Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
للحياة بعد الموت؛ لأنَّ في كلٍّ منهما الجزاء على الأعمال.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بفتنة القبر ونعيمه وعذابه، وقد وردت الأحاديثُ في فتنة القبر والسؤال فيه ونعيمه وعذابه، فروى البخاري في صحيحه (٨٦) عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، عن عائشة في قصة صلاة الكسوف، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من شيء لم أكن أُريتُه إلاَّ رأيتُه في مقامي، حتى الجنَّة والنار، فأُوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون في قبوركم مثلَ أو قريباً ـ لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء ـ من فتنة المسيح الدجال، يُقال: ما عِلمُك بهذا الرَّجل فأمَّا المؤمن أو المُوقن ـ لا أدري بأيِّهما قالت أسماء ـ فيقول: هو محمدٌ هو رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهُدى، فأجبنا واتَّبعنا، هو محمد ثلاثاً، فيُقال: نَمْ صالِحاً، قد علمنا إن كنتَ لَمُوقناً به، وأمَّا المنافق أو المرتاب ـ لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء ـ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئاً فقُلتُه".
وروى البخاري في صحيحه (٤٦٩٩) عن البراء بن عازب رضىالله عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "المسلمُ إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن البراء بن عازب رضىالله عنه في الحديث الطويل (١٨٥٣٤) ، وفيه: "فيأتيه ـ أي المؤمن ـ مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينُك فيقول: دينِي الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم فيقول: هو رسول الله ﷺ ".
وفيه: "ويأتيه ـ أي الكافر ـ مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن
стр. 37
ربُّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينُك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم فيقول: هاه هاه لا أدري"، وفيه قوله في المؤمن: "فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفسَح له في قبره مدّ بصره"، وقوله في الكافر: "فأفرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسَمومها، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
وفي مصنَّف عبد الرزاق (٦٧٤٤) عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سَمع جابر بن عبد الله يقول: "إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلَى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبره، وتولَّى عنه أصحابُه، أتاه ملَكٌ شديد الانتهار، فقال: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول المؤمن: أقول إنَّه رسول الله ﷺ وعبده، فيقول له المَلَكُ: اطَّلعْ إلى مقعدك الذي كان لك من النار، فقد أنجاك الله منه، وأبدَلَك مكانَه مقعدَك الذي ترى من الجنَّة، فيراهما كلتيهما، فيقول المؤمن: أُبشِّرُ أهلي؟ فيُقال له: اسكن؛ فهذا مقعدُك أبداً، والمنافق إذا تولَّى عنه أصحابُه يُقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل؟ فيقول: لا أدري، أقول ما يقول الناس، فيُقال له: لا دريت، انظر مقعدَك الذي كان لك من الجنَّة، قد أبدلك الله مكانه مقعدَك من النار"، وإسناده صحيح، وله حكم الرفع.
وروى مسلم في صحيحه (٥٨٨) عن أبي هريرة رضىالله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهَّد أحدُكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدجال".
стр. 38
وفي صحيح البخاري (١٣٧٧) عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ يدعو: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
وهذه الأمور الثلاثة التي يُسأل عنها في القبر ورد ذكرُها مجتمعة في حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم (٥٦) أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ذاق طعمَ الإيمان مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً"، وجاء ذكرُها أيضاً في أدعية الصباح والمساء، والدعاء عند الأذان، وقد بنَى عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالتَه النفيسة التي لا يستغنِي عنها عاميٌّ ولا طالب علم: "الأصول الثلاثة وأدلَّتُها"، فإنَّ مرادَه بالأصول الثلاثة: معرفة العبد ربّه ودينه ونبيّه ﷺ .
وقال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، فالآيةُ تدلُّ على أنَّهم يُعذَّبون في النار وهم في قبورهم، وإذا حصل البعث انتقلوا إلى عذاب أشدَّ.
وأمَّا النَّعيم فقد جاء في الحديث أنَّ أرواح الشهداء في أجواف طير خُضر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرحُ من الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، رواه مسلم (١٨٨٧) عن عبد الله بن مسعود ﵁، وروى الإمام أحمد في مسنده (١٥٧٧٨) عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّما نسَمة المؤمن طائرٌ يعلقُ في شجر الجنَّة حتى يُرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثُه"، وهو حديث
стр. 39
صحيح، في إسناده ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة لأهل السنَّة، قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ : "وقد رُوِّينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكلِّ مؤمن بأنَّ روحَه تكون في الجنَّة تسرَح أيضاً فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النَّضرة والسرور، وتشاهدُ ما أعدَّ الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمَّة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبَعة" ثم ذكر سندَ الحديث ومتنَه.
وفي صحيح مسلم (٢٨٦٨) عن زيد بن ثابت: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ هذه الأمَّة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ اللهَ أن يُسمعَكم من عذاب القبر الذي أسمعُ منه".
والأحاديث في عذاب القبر والاستعاذة بالله منه كثيرة، وهذه الأدلَّة تدلُّ على أنَّ المؤمنين يُنعَّمون في قبورهم، والكافرين يُعذَّبون فيها، والنَّعيمُ والعذابُ يكون للأرواح والأجساد.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بالبعث بعد الموت، قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وفي هذه الآية النصُّ على بعث مَن في القبور؛ لأنَّ الغالبَ على الناس أنَّهم يُدفنون في القبور، والبعثُ يكون لكلِّ مَن مات قُبر أو لم يُقبر، كما قال
стр. 40
الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقَبرُ نبيِّنا محمد ﷺ أوَّلُ القبور انشقاقاً عن صاحبه عند البعث؛ لقوله ﷺ : "أنا سيِّدُ ولد آدم يوم القيامة، وأوَّلُ من ينشقُّ عنه القبر، وأوَّلُ شافع وأوَّل مشفّع" رواه مسلم (٢٢٧٨) .
وكثيراً ما يأتي في القرآن تقريرُ أمر البعث ببيان ثلاثة أمور:
الأمر الأول: التنبيهُ بخلق الإنسان أوَّلَ مرَّة، قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ َضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم﴾ ، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً َلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
الأمر الثاني: التنبيه بإحياء الأرض بعد موتها، قال الله : ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ
стр. 41
شَيْءٍ قَدِيرٌ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ، وقال : ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ، وقال تعالى: ( ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾
الأمر الثالث: التنبيهُ بخلق السموات والأرض وهو أعظم من خلق الناس، قال الله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُوراً﴾ ، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ الآيات.
стр. 42
والبعثُ يوم القيامة يكون بإعادة الأجساد التي كانت في الدنيا لتلقى مع الأرواح الثواب والعقاب، وليس لأجساد جديدة لم تكن موجودةً في الدنيا، وهذا هو الذي استبعده الكفَّارُ وأنكروه، قال الله : ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ، فبيَّن سبحانه أنَّه عالِم بكلِّ ذَرَّة من ذرَّات أجسادهم التي تنقصها الأرض منهم، فيُعيدُها كما كانت فيبعث ذلك الميت بجسده الذي كان عليه في الدنيا، وقال تعالى: ﴿وََإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، والمعنى كما ذكر ابن كثير عن جماعة من السلف أنَّ إبراهيم ﵊ قطع الطيورَ الأربعة وخلط لحومَها، وجعل على كلِّ رأس جبل منها قطعة، ثم دعاهنَّ فتجمَّعت أجزاءُ كلِّ طائر، حتى عادت الطيورُ على ما كانت عليه، وأتت إليه سعياً.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وهذه الآياتُ تدلُّ على أنَّ الأجسادَ التي في الدنيا هي التي أُعيدَت وشهدت الأسماعُ والأبصارُ والجلودُ بالمعاصي التي عملها أصحابُها.
стр. 43
ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
ويدلُّ على ذلك من السُّنَّة حديث قصَّة الرَّجل الذي أوصى بَنِيه إذا مات أن يحرقوا جسدَه ويَرموا جزءاً من رماده في البَرِّ وجزءاً منه في البحر، فأمر الله البحرَ بأن يُخرج ما فيه، والبَرَّ بأن يُخرج ما فيه، حتى عاد الجسدُ كما كان، والحديث رواه البخاري (٧٥٠٦) ، ومسلم (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بحشر الناس من قبورهم وغيرها على الموقف، واستشفاعهم إلى أولي العزم من الرسل لتخليصهم مِمَّا هم فيه من الشدَّة، وحصول الشفاعة العظمى لنبيِّنا محمد ﷺ ، وهي المقام المحمود، ومجيء الله لفصل القضاء بين العباد، قال الله : ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ، وروى البخاري (٦٥٢٧) ، ومسلم (٢٨٥٩) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تُحشرون حُفاة عُراة غُرْلاً، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرِّجال والنساء ينظر بعضُهم إلى بعض فقال: الأمر أشدُّ من أن يهمَّهم ذاك"، ورواه أيضاً البخاري (٦٥٢٦، ومسلم (٢٨٦٠) من حديث ابن عباس ﵄.
وقال ابن كثير عند تفسير قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ : "يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد واحد، فكلُّهم يقول: لست
стр. 44
بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبةُ إلى محمد ﷺ ، فيقول: أنا لها، أنا لها، فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفِّعه الله في ذلك، وهي أوَّلُ الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدَّم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرَّبُّ ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكةُ يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً".
ويُعرَض العبادُ على الله فيُحاسبُهم على أعمالهم، قال الله : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
стр. 45
ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
وقال رسول الله ﷺ : "مَن حوسب عُذِّب، قالت عائشة: فقلت: أوَليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ، قالت: فقال: إنَّما ذلكِ العَرْض، ولكن مَن نُوقش الحساب يهلك" رواه البخاري (١٠٣) ، ومسلم (٢٨٧٦) .
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بحوض نبيِّنا ﷺ ، والأحاديث فيه متواترةٌ عن رسول الله ﷺ ، أورد البخاري ﵀ في باب: في الحوض، من كتاب الرقاق من صحيحه منها تسعة عشر طريقاً من (٦٥٧٥ ـ ٦٥٩٣) ، وذكر الحافظ في الفتح أنَّ الصحابةَ فيها يزيدون على خمسين صحابيًّا، ذكر خمسة وعشرين منهم نقلاً عن القاضي عياض، وثلاثة نقلاً عن النووي، وزاد عليهما قريباً من ذلك، فزادوا على الخمسين صحابيًّا (١١/٤٦٨ ـ ٤٦٩) ، وأورد الإمامُ ابن كثير في كتاب النهاية أحاديثَ الحوض عن أكثر من ثلاثين صحابيًّا (٢/٢٩ ـ ٦٥) ، ذكرها بأسانيد الأئمَّة الذين خرَّجوها غالباً.
ومٍِمَّا جاء في صفة حوض النَّبيِّ ﷺ قولُه ﷺ : "حَوضِي مسيرة شهر، ماؤُه أبيضُ من اللَّبن، وريحُه أطيبُ من المسك، وكيزانُه كنجوم السماء، مَن شرب منها فلا يظمأ أبداً" رواه البخاري (٦٥٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ورواه مسلمٌ في صحيحه (٢٢٩٢) ولفظُه: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤُه أبيضُ من الوَرِق، وريحُه أطيب من المسك، وكيزانُه كنجوم السماء، فمَن شرب منه فلا يظمأُ بعده أبداً".
وفي صحيح مسلم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر ﵁، وفيه: "يشخبُ
стр. 46
فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لَم يظمأ، عرضُه مثل طوله، ما بين عمَّان إلى أيلة، ماؤه أشدُّ بياضاً من اللَّبن، وأحلَى من العسل".
ومن الناس مَن يُذادُ عن ورود الحوض، فقد روى البخاري في صحيحه (٦٥٧٦) عن ابن مسعود ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أنا فرَطُكم على الحوض، وليُرفعَنَّ رجالٌ منكم، ثمَّ ليُختلَجنَّ دونِي، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
والمراد بهؤلاء الأصحاب أُناسٌ قليلون ارتدُّوا بعد موت النَّبيِّ ﷺ ، وقُتلوا على أيدي الجيوش المظفَّرة التي بعثها أبو بكر الصديق رضىالله عنه لقتال المرتدِّين.
والرافضةُ الحاقدون على الصحابة تزعمُ أنَّ الصحابةَ ارتدُّوا بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ إلاَّ نفراً يسيراً منهم، وأنَّهم يُذادون عن الحوض، والحقيقة أنَّ الرافضةَ هم الجديرون بالذَّود عن حوض رسول الله ﷺ ؛ لأنَّهم لا يغسلون أرجلَهم في الوضوء، بل يمسحون عليها، وقد قال رسول الله ﷺ : "ويلٌ للأعقاب من النار" أخرجه البخاري (١٦٥) ومسلم (٢٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وليست فيهم سِيمَا التحجيل التي قال فيها رسول الله ﷺ : "إنَّ أمَّتِي يُدعون يوم القيامة غُرًّا مُحجَّلين من آثار الوضوء" أخرجه البخاري (١٣٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بوزن أعمال العباد، فإنَّها تُحصَى ثمَّ تُوزن، فمَن ثقلت موازينه نجا، ومن خفَّت موازينه هلك، قال الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
стр. 47
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾
وقال رسول الله ﷺ : "الطُّهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تَملآن أو تَملأ ما بين السموات والأرض" رواه مسلم (٢٢٣) ، وقال رسول الله ﷺ : "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" رواه البخاري (٧٥٦٣) ومسلم (٢٦٩٤) .
والأعمالُ وإن كانت أعراضاً فالله يجعلها أجساماً توضَع في الميزان، والحكمة من وزن أعمال العباد إظهار عدل الله وإيقاف العبد على أعماله؛ فإنَّه عليمٌ بكلِّ شيء، ومن ذلك أعمال العباد وُزنت أو لَم تُوزَن.
والوزنُ كما يكون للأعمال يكون لصحائف الأعمال، كما في حديث البطاقة والسِّجِلاَّت، قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ سيُخلِّصُ رجلاً من أمَّتِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاًّ، كلُّ سجِلٍّ مثلُ مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتُنكرُ من هذا شيئاً أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ! فيقول: أَفَلَك عُذر فيقول: لا يا ربِّ! فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُ
стр. 48
الله ورسولُه، فيقول: احضُر وزنك، فيقول: يا ربِّ! ما هذه البطاقة أمام السِّجِلات فقال: إنَّك لا تُظلَم، قال: فتُوضَع السِّجِلاَّت في كفَّة والبطاقة في كفَّة، فطاشت السِّجِلاَّت وثقلت البطاقةُ، فلا يثقُلُ مع اسم الله شيء" أخرجه الترمذي (٢٦٣٩) وحسَّنه، والحاكم (١/٦) وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (١٣٥) .
ويكون الوزنُ أيضاً للعامل لقوله ﷺ عن ساقَي ابن مسعود ﵁: "والذي نفسي بيده لَهما أثقلُ في الميزان من أُحُد"، وهو حديث حسن، أخرجه أحمد (٣٩٩١) وغيرُه.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بالصِّراط، وهو جسرٌ منصوبٌ على متن جهنَّم، يَمرُّ عليه المسلمون للوصول إلى الجنَّة على قَدْر أعمالهم، فمنهم مَن يَمُرُّ كالبرق، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيح، ومنهم مَن يَزحف زحفاً، ففي صحيح البخاري (٨٠٦) ، ومسلم (٢٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: "فيُضربُ الصِّراطُ بين ظهرانَي جهنَّم، فأكون أوَّلَ مَن يجوز من الرُّسل بأمَّته، ولا يتكلَّمُ يومئذ أحدٌ إلاَّ الرُّسُل، وكلامُ الرُّسل يومئذ: اللَّهمَّ سلِّم سلِّم، وفي جهنَّم كلاليب مثل شَوك السَّعدان، هل رأيتُم شَوكَ السَّعدان؟ قالوا: نعم، قال: فإنَّها مثل شوك السَّعدان، غير أنَّه لا يَعلمُ قدر عِظَمها إلاَّ الله، تَخطفُ الناسَ بأعمالِهم، فمنهم مَن يُوبَقُ بعمله، ومنهم مَن يُخردَل ثم ينجو".
وفي صحيح مسلم (٣٢٩) من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄، وفيه: "وتُرسَلُ الأمانةُ والرَّحم، فتقومان جنبَتَي الصِّراط يميناً وشمالاً، ويَمُرُّ أوَّلُكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمِّي أيُّ شيء
стр. 49
كمَرِّ البرق قال: أوَ لَم ترَوا إلى البرق كيف يَمُرُّ ويرجع في طرفة عين ثمَّ كمَرِّ الرِّيح، ثمَّ كمرِّ الطير وشدِّ الرِّجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراط يقول: ربِّ سلِّم سلِّم! حتى تعجز أعمالُ العباد، حتَّى يجيء الرَّجل فلا يستطيع السيرَ إلاَّ زحفاً، قال: وفي حافتَي الصِّراط كلاليب معلَّقة، مأمورةٌ بأخذ مَن أُمرت به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدُوسٌ في النَّار".
وفي صحيح مسلم (٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: "ثمَّ يُضرَبُ الجسرُ على جهنَّم وتحلُّ الشفاعة، ويقولون: اللَّهمَّ سلِّم سلِّم، قيل: يا رسول الله وما الجسرُ قال: دحضٌ مزلَّة، فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحسك، تكون بنَجد فيها شُويْكةٌ يُقال لها السَّعدان، فيَمُرُّ المؤمنون كطرْف العين، وكالبرق، وكالرِّيح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسَل، ومكدوسٌ في نار جهنَّم".
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالشَّفاعات التي وردت في الكتاب والسنَّة، منها الشفاعة العظمى الخاصَّة بنبيِّنا ﷺ في تخليص أهل الموقف مِمَّا هم فيه، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأوَّلون والآخرون، من لَدن آدم ﵇ إلى الذين قامت عليهم الساعة، وقد مرَّت الإشارةُ إليها قريباً في كلام الإمام ابن كثير ﵀.
ومنها الشفاعة فيمَن استحقَّ النارَ ألاَّ يدخلها، ويدلُّ لذلك قول النَّبيِّ ﷺ وغيره من الأنبياء على الصراط: "اللَّهمَّ سلِّم سلِّم"، وقد مرَّ الحديثان في ذلك قريباً عند المرور على الصراط.
ومنها الشفاعة في رفع درجات مَن يدخل الجنَّة فيها فوق ما كان
стр. 50
يقتضيه ثواب أعمالهم، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، ومنه رفع درجات زوجاته ﷺ إلى درجته.
ومنها الشفاعة لدخول الجنَّة بغير حساب، ويدلُّ له دعاؤه ﷺ لعكاشة بن محصن ليكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، رواه البخاري (٥٨١١) ومسلم (٢١٦) .
ومنها شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عن عمِّه أبي طالب حتى جُعل في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، أخرجه البخاري (٣٨٨٣) ومسلم (٢٠٩) ، وهذا التخفيف مخصِّصٌ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ .
ومنها شفاعته ﷺ في دخول الجنَّة، ويدلُّ له قوله ﷺ : "أنا أوَّل الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثرُ الأنبياء تَبَعاً" رواه مسلم (١٩٦) ، وفي لفظ له: "أنا أكثر الأنبياء تَبَعاً يوم القيامة، وأنا أوَّلُ مَن يقرعُ بابَ الجنَّة"، وقوله ﷺ : "آتي باب الجنَّة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: مَن أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أُمرتُ لا أفتح لأحد قبلك" رواه مسلم (١٩٧) .
ومنها الشفاعة في إخراج أهل الكبائر من النار، وقد تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، كما ذكره شارح الطحاوية (ص:٢٩٠) ، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوتَه، وإنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمَّتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله مَن مات من أمَّتي لا يشركُ بالله شيئاً" رواه البخاري (٦٣٠٤) ومسلم (١٩٩) ، واللفظ لمسلم.
стр. 51
وهذه الشفاعة تحصلُ من الملائكة والنَّبيِّين والمؤمنين؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم (١٨٣) : "فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النَّبيُّون، وشفع المؤمنون، ولَم يبق إلاَّ أرحمُ الرَّاحمين ... " الحديث.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بالجنَّة والنار، وأنَّهما موجودتان الآن، وأنَّهما باقيتان إلى غير نهاية، فقد أعدَّ اللهُ الجنَّةَ لأوليائه، وأعدَّ النَّارَ لأعدائه، فمن الآيات التي فيها إعداد الجنَّة لأوليائه قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾
ومن الآيات التي فيها إعداد النار لأعدائه قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، ويدلُّ من السُّنَّة لكون الجنَّة والنَّار موجودتَين الآن حديث ابن عباس ﵄ في صلاة الكسوف، وفيه: "قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولتَ شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كَعْكَعْتَ، قال ﷺ : "إنِّي رأيتُ الجنَّةَ، فتناولتُ عنقوداً، ولو أصبته لأكلتُم منه ما بقيت الدنيا، وأُريتُ النار، فلَم أرَ منظَراً كاليوم
стр. 52
قطُّ أفظع، ورأيتُ أكثرَ أهلها النساء ... " الحديث، رواه البخاري (١٠٥٢) ، ومسلم (٩٠٧) .
وأمَّا ما جاء عن بعض المبتدعة كالمعتزلة من أنَّهما لا تُخلقان إلاَّ يوم القيامة؛ لأنَّ خلقَهما قبل ذلك عبثٌ، حيث إنَّهما تبقيان مدَّة طويلة دون أن ينتفع بالجنَّة أحدٌ ودون أن يتضرَّر بالنَّار أحد، فذلك قولٌ باطل، ويدلُّ لبطلانه وجوه:
الأول: ما جاء في الآيات والأحاديث الدَّالة على خَلْقِهما ووجودِهما قبل يوم القيامة، ومن ذلك ما تقدَّم قريباً.
الثاني: أنَّ وجودَ الجنَّة فيه ترغيبٌ بها وتشويقٌ إليها، ووجودَ النار فيه تحذيرٌ منها وتخويف.
الثالث: أنَّه قد جاء في نصوص الكتاب والسُّنَّة ما يدلُّ على حصول الانتفاع بنعيم الجنَّة قبل يوم القيامة، وما يدلُّ على التضرُّر بعذاب النار قبل يوم القيامة، وقد مرَّ عند ذكر نعيم القبر وعذابه بعض النصوص الدَّالة على ذلك.
وفي الجنَّة التي أُهبط منها آدم أقوال ثلاثة:
الأول: أنَّها جنَّة الخُلد، وهو أظهرها.
والقول الثاني: أنَّها جنَّة في مكان عالٍ من الأرض.
والقول الثالث: التوقُّف.
وقد ذكر ابن القيم الخلافَ وأدلَّةَ أصحاب القول الأول والثاني، وإجابةَ كلٍّ منهما عمَّا استدلَّّ به الآخر، ولَم يُرجِّح شيئاً، وذلك في كتابه حادي الأرواح (ص:١٦ ـ ٣٢) ، وفي قصيدته الميمية ما يدلُّ على ترجيحه القولَ الأول، حيث قال:
стр. 53
فحيَّ عل جنَّات عدن فإنَّها ... ولكنَّنا سَبي العدو فهل ترى
منازلك الأولَى وفيها المخيَّم ... نعود إلى أوطاننا ونسلَّم
الجنَّة والنَّارُ باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان، وأهل الجنَّة منَعَّمون فيها إلى غير نهاية، والكفَّار مُعذَّبون في النار إلى غير نهاية، ومن الآيات التي جاءت في بقاء الجنَّة وخلودِ أهلها فيها قول الله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ ، وقوله: ﴿إِِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ .
ومن الآيات التي جاءت في بقاء النار وخلود الكفار فيها قول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ، وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وََالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا
стр. 54
لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾
وبقاءُ الجنَّة والنَّار وخلودُ أهلهما فيهما إلى غير نهاية لا يُنافي كون الله الآخرَ الذي ليس بعده شيء؛ لأنَّ بقاءَ الله لازمٌ لذاته، وبقاءَ الجنَّة والنار وأهلهِما فيهما حصل بإبقاء الله لهما، وليس لهما إلاَّ الفناء لولا إبقاء الله لهما، ويجب الإيمانُ بكلِّ ما ورد في الكتاب والسنَّة من صفات الجنَّة والنار، وما يحصلُ في الجنَّة من النعيم، وما يحصل في النار من العذاب.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ برؤية المؤمنين ربَّهم في الدار الآخرة، وهي أكبر نعيم يحصل لهم في دار النَّعيم، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع، فمن أدلَّة الكتاب قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ، قال الشافعي ﵀: "لَمَّا حُجب هؤلاء في حال السخط، دلَّ على أنَّ المؤمنين يرونه في حال الرِّضَى"، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الحُسنَى: الجنَّة، والزيادة: النَّظرُ إلى وجه الله ، فسَّرها بذلك رسول الله ﷺ ، كما في صحيح مسلم (٢٩٧) عن صُهيب ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدُكم فيقولون: ألَم تبيِّض وجوهَنا؟ ألَم تُدخلنا الجنَّة وتنجنا من النار قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطُوا
стр. 55
شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربِّهم ، ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ".
وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ وهو يدلُّ على إثبات الرؤية بدون إدراك، فهو يُرى ولا يُدرَك، أي: لا يُحاطُ به رؤيةً، كما أنَّه يُعلمُ ولا يُحاطُ به علماً، ونفيُ الإدراك وهو أخصُّ، لا يستلزم نفي الرؤية وهي أعمُّ.
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ ، وموسى ﵊ سأل اللهَ أمراً مُمكناً، ولَم يسأله مستحيلاً، والله شاء ألاَّ يُرَى إلاَّ في الدار الآخرة؛ لأنَّ رؤيتَه أكملُ نعيم يكون فيها، وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، أي: في الدنيا، ويدلُّ لذلك أيضاً قوله ﷺ : "تعلموا أنَّه لا يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموت" رواه مسلم (٢٩٣١) .
وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذه الأدلَّة من الكتاب وغيرها في كتاب حادي الأرواح (ص:١٧٩ ـ ١٨٦) ، ثم ذكر الأدلَّة من السُّنَّة عن سبعة وعشرين صحابيًّا، وساق أحاديثهم، ثم ذكر الآثارَ عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أهل السُّنَّة والجماعة، وهي تدلُّ على الاتِّفاق والإجماع على ذلك من الصحابة ومَن سار على طريقتهم.
السادسة: الإيمان بالقدر خيره وشرِّه، وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرةٌ، وفي السُّنَّة أحاديثُ عديدة تدلُّ على إثبات القَدر، قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ
стр. 56
اللَّهُ لَنَا﴾ ، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، وأمَّا السُّنَّة فقد عقد كلٌّ من الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما كتاباً للقدر، اشتملاَ على أحاديث عديدة في إثبات القدر، روى مسلم في صحيحه (٢٦٦٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك، واستَعن بالله ولا تَعجَز، وإن أصابك شيءٌ فلا تَقل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدرُ الله وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان".
وروى مسلمٌ (٢٦٥٥) بإسناده إلى طاوس قال: "أدركتُ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كلُّ شيء بقَدر، قال: وسمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : كلُّ شيء بقدر، حتى العَجز والكيس، أو الكيسُ والعجز".
والعجزُ والكيس ضدَّان، فنشاطُ النشيط وكسل الكَسول وعجزه، كلُّ ذلك بقدر، قال النووي في شرح الحديث (١٦/٢٠٥) : "ومعناه أنَّ العاجزَ قد قُدِّر عجزُه، والكَيِّسُ قد قُدِّر كيسُه".
وقال ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد كُتب مقعدُه من الجنَّة، ومقعدُه من النَّار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتَّكِلُ فقال: اعملوا فكلٌّ ميَسَّرٌ، ثمَّ قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ " رواه البخاري (٤٩٤٥) ومسلم (٢٦٤٧) من حديث عليّ ﵁.
والحديثُ يدلُّ على أنَّ أعمالَ العباد الصالحة مقدَّرَةٌ، وتؤدِّي إلى
стр. 57
حصول السعادة وهي مقدَّرَة، وأعمالُهم السيِّئة مقدرَّةٌ، وتؤدِّي إلى الشقاوة وهي مقدَّرةٌ، واللهُ قدَّر الأسباب والمسبّبات، وكلُّ شيءٍ لا يخرج عن قضاء الله وقدره وخلقه وإيجاده.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً، فقال: يا غلام إنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ: احفظ اللهَ يحْفظْكَ، احفظ الله تجدْه تجاهَك، إذا سألتَ فاسأل اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله، واعلم أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يَضُرُّوك بشيءٍ لَم يضرُّوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، رُفعت الأقلامُ وجفَّت الصُّحُف" رواه الترمذي (٢٥١٦) ، وقال: "هذا حديثٌ حسن صحيح".
والإيمانُ بالقدر له أربعُ مراتب لا بدَّ من اعتقادها:
المرتبةُ الأولى: عِلْمُ الله الأزلِيّ في كلِّ ما هو كائنٌ، فإنَّ كلَّ كائنٍ قد سبق به علمُ الله أزلاً، ولا يتجدَّد له علْمٌ بشيءٍ لَم يكن عالماً به أزلاً.
الثانية: كتابةُ كلِّ ما هو كائنٌ في اللَّوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، لقوله ﷺ : "كتب اللهُ مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلقَ اللهُ السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشُه على الماء" رواه مسلم (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
الثالثة: مشيئةُ الله وإرادتُه، فإنَّ كلَّ ما هو كائنٌ إنَّما حصل بمشيئة الله، ولا يقع في ملك الله إلاَّ ما أراده الله، فما شاء الله كان، وما لَم يشأ لم يكن، قال اللهُ : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 58
الرابعة: إيجاد كلّ ما هو كائنٌ وخَلْقُه بمشيئة الله، وفقاً لما علِمَه أزَلاً وكتبه في اللَّوح المحفوظ؛ فإنَّ كلَّ ما هو كائنٌ من ذوات وأفعال هو بخلْق الله وإيجاده، كما قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
والإيمانُ بالقدر هو من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله، ويُمكن أن يَعلَم الخلقُ ما هو مُقدَّرٌ بأحد أمرَين:
الأمر الأول: الوقوع، فإذا وقع شيءٌ عُلم بأنَّه مُقدَّر؛ لأنَّه لو لم يُقدَّر لَم يَقع، فإنَّه ما شاء الله كان وما لَم يشأ لَم يكن.
الثاني: حصولُ الإخبار من رسول الله ﷺ عن أمور تقع في المستقبل، مثل إخباره عن الدَّجَّال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى بن مريم، وغيرها من الأمور التي تقع في آخر الزمان، فهذه الأخبارُ تدلُّ على أنَّ هذه الأمور لا بدَّ أن تقع، وأنَّه سبق بها قضاءُ الله وقدَرُه، ومثل إخباره عن أمور تقع قرب زمانه ﷺ ، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بَكرة ﵁ قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ على المنبر، والحسن إلى جنبه، يَنظرُ إلى الناس مرَّة وإليه مرَّة، ويقول: "ابْنِي هذا سيِّد، ولعلَّ اللهَ أن يُصلحَ به بين فئتَين من المسلمين" رواه البخاري (٣٧٤٦) .
وقد وقع ما أخبرَ به الرسول ﷺ في عام (٤١هـ) حيث اجتمعت كلمةُ المسلمين، وسُمِّي عام الجماعة، والصحابةُ ﵃ وأرضاهم فَهموا من هذا الحديث أنَّ الحسن ﵁ لن يموتَ صغيراً، وأنَّه سيعيش حتى يحصل ما أخبر به الرسول ﷺ من الصُّلح، وهو شيءٌ مقدَّرٌ، علم الصحابةُ به قبل وقوعه.
والله سبحانه خالقُ كلِّ شيء ومُقدِّرُه، قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ
стр. 59
كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ، فكلُّ ما هو كائنٌ من خير وشرٍّ هو بقضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، وأمَّا ما جاء في حديث عليٍّ ﵁ في دعاء النَّبيِّ ﷺ الطويل وفيه: "والخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك" رواه مسلم (٧٧١) ، فلا يدلُّ على أنَّ الشَّرَّ لا يقع بقضائه وخلقه، وإنَّما معناه أنَّ اللهَ لا يخلقُ شَرًّا محضاً لا يكون لحكمة، ولا يترتَّب عليه فائدةٌ بوجه من الوجوه، وأيضاً الشرُّ لا يُضاف إليه استقلالاً، بل يكون داخلاً تحت عمومٍ، كما قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، فيُتأدَّب مع الله بعدم نسبة الشرِّ وحده إلى الله، ولهذا جاء فيما ذكره الله عن الجنِّ تأدُّبُهم بنسبة الخير إليه، وذكر الشرِّ على البناء للمجهول، قال الله : ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾
ومن مراتب القدر الأربع كما مرَّ قريباً مشيئة الله وإرادتُه، والفرق بين المشيئة والإرادة أنَّ المشيئة لَم تأت في الكتاب والسُّنَّة إلاَّ لمعنى كونيٍّ قدَري، وأمَّا الإرادة فإنَّها تأتي لمعنى كونِيٍّ ومعنى دينِيٍّ شرعيٍّ، ومن مجيئها لمعنى كونيٍّ قدَري قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾
ومن مجيء الإرادة لمعنى شرعيٍّ قول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، والفرقُ بين الإرادَتَين أنَّ الإرادةَ الكونيَّة تكون عامَّةً فيما يُحبُّه الله ويَسخطُه، وأمَّا الإرادةَ الشرعيَّة فلا تكون إلاَّ فيما يُحبُّه الله ويرضاه،
стр. 60
والكونيَّة لا بدَّ من وقوعها، والدينيَّة تقع في حقِّ مَن وفَّقه الله، وتتخلَّف في حقِّ مَن لم يحصل له التوفيقُ من الله، وهناك كلماتٌ تأتي لمعنى كونيٍّ وشرعي، منها القضاء، والتحريم، والإذن، والكلمات، والأمر وغيرها، ذكرها ابن القيم وذكر ما يشهد لها من القرآن والسنَّة في كتابه شفاء العليل، في الباب التاسع والعشرين منه.
وكلُّ شيء قدَّره الله وقضاه وكَتَبه في اللوح المحفوظ لا بدَّ من وقوعه، ولا تغييرَ فيه ولا تبديل، كما قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ، وقوله ﷺ : "رُفعت الأقلام، وجَفَّت الصُّحف".
وأمَّا قول الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ، فقد فُسِّر بأنَّ ذلك يتعلَّق بالشرائع، فينسخ اللهُ منها ما يشاء ويُثبتُ ما يشاء، حتى خُتمت برسالة نبيِّنا محمد ﷺ ، التي نَسخت جميع الشرائع قبلها، ويدلُّ لذلك قوله في الآية التي قبلها ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ، وفُسِّر بالأقدار التي هي في غير اللَّوح المحفوظ، كالذي يكون بأيدي الملائكة، وانظر: شفاء العليل لابن القيم، في الأبواب: الثاني والرابع والخامس والسادس، فقد ذكر في كلِّ باب تقديراً خاصًّا بعد التقدير في اللَّوح المحفوظ.
وأمَّا قوله ﷺ : "لا يَردُّ القضَاءَ إلاَّ الدعاءُ، ولا يزيد في العُمر إلاَّ البرُّ" أخرجه الترمذي (٢١٣٩) ، وحسنه، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (١٥٤) ، فلا يدلُّ على تغيير ما في اللَّوح المحفوظ، وإنَّما يدلُّ على أنَّ اللهَ قدَّر السَّلامةَ من الشرور، وقدَّر أسباباً لتلك السَّلامة، والمعنى أنَّ اللهَ دفع عن العبد شرًّا؛ وذلك مقدَّرٌ بسببٍ يفعله وهو
стр. 61
الدّعاء، وهو مقدَّرٌ، وكذلك قدَّر أن يطولَ عُمرُ الإنسان، وقدَّر أن يحصلَ منه سببُ لذلك، وهو البِرُّ وصلة الرَّحم، فالأسبابُ والمسبَّباتُ كلُّها بقضاء الله وقدره، وكذلك يُقال في قوله ﷺ : "مَن سرَّه أن يُبسَط له في رزقه أو يُنسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحِمَه" رواه البخاري (٢٠٦٧) ، ومسلم (٢٥٥٧) ، وأجَلُ كلّ إنسان مُقدَّرٌ في اللوح المحفوظ، لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، كما قال الله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ، وكلُّ مَن مات أو قُتل فهو بأجله، ولا يُقال كما قالت المعتزلة: إنَّ المقتولَ قُطع عليه أجلُه، وأنَّه لو لَم يُقتَل لعاش إلى أجل آخر؛ فإنَّ كلَّ إنسان قدَّر الله له أجلاً واحداً، وقدَّر لهذا الأجل أسباباً، فهذا يموتُ بالمرض، وهذا يموت بالغرق، وهذا يموتُ بالقتل، وهكذا.
ولا يجوز الاحتجاجُ بالقدر على ترك مأمور ولا على فعل محظور، فمَن فعل معصيةً لها عقوبة محدَّدة شرعاً، واعتذر عن فعله بأنَّ ذلك قدر، فإنَّه يُعاقَبُ بالعقوبة الشرعية، ويُقال له: إنَّ معاقبتَك بهذه العقوبة قدَرٌ، وأمَّا ما جاء في حديث مُحاجَّة آدم وموسى في القدر، فليس من قبيل الاحتجاج بالقدر على فعل معصية، وإنَّما هو على المصيبة التي كانت بسبب المعصية، فقد روى البخاري (٣٤٠٩) ، ومسلم (٢٦٥٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتْك خطيئتُك من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومُنِي على أمرٍ قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ فقال رسول الله ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى، مرَّتين".
стр. 62
وقد عقد ابن القيم في كتابه شفاء العليل البابَ الثالث للكلام عن هذا الحديث، فذكر ما قيل في معناه من أقوال باطلة، وذَكَرَ الآيات التي فيها احتجاجُ المشركين على شركهم بالقدر، وأنَّ الله أَكذَبَهم؛ لأنَّهم باقون على شركهم وكفرهم، وما قالوه هو من الحقِّ الذي أُريد به باطل، ثم ذكر توجيهَين لمعنى الحديث، أوَّلهما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني من فهمه واستنباطه، فقال (ص:٣٥ ـ ٣٦) : "إذا عرفتَ هذا، فموسى أعرفُ بالله وأسمائه وصفاته من أن يَلومَ على ذنب قد تاب منه فاعلُه، فاجتباه ربُّه بعده وهداه واصطفاه، وآدمُ أعرفُ بربِّه من أن يحتجَّ بقضائه وقدَره على معصيته، بل إنَّما لامَ موسى آدمَ على المصيبة التي نالت الذريَّة بخروجهم من الجنَّة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة، بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئةَ تنبيهاً على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذريَّةَ، ولهذا قال له: أخرجتَنا ونفسَك من الجنة، وفي لفظ (خيَّبتنَا) ، فاحتجَّ آدمُ بالقدر على المصيبة، وقال: إنَّ هذه المصيبةَ التي نالت الذريَّة بسبب خطيئتِي كانت مكتوبةً بقدره قبل خلْقي، والقدرُ يُحتجُّ به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومُنِي على مصيبة قُدِّرت عليَّ وعليكم قبل خلْقي بكذا وكذا سنة، هذا جوابُ شيخنا ﵀، وقد يتوجَّه جوابٌ آخر، وهو أنَّ الاحتجاجَ بالقدر على الذنب ينفعُ في موضع ويضرُّ في موضع؛ فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعه والتوبة منه وترك مُعاودته، كما فعل آدمُ، فيكون في ذِكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الربِّ وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذَّاكر والسامع؛ لأنَّه لا يدفعُ بالقدر أمراً ولا نَهياً، ولا يُبطل به شريعةً، بل يُخبر بالحقِّ المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوَّة، يوضحه أنَّ آدمَ قال
стр. 63
لموسى: أتلومُنِي على أن عملتُ عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أُخلَق، فإذا أذنب الرَّجلُ ذنباً ثم تاب منه توبةً وزال أمرُه حتى كأن لم يكن، فأنَّبَه مُؤَنِّبٌ عليه ولاَمَه، حسُنَ منه أن يَحتجَّ بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمرٌ كان قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق، فإنَّه لم يَدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكر حجَّةً له على باطل، ولا محذورَ في الاحتجاج به، وأمَّا الموضع الذي يضُرُّ الاحتجاجُ به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكبَ فعلاً محرَّماً أو يتركَ واجباً، فيلُومُه عليه لائمٌ، فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطلُ بالاحتجاج به حقًّا ويرتكبُ باطلاً، كما احتجَّ به المُصِرُّون على شركهم وعبادتهم غير الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، فاحتجُّوا به مُصَوِّبين لِمَا هم عليه، وأنَّهم لم يَندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولَم يُقرُّوا بفساده، فهذا ضدُّ احتجاج مَن تبيَّن له خطأُ نفسه وندم وعزَم كلَّ العزم على أن لا يعودَ، فإذا لاَمَه لائمٌ بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله، ونُكتة المسألة أنَّ اللَّومَ إذا ارتفع صحَّ الاحتجاجُ بالقدر، وإذا كان اللَّومُ واقعاً فالاحتجاجُ بالقدر باطلٌ ... ".
وقد ضلَّ في القضاء والقدر فرقتان: القدرية والجبرية، فالقدرية يقولون: إنَّ العبادَ يَخلقون أفعالَهم، وإنَّ اللهَ لم يُقدِّرها عليهم، ومقتضى قولهم هذا أنَّ أفعالَ العباد وقعت في مُلك الله وهو لم يُقدِّرها، وأنَّهم بخلقهم لأفعالِهم مُستغنون عن الله، وأنَّ الله ليس خالقاً لكلِّ شيء، بل العباد خلقوا أفعالَهم، وهذا من أبطل الباطل؛ فإنَّ اللهَ خالق العباد وخالق أفعال العباد، فهو خالق الذوات والصفات، كما قال الله : ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ، وقال:
стр. 64
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
وأمَّا الجبرية، فهم الذين سَلَبُوا عن العبد الاختيارَ، ولَم يجعلوا له مشيئةً وإرداةً، وسَوَّوا بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، وزعموا أنَّ كلَّ حركاتهم بمنْزلة حركات الأشجار، وأنَّ حركةَ الآكلِ والشارب والمصلِّي والصائم كحركة المُرتعش، ليس للإنسان فيها كسبٌ ولا إرادة، وعلى هذا فما فائدةُ إرسال الرُّسل وإنزال الكتب، ومن المعلوم قطعاً أنَّ للعبد مشيئةً وإرادةً، يُحمَد على أفعاله الحسنة، ويُثاب عليها، ويُذمُّ على أفعاله السيِّئة ويُعاقب عليها، وأفعالُه الاختيارية يُنسبُ إليه فعلُها وكسبُها، وأمَّا الحركات الاضطرارية كحركة المرتعش فلا يُقال: إنَّها فعلٌ له، وإنَّما هي صفةٌ له، ولهذا يقول النَّحويُّون في تعريف الفاعل: هو اسمٌ مرفوعٌ يدلُّ على مَن حصل منه الحَدَث أو قام به، ومرادُهم بحصول الحَدَث: الأفعال الاختيارية التي وقعت بمشيئة العبد وإرادته، ومرادُهم بقيام الحَدَث: ما لا يقع تحت المشيئة، كالموت والمرض والارتعاش ونحو ذلك، فإذا قيل: أَكَلَ زيدٌ وشرب وصلَّى وصام، فزيدٌ فيها فاعلٌ حصل منه الحَدَث، الذي هو الأكل والشربُ والصلاة والصيام، وإذا قيل: مرض زيدٌ أو مات زيدٌ أو ارتعشت يدُه، فإنَّ الحدَثَ ليس من فعل زيد، وإنَّما هو وصفٌ قام به.
وأهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين الجبرية الغلاة في الإثبات، والقدرية النفاة؛ فإنَّهم أثبتوا للعبد مشيئةً، وأثبتوا للربِّ مشيئةً عامَّة، وجعلوا مشيئةَ العبد تابعةً لمشيئة الله، كما قال الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلا يقع في مُلك
стр. 65
الله ما لَم يشأه الله، بخلاف القدرية القائلين: إنَّ العبادَ يخلقون أفعالَهم، ولا يُعاقب العباد على أشياء لا إرادة لهم فيها ولا مشيئة، كما هو قول الجبرية، وبهذا يُجابُ عن السؤال الذي يتكرَّر طرحُه، وهو: هل العبدُ مسيَّرٌ أو مُخيَّر؟ فلا يُقال: إنَّه مسَيَّرٌ بإطلاق، ولا مُخيَّرٌ بإطلاق، بل يُقال: إنَّه مُخيَّرٌ باعتبار أنَّ له مشيئةً وإرادةً، وأعماله كسب له يُثاب على حَسَنها ويُعاقَب على سيِّئها، وهو مسيَّرٌ باعتبار أنَّه لا يحصل منه شيءٌ خارجٌ عن مشيئة الله وإرادته وخلقه وإيجاده.
وكلُّ ما يحصلُ من هداية وضلال هو بمشيئة الله وإرادته، وقد بيَّن الله للعباد طريقَ السعادة وطريق الضلالة، وأعطاهم عقولاً يُميِّزون بها بين النافع والضار، فمَن اختار طريقَ السعادة فسلكه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضلٌ من الله وإحسان، ومَن اختار طريقَ الضلالة وسلكه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عدلٌ من الله سبحانه، قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ، أي: طريقَي الخير والشرِّ، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾
والهدايةُ هدايتان: هدايةُ الدَّلالة والإرشاد، وهذه حاصلةٌ لكلِّ أحد، وهداية التوفيق، وهي حاصلةٌ لِمَن شاء اللهُ هدايتَه، ومن أدلَّة الهداية الأولى قول الله لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، أي: أنَّك تدعو كلَّ أحد إلى الصراط المستقيم، ومن أدلَّة الهداية الثانية
стр. 66
قول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقد جمع الله بين الهدايتَين في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، فقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ أي: كلَّ أحد، فحُذف المفعول لإرادة العموم، وهذه هي هداية الدلالة والإرشاد، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (أظهرَ المفعولَ لإفادة الخصوص، وهي هداية التوفيق.
السابعة: الإيمانُ عند أهل السُّنَّة والجماعة يتألَّف من اعتقاد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالجوارح، فهذه الأمورُ الثلاثة داخلةٌ عندهم في مُسمَّى الإيمان، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ لَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ، ففي هذه الآيات دخول أعمال القلوب وأعمال الجوارح في الإيمان.
وروى مسلم في صحيحه (٥٨) عن أبي هريرة رضىالله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمانُ بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلُها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبة من الإيمان"، فقد دلَّ الحديثُ على أنَّ ما يقوم بالقلب واللِّسان والجوارح من الإيمان، وأمَّا ما جاء في القرآن من آيات كثيرة فيها عطف العمل الصالح على الإيمان، كما في قول الله : ﴿إِنَّّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ، فلا يدلُّ العطف على عدم
стр. 67
دخول الأعمال في مسمَّى الإيمان، بل هو من عطف الخاص على العام؛ وذلك أنَّ التفاوتَ بين الناس في الإيمان يكون غالباً لتفاوتهم في الأعمال، وفي الأقوال أيضاً؛ لأنَّ القولَ عملُ اللِّسان، بل إنَّهم يتفاوتون فيما يقوم بقلوبهم، قال الحافظ في الفتح (١/٤٦) نقلاً عن النووي: "والأظهرُ المختار أنَّ التصديق يزيد وينقص بكثرة النَّظر ووضوح الأدلَّة، ولهذا كان إيمانُ الصدِّيق أقوى من إيمان غيره؛ بحيث لا يعتريه الشُّبهة، ويؤيِّده أنَّ كلَّ أحد يعلمُ أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتى إنَّه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقيناً وإخلاصاً وتوكُّلاً منه في بعضها، وكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها".
والذين أخرجوا الأعمال من أن تكون داخلةً في مسمَّى الإيمان طائفتان: المرجئة الغلاة، الذين يقولون: إنَّ كلَّ مؤمن كاملُ الإيمان، وأنَّه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا القول من أبطل الباطل، بل هو كفر.
ومرجئة الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، الذين قالوا بعدم دخول الأعمال في مسمَّى الإيمان، مع مخالفتهم للمرجئة الغلاة في أنَّ المعاصي تضرُّ فاعلَها، وأنَّه يُؤاخذُ على ذلك ويُعاقَب، وقولُهم غيرُ صحيح؛ لأنَّه ذريعةٌ إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي، كما في شرح الطحاوية (ص:٤٧٠) .
والإيمانُ يزيد بالطاعة وينقصُ بالمعصية، فمن أدلَّة زيادته قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ
стр. 68
الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ، وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ ، وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾
ومن أدلَّة نقصانه قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" رواه مسلم (٧٨) .
وما جاء في حديث الشفاعة من إخراج مَن في قلبه مثقال ذرَّة من إيمان من النار، رواه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وحديث وصف النَّبيِّ ﷺ للنساء بأنَّهنَّ ناقصاتُ عَقل ودين، أخرجه البخاري (٣٠٤) ومسلم (١٣٢) .
قال الحافظ في الفتح (١/٤٧) : "وروى ـ يعني اللالكائي ـ بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثرَ من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، ويزيد وينقص. وأطْنَب ابن أبي حاتم واللاَّلكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكلِّ من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السُّنَّة والجماعة".
الثامنة: أهلُ السنَّة والجماعة وسَطٌ في مرتكب الكبيرة بين المرجئة والخوارج والمعتزلة، فالمرجئة فرَّطوا وجعلوه مؤمناً كامل الإيمان، وقالوا: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والخوارج والمعتزلة أفرطوا فأخرجوه من الإيمان، ثمَّ حكمت الخوارج بكفره،
стр. 69
وقالت المعتزلة: إنَّه في منزلة بين المنزلتين، وفي الأخرة اتَّفقوا على تخليده في النار، وأهل السنَّة وصفوا العاصي بأنَّه مؤمن ناقص الإيمان، فلم يجعلوه مؤمناً كامل الإيمان كما قالت المرجئة، ولم يجعلوه خارجاً من الإيمان كما قالت الخوارج والمعتزلة، بل قالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، فلَم يُعطوه الإيمان المطلق، ولَم يسلبوا عنه مطلق الإيمان، وإنَّما ضلَّت المرجئة لأنَّهم أعملوا نصوصَ الوعد وأهملوا نصوصَ الوعيد، وضلَّت الخوارجُ والمعتزلة لأنَّهم أعملوا نصوصَ الوعيد وأهملوا نصوصَ الوعد، ووفَّق الله أهل السنَّة والجماعة للحقِّ، فأعملوا نصوصَ الوعد والوعيد معاً، فلَم يجعلوا مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، ولم يجعلوه خارجاً من الإيمان في الدنيا، وفي الآخرة أمرُه إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء عفا عنه، وإذا عذَّبه فإنَّه لا يخلده في النار كما يخلِّد فيها الكفار، بل يُخرَجُ منها ويُدخل الجنَّة.
ويجتمع في العبد إيمانٌ ومعصية وحبٌّ وبغض، فيُحَبُّ على ما عنده من الإيمان، ويُبغَض على ما عنده من الفسوق والعصيان، وهو نظير الشيب الذي يكون محبوباً إذا نظر إلى ما بعده وهو الموت، وغير محبوب إذا نُظر إلى ما قبله وهو الشباب، كما قال الشاعر:
الشيبُ كرهٌ وكرهٌ أن نفارقه ... فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
التاسعة: الإحسانُ والإيمانُ والإسلام درجات، فأعلى الدرجات الإحسان، ودونه درجة الإيمان، ودون ذلك درجة الإسلام، فكلُّ محسن مؤمن مسلم، وكلُّ مؤمن مسلم، وليس كلُّ مؤمن محسناً، ولا كلُّ مسلم مؤمناً محسناً، ولهذا جاء في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
стр. 70
وللتفاوت في هذه الدرجات فإنَّه يُستثنى في الإيمان عند أهل السنة، فإذا قيل للرَّجل: أنت مؤمن قال: إن شاء الله أو أرجو؛ لأنَّ في ذكر الإيمان بدون استثناء تزكية للنفس، ومَن جاء عنه من أهل السنة ترك الاستثناء في الإيمان، فإنَّ مقصودَه أصل الإيمان الذي هو الإسلام، وليس التزكية.
العاشرة: قوله ﷺ في بيان الإحسان: "أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك"، والمعنى أن تعبدَه كأنَّك واقفٌ بين يديه تراه، ومن كان كذلك فإنَّه يأتي بالعبادة على التمام والكمال، وإن لم يكن على هذه الحال فعليه أن يستشعر أنَّ اللهَ مطَّلع عليه لا يخفى عليه منه خافية، فيحذر أن يراه حيث نهاه، ويعمل على أن يراه حيث أمره، قال ابن رجب في شرح هذا الحديث في كتابه جامع العلوم والحكم (١/١٢٦) : "فقوله ﷺ في تفسير الإحسان: "أن تعبدَ الله كأنَّك تراه" إلخ يشير إلى أنَّ العبدَ يعبد الله على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنَّه بين يديه كأنَّه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة (أن تخشى الله كأنَّك تراه) ، ويُوجب أيضاً النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها"، وقال (١/١٢٨ ـ ١٢٩) : "قوله ﷺ : "فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك"، قيل: إنَّه تعليل للأول؛ فإنَّ العبدَ إذا أُمر بمراقبة الله في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأنَّ العبد يراه، فإنَّه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بأنَّ الله يراه، ويطَّلع على سرِّه وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقَّق هذا المقام سهُل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيَّته حتى كأنَّه يراه، وقيل: بل هو إشارة إلى أنَّ مَن شقَّ عليه أن يعبدَ
стр. 71
الله كأنَّه يراه، فليَعبُدِ اللهَ على أنَّ الله يراه ويطَّلع عليه، فليستحيي من نظره إليه".
وقال (١/١٣٠) : "وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالنَّدب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات"، وذكر جملة من الأحاديث، ثم قال: "ومَن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهاً أو حلولاً أو اتِّحاداً، فإنَّما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله ورسوله ﷺ ، واللهُ ورسوله بريئان من ذلك كلِّه، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير".
٧ ـ قوله: "قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلمَ من السائل، قال: فأخبرني عن أمَاراتِها؟ قال: أن تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وأن ترى الحُفاةَ العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان، قال: ثمَّ انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر أتدري مَن السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمُكم دينَكم".
فيه فوائد:
الأولى: اختصَّ الله بعلم الساعة، فلا يعلم متى تقوم الساعة إلاَّ الله ، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ، ومنها علم الساعة، ففي صحيح البخاري (٤٧٧٨) عن عبد الله بن عمر قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "مفاتيح الغيب خمسة، ثم قرأ ﴿إِِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ "، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ
стр. 72
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
وجاء في السنة أنَّ الساعة تقوم يوم الجمعة، أمَّا من أيِّ سنة وفي أيِّ شهر من السنة وفي أيِّ جمعة من الشهر فلا يعلم ذلك إلاَّ الله، ففي صحيح مسلم (٨٥٤) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلق آدم، وفيه أُدخلَ الجنَّة، وفيه أُخرجَ منها، ولا تقوم الساعةُ إلاَّ في يوم الجمعة".
ورواه أبو داود (١٠٤٦) والنسائي (١٤٣٠) بلفظ: "خيرُ يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابَّة إلاَّ وهي مسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس؛ شفقاً من الساعة إلاَّ الجنّ والإنس" الحديث، وهو حديث صحيح، رجاله رجال الشيخين، وهذه الزيادة في آخره تدلُّ على أنَّ الساعةَ تقوم في أوَّل النهار قبل طلوع الشمس.
الثانية: تُطلق الساعة ويُرادُ بها الموت عند النفخ في الصور، كما قال ﷺ : "لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الناس" رواه مسلم (٢٩٤٩) ، وكلُّ مَن مات قبل ذلك فقد جاءت ساعته وقامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، وتُطلق ويُراد بها البعث، كما قال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ، وهم إنَّما أنكروا البعث كما
стр. 73
قال الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
الثالثة: قوله: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" معناه أنَّ الخلق لا يعلمون متى تقوم، وأنَّ أيَّ سائل أو أي مسئول سواء في عدم العلم بها، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/١٣٥) : "يعني أنَّ علمَ الخلق كلِّهم في وقت الساعة سواء، وهذا إشارة إلى أنَّ الله استأثر تعالى بعلمها".
الرابعة: تعدَّدت الأسئلة للرسول ﷺ عن الساعة، وكان النَّبيُّ ﷺ يُجيب مَن سأله ببيان بعض أماراتها، أو يُلفت نظر السائل إلى ما هو أهم من سؤاله.
ومِن الأول حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٥٩) أنَّ أعرابيًّا سأل النَّبيَّ ﷺ ، وقال: متى الساعة فقال: "فإذا ضُيِّعت الأمانةُ فانتظر الساعة" الحديث.
وأمَّا الثاني، ففي صحيح البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩) عن أنس ﵁: "أنَّ رجلاً سأل النَّبيَّ ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة قال: وماذا أعددتَ لها؟ قال: لا شيء، إلاَّ أنِّي أحبُّ اللهَ ورسولَه ﷺ ، فقال: أنتَ مع مَن أحببتَ".
الخامسة: قوله: "فأخبرني عن أماراتها ... " إلخ، أماراتها: علاماتها، وعلامات الساعة تنقسمُ إلى قسمين: علامات قريبة من قيامها، كخروج الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم ﵊ من السماء، وغيرها.
стр. 74
وعلامات قبل ذلك، ومنها العلامتان المذكورتان في هذا الحديث.
ومعنى قوله: "أن تلِدَ الأَمَةُ ربَّتها" فُسِّر بأنَّه إشارة إلى كثرة الفتوحات وكثرة السبي، وأنَّ من المسبيات مَن يطؤها سيِّدها فتلد له، فتكون أمَّ ولد، ويكون ولدُها بمنزلة سيِّدها، وفسِّر بتغيُّر الأحوال وحصول العقوق من الأولاد لآبائهم وأمَّهاتهم وتسلُّطهم عليهم، حتى يكون الأولاد كأنَّهم سادة لآبائهم وأمَّهاتهم، رجَّح هذا الحافظ ابن حجر في الفتح (١/١٢٣) .
ومعنى قوله: "وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" أنَّ الفقراء الذين يرعون الغنم ولا يجدون ما يكتسون به تتغيَّر أحوالُهم، وينتقلون إلى سكنى المدن ويتطاولون في البنيان، وهاتان العلامتان قد وقعتا.
السادسة: قوله: "ثمَّ انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر أتدري مَن السائل قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمُكم دينَكم"، معنى مليًّا: زماناً فقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أصحابَه عن السائل بأنَّه جبريل عقب انطلاقه، وجاء أنَّه أخبر عمر بعد ثلاث، ولا تنافي بين ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر الحاضرين ولم يكن عمر ﵁ معهم، بل يكون انصرف من المجلس، واتَّفق له أنَّه لقي النَّبيَّ ﷺ بعد ثلاث فأخبره.
السابعة: كان النَّبيُّ ﷺ يسأل أصحابَه عن أشياء لِلَفْت أنظارهم إلى الاستعداد لجوابها، فيقولون: الله ورسوله أعلم، ثم يُجيبهم، كما في حديث عمر هذا، وكما في حديث معاذ بن جبل ﵁: "أتدري ما حقُّ الله على العباد، وما حقُّ العباد على الله قلت: الله ورسوله أعلم" الحديث رواه البخاري (٢٨٥٦) ومسلم (٤٨) .
стр. 75
ويُشرَع للمسئول إذا لم يكن عنده جواب أن يقول: لا أدري، أو الله أعلم؛ لصلاحية ذلك لكلِّ سؤال، بخلاف: الله ورسوله أعلم، فلا تصلح لكلِّ سؤال، فلو سأل سائل: متى تقوم الساعة تعيَّن في الجواب قول: الله أعلم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يعلم متى تقوم الساعة.
وأيضاً فإنَّ النَّبيَّ ﷺ بعد موته لا يعلم بما يحصلُ لأمَّته من بعده؛ لحديث ابن مسعود رضىالله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أنا فرطُكم على الحوض، وليُرفعنَّ رجالٌ منكم ثم ليختلجنَّ دوني، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك" رواه البخاري (٦٥٧٦) ومسلم (٢٢٩٧) .
والمراد بالأصحاب المشار إليهم في الحديث الذين ارتدُّوا بعد موته ﷺ وقُتلوا على أيدي الجيوش التي أرسلها أبو بكر رضىالله عنه لقتال المرتدِّين.
وإلى هنا انتهى شرح هذا الحديث العظيم، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.