزرعن، ولا يحصدن، ولا يجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم، أفلستم أفضل منهن؟ " ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب.
قال ابن قتيبة: وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ، فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما، وإنما أراد أنه إله السماء ومن فيها وإله الأرض ومن
стр. 58
فيها. ومثل هذا من الكلام قولك: هو بخراسان أمير، وبمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما، وهو حال بأحدهما أو بغيرهما. هذا واضح لا يخفي.
فإن قال لنا: كيف النزول منه جل وعز؟ قلنا: لا نحكم على النزول منه بشيء، ولكنا نبين كيف النزول منا، وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ، والله أعلم بما أراد.
والنزول منا يكون بمعنيين:
أحدهما: الانتقال من مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض، ومن السطح إلى الدار.
والمعنى الآخر: إقبالك إلى الشيء بالإرادة والنية. كذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام.
ومثال ذلك: إن سألك سائل عن محل قوم من الأعراب ـ وهو لا يريد المصير إليهم ـ فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا فانزل منه وخذ يمينًا، وإذا صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شمالًا، وإذا سرت إلى أرض كذا فَاعْلُ هضبة هناك حتى تشرف عليهم، وأنت لا تريد في شيء مما تقوله افعله ببدنك، إنما تريد افعله بنيتك وقصدك.
وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحزاب تشتمهم، وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم، وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة، ليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم، وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإرادة والعزم والنية، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] لا يراد به أنه معهم بالحلول؛ ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة.
وكذلك قوله :: "من تَقَرَّب مني شبرًا تَقَرَّبت منه ذِراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَةً "
قال: وثنا عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن مُنَبِّه؛ "أن موسى ﵇ لما نودي من الشجرة ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] أسرع الإجابة، وتابع التلبية، وما كان ذلك إلا استئناسًا منه بالصوت، وسكونًا إليه.
وقال: إني أسمع صوتك، وأحس حسك، ولا أدري مكانك، فأين أنت؟ قال:: أنا فوقك، وأمامك وخلفك، ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك": يريد: إني أعلم بك منك؛ لأنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ما وراءك، وإذا
стр. 59
سموت بطرفك إلى ماهو فوقك ذهب عنك علم ما تحتك، وأنا لا يخفي عليّ خافية منك في جميع أحوالك.
ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت: شَغَلُوا قلوبهم عن الله بحُبِّ الدنيا، ولو تركوها لجالت في الملكوت، ثم رجعت إليهم بطرف الفائدة، ولم ترد أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول، ولكن تجول هناك بالفكر والقصد والإقبال.
وكذلك قول أبي ممندية الأعرابي قال: اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم كظيظ، يعني التقاء، وأنشد فيه:
جياد بها صرعى لهن كظيظ
ولو قال قائل في قول رسول الله ﷺ : " اطَّلَعْتُ في الجنة، فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ": إن اطلاعه فيها كان بالفكرة والإقبال كان حسنًا.
قلت: وتأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك ـ بمعنى القصد والإرادة ونحو ذلك ـ هو قول طائفة. وتأولوا ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة: ٢٩] وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك: هو إحدى الروايتين عن أحمد.
والصواب: أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث ـ أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة السنة.
ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة، وتكون إما غلطًا أو محرفة، كما تقدم من أن قول الأوزاعي وغيره من أئمة السلف في النزول [يفعل الله ما يشاء] فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق، منفصل عن الله، وأنهم أرادوا بقولهم: [يفعل الله ما يشاء] هذا المعنى وليس الأمر كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه.
وآخرون ـ كالقاضي أبي يعلى في [إبطال التأويل]ـ قالوا: لم يرد الأوزاعي أن النزول من صفات الفعل، وإنما أراد بهذا الكلام بقوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء﴾ وشبهوا ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ
стр. 60
مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ـ ٢٨] ، فزعموا أن قوله ـ سبحانه ـ ليس تنزيهًا له عن اتخاذ الولد ـ بناء على أصلهم الفاسد، وهو أن الرب لا ينزه عن فعل من الأفعال ـ بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه.
وكذلك جعلوا قول الأوزاعي وغيره: أن النزول ليس بفعل يشاؤه الله؛ لأنه عندهم من صفات الذات لا من صفات الفعل، بناء على أصلهم، وأن الأفعال الاختيارية لا تقوم بذات الله؛ فلو كان صفة فعل لزم ألا يقوم بذاته، بل يكون منفصلًا عنه.
وهؤلاء يقولون: النزول من صفات الذات، ومع هذا فهو عندهم أزلي كما يقولون مثل ذلك في الاستواء، والمجيء، والإتيان، والرضا، والغضب، والفرح، والضحك، وسائر ذلك: إن هذا جميعه صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية، لا تتعلق بمشيئته واختياره؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب، وهو أن الرب لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره، بل من هؤلاء من يقول: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره.
بل من هؤلاء من يقول: إن الفعل قديم أزلي، وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته وقدرته، وأكثر العقلاء يقولون: فساد هذا معلوم بضرورة العقل؛ كما قالوا مثل ذلك في قول من قال من المتفلسفة: إن الفلك قديم أزلي، وأنه أبدعه بقدرته ومشيئته.
وجمهور العقلاء يقولون: الشيء المعين من الأعيان والصفات إذا كان حاصلًا بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزليًا.
فلما كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، والقضاة أبي بكر بن الطيب، وأبي يعلى بن الفراء، وأبي جعفر السماني، وأبي الوليد الباجي وغيرهم من الأعيان، كأبي المعالي الجويني وأمثاله؛ وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما: أن الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته، ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله الحوادث، ووافقوا في ذلك للجهم ابن صفوان، وأتباعه من الجهمية والمعتزلة، صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب، على أحد قولين:
إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه. فيقولون: كلام الله مخلوق بائن عنه، لا يقوم به
стр. 61
كلام. وكذلك رضاه، وغضبه، وفرحه، ومجيئه وإتيانه، ونزوله وغير ذلك، هو مخلوق منفصل عنه، لا يتصف الرب بشيء يقوم به عندهم.
وإذا قالوا: هذه الأمور من صفات الفعل، فمعناه: أنها منفصلة عن الله بائنة، وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به.
ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول: آيات الصفات وأحاديث الصفات.
وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية، ويقولون: نزوله ومجيئه، وإتيانه وفرحه، وغضبه ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي، كما يقولون: إن القرآن قديم أزلي.
ثم منهم من يجعله معنى واحدًا، ومنهم من يجعله حروفًا، أو حروفًا وأصواتًا قديمة أزلية، مع كونه مرتبًا في نفسه. ويقولون: فرق بين ترتيب وجوده، وترتيب ماهيته، كما قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع على هذه الأقوال وقائليها، وأدلتها السمعية والعقلية في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أنه ليس شيء من هذه الأقوال قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة ـ أئمة السنة والجماعة وأهل الحديث ـ كالأوزاعي، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم ـ بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، موجودة في الكتب التي ينقل فيها أقوالهم بألفاظها، بالأسانيد المعروفة عنهم.
كما يوجد ذلك في كتب كثيرة، مثل كتاب [السنة] و [الرد على الجهمية] لمحمد بن عبد الله الجعفي، شيخ البخاري؛ ولأبي داود السجستاني، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، ولأبي بكر الأثرم، ولحنبل بن إسحاق، ولحرب الكرماني، ولعثمان بن سعيد الدارمي، ولنعيم بن حماد الخزاعي، ولأبي بكر الخلال، ولأبي بكر بن خزيمة، ولعبد الرحمن بن أبي حاتم، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني، ولأبي عبد الله بن منده، ولأبي عمرو الطلمنكي، وأبي عمر بن عبد البر.
стр. 62
وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك، مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ودُحَيْم وسُنَيْد، وابن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وتفسير عبد الرحمن ابن أبي حاتم، وغير ذلك من كتب التفسير، التي ينقل فيها ألفاظ الصحابة والتابعين، في معاني القرآن بالأسانيد المعروفة.
فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى، وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب، كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها. أنه لا يفهم أحد معانيها؛ لا الرسول ولا غيره، ويظنون أن هذا معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] مع نصرهم للوقف على ذلك؛ فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنًا لا يفهم معناه، بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها، وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك.
وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول ﷺ ، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف والتبديل، وظن أهل التجهيل. وهذا مما بسط الكلام عليه في مواضع، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
والمقصود هنا الكلام على من يقول: ينزل ولا يخلو منه العرش، وإن أهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر أن يقال: يخلو، أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره.
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو من العرش، أو لا يخلو منه العرش ـ كما تقدم بعض كلامه.
وكثير من أهل الحديث يتوقف عن أن يقول: يخلو أو لا يخلو. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش. وكثير منهم يتوقف عن أن يقال: يخلو أو لا يخلو؛ لشكهم في ذلك، وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد الأمرين، وإما مع كون الواحد منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين
стр. 63
لكن يمسك في ذلك؛ لكونه ليس في الحديث ولما يخاف من الإنكار عليه. وأما الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إلا عن طائفة قليلة منهم.
والقول الثالث ـ وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها ـ: إنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك، وسنتكلم عليه إن شاء الله، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط.
وأما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته، فهذا غلط لوجوه، وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعا، فيجاب أيضا بوجوه:
أحدها: أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول، فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت، وهذا خص النزول بجوف الليل، وجعل منتهاه سماء الدنيا، والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان. وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا.
الثاني: أن في الحديث الصحيح: أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: " لا أسأل عن عبادي غيري "، ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره.
الثالث: أنه قال: " ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب
стр. 64
له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يَطْلُعَ الفجر "، ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤله إلا الله، وأمره ورحمته لا تفعل شيئًا من ذلك.
الرابع: نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو فوق العالم، فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين: ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت: فممن ينزل؟ ! ما عندك فوق شيء؛ فلا ينزل منه لا أمر، ولا رحمة ولا غير ذلك؟ ! فبهت النافي وكان كبيرًا فيهم.
الخامس: أنه قد روي في عدة أحاديث: " ثم يعرج " وفي لفظ " ثم يصعد ".
السادس: أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة، وأنه ينادي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه " ينزل " من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديًا ينادي؛ لكان الواجب أن يقول: من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه، من يستغفره فيغفر له؟ كما ثبت في [الصحيحين] ، و [موطأ مالك] و [مسند أحمد بن حنبل] ، وغير ذلك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أحب الله العبد نادى في السماء: ياجبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "، وقال في البغض مثل ذلك.
فقد بين النبي ﷺ الفرق بين نداء الله ونداء جبريل، فقال في نداء الله: " يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه "، وقال في نداء جبريل: " إن الله يحب فلانًا فأحبوه "، وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا، بل وموجب جميع اللغات، فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة. وهم يمثلون نداء الله بنداء السلطان ويقولون: قد يقال: نادى السلطان، إذا أمر غيره بالنداء ـ وهذا كما قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه، لم يكن هو المتكلم.
فيقال
стр. 65
لهم: إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه؛ فإن المنادي ينادي: معاشر الناس، أمر السلطان بكذا، أو رسم بكذا، لا يقول: إني أنا أمرتكم بذلك.
ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا: من أنت حتى تأمرنا؟ ! والمنادي كل ليلة يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " كما في ندائه لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، وقال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] . ومعلوم أن الله لو أمر ملكًا أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ولا يقول: لا أسأل عن عبادي غيري.
وأما قول المعترض: إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر.
فيقال له: الجواب عن هذا كالجواب عن قولك: هل يخلو منه العرش، أو لا يخلو منه؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، فتقدم النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك، بناء على أن هذا نزول لا يقاس بنزول الخلق. وجماع الأمر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع:
أحدها: أن يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت، فإن كان مما يحتج به من المعقول حجة صحيحة، لزم بطلان النفي، فيلزم الإثبات؛ إذ الحق لا يخلو عن النقيضين. وإن كان باطلًا، لم يبطل به الإثبات، فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعة النبوية، وهذا كما إذا قال: لو كان فوق العرش لكان جسمًا، وذلك ممتنع، فيقالله: للناس هنا ثلاثة أقوال:
стр. 66
منهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم.
ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم.
ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول: هو جسم، ولا ليس بجسم، ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات؛ لأن كليهما بدعة في الشرع.
ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم، فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه وبين أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك، وإن فسر بما يتصف الرب به لم ينف ذلك المعنى. فالجسم في اللغة هو البدن، والله منزّه عن ذلك، وأهل الكلام قد يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة. وكثير منهم ينازع في كون الأجسام المخلوقة مركبة من هذا وهذا، بل أكثر العقلاء من بنى آدم عندهم أن السموات ليست مركبة، لا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، فكيف يكون رب العالمين مركبًا من هذا وهذا؟ فمن قال: إن الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركب، فهو مخطئ في ذلك. ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله، فقد أصاب في نفيه عن الله، لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين مقصوده.
ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب، أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع، أو أنه يقبل التفريق، والله منزه عن ذلك كله.
وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى أن الأيدي ترفع إليه في الدعاء، وأنه يقال: هو هنا وهناك، ويراد به القائم بنفسه، ويراد به الموجود. ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه، وهو عند السلف وأهل السنة ترفع الأيدي إليه في الدعاء، وهو فوق العرش. فإذا سمى المسمى ما يتصف بهذه المعاني جسمًا، كان كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حي عالم قادر جسمًا، وتسمية الآخر ما له حياة وعلم وقدرة جسمًا.
ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات:
стр. 67
أحدها: أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة، فلا أهل اللغة يسمون هذا جسمًا، بل الجسم عندهم هو البدن، كما نقله غير واحد من أئمة اللغة، وهو مشهور في كتب اللغة، قال الجوهري في [صحاحه] المشهور: قال أبو زيد: الجسم: الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان، وقال الأصمعي: الجسم والجثمان: الجسد، والجثمان الشخص، قال: والأجسم الأضخم بالبدن، وقال ابن السكيت: تجسمت الأمر أي: ركبت أجسمه، وجسيمه أي: معظمه، قال: وكذلك تجسمت الرجل والجبل، أي ركبت أجسمه.
وقد ذكر الله لفظ الجسم في موضعين من القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] ، والجسم قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر والغلظ، كما يقال: هذا الثوب له جسم، وهذا ليس له جسم أي: له غلظ وضخامة بخلاف هذا، وقد يراد بالجسم نفس الغلظ والضخم.
وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة هو المؤلف المركب، وأن استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار إليه موافق للغة، قالوا: لأن كل ما يشار إليه، فإنه يتميز منه شيء عن شيء، وكل ما كان كذلك؛ فهو مركب من الجواهر المنفردة التى كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز منه جانب عن جانب، أو من المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان، كما يقول ذلك بعض الفلاسفة.
قالوا: وإذا كان هذا مركبًا مؤلفًا، فالجسم في لغة العرب هو المؤلف المركب، بدليل أنهم يقولون: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، إذا كثر ذهابه في الجهات، وليس يقصدون بالمبالغة في قولهم: أجسم وجسيم إلا كثرة الأجزاء المنضمة والتأليف؛ لأنهم لا يقولون: أجسم فيمن كثرت علومه وقدره وسائر تصرفاته وصفاته غير الاجتماع، حتى إذا كثر الاجتماع فيه بتزايد أجزائه قيل: أجسم، ورجل جسيم، فدل ذلك على أن قولهم: جسم مفيد للتأليف.
стр. 68
فهذا أصل قول هؤلاء النفاة، وهومبني على أصلين: سمعي لغوي، ونظري عقلي فطري.
أما السمعي اللغوي فقولهم: إن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب واستدلوا عليه بقوله: هو أجسم إذا كان أغلظ وأكثر ذهابًا في الجهات، وأن هذا يقتضى أنهم اعتبروا كثرة الأجزاء.
فيقال: أما المقدمة الأولى وهو: إن أهل اللغة يسمون كل ما كان له مقدار بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر جسمًا، فهذا لا يوجد في لغة العرب البتة، ولا يمكن أحد أن ينقل عنهم أنهم يسمون الهواء الذي بين السماء والأرض جسمًا، ولا يسمون روح الإنسان جسمًا، بل من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] يعني أبدانهم دون أرواحهم الباطنة.
وقد ذكر نقلة اللغة: أن الجسم عندهم هو الجسد. ومن المعروف في اللغة أن هذا اللفظ يتضمن الغلظ والكثافة، فلا يسمون الأشياء القائمة بنفسها إذا كانت لطيفة كالهواء وروح الإنسان، وإن كان لذلك مقدار يكون به بعضه أكبر من بعض، لكن لا يسمى في اللغة ذلك جسمًا، ولا يقولون في زيادة أحدهما على الآخر: هذا أجسم من هذا، ولا يقولون: هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان الضيق، وإن كان أكبر منه، وإن كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول بأنه مركب من الأجزاء.
فليس كل ما هو مركب عندهم من الأجزاء يسمى جسمًا ولا يوجد في الكلام قبض جسمه، ولا صعد بجسمه إلى السماء، ولا أن الله يقبض أجسامنا حيث يشاء، ويردها حيث شاء، إنما يسمون ذلك روحًا، ويفرقون بين مسمى الروح ومسمى الجسم كما يفرقون بين البدن والروح، وكما يفرقون بين الجسد والروح، فلا يطلقون لفظ الجسم على الهواء، فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد، قال الجوهري: الجسد البدن، تقول فيه: تجسد كما تقول في الجسم: تجسم، كما تقدم نقله عن أئمة اللغة أن الجسم هو الجسد.
стр. 69
فعلم أن هذين اللفظين مترادفان، أو قريبان من الترادف؛ ولهذا يقولون: لهذا الثوب جسد، كما يقولون له: جسم إذا كان غليظًا ثخينًا صفيقًا، وتقول العلماء: النجاسة قد تكون مستجسدة كالدم والميتة، وقد لا تكون مستجسدة كالرطوبة، ويسمون الدم جسدًا كما قال النابغة:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا ... وما أريق على الأنصاب من جسد
كما يقولون: له: جسم، فبطل ما ذكروه عن اللغة؛ أن كل ما يتميز منه شيء عن شيء يسمونه جسمًا.
المقدمة الثانية: أنه لو سلم ذلك، فقولهم: إن هذا [جسم] يطلقونه عند تزايد الأجزاء، هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، وهذا لو قدر أنه صحيح، فأهل اللغة لم يعتبروه، ولا قال أحد منهم ذلك، فعلم أنهم إنما لحظوا غلظه وكثافته. وأما كونهم اعتبروا كثرة الأجزاء وقلتها؛ فهذا لا يتصوره أكثر عقلاء بني آدم؛ فضلًا عن أن ينقل عن أهل اللغة قاطبة أنهم أرادوا ذلك بقولهم: جسيم وأجسم. والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما لا يفهمه إلا بعض الناس، وإثبات الجواهر المنفردة أمر خص به بعض الناس، فلا يكون مسمى الجسم في اللغة ما لا يعرفه إلا بعض الناس، وهو المركب من ذلك.
وأما الأصل الثاني العقلي، فقولهم: إن كل ما يشار إليه بأنه هنا أوهناك، فإنه مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة. وهذا بحث عقلي، وأكثر عقلاء بني آدم ـ من أهل الكلام وغير أهل الكلام ـ ينكرون أن يكون ذلك مركبًا من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وإنكار ذلك قول ابن كلاب وأتباعه من الكلابية ـ وهو إمام الأشعري في مسائل الصفات ـ وهو قول الهشامية، والنجارية، والضرارية، وبعض الكرامية. وهؤلاء
стр. 70
والتفريق والحركة والسكون، وأنكر هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا أحدث أبداننا قائمة بأنفسها، أو شجرًا وثمرًا أو شيئًا آخر قائمًا بنفسه، وإنما أحدث عندهم أعراضًا. وأما الجواهر المنفردة فلم تزل موجودة. ثم من يقول: إنها محدثة، منهم من يقول: إنهم علموا حدوثها بأنها لم تخل من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث، فهو حادث.
قالوا: فبهذا [الدليل العقلي] وأمثاله، علمنا أنه ما أبدع شيئًا قائمًا بنفسه؛ لأنا نشهده من حلول الحوادث المشهودة كالسحاب والمطر. وهؤلاء في [مُعاد الأبدان] يتكلمون فيه على هذا الأصل: فمنهم من يقول: يفرق الأجزاء ثم يجمعها، ومنهم من يقول: يعدمها ثم يعيدها، واضطربوا هاهنا فيما إذا أكل حيوان حيوانًا فكيف يعاد؟ وادعى بعضهم أن الله يعدم جميع أجزاء العالم، ومنهم من يقول: هذا ممكن لا نعلم ثبوته ولا انتفاءه.
ثم [المعاد] عندهم يفتقر إلى أن يبتدئ هذه الجواهر، والجهم بن صفوان منهم يقول بعدمها بعد ذلك، ويقول بفناء الجنة والنار لامتناع دوام الحوادث عنده في المستقبل كامتناع دوامها في الماضي، وأبو الهذيل العلاف يقول بعدم الحركات. وهؤلاء ينكرون استحالة الأجسام بعضها إلى بعض، أو انقلاب جنس إلى جنس، بل الجواهر عندهم متماثلة، والأجسام مركبة منها، وما ثم إلا تغيير التركيب فقط، لا انقلاب ولا استحالة.
ولا ريب أن جمهور العقلاء ـ من المسلمين وغيرهم ـ على إنكار هذا، والأطباء والفقهاء ممن يقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما هو موجود في كتبهم، والأجسام عندهم ليست متماثلة، بل الماء يخالف الهواء، والهواء يخالف التراب وأبدان الناس تخالف النبات؛ ولهذا صارت النفاة إذا أثبت أحد شيئًا من الصفات، كان ذلك مستلزمًا لأن يكون الموصوف عندهم جسمًا ـ وعندهم الأجسام متماثلة ـ فصاروا يسمونه مشبهًا بهذه المقدمات التي تُلزمهم
стр. 71
مثل ما ألزموه لغيرهم، وهي متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح، وكلها مقدمات ممنوعة عند جماهير العقلاء، وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما دخل بسبب هذه الأغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرًا لا يهون عليه إبطال عقله ودينه، والخروج عن الإيمان والقرآن؛ فإن ذلك كله متطابق على إثبات الصفات.
ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبًا من الأجزاء ومماثلًا للمخلوقات؛ فإنه يعلم أيضا بطلان هذا، وأن الرب يجب تنزيهه عن هذا، فإنه ـ سبحانه ـ أحد صمد، و [الأحد] ينفي التمثيل، و [الصمد] ينفي أن يكون قابلًا للتفريق والتقسيم والبعضية فضلًا عن كونه مؤلفًا مركبًا؛ ركب وألف من الأجزاء، فيفهمون من يخاطبون أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل إلا في بدن مثل بدن الإنسان، بل وقد يصرحون بذلك ويقولون: الكلام لا يكون إلا من صورة مركبة مثل فم الإنسان ونحو ذلك مما يدعونه.
وإذا قال النفاةلهم: متى قلتم إنه يرى؟ لزم أن يكون مركبًا مؤلفًا؛ لأن المرئي لا يكون إلا بجهة من الرائي، وما يكون بجهة من الرائي لا يكون إلا جسمًا، والجسم مؤلف مركب من الأجزاء، أو قالوا: إن الرب إذا تكلم بالقرآن أوغيره من الكلام، لزم ذلك، وإذا كان فوق العرش، لزم ذلك، وصار المسلم العارف بما قاله الرسول ﷺ يعلم أن الله يرى في الآخرة؛ لما تواتر عنده من الأخبار عن الرسول ﷺ بذلك، وكذلك يعلم أن الله تكلم بالقرآن وغيره من الكلام، ويعلم أن الله فوق العرش بما تواتر عنده عن الرسول بما يدل على ذلك، مع ما يوافق ذلك من القضايا الفطرية التي خلق الله عليها عباده.
وإذا قالوا له: هذا يستلزم أن يكون الله مركبًا من الأجزاء المنفردة، والمركب لابد له من مركب؛ فيلزم أن يكون الله محدثًا؛ إذ المركب يفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه تكون غيره، وما افتقر إلى غيره؛ لم يكن غنيًا واجب الوجود بنفسه ـ حيروه وشككوه
стр. 72
إن لم يجعلوه مكذبًا لما جاء به الرسول، مرتدًا عن بعض ما كان عليه من الإيمان، مع أن تشككه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله.
فيقال لهم: أما كون الرب مركبًا ركبه غيره، فهذا من أظهر الأمور فسادًا، وهذا معلوم فساده بضرورة العقل. ومن قال هذا، فهو من أكفر الناس وأجهلهم وأشدهم محاربة لله، وليس في الطوائف المشهورة من يقول بهذا.
وكذلك إذا قيل: هو مؤلف أو مركب ـ بمعنى أنه كانت أجزاؤه متفرقة فجمع بينها كما يجمع بين أجزاء المركبات من الأطعمة والأدوية والثياب والأبنية ـ فهذا التركيب من اعتقده في الله، فهو من أكفر الناس وأضلهم، ولم يعتقده أحد من الطوائف المشهورة في الأمة. بل أكثر العقلاء عندهم أن مخلوقات الرب ليست مركبة هذا التركيب، وإنما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة.
وكذلك من زعم أن الرب مركب مؤلف؛ بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام والتجزئة، فهذا من أكفر الناس وأجهلهم، وقوله شر من قول الذين يقولون: إن لله ولدًا؛ بمعنى أنه انفصل منه جزء فصار ولدًا له، وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وفي غير ذلك. وكذلك إذا قيل: هو جسم؛ بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، بل هو ـ أيضًا ـ باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق ؟ ! وهذا مما يمكن أن يكون قد قاله بعض المجسمة الهشامية، والكرامية وغيرهم ممن يحكى عنهم التجسيم؛ إذ من هؤلاء من يقول: إن كل جسم فإنه مركب من الجواهر المنفردة، ويقولون مع ذلك: إن الرب جسم، وأظن هذا قول بعض الكرامية، فإنهم يختلفون في إثبات الجوهر الفرد، وهم متفقون على أنه ـ سبحانه ـ جسم.
لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم، هل المراد به أنه موجود قائم بنفسه، أو المراد به أنه مركب؟ فالمشهور عن أبي الهَيْصَم وغيره من نظارهم أنه يفسر مراده؛ بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه، لا بمعنى أنه مؤلف
стр. 73
مركب. وهؤلاء ممن اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون؛ فإنهم لم يثبتوا معنى فاسدًا في حق الله ـ تعالى ـ لكن قالوا: إنهم أخطؤوا في تسمية كل ما هو قائم بنفسه، أو ما هو موجود جسمًا، من جهة اللغة؛ قالوا: فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظ الجسم إلا على المركب.
والتحقيق أن كلا الطائفتين مخطئة على اللغة، أولئك الذين يسمون كل ما هو قائم بنفسه جسمًا، وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع الأيدي إليه جسمًا، وادعوا أن كل ما كان كذلك فهو مركب، وأن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على كل ما كان مركبًا. فالخطأ في اللغة، والابتداع في الشرع مشترك بين الطائفتين.
وأما المعاني: فمن أثبت من الطائفتين ما نفاه الله ورسوله، أو نفي ما أثبت الله ورسوله، فهو مخطئ عقلاً، كما هو مخطئ شرعا. بل أولئك يقولون لهم: نحن وأنتم اتفقنا على أن القائم بنفسه يسمى جسمًا في غير محل النزاع، ثم ادعيتم أن الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التي اتفقنا نحن وأنتم عليها، فبينا أنه لا يختص؛ لأن ذلك مبني على أن الأجسام مركبة، ونحن نمنع ذلك ونقول: ليست مركبة من الجواهر المنفردة.
ولهذا كره السلف والأئمة ـ كالإمام أحمد وغيره ـ أن ترد البدعة بالبدعة، فكان أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق، وألزمه أبو عيسى محمد ابن عيسى برغوث [هو أحد مناظري الإمام أحمد وقت المحنة، صنف كتاب [الاستطاعة] و [المقالات] وغيرهما، توفي سنة ٢٤٠هـ وقيل: سنة ٢٤١هـ] ، أنه إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسمًا وهذا منتف، فلم يوافقه أحمد، لا على نفي ذلك، ولا على إثباته؛ بل قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] .
ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به. وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافقه، لا على إثباته، ولا على نفيه. فإن ذكر معنى أثبته الله ورسوله أثبتناه، وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربي المبين، ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع، محرفة في اللغة، ومعانيها متناقضة في العقل، فيفسد الشرع واللغة والعقل؛ كما فعل أهل البدع من أهل الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
стр. 74
وكذلك ـ أيضًا ـ لفظ [الجبر] كره السلف أن يقال: جبر، وأن يقال: ما جبر؛ فروى الخلال في كتاب [السنة] عن أبي إسحاق الفزاري ـ الإمام ـ قال: قال الأوزاعي: أتاني رجلان، فسألاني عن القدر، فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر، ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب، إلى أن قلنا: إن الله قد جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقال: أجبهما يا أبا إسحاق، قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب، فقال: أجبهما، فكرهت أن أخالفه، فقلت: يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثًا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه، فقال: أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق.
وروي ـ أيضًا ـ عن بَقِيَّة بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن والسنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ ، وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق.
وروي عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: تقول: إن الله أجبر العباد؟ فقال: هكذا لا تقول، وأنكر هذا. وقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
وقال المروذى: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال: إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي؛ فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد ـ أراد بذلك إثبات القدرـ فوضع
стр. 75
أحمد بن على كتابًا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة قال: ويضع كتابًا؟ ! وأنكر عليهما جميعًا: على بن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن على وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد. فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ فقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
قال الخلال: وأخبرنا المروذي في هذه المسألة: أنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال: لم يجبر، وعلى من رد عليه جبر، فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر على من رد شيئًا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم.
قال المروذي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن على من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل عكبرا، فأدخلت أحمد بن على على أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه.
قال المروذي: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري جبر، وقال: الله ـ تعالى ـ جبل العباد. قال المروذي: أظنه أراد قول النبي ﷺ لأشَجِّ عبد القيس.
قلت: هذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما المقصود التنبيه على أن السلف
следующие страницы →