٦٩- لأنه يفضي إلى غش لا يعلم به المشتري؛ فإن البائع وإن أخبر المشتري بأنه مغشوش؛ ولكنه لا يتميز قدر الغش ولهذا نهى العلماء عن مثل ذلك١.
٧٠- فبينما عمر ذات ليلة يعس٢ إذ سمع امرأة تقول لأخرى: قومي فشوبي اللبن.
فقالت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك؟!
فقالت: وما يدري أمير المؤمنين؟
فقالت: لا والله لا نطيعه في العلانية ونعصيه في السر.
فعلم عمر على [الباب] ٣ فلما أصبح سأل عن أهل ذلك البيت فإذا به "أهل بيت عاصم" هذا أمير المؤمنين المستشهد والمرأة المطيعة إبنته فخطبها وتزوجها٤.
٧١- وقد روي: أنه زوجها ابنه عاصم هذا. وإن كان عمر قبل ذلك تزوج ابنة عاصم هذا فولدت له عاصم ابنه، وصدق عمر بن عبد العزيز من ذرية عاصم.
стр. 37
دليل آخر من السنة
٧٢- وأيضا: ففي السنن عن النبي ﷺ قال: "عجب ربنا من رجلين:
رجل ثار عن وطائه من بين حيه أهله إلى صلاته.
فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه ومن أهله وحيه إلى صلاته، رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي.
ورجل غزا في سبيل الله ، فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه في الإنهزام وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه.
فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي حتى أهريق دمه" ١.
٧٣- فهذا رجل انهزم هو وأصحابه ثم رجع وحده فقاتل حتى قتل.
стр. 38
وجه الدلالة من الحديث
٧٤- وقد أخبر النبي ﷺ : أن الله يعجب منه؛ [و] ١ عجب الله من الشيء يدل على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته.
٧٥- وهذا يدل على: أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي لا يكتفى فيه بمجرد الإباحة والجواز؛ حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حيث يغلب على ظنه أنه يقتل فترك ذلك أفضل.
٧٦- بل الحديث يدل على: أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه ومعلوم أن مثل هذا الفعل يقتل الرجل فيه كثيرا أو غالبا، وإن كان ذلك لتوبته من الفرار المحرم؛ فإنه مع هذه التوبة جاهد هذه المجاهدة الحسنة.
٧٧- قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل:١١٠) .
٧٨- وقد قال النبي ﷺ : "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" ٢.
стр. 39
٧٩- فمن فتنه الشيطان عن طاعة الله ثم هجر ما نهى الله عنه وجاهد وصبر كان داخلا في هذه الآية.
٨٠- وقد يكون هذا في شريعتنا عوضا عما أمر به بنو اسرائيل في شريعتهم لما فتنوا بعبادة العجل بقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية٥٤) .
٨١- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (النساء: ٦٤-٦٦) .
٨٢- وذلك يدل على: أن التائب قد يؤمر بجهاد تعرض به نفسه للشهادة.
شبهات وجوابها وتوضيح لمعاني بعض الآيات
٨٣- فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ (لأنفال: ٦٥، ٦٦)
стр. 40
٨٤- وقد قالوا: إن ما أمر به من مصابرة الضعف١ في هذه الآية ناسخ لما أمر به قبل ذلك من مصابرة عشرة الأمثال٢.
٨٥- قيل: هذا أكثر ما فيه أنه لا تجب المصابرة لما زاد على الضعف ليس في الآية أن ذلك لا يستحب ولا يجوز.
стр. 41
٨٦- وأيضا: فلفظ الآية إنما هو خبر عن النصر مع الصبر وذلك يتضمن وجوب المصابرة للضعف ولا يتضمن سقوط ذلك عما زاد عن الضعف مطلقا بل يقتضي أن الحكم فيما زاد على الضعفين بخلافه فيكون أكمل فيه، فإذا كان المؤمنون ظالمين لم تجب عليهم أن يصابروا أكثر من ضعفيهم، وأما إذا كانوا هم المظلومين وقتالهم قتال وقع عن أنفسهم فقد تجب المصابرة كما وجبت عليهم المصابرة يوم أحد ويوم الخندق مع أن العدو كانوا أضعافهم.
٨٧- وذم الله المنهزمين يوم أحد والمعرضين عن الجهاد يوم الخندق في سورة آل عمران والأحزاب؛ بما هو ظاهر معروف.
стр. 42
٨٨- وإذا كانت الآية لا تبقي وجوب المصابرة ما زاد على الضعفين في كل حال، فإنه لا يبقى الاستحباب الجواز مطلقا أولى وأحرى.
آية أخرى وتوضيح معناها الصحيح
٨٩- فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية١٩٥) . وإذا قاتل الرجل في موضع فغلب على ظنه أنه يقتل فقد ألقى بيده إلى التهلكة.
٩٠-[قيل] ١: تأويل الآية على هذا غلط!
إنكار الصحابة على من يتأول معنى الآية خطأ
٩١- ولهذا ما زال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتأول الآية على ذلك كما ذكرنا٢: أن رجلا حمل وحده على العدو فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة.
إنكار عمر
فقال عمر بن الخطاب: كلا ولكنه ممن قال الله فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٠٧) .
إنكار أبي أيوب الأنصاري
٩٢- وأيضا: فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي من حديث يزيد بن أبي حبيب - عالم أهل مصر من التابعين – عن أسلم أبي عمران قال: " غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلصِقُو
стр. 43
ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدوِّ؛ فقال الناس: لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى النهلكة؟!
فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه ﷺ وأظهر الإِسلام، قلنا: هلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية١٩٥) .
فالإِلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ".
قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"١
من فضائل أبي أيوب الأنصاري
٩٣- وأبو أيوب من أجل السابقين الأولين من الأنصار قدرا وهو الذي نزل النبي ﷺ في بيته لما قدم مهاجر من مكة إلى المدينة، ورهط بنو٢ النجار هم خير دور الأنصار كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وقبره بالقسطنطينية.
стр. 44
٩٤- قال مالك: "بلغني أن أهل القسطنطينية إذا أجذبوا كشفوا عن قبره فيسقون"١.
إنكار أبي أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيا بيده إلى التهلكة
٩٥- وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيا بيده إلى التهلكة دون المجاهدين في سبيل الله ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه، فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله.
توضيح معنى الآية بما قبلها من الآيات
٩٦- والآية إنما هي أمر بالجهاد في سبيل الله، ونهي عما يصد عنه، والأمر في هذه الآية ظاهر كما قال عمر وأبو أيوب وغيرهما من سلف الأمة؛ وذلك أن الله قال قبل هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: ١٩٠-١٩١) .
стр. 45
٩٧- وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:١٩٣-١٩٥) .
٩٨- فهذه الآيات كلها في الأمر بالجهاد في سبيل الله وإنفاق المال في سبيل الله، فلا تناسب ما يضاد ذلك عن النهي عما يكمل به الجهاد وإن كان فيه تعريض للنفس للشهادة، إذ الموت لا بد منه، وأفضل الموت موت الشهداء.
٩٩- فإن الأمر بالشيء لا يناسب النهي عن إكماله، ولكن المناسب لذلك النهي عما يضل عنه؛ والمناسب لذلك: ما ذكر في الآية من النهي عن العدوان، فإن الجهاد فيه البلاء للأعداء؛ والنفوس قد لا تقف عند حدود الله بل تتبع أهواءها في ذلك، فقال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: من الآية١٩٠) .
١٠٠- فنهى عن العدوان، لأن ذلك أمر بالتقوى، والله مع المتقين كما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: من الآية١٩٤) .
стр. 46
١٠١- وإذا كان الله معهم١ نصرهم وأيدهم على عدوهم فالأمر بذلك أيسر، كما يحصل مقصود الجهاد به.
١٠٢- وأيضا فإنه في أول الآية قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي آخرها قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ١٩٥) .
إمساك المال والبخل هو التهلكة
١٠٣- فدل على ذلك ما رواه أبو أيوب من أن إمساك المال والبخل عن إنفاقه في سبيل الله واشتغال به هو التهلكة.
١٠٤- وأيضا: فإن أبا أيوب أخبر بنزول الآية في ذلك؛ لم يتكلم فيها برأيه، وهذا من ثاني روايته عن النبي ﷺ وهو حجة يجب إتباعها.
من أسباب التهلكة والهلاك
١٠٥- وأيضا: فإن التهلكة والهلاك لا يكون إلا بترك ما أمر الله به أو فعل ما نهى الله عنه.
стр. 47
من أسباب الذل في الدنيا وقهر العدو
١٠٦- فإذا ترك العباد الذي أمروا به، واشتغلوا عنه بما يصدهم عنه؛ من عمارة الدنيا هلكوا في دنياهم بالذل١ وقهر العدو لهم، واستيلائه على نفوسهم وذراريهم وأموالهم، ورده لهم عن دينهم، وعجزهم حينئذ عن العمل بالدين، بل وعن عمارة الدنيا وفتور هممهم عن الدين، بل وفساد عقائدهم فيه.
١٠٧- قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: من الآية٢١٧) .
١٠٨- إلى غير ذلك من المفاسد الموجودة في كل أمة لا تقاتل عدوها سواء كانت مسلمة أو كافرة.
١٠٩- فإن كل أمة لا تقاتل فإنها تهلك هلاكا عظيما باستيلاء
стр. 48
العدو عليها وتسلطه على النفوس والأموال.
ترك الجهاد يوجب الهلاك
١١٠- وترك الجهاد يوجب الهلاك في الدنيا كما يشهده الناس وأما في الآخرة فلهم عذاب النار.
المؤمن لا ينظر إلا إحدى الحسنيين
١١١- وأما المؤمن المجاهد؛ فهو كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة:٥٢) .
فأخبر أن المؤمن لا ينظر إلا إحدى الحسنيين: إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة، فالمؤمن المجاهد إن [حيا] ١ حي حياة طيبة، وإن قتل فما عند الله خير للأبرار٢.
стр. 49
١١٢- وأيضا: فإن الله قال في كتابه: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ (البقرة: من الآية١٥٤) .
١١٣- وقال في كتابه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩) .
١١٤- فنهى المؤمنين أن يقولوا للشهيد أنه ميت.
١١٥- قال العلماء: وخص الشهيد بذلك؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت فيفر عن الجهاد خوفا من الموت.
وصف الشهادة تهلكة بهتان عظيم
١١٦- وأخبر الله أنه حي مرزوق؛ وهذا الوصف يوجد أيضا لغير الشهيد من النبيين والصديقين وغيرهم لكن خص الشهيد بالنهي لئلا ينكل١ عن الجهاد لفرار النفوس من الموت، فإذا كان هو سبحانه قد نهى عن تسميته ميتا واعتقاده ميتا؛ لئلا يكون ذلك منفرا عن الجهاد فكيف يسمي الشهادة تهلكة واسم الهلاك أعظم تنفيرا من اسم الموت.
١١٧- فمن قال قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية١٩٥) .
يراد به الشهادة في سبيل الله فقد افترى على الله بهتانا عظيما!!
стр. 50
الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يقتل قسمان
١١٨- وهذا الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يقتل قسمان:
أحدهما: أن يكون هو طالب للعدو. فهذا الذي ذكرناه
والثاني: أن يكون العدو قد طلبه، وقتاله قتال اضطرار. فهذا أولى وأوكد.
١١٩- ويكون قتال هذا: إما دفعا عن نفسه وماله وأهله ودينه.
١٢٠- كما قال النبي ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد" ١.
قال الترمذي: "يكون قتاله دفعا للأمر عن نفسه أو عن حرمته"٢.
١٢١- وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان القتال يحصل المقصود وإما فعلا لما يقدر عليه من الجهاد، كما ذكرناه عن عاصم بن ثابت وأصحابه٣.
стр. 51
حكم الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل
١٢٢- ومن هذا الباب: الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل ولا يتكلم بالكفر؛ فإن هذا بمنزلة الذي يقاتله العدو حتى يقتل ولا يستأسر لهم، والذي يتكلم بالكفر بلسانه من قلبه مؤمن بالإيمان بمنزلة المستأسر للعدو١.
١٢٣- فإن كان هو الآمر الناهي ابتداء كان بمنزلة المجاهد ابتداء.
١٢٤- فإذا كان الأول أعز الإيمان وأذل الكفر كان هو الأفضل.
١٢٥- وقد يكون واجبا إذا أفضى تركه إلى زوال الإيمان من القلوب وغلبة الكفر عليها وهي الفتنة، فإن الفتنة أشد من القتل.
١٢٦- فإذا كان بترك القتل يحصل من الكفر ما لا يحصل بالقتل وبالقتل يحصل من الإيمان ما لا يحصل بتركه: ترجح القتل واجبا تارة ومستحبا أخرى.
١٢٧- وكثيرا ما يكون ذلك تخويفا به فيجب الصبر على ذلك.
١٢٨- قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
стр. 52
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة:٢١٧)
١٢٩- فأخبر أن الكافرين لا يزالون بقاتلون المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم.
١٣٠- وأخبر أنه من ارتد فمات كافرا خالدا في النار.
١٣١- ومن هذا ما ذكره الله عن عباده المؤمنين في كتابه: كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غافر:٢٦- ٢٨) .
١٣٢- وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (لأعراف: ١٢٧، ١٢٨) .
١٣٣- وقال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: من الآية٨٧) .
١٣٤- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ
١٣٧- وقال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (البروج: ٤-٧) .
قصة الغلام والساحر
١٣٨- وقد روى مسلم في صحيحه١ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم. وكان له ساحر.
فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت. فابعث إلي غلاما أعلمه السحر.
تعليم السحر للغلام
فبعث إليه غلاما يعلمه.
تعرف الغلام في طريقه على الراهب
وكان في طريقه، إذا سلك راهب. فقعد إليه وسمع كلامه.
فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه. فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب؟. فقال: إذا خفت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خفت أهلك فقل: حبسني الساحر.
اختبار الغلام أيهما أفضل الساحر أم الراهب
فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس. فقال: اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟
стр. 55
مقتل الدابة وعلو شأن الغلام
فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة. حتى يمضي الناس.
فرماها وقتلها. ومضى الناس.
فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني. قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي.
وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس [من] سائر الأدواء.
دعاء الغلام لجليس الملك برد البصر فشفي فآمن
وأصبح جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة.
فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني.
فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله . فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله، فشفاه الله .
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس.
فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟
قال: ربي.
قال: ولك رب غيري؟
стр. 56
قال: ربي وربك الله.
جليس الملك يعذب فيدل على الغلام
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام. فجئ بالغلام.
فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل.
فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله .
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب١.
فجئ بالراهب؛ فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فدعا بالمنشار. فوضع المنشار في مفرق رأسه. فشقه حتى وقع شقاه.
ثم جئ بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه. فشقه به حتى وقع شقاه.
ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك؛ فأبى. فدفعه إلى نفر من أصحابه
стр. 57
محاولة طرحه من فوق الجبل ونجاته
فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا. فاصعدوا به إلى الجبل. فإذا بلغتم ذروته١، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه.
فذهبوا به فصعدوا به الجبل. فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل٢ فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك.
فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟
قال: كفانيهم الله.
محاولة إغراقه في البحر ونجاته
فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاجعلوه في قرقور٣، ثم توسطوا به البحر فإذا رجع عن دينه وإلا فاقذفوه.
فذهبوا به. فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت.
فانكفأت بهم السفينة٤ فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك.
فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟
قال: كفانيهم الله.
فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به.
стр. 58
فقال: ما هو؟
دلالة الغلام للملك لكيفية قتله
قال: أنك تجمع الناس في صعيد١ واحد. وتصلبني على جذع. ثم خذ سهما من كنانتي. ثم ضع السهم في كبد القوس٢. ثم قل: باسم الله رب الغلام. ثم ارم. فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني٣.
فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع. ثم أخذ سهما من كنانته. ثم وضع السهم في كبد القوس
مقتل الغلام سبب في إيمان الناس وظهور الإيمان
ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في صدغه٤ في موضع السهم فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام.
стр. 59
فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك١. قد آمن الناس.
حفر الأخدود لتحريق المؤمنين
فأمر بالأخدود٢ بأفواه السكك٣ فخدت. وأضرم فيها النيران. وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها٤. أو قيل له: اقتحم.
غلام يتكلم في المهد ليثبت أمه على الحق
ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست٥.
فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق"
١٣٩- ففي هذا الحديث:
أنه قتل جليس الملك والراهب بالمناشير، ولم يرجعا عن الإيمان.
стр. 60
صبر أهل الأخدود
١٤٠- وكذلك: أهل الأخدود صبروا على التحريق بالنار ولم يرجعوا عن الإيمان.
١٤١- وأما الغلام فإنه أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك يوجب ظهور الإيمان في الناس، والذي يصبر يقتل أو يحمل حتى يقتل؛ لأن في ذلك ظهور الإيمان من هذا الباب١.
стр. 61
مدح من يصبر على الإيمان حتى يقتل
١٤٢- وفي صحيح البخاري١ عن قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرث قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ؟ قُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟
فقَالَ: قد كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يؤخذ الرجل فيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِا ثم يؤتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فيجعل نصفين وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ عَظْمه٢ [وما] يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْرَ٣ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَ اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ٤ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ".
стр. 62
١٤٣- وفي رواية١: " أَتَيْتُ رسول الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ: أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ.
فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ".
وجه الدلالة من الحديث
١٤٤- والنبي ﷺ إنما قال لهم ذلك آمرا لهم بالصبر على أذى الكفار، وإن بلغوا بهم إلى حد القتل صبرا، كما قتلوا المؤمنين صبرا؛ ومدحا لمن يصبر على الإيمان حتى يقتل.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل
تمت بعون الله تعالى في ٢٥ محرم ١٣١٩هـ