← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (١) الإِيْمَانُ باللهِ ﷻ تأليف أبي حمزة غازي بن سالم أفلح عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين تقديم الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م (مزيدة ومنقحة) رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢ Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩ الترقيم الدولي ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤ التصنيف العمري: E تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com الإمارات العربية المتحدة - الشارقة البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧ تويتر: @ DroosAldar

стр. 3

التقديم للكتاب

стр. 4

تقديم فضيلة الشيخ الدكتور عزيز بن فرحان العنزي حفظه الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد: فلا يخفى ما لكتاب الجامع لشعب الإيمان؛ للحافظ البيهقي ﵀ من المنزلة الكبيرة، والمكانة الرفيعة، عند العلماء، وطلاب العلم، بل وعند الوعاظ والخطباء، وذلك لما اشتمل عليه من الفوائد النفيسة، والفرائد الماتعة، والحكم والأقوال الباهرة. فهو كتاب عظيم، حوى جملة كبيرة من الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة والتابعين، والأقوال والحكم والأشعار في جميع الفنون الشرعية. وقد قام الإمام البيهقي بإسناد ما أورده الحليمي من الأحاديث والآثار التي ذكرها في شرحه من دون إسناد، وزاد عليها ما شاء الله أن يزيد؛ فجاء موسوعة علمية قلَّ نظيره في بابه. ولما كانت الأحاديث والآثار التي أوردها البيهقي، منها: الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع، من خلال عرضها وإجراءها على وَفْقِ القواعد الحديثية، فإن الحاجة ملحة إلى غربلة الكتاب، وتنقيته مما شابه مما لم يصح، وقد انبرى لهذه المهمة، وتجشم لهذا المشروع فضيلة الشيخ غازي بن سالم أفلح، وهو من طلاب العلم الأماثل، وعلى منهاج سليم، -أحسبه والله حسيبه-، وممن لهم عناية بالأحاديث، رواية ودراية،

стр. 5

حيث قام من خلال هذا السفر الموسوم بـ " ريِّ الظمآن بمجالس شعب الإيمان" على اختيار ما صح لديه مما اشتمل عليه الجامع من الأحاديث والآثار، -المتعلقة بأركان الإيمان الستة-، وزاد فيه مباحث ومسائل هامة، جعلته يخرج بهذه الحلة القشيبة، والذي يمثل إضافة هامة للمكتبة الإسلامية، لا سيما وأن هذا المصنف يحتاج إليه المبتدي؛ كما أنه لا يستغني عنه المنتهي. وأسأل الله تعالى أن يجعله مباركًا نافعًا، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد،،، وكتبه عزيز بن فرحان العنزي ٤ رجب ١٤٤٣ هـ مدير مركز الدعوة والإرشاد بدبي سابقا رئيس اللجنة الأكاديمية بمجلس الأمناء بالجامعة القاسمية

стр. 6

مقدمة الشيخ الدكتور رشاد بن حمود الحزمي حفظه الله الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فقد قرأت كتابَ "ريِّ الظمآن بمجالس شعب الإيمان"، تأليف: الشيخ أبي حمزة غازي بن سالم أفلح البدوي، فوجدته كتاباً مفيداً، ذكر فيه مؤلفه عقيدة أهل الإيمان في أصول الإيمان الستة، من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة. وهو كتاب وافق مضمونه عنوانه، فإن قارئه يرتوي بقراءته، بما يشعر به في نفسه من زيادة الإيمان. وتتجلى أهمية الكتاب فيما يلي: ١ - كتابته بأسلوب سهل، يستفيد منه الطالب المبتدي، والعالم المنتهي. ٢ - استيعابه للأدلة من القرآن الكريم في الغالب، مع العناية بالمأثور من تفسيرها من أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة. مع عزو الأقوال لمن أخرجها من الأئمة في كتب الحديث والتفسير المسندة، والمصنفات وغيرها. ٣ - كثرة الأدلة من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، مع عزوها لمن أخرجها من أئمة الحديث في كتبهم من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها. وبيان مرتبتها إن كان الحديث في غير الصحيحين، واعتنائه بذكر أحكام العلماء المتقدمين والمتأخرين على الحديث، واختيار ما يراه صواباً وَفْق القواعد الحديثية. واهتمامه البالغ بألفاظ الحديث، وسياقه مساقاً واحداً، مع ذكر الزيادات، ومن زادها من أهل العلم. ٤ - ذكر أقوال العلماء في الكلام على الأحاديث، بتفسير غريبها، أو حل مشكلها، أو

стр. 7

دفع تعارضها أو غير ذلك. ٥ - اهتمامه بذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم، وعزوها لمن أخرجها من أهل العلم في كتبهم، والحكم عليها صحة وحسناً وضعفاً. ٦ - كثرة المصادر التي نقل منها المؤلف في هذا الكتاب ٧ - كثرة العناوين التفصيلية للكتاب، التي تقرب الاستفادة منه. وهذا الكتاب تهذيب وشرح لكتاب "الجامع لشعب الإيمان" للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة (٤٥٨ هـ) -رحمه الله تعالى-؛ فأسال الله أن ييسر لمؤلفه إتمامه، فلو تم، لعله أن يكون في أكثر من عشرين مجلداً. ولقد استفدت من قراءتي لهذا الكتاب، فجزى الله مؤلفه الشيخ غازي بن سالم خيراً، وجعل ذلك في ميزان حسناته. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. كتبه/ أبو عبدالله رشاد بن حمود الحزمي في يوم الثلاثاء ٢١ من شهر رجب الحرام من عام ١٤٤٣ هـ.

стр. 8

مقدمة فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن يحيى البرعي حفظه الله القائم على دار الحديث السلفية في اليمن -محافظة إِبّ- مفرق حبيش الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ﵌، أما بعد: فقد قام الأخ غازي بن سالم أفلح، بتأليف كتاب "ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان" سائرا على منوال كتاب شعب الإيمان للبيهقي، آخذا منه ومضيفا عليه مع حذف الأحاديث الضعيفة، وإبقاء عامة الأحاديث الصحيحة، وحشد فيه من الفوائد العلمية من كلام أهل العلم ما جعل الكتاب مرجعا في بابه، وقد ألقى ذلك في أكثر من مائة مجلس، منها سبعة وثلاثون مجلسا في أركان الإيمان الستة. أسأل الله أن يثبت بذلك إيمانه ويعلي درجته، والحمد لله رب العالمين. كتبه عبد العزيز بن يحيى البرعي ١٨ رجب ١٤٤٣ هـ

стр. 9

مقدمة الشيخ المحدث أبي عمار محمد بن عبد الله باموسى حفظه الله القائم على دار الحديث ومركز السلام العلمي للعلوم الشرعية اليمن -الحديدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ للَّه الذي جعل الإِيمان شُعبًا، والصلاةُ والسَّلام على نبينا محمد ﷺ الذي بمبعثه حُرِسَت السَّماء، ورُجمت الشياطين شُهبًا، وآله وصحبه الحائزينَ الشرف والفضل النُّجَبَا، والتَّابعين لهم بإحسان ومَنْ إليهم انتسبا (١). أما بعد: فإن الإيمان الذي يشمل الأعمال، وأنواعها، وأجناسها بضعٌ وسبعون شعبة، وهذه الشعب هي الأعمال الشرعية، التي تتشعب وتتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن. وتتفاوت هذه الشعب في مراتبها من الإيمان، فمنها ما يكون في أعلى مراتب الإيمان، ومنها ما يكون في أدناها، وما بين أعلى الإيمان وأدناه شعب متعددة. قال ابن القيم ﵀: الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة تسمى إيماناً ظاهرًا كان أو باطنًا، فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحج من الإيمان، والصيام من الإيمان، والأعمال الباطنة من الإيمان، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً ا. هـ (٢). وقول النبي ﷺ : «الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة»، المراد بذلك أنَّ خصال الإيمان لا تخرج عن هذا العدد (٣)، وأنَّها متفاوتة، فتدخل فيها أعمال القلوب،

стр. 10

وأعمال الجوارح، وأعمال اللسان، والحديث جمع هذه كلها. فمثَّل لأعمال اللسان بقول: «لا إله إلا الله». ولأعمال القلوب بـ: «الحياء». ولأعمال الجوارح: بـ: «إماطة الأذى عن الطريق». والحديث كذلك جمع أركان الإيمان الثلاثة المجمع عليها: القول والعمل والاعتقاد (١). وكتاب "شعب الإيمان" للإمام البيهقي ﵀ يعتبر من الموسوعات العلمية الكبرى التي صنفها الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ﵀، وهو عبارة عن شرح لحديث: «الإيمان بضعٌ وسبعون شُعْبة»، وقد حاول ﵀ سرد هذه الشعب وذِكر الأدلة المتعلقة بها، وقد أبدع ﵀ في ذلك غاية الإبداع. والكتاب على جلالة قدره فيه أحاديث مختلفة المراتب، ففيه الصحيح، والحسن، والضعيف، وشديد الضعف، وفيه بعض الموضوعات وهي قليلة. هذا وقد قام فضيلة الشيخ المحدِّث أبي حمزة غازي بن سالم أفلح، وفقه الله، بعقد مجالس للمدارسة في هذا الكتاب المبارك بلغت أكثر من مائة مجلس، فُرِّغ منها سبعة وثلاثون مجلسًا، وعمله وفقه الله، في كتاب البيهقي كعمل المزي ﵀ في "الكمال" (٢): * فقد اختار الشارح من كتاب البيهقي الصحيح وما قاربه، * ثم زاد عليه زيادات صحيحة من خارج الكتاب، كما زاد البيهقي نفسه على كتاب الحليمي ﵀ المسمى بـ: "المنهاج المصنَّف في شعب الإيمان". * ثم قام وفقه الله، بشرح المهذب منه شرحًا ميسرًا سهلًا ممتنعًا قريبًا من جميع القرَّاء على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم وطبقاتهم العلمية،

стр. 11

* وقد نثر في هذه المجالس العلمية المباركة: • دررًا من العلوم والفنون وبدائع الفوائد، • وفوائد القلائد، • وغرائب الفرائد، • ونوادر الشوارد، • فهو كتاب جليل القَدْر، والكتاب يترجم لكاتبه. أسأل الله العظيم أن يحيينا بشعب الإيمان وفي شعب الإيمان، وأن يتوفانا على أعلى مراتب شعب الإيمان، والله تعالى أعلم، وهو أعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه: العبد الفقير إلى مولاه الغني القدير أبو عمار محمد بن عبد الله (باموسى) القائم على دار الحديث ومركز السلام العلمي للعلوم الشرعية اليمن -الحديدة عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين. ٢٩/ جمادى الآخرة/ ١٤٤٣ هـ مكة المكرمة، شعب عامر، جبل السودان

стр. 12

مقدمة الشيخ الفقيه نعمان بن عبد الكريم الوتر حفظه الله القائم على دار الحديث السلفية في مدينة دار السلام، اليمن، يختل، المخا الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: فقد طلب مني الاطلاع على كتاب "ريّ الظمآن بمجالس شعب الإيمان" والتقديم له، فألفيته كتابا قيما نافعا مفيدًا عقد فيه مؤلفه الشيخ المفضال المبارك غازي بن سالم أفلح حفظه الله مجالس عدة لشرح كتاب "شعب الإيمان" للحافظ البيهقي ﵀، تم تفريغ الكثير منها ويلاحظ القارئ الجهدَ المبرورَ للشيخ غازي في هذه المجالس حيث اختار ما صح، وزاد ما تدعوا الحاجة إليه، وتقريبه، وتهذيبه، وشرحه شرحا رائقا، ميسرا، مرصعا بالفوائد القيمة، فصارت مجالسَ مستطابة، فيها العديد من الفواكه الشهية، والأفنان النَّدية، جزاه الله خيرا، وكتب أجره، ونفع به، وجعل أعمالنا وأعماله خالصة لوجهه الكريم، نافعة لنا وله ولمن شاء من عباده في الدنيا ويوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وكتبه نعمان بن عبد الكريم الوتر ١١ رجب ١٤٤٣ هـ

стр. 13

مقدمة الطبعة الثانية الْحَمد لله رب الْعَالمين حمدا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل رسله، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى صحابته، ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فهذه هي الطبعة الثانية من هذه السلسلة المباركة، جعلتها مقسمة إلى أجزاء سبعة، يتضمن كل جزء منها الحديث عن ركن من أركان الإيمان الستة، على هذا الترتيب الإيمان بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه، والقدر خيره وشره، ثم الإيمان باليوم الآخر، ثم الإيمان بالجنة والنار، وقد كانت الطبعة الأولى في مجلدين كبيرين، فرأيت أن تكون هذه الطبعة مجزأة على هذه الأجزاء ليسهل الانتفاع بها، وقد راجعتها وصححت بعض الأخطاء في الطبعة الأولى، وزدت فيها زيادات -يسيرة- في مواضع عدة من مباحث الكتاب. فأسأل المولى -جل وعلا- أن يتقبل مني هذا العمل وأن يرزقني الإخلاص والقبول إنه خير مسؤول وهو حسبي ونعم الوكيل وكتبه أبو حمزة غازي بن سالم أفلح ١٩ من ذي الحجة ١٤٤٣ هـ

стр. 14

مقدمة الطبعة الأولى إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فهذه مجالس في مدارسة كتاب «الجامع لشعب الإيمان» للحافظ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، المولود في سنة (٣٨٤) والمتوفى في سنة (٤٥٨ هـ) ﵀. نبذة عن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي: وهو أحد الأئمة الكبار المشهورين بالحديث، وهو من محدثي فقهاء الشافعية الجامعين بين الحديث والفقه. بل قال الحافظ ابن عساكر (ت: ٥٧١ هـ) ﵀: سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حبيب العامري بِبَغْدَادَ يَقُول سَمِعت من يَحْكِي عَنْ الإِمَام أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ ﵀، أَنه قَالَ: مَا من شَافِعِيّ إِلَّا وَللشَّافِعِيّ عَلَيْهِ منَّة إِلَّا أَحْمد الْبَيْهَقِيّ فَإِنْ لَهُ على الشَّافِعِي مِنَّة لتصانيفه فِي نصْرَة مذْهبه وأقاويله أَوْ كَمَا قَالَ ا. هـ (١)

стр. 15

وعلق الذهبي ﵀ على قول أبي المعالي فقال: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه، لكان قادرا على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث ا. هـ (١) وقال أبو الحسن عبد الغافر الفارسي ﵀: كان على سيرة العُلماء، قانِعًا من الدُّنيا باليسير، مُتَجَمِّلًا في زُهْدِهِ وورعه. عاد إلى النّاحية في آخر عُمْرِه، وكانت وفاته بها. وقد فاتني السَّماع منه لغيبة الوالد، ولانتقال الشّيخ آخر عمره إلى النّاحية. وقد أجاز لي (٢). ونقل ابن عبد الهادي عن عبد الغافر أنه قال في "ذيل تاريخ نَيسَابور": أبو بكر البَيْهَقي الحافظ الأُصولي، الدَّيِّن الوَرع، واحد زمانه في الحِفْظ، وفَرْد أقرانه في الإِتقان والضَّبْط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد عليه بأنواع من العلوم، كتب الحديث، وحَفِظَه مِنْ صباه، وتفقَّه وبَرَعَ، وأخذ في الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، ثم صنَّف، وتواليفه تقارب ألف جُزْء مما لم يسبقْه إليه أحد، جمع بين عِلْم الحديث والفِقْه وبيان علل الحديث، ووَجْه الجَمْع بين الأحاديث، طلب منه الأئمة الانتقال من النَّاحية إلى نَيسابور لسماع الكتب، فأتى في سنة إحدى وأربعين، وعقدوا له المجلس لسماع كتاب "المعرفة" وحضره الأئمة، وكان على سيرة العُلَماء، قانعًا باليسير، متجملًا في زُهْده وورعه. قال ابن عبد الهادي ﵀: مات البَيْهَقِي بنَيسَابور في عاشر جُمَادى الأُولى من سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة، ونُقِل في تابوت فدفن ببَيْهَق، وهي ناحية من أعمال نَيسَابور على يومين منها. وخُسْرَوْجِرْد: هي أم تلك النَّاحية. (٣) من مؤلفات الإمام البيهقي: تقدم قول تلميذه بالإجازة أبي الحسن عبد الغافر الفارسي: … وتواليفه تقارب ألف

стр. 16

جُزْء مما لم يسبقْه إليه أحد، جمع بين عِلْم الحديث والفِقْه وبيان علل الحديث، ووَجْه الجَمْع بين الأحاديث ا. هـ ومن مصنفاته النافعة، ومؤلفاته السائرة: ١ - السنن الكبرى ٢ - والمدخل إلى السنن الكبرى ٣ - والسنن الصغير ٤ - ومعرفة السنن والآثار ٥ - والأسماء والصفات ٦ - ودلائل النبوة ٧ - والجامع لشعب الإيمان ٨ - ومعرفة السنن والآثار ٩ - والقراءة حلف الامام ١٠ - والبعث والنشور ١١ - والاعتقاد ١٢ - والقضاء والقدر ١٣ - وإثبات عذاب القبر ١٤ - والآداب ١٥ - والأربعون الصغرى ١٦ - والدعوات الكبير ١٧ - مناقب الشافعي ١٨ - فضائل الأوقات ١٩ - حياة الأنبياء في قبورهم ٢٠ - الزهد الكبير وغيرها كثير، وكتبه مسندة، وكثير منها مطبوع وهي عظيمة النفع.

стр. 17

كتاب شعب الإيمان: وكتابه «الجامع لشعب الإيمان»: ١ - كتاب مسند جمع فيه الحديث والأثر ٢ - بناه على كتاب «الْمِنْهَاجِ الْمُصَنَّفِ فِي شُعَبِ الْإِيَمانِ» للحافظ أبي عبد الله الْحُسَيْن بْنِ الْحَسَنِ الْحَلِيْمِيَّ ﵀ (١) ٣ - واقتدى به في تقسيم الأحاديث على الأبواب، ٤ - وحكى من كلامه عليها ما يتبين به المقصود من كل باب، ٥ - وزاد عليه بذكر الأسانيد - على رسم أهل الحديث - ٦ - مع الاقتصار على ما لا يغلب على القلب كونه كذبا. ٧ - ومقتصرا على إخراج ما يتبين به بعض المراد ٨ - وأحال للتفصيل والإسهاب على كتبه الأخرى المؤلفة في الاعتقاد خوفا من الملال في الإطناب. مثل: «كتاب الأسماء والصفات» و «كتاب الإيمان» و «القدر» و «الرؤية» و «دلائل النبوة»، و «البعث والنشور» و «عذاب القبر» و «الدعوات»، و «السنن» هذه المجالس: وقد رغبت منذ زمن في مدارسة «الجامع لشعب الإيمان» مع الطلاب رجاء الانتفاع بعلومه وفوائده وبدأت في تدارسه مع بعض طلبة العلم في ٢٣ من شوال ١٤٣٠ هـ، ولم يكتب لنا الاستمرار؛ ثم هيأ الله تعالى العودة إليه مرة أخرى وكان البدء في مجالسه في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر شعبان من عام ١٤٤١ هـ وقد تم عقد نحو من مائة مجلس، فاللهم أعنا على التمام.

стр. 18

هذا وقد قام مجموعة من إخواني طلبة العلم جزاهم الله خيرًا: ١ - بتفريغ سبعة وثلاثين مجلسا من هذه المجالس وهي المتعلقة بأصول الإيمان الستة ٢ - ثم مراجعتها، ٣ - وتصحيحها، ٤ - راغبين في تهيئتها للطبع ليعم نفعها ويسهل اقتناص فوائدها، وقد قمت: ١ - بقراءة ما قاموا بتفريغه ومراجعته وتصحيحه. ٢ - وعملت على توثيق النصوص والأقوال وتخريج الأحاديث والآثار ٣ - وحذفت ما لا حاجة إليه ٤ - وأضفت ما لا بد منه ٥ - كما قمت بإبراز فوائدها في عناوين واضحة ولا شك أن الإلقاء والتدريس غير التأليف، فهذا فن وهذا فن، ولكن سددوا وقاربوا. ٦ - وسميته: ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان المنهج المتبع في ري الظمآن: ١ - وهذا الكتاب: وإن سرت فيه على سَنَنِ كتاب البيهقي ﵀ ٢ - إلا أني: عملت على تهذيب كتابه ٣ - وأثبت منه بعض ما صح لدي ٤ - وأعرضت عما رأيت أنه من الضعيف الذي لا يحسن إيراده هنا ٥ - وربما ذكرت شيئا من ذلك، لكن مع بيان ضعفه ٦ - وما سكت عنه فهو ثابت عندي

стр. 19

٧ - وأضفت مباحث كثيرة وفوائد عديدة نثرتها في ثنايا المجالس ٨ - وهذا القسم -من المجالس- خاص بالحديث عن شعب الإيمان المتعلقة بالأركان الستة للإيمان. ٩ - فجعلت "الإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه والقدر خيره وشره" في مجلد، ثم خصصت المجلد الثاني بالحديث عن شعبة "الإيمان باليوم الآخر". وعملي -فيما أحسب- شبيه بعمل الحافظ المزي ﵀ الذي قام على تهذيب كتاب «الكمال في أسماء الرجال» للحافظ المقدسي ﵀، وإصلاح ما وقع فيه من الوهم والاغفال، واستدراك ما حصل فيه من النقص والإخلال. لكني لم أستوعب كل ما عند البيهقي في كتابه المذكور، وتركت جملة من مسائله، وقصدت أن أقتصر على بعض ما يصح ويفيد، وأضفت ما يعين على فهم المسائل وتكميلها، وتوضيح الدلائل وتقريب فهمها وجعلت معها من الفوائد الفرائد ما هو متصل بالأصل وعليه مزيد. فإن وفقت لذلك فالحمد لله وله الفضل والمنة، وإن أخطأت -والخطأ لابن آدم لازم لازب- فمني والشيطان، وأستغفر ربنا الرحيم الرحمن. وجزى الله خيرا من وجد خطأ فدل عليه وأصلحه والله أسأل التوفيق والسداد، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود] كتبه العبد الفقير إلى مولاه الغني أبو حمزة غازي بن سالم أفلح البدْوِيِّ في الثاني والعشرين من شهر الله المحرم من عام ١٤٤٢ هـ

стр. 20

كلمة شكر وختاما فإني أشكر الله تعالى أولا وآخرا على ما من به وتفضل. ثم انطلاقا من قول النبي الكريم ﷺ القائل «مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّهَ» (١)؛ فإني أشكر كل المشايخ الكرام الذين تفضلوا بالنظر في مضامين الكتاب، والتقديم له تشجيعا لأخيهم، مع كثرة مشاغلهم، وضيق وقتهم. ومنهم: الشيخ الدكتور عزيز بن فرحان العنزي، والشيخ العلامة عبد العزيز البرعي، والشيخ محمد بن عبد الله باموسى، والشيخ نعمان الوتر، والشيخ الدكتور محمد بن عبد الله الحمادي.

стр. 21

ثم أخص بالذكر الأخ الشيخ الدكتور رشاد الحزمي -حفظه الله- الذي تفضل بقراءة الكتاب كاملا، وأفادني بملاحظاته القيمة التي ازدان بها البحث. والشكر موصول أيضا إلى المشايخ الذين نظروا في بعض المواضع من الكتاب وأفادوا بملاحظات نافعة، كان لها الأثر في تقويمه، وتصحيحه، مع ما صاحب ذلك من تشجيع كاتبه. وأشكر القائمين على مركزنا المبارك مركز محمد سالم بن بخيت، لتحفيظ القرآن الكريم بدبي، والذي قام على تنظيم هذه المجالس، والتنسيق لها، ورعايتها. فجزاهم الله خيرا والله تعالى أسأل أن يتقبل مني هذا العمل بقبول حسن والحمد لله رب العالمين للتواصل مع المؤلف: واتس: ٠٠٩٧١٥٠٥٨٦١٧١٧ hotmail.com@Salem.Ghazi

стр. 22

تمهيد حديث شعب الإيمان وبيان حقيقة الإيمان

стр. 23

المجلس الأول (١) حديث شعب الإيمان فضل العلم: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فهذه المجالس، من المجالس العظيمة التي يحتاجها المسلم؛ فحاجة المسلم إلى مجالس العلم والعلماء حاجة عظيمة؛ فإنه كما أُثِر عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: «الناس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجتُه إلى العلم بعدد أنفاسه» (٢). وقد ابتُلِينا في هذه الأيام وفي هذه الأزمان بالإعراض عن العلم وعن مجالسه، مع تيسُّر الحصول عليه وقُرب العلماء عن طريق هذه الوسائل العظيمة التي منَّ الله -جل وعلا- بها علينا من الوسائل السمعية والمرئية وغيرها مما تيسر في هذه الأزمان ولم يكن موجودًا من قبل، ومع ذلك فالعلم عند الناس قليل، والإقبال عليه ضعيف إلا من رحم الله -جل وعلا-. فنصيحتي لنفسي ولإخواني بالإقبال على طلب العلم والانتفاع به وحضور مجالس العلماء والاستفادة؛ فإن طلب العلم من العبادات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى ربه -جل وعلا- لا سيَّما في زمن البلاء وزمن الفتن؛ فنبينا ﷺ يقول: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» (٣).

стр. 24

ومن أعظم العبادات طلب العلم: طلبُك للعلم وحضورك لمجالس العلم والاستفادة سماعًا، أو رؤيةً، أو قراءةً أو استفسارًا؛ فكلُّ ذلك من العلم الذي يقربك ويدنيك إلى الله. يقول ﵊: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (١). فتأمل قوله ﷺ : «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا»، فـ (طريقًا): نكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ فأيّ طريق تسلكه من الطرق المعلومة في طلب العلم، سواء الطرق الحسية وذلك بالمشي إلى حلق العلم، أو الطرق المعنوية بأن يمشي الإنسان في طريق العلم بقراءة الكتب النافعة التي ألفها من يوثق بعلمهم ودينهم، ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من المحققين من أهل العلم، فكل ذلك مما يشمله الحديث. وقوله ﷺ : «يَلْتَمِسُ» يعني يطلب ولو شيئًا يسيرًا سواء حصّله أم لم يحصله، وقوله: «عِلْمًا» نكرة في سياق الإثبات فيدخل في ذلك كل ما هو من العلم ولوكان قليلا. والبشارة في آخر الحديث «سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» فما دام أنه سلك بنفسه هذا الطريق العظيم فإن هذا مما يدنيه من جنة عرضها السماوات والأرض. -"جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة"-، فأحبوا العلم من قلوبكم وأقبلوا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ يُبارَكْ لكم في أوقاتكم ويبارك لكم في أعماركم ويبارك لكم في صحتكم. -نسأل الله -جل وعلا- أن يُحبِّب إلينا العلم الشرعي-. وقد كان من دعائه ﷺ : «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا». تقول أمُ سَلَمَة ﵂: كان يدعو بذلك دُبُرَ كلِّ صلاةِ فجرٍ (٢). وكان ﷺ يستعيذ بالله «مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (٣). وأمره ربه -جل وعلا- بالدعاء بأن يزداد علما فقال : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].

стр. 25

وكان من دعائه ﷺ : «اللهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا» (١). فيا عبد الله: أنقذ نفسك من الجهل بدين الله -جل وعلا-. فإن الجهل قد يؤدي بصاحبه إلى التهلكة كما في حديث جَابِر ﵁ قال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، … » (٢)، دعا عليهم النبي ﷺ لأنهم سئلوا فأفتوا بغير علم، وقد أدت هذه الفتوى إلى موت هذا الصحابي ﵁. بل قد جاء في السنة ما يدل على أن الفتوى بغير علم قد تكون سببًا لمقتل صاحبها، ففي "الصحيحين" (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً … »، الحديث. كانت هذه الفتوى المبنية على غير علم سببًا لمقتل صاحبها. فنسأل الله أن يُوفِّقنا وإيَّاكم إلى كل خير. حديث شعب الإيمان: وهو حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ-أَوْ قَالَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ-شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». وهذا الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما وأهل السنن وأحمد في المسند وابن حبان في صحيحه وافتتح به البيهقي كتابه هذا "شعب الإيمان"، وهو مبثوث في دواوين الإسلام. وهو حديث عظيم وقد

стр. 26

اختلفت رواياته، كما سيأتي. وفي سماعه تحفيز لكل موفق أن يسعى لمعرفة هذه الشعب العظيمة للعلم والعمل بها. فصل في ذكر روايات الحديث: حديث أبي هريرة ﵁ في شعب الإيمان: ١ - رواه البخاري بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» ٢ - ورواه مسلم بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ٣ - وفي رواية لمسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ٤ - ورواه ابن ماجه بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا، أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ٥ - ورواه أبو داود بلفظ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ: أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْعَظْمِ عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ٦ - ورواه النسائي بلفظ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ٧ - ورواه الترمذي وأحمد بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، فَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ٨ - وفي رواية للترمذي ولأحمد: «الإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا» زاد أحمد «أَرْفَعُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (١)

стр. 27

منزلة الإيمان: وهذا الحديث المبارك، فيه جملة من الكلمات نقف عندها لبيانها. أولها: قوله ﷺ : «الْإِيَمانُ». فالإيمان: لفظ شرعي، وقد جاء كثيرًا في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ . والله -جل وعلا- نادى عباده وأوليائه في تسعة وثمانين موضعا من القرآن بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أولها في [سورة البقرة: ١٠٤] (١) وإذا تأملت كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ تجد أن الله رتَّب على هذا اللفظ أمورًا عظيمة: فجعل الله أهله هم أهل الفلاح، فقال -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١]. وأخبر -جل وعلا- أنَّ الإيمان تُنالُ به أرفع الدرجات في الدنيا وأعلى المنازل في الآخرة. قال

стр. 28

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] والصديقون: هم أعلى الخلق درجة بعد درجة الأنبياء في الدنيا وفي منازل الآخرة. وقال ﷺ : «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (١). والإيمان كما عليه أهل السنة والجماعة يزيد وينقص. والإيمان له حلاوة في القلب إذا وجدها العبد أوجبت له الحياة الطيبة. ومن أحبَّ الله ورسوله لهج بذكر الله؛ فإنَّ من أحب شيئًا أكثر من ذكره. ومن أحبَّ الله ورسوله اجتهد في متابعة الرسول ﷺ ، وقَدَّم متابعته على كل شيء. معنى الإيمان: والعلماء ﵏ قالوا في بيان حقيقة الإيمان: إن الإيمان: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص. فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان -يعني بالقلب- وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بالعصيان. وكان بعض علمائنا يقولون: الإيمان خمس نونات: الأولى: اعتقاد بالجنان. والثانية: نطق باللسان. والثالثة: عمل بالجوارح والأركان. والرابعة: يزيد بطاعة الرحمن. والخامسة: وينقص بالعصيان. فإذا عرفْتَ هذه الكلمات في تفسير الإيمان عرفْتَ أنه اسمٌ جامعٌ لشرائع الإسلام وأصول الإيمان وحقائق الإحسان. فالنبي ﷺ في هذا الحديث قال: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ» أو قال: «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً». قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبان ﵀: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَرِ إِلَى الشيء الذي هو فرض

стр. 29

على المخاطبين في جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَجَعَلَهُ أَعْلَى الْإِيمَانِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ نَفْلٌ لِلْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ فَجَعَلَهُ أَدْنَى الْإِيمَانِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَرْضٌ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَكُلَّ شَيْءٍ فَرْضٌ عَلَى بَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَكُلَّ شَيْءٍ هُوَ نَفْلٌ لِلْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ كُلُّهُ من الإيمان ا. هـ (١) فالأعمال الصالحة من الإيمان. الصلاة عمل صالح، وهي من الإيمان. والزكاة عمل صالح، وهي من شعب الإيمان. وكذا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبِرُّ الوالدين، وصلة الأرحام، وغير ذلك من الأعمال الطيبة المباركة التي حثَّ الإسلام عليها. و «الإيمان» له أركان ثلاثة: القول، والعمل، والاعتقاد. الاعتقاد من الإيمان: وبيان ذلك أن الإنسان إذا لم يؤمن بقلبه لم يكن مؤمنًا. ولذلك ذكر الله -جل وعلا- النفاق في القرآن، وبيَّنَ أن المنافقين نفاقًا أكبر هم أولئك الذين لا يؤمنون بالله ورسوله في باطنهم، ويُظهِرون إيمانًا ظاهرًا. قال ربنا : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]. كانوا يُظهِرون الإسلام ويُبطِنون الكفر والطغيان، أسلَمَتْ ألسنتُهم، وكفرت بواطنُهم؛ فلم يقبل الله -جل وعلا- منهم إيمانًا. فدل هذا على أن اعتقاد القلب من الإيمان. القول من الإيمان: وكذلك نطق اللسان: فإن من صدَّق برسول الله ﷺ ثم امتنع عن النطق بالإسلام وبشهادة الإيمان فإنه لا يكون من المؤمنين. ولذلك قال البيهقي هنا: «بابٌ الدليل على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز ا. هـ أبو طالب عم رسول الله ﷺ -: وتأمَّلُوا حال أبي طالب عمِّ رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان يعلم صدق ابن أخيه نبينا

стр. 30

محمد بن عبد الله ﷺ ، وكان يقول فيما ذكروا عنه: وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حِذَارِي سُبَّةً … لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا لِذَاكَ مُبِينًا (١) فكان يعلم صدق رسول الله ﵊ بل كان يناصره ويدفع الأذى عنه؛ ولذلك حرص النبي ﷺ على إسلامه فكان يقول له - حين حضرته الوفاة-: «يا عم، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فَقَالَ له أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللهُ -جل وعلا-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (٢) ومما قاله أبوطالب أيضا: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (٣)، يعني لولا أن تعيرني قريش بذلك لقلتها من أجلك. وهذا من سوء طويته. فإنه ينبغي أن يُذعِن الإنسان بشهادة أن لا إله إلا لله قولًا بلسانه واعتقادًا بجنانه يريد بذلك وجه الله لا إرضاءً لأحد من الناس. ولما أبى أبو طالب أن ينطق بلا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ ، كان من المشركين؛ ونزلت فيه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. ونُهِي النبيُّ ﷺ أن يستغفر له فنزل قول

стр. 31

الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣] كما تقدم. العمل من الإيمان: وهكذا أيها المسلم، كل من يقول لا إله إلا الله ويعتقد الإيمان، ولكنه لا يعمل الأعمال الصالحات، فيعرض عنها. فاعلم أن تركه الأعمال الصالحة جرمٌ عظيمٌ. من ترك الصلاة كفر: فمن الأعمال ما تركه كفر مخرج من الملة كما جاء في الصلاة؛ فقد قال ﵊: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةَ؛ فَمَنْ تَركَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (١) وفي رواية: « … مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» (٢) وقال ﵊: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٣). فإذا كان بعض الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله ثم يعمد إلى الصلاة فلا يصليها البتة لا في بيته ولا منفردا ولا يحضر جمعة ولا جماعة ويستمر على ذلك دهره حتى يموت فهذا قد قال فيه ﵊: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ». ومن الأعمال ما تركه من الفسوق، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. والمقصود من هذا أنَّ الإيمان أركان ثلاثة: قول، وعمل، واعتقاد. فمن الأعمال: ما هو عمل يرجع إلى الاعتقاد. ومن الأعمال: ما هو عمل يرجع إلى اللسان. ومن الأعمال: ما هو عمل يرجع إلى الجوارح والأركان. وقد أشار إليها نبيُّنا ﷺ في هذا الحديث كما سيأتي معنا. فلا بُدَّ على المسلم أن يتعرف على حقيقة الإيمان بالله -جل وعلا-، وأن يعلم أنَّ الإيمان له شُعَبٌ، وأنَّ الإيمان له حلاوةٌ، وأنَّ الإيمان له طعمٌ، كما في الحديث «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ

стр. 32

مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١). معنى كلمة بِضْع: ثم قال ﵊: «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» أو قال: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ». قال العلماء «بِضْعٌ»: كلمة تدُلُّ على عدد مبهم، وهذا العدد مقيَّدٌ بما بين الثلاثة والتسعة، وهنا قال ﵊: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» أي: إنه يتفرع إلى هذه الشعب. معنى كلمة شُعْبَة: وكلمة «شعبة» قال العلماء: معناها: خَصلة، يعني: أنَّ الإيمان ذو خصال متعددة. وجاء في بعض الروايات: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا» (٢) أي: بضع وسبعون نوعًا. وهذا يدعو المسلم إلى أن يتعرف على شعب الإيمان. قوله ﷺ سَبْعُونَ شُعْبَة: وهذه السبعون قال العلماء: أراد بها النبي ﷺ الإشارة إلى التكثير، وأن الأعمال الصالحة كثيرة، وأنها ربما تبلغ إلى نحو بضع وسبعين شعبة. فإن قال قائل: هل يلزمنا أن نبحث عن معدوداتها؟، وأن ننظر في هذه المعدودات حتى نتأملها؟ فالجواب: أنَّ النبي ﷺ لم يأمرنا بالبحث عنها وتعدادها، وإنما أشار ﷺ إلى أنها ذاتُ عدد، وأنها كثيرة، وأنَّ المسلم عليه أن يعمل الأعمال الصالحات التي تقربه إلى الله -جل وعلا-. فالمقصود هو أنَّ الأعمال الصالحة تُسمَّى إيمانًا، فالصلاة إيمان، والزكاة إيمان، والحجُّ إيمان، وهكذا سيأتي معنا بيان شيء من الأعمال الصالحة التي هي من شعب الإيمان. ومع ذلك فإنَّ النبي ﷺ قد دلَّنا على شيء من هذه الشعب فقال: «فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». منزلة التوحيد: وأفضل تلك الشعب قدرًا، ودرجةً عند الله، قول لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد، يعني: كلمة لا إله إلا الله ومعها كلمة أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله ﷺ ؛ فهما صنوان لا

стр. 33

يفترقان. فكلمة التوحيد أفضل أنواع الإيمان، كما أنَّ الإيمان أفضل أنواع العمل، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» (١). فأفضل شعب الإيمان: قول لا إله إلا الله. وهنا نأتي إلى مسألة ننبِّه عليها، وهي: أنه يجب على المسلم أن يعتني بإيمانه وتوحيده، وأن يعتني بمعرفة التوحيد ومعناه وما يضاده وما يكون سببًا في ضعفه ونقصه؛ فإنَّ النبي ﷺ بَيَّنَ أنَّ أعلى شعب الإيمان قدرًا وأرفعَها درجةً هو توحيد الله -جل وعلا-. ولا يدخل الإنسان في هذا الدين، ويكون من المؤمنين ومن المسلمين إلَّا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله. وقد جاء القرآن مبيِّنًا وموضِّحًا أنَّ من مات على التوحيد فهو الناجي وهو الفائز، وأنَّ من مات على غيره فهو من الهالكين، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]. فحتى لو كانوا من أهل الكتاب الذين آمنوا بما آمنوا به وبكتابهم لكنهم سمعوا برسول الله ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، ولم يؤمنوا بدعوته، فإنهم من أصحاب النار، بل قال الله -جل وعلا-: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. فنسأل الله السلامة والعافية. وبعض الناس اليوم يجادل فيقول: هؤلاء أهل كتاب، ولا ينبغي أن يقال: إنهم من أهل النار!. والقرآنُ والسنة يردَّان عليه، بل وإجماع علماء الأمة، ولكنه الجهل بدين الله، -نعوذ بالله من الضَّلال-. وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (٢) قال العلامة الألباني ﵀: «يَسْمَعُ بِي»؛ أي: على حقيقته ﷺ بشراً رسولاً نبياً فمن سمع به على غير ما كان عليه ﷺ من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم

стр. 34

على غير حقيقته ﷺ المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث ا. هـ (١) قوله ﷺ : «وأدناها» وفضلُ إماطةِ الأذى عن الطريق: قال: «وَأَدْنَاهَا» أدنى شعب الإيمان يعني أقرب هذه الشعب. فالدنو بمعنى: القرب، «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»، فهذا من الإيمان؛ وهو من أعظم الأسباب السهلة اليسيرة التي تكون سببًا في دخول الجنة، كما قال النبيُّ ﵊: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ؛ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤذِي النَّاسَ» (٢). منزلة الحياء من الدين: قال ﷺ : «وَالحَيَاءُ شَعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». والحياء كما قال العلماء: مأخوذ من الحياة. قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة واستحيى الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الغيب. وقال بعض أهل العلم: الحياء حالة تتولد من رؤية الآلاء ورؤية التقصير (٣). وقال بعضهم: الحياء خُلُقٌ يبعث على اجتناب كلِّ ما هو قبيح، ويبعث على مراقبة الله -جل وعلا-. (٤) وإذا تأملنا هذا الحديث رأينا أنَّ النبي ﷺ أشار إلى أركان الإيمان: القول، والعمل، والاعتقاد. فالحياء من شعب الإيمان القَلْبِيَّة. وقول: «لا إله إلا الله» من شُعَب الإيمان التي تُقال باللسان. وإماطةُ الأذى عن الطريق من شعب الإيمان التي تُعمَل بالجوارح. ولذلك فالإيمانُ: قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بالعصيان.

стр. 35

المجلس الثاني (١) بيان حقيقة الإيمان تقدم ذكر حقيقة الإيمان بالله وأنه خمس كلمات. وأن العلماء ﵏ يقولون: الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص. فهو قول باللسان، واعتقاد بالقلب والجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ويزيد بطاعة الرحمن وينقص بالعصيان. ونزيد الأمر إيضاحًا في هذا المجلس بإذن الله-تعالى-بالحديث عن هذه الأبواب الخمسة التي ذكرناها في تفسير الإيمان. قول القلب وعمله: أما الأمر الأول وهو أن الإيمان اعتقاد بالجنان أو اعتقاد بالقلب، فتأملوا قولَ الله : ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في قوله -جل وعلا-: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] إذا تأملتَ هذه عرفتَ أن الآية تدل على أن إيمان القلب ركن لا بد منه في الإيمان، ولا بُدَّ من العناية بأعمال القلوب كالخوف، والخشية، والرجاء، والإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر؛ فاعتقاد هذه الأمور أمرٌ لا يتم إيمان المرء إلا به. ثم تأمل -حفظك الله- قولَ الله : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]. تأمل قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لتعلم أنه لا يصح الإيمان إلا بإيمان القلب، وأن إيمان القلب إذا وُجِدَ سَرَى ذلك إلى الجوارح ولا بُدّ. لأنَّ إيمان القلب ليس مجردَ العلم والمعرفة والتصديق بالله -جل وعلا- والتصديق بخبر النبي ﷺ وإنما هو إيمانٌ يقود صاحبه إلى الانقياد، والاستسلام، والخضوع، والإخلاص،

стр. 36

وغير ذلك مما يدخل تحت عمل القلب. ولهذا نحن في هذه الأيام نعرف كثيرًا من اليهود أو النصارى ممن يُصرِّح بصدق النبي ﷺ وبأن الحلَّ في الإسلام، وبأنَّ الخير مع المسلمين، ونجد من الناس من يُصرِّح أنَّ الإسلام دين حق، ومع ذلك هو باقٍ على كفره، مما يدل على أنَّ مجرَّدَ المعرفةِ واعتقادِ أنَّ هذا حقٌّ ليس بكافٍ في تحقيق الإسلام والدين. وقد جاء في الصحيح أنَّ يهوديًا جاء إلى النبي ﷺ فَقَالَ له: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أيَنْفَعُكَ شيءٌ إنْ حَدَّثْتُكَ؟» (يعني: هل تؤمن؟) فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، (يعني: لا ألتزم المتابعة، وإنما أسمع بأذني وأنظر فيما أسمع، وسيأتي أنه سيقر بصدق نبينا ﷺ لكنه لا يلتزم الإيمان به ومتابعته، وهذا دليل على أن مُجرَّدَ التصديق من غير التزام الشريعة، ولا دخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يحكم له بالإسلام) فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فَقَالَ: «سَلْ» (وهذا من سعة أخلاقه وحلمه ﷺ ، فسألَ النبيَّ ﷺ خمسة أسئلة، فأجابه عنها، فلما انتهى قال اليهودي لرسول الله ﷺ : صدقت وإنك لنبي ثم انصرف (١). فأقرَّ بأنه نبيٌّ لكنه لم يؤمن بهذا، ولم يشهد أنه لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله وخاتمُ النبيين بعثه الله إلى الناس كافة. فدلَّ هذا على أنَّ مجرد المعرفة والتصديق في القلب ليست كافية، بل المقصود بإيمان القلب: ذلك الإيمانُ الذي يقود إلى الانقياد، والاستسلام، والخضوع، والإخلاص. يقول شيخ الإسلام ﵀: «إنَّ الإيمان أصلُه الإيمانُ الذي في القلب، ولا بُدَّ فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته ويقال لهذا: قول القلب. قال الجنيد بن محمد: «التوحيد: قول القلب، والتوكل: عمل القلب» (٢)، فلا بُدَّ فيه من قول القلب، وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولا بُدَّ فيه من عمل القلب، مثل حبِّ الله ورسوله، وخشية الله، وحبِّ ما يحبُّه الله ورسوله، وبُغضِ ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاصِ العمل لله وحده، وتوكُّلِ القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله

стр. 37

ورسوله، وجعلها من الإيمان. ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عمَّا يريده القلب؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (١). وقال أبو هريرة ﵁: «القلب مَلِكٌ والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده» (٢)، وقولُ أبي هريرة تقريبٌ، وقولُ النبي ﷺ أحسنُ بياناً؛ فإنَّ الملك وإن كان صالحًا فالجند لهم اختيار، قد يعصُون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب؛ فإنَّ الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ». فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا، لزم ضرورةً صلاحُ الجسد بالقول الظاهر، والعملُ بالإيمان المطلق» (٣). فهذا أمر مهم. ويقول الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀: «أصل الإيمان هو التصديق بالله، وما جاء من عنده، وإياه أراد النبي ﷺ بقوله: «الإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ» (٤) وعنه يكون الخضوع لله؛ لأنه إذا صدَّق بالله خضع له، وإذا خضع أطاع» (٥) وقال الإمام أحمد ﵀: «وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْإِقْرَارُ، فَمَا يَقُولُ فِي الْمَعْرِفَةِ؟ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ؟ وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا بِمَا أَقَرَّ؟» (٦). إلى غير ذلك من كلام العلماء الذي يدل على أن قولَ القلب وعملَه المقصودُ به الإيمان الجازم الذي يقود إلى العمل، إلى عمل الجوارح وإلى تصديق الجوارح.

стр. 38

وتأملوا قول الله في الكافرين إذ قال -جل وعلا-: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وفي قوله تعالى في قوم آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فإنَّ ذلك يدل على أن معرفة القلب لا تنفع حتى يكون مع ذلك إيمان بالله، وتصديق بوعده، وإيمان برسوله ﷺ وعمل بشريعته. ولذلك فإنَّ الكفار والمنافقين غالبًا ما يُقرِّون بالربوبيَّة، ويُقرِّون بالرسالة، ولكنَّ الكِبْرَ، والبُغضَ، وحُبَّ الرياسة، وحُبَّ الشهوات يصُدُّهم عن الطاعة، وعن الإخلاص، وعن المتابعة، وعن الإيمان بالله -جل وعلا- وتوحيدِه. فهذا يوضح لك -أخي في الله- ما يتعلق بالأمر الأول، وهو اعتقاد القلب، وأنه لا بُدَّ منه. قول اللسان: أما الأمر الثاني وهو قول اللسان أو الإقرار باللسان فإن العلماء قد ذكروا أن قول اللسان جزء من مسمَّى الإيمان، وركن من أركانه. والمقصودُ بقول اللسان: الأعمالُ التي تُؤَدَّى باللسان، كالشهادتين، والذكر وتلاوة القرآن، والصدق، والنصيحة، والدعاء، وغير ذلك مما لا يُؤَدَّى إلا باللسان، وهي أعمال صالحة كثيرة، منها: ما هو واجب، ومنها: ما هو مستحب، ومنها: ما هو شرط لصحة الإيمان. تأمل قول الله -جل وعلا- في كتابه الكريم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة]. ففي هذه الآية يأمرنا الله -جل وعلا- أن نقول: ﴿آمَنَّا﴾ ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فأمرنا أن نقول: آمنَّا بهذا كله ونحن له مسلمون. قال شيخ الإسلام ﵀: «أخبر أنهم إن تولوا عن الإيمان ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ المتضمن قولكم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: مشاقون لله

стр. 39

ورسوله» (١). فسمَّى الله -جل وعلا- قولهم مثل ذلك إيمانًا؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فالله أمر المؤمنين بالقول. ثم تأمل قول الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] هذه الآية في قوم نطقوا بالإيمان بألسنتهم، لكنهم أتوا به في غير وقته، فلم ينفعهم انتقالهم من الكفر إلى الإيمان؛ لأنهم قالوا ذلك لما رأوا بأس الله وعذابه. وقد جاء في الصحيحين قول النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢) الحديث. فهذا بيان أنه لا بُدَّ في الإيمان من قول اللسان؛ فالحديث أصل في دخول الأعمال والأقوال في مسمَّى الإيمان. وكما هو معروف من قصة أسامة بن زيد ﵄ حِبِّ رسول الله ﷺ وابن حبِّه- لما بعثه رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال أسامة: فصبَّحْنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: قلتُ: يا رسول الله، إنما كان مُتَعَوِّذًا، قال: فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم (٣). وعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقْتُلْهُ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا

стр. 40

تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (١) أي «لَا تَقْتُلْهُ» فإنه معصومُ الدم، مُحَرَّمٌ قتله بعد قوله: (لا إله إلا الله)، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم، كما كان هو قبل قوله: (لا إله إلا الله)، لولا عُذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. (٢) الشهادتان أصل قول اللسان: ومما يجب معرفته ها هنا أنَّ الشهادتين أصلُ قولِ اللسانِ، ولا بُدَّ منهما لصحة الإيمان كما جاء في الحديث السابق. وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يؤمن بالشهادتين فهو كافر، فلا بُدَّ من النطق بالشهادتين مع القدرة، وإلا فإنه لا يكون من المسلمين. وهذا يدل على أنَّ قول اللسان من الإيمان. قال الإمام ابن أبي العز ﵀ في شرح حديث شعب الإيمان: «هذه الشعب، منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطريق» (٣). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: «من ترك الشهادتين خرج من الإسلام» (٤). فلا بُدَّ من النطق بالشهادتين، وهذا مما يدخل في قول العلماء -رحمهم الله تعالى-: الإيمانُ اعتقاد بالقلب، وقول باللسان … إلخ والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ومنها: قوله ﵊: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ-أَوْ يَقِينًا مْنِ قَلْبِهِ-دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارَ» (٥). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ،
следующие страницы →