← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11289

قاعدة في المحبة

ابن تيمية

Полный текст (208 стр.). Показаны 176–208 · переход к 181.

стр. 176

وإما أن يرجح جانب المعصية تارة أو تارات أو غالبا ثم إن أحسن أحواله مع ذلك أن ينوي التوبة قبيل موته ولا ريب إن كان ما قاله هؤلاء حقا فصاحب هذه الحال أكيس وأعقل ممن محض طاعة الله طول عمره إذ أن هذا سلم من عذاب ذلك المطيع في الدنيا ثم إنه بالتوبة أحبط عنه العقاب وأبدل الله سيئاته بالحسنات فصارت جميع سيئاته حسنات فصار ثوابه في الآخرة قد يكون أعظم وأعظم من ثواب ذلك المطيع الذي محض الطاعة ولو كان ثوابه دون ثواب ذلك لم يكن التفاضل بينهم إلا كتفاضل أهل الدرجات في الجنة وهذا مما يختاره أكثر الناس على مكابدة العذاب والشقاء والبلاء بطول العمر إذ هو أمر لا يصبر عليه أحد فإن مصابرة العذاب ستين أو سبعين سنة بلا مصلحة ولا منفعة ولا لذة ليس هو من جبلة الأحياء إذا جوزوا أن لا يكون في شيء من طاعة الله مصلحة ولا منفعة طول عمره وهؤلاء يجعلون العباد مع الله بمنزلة الأجراء مع المستأجرين كأن الله أستأجرهم طول مقامهم في الدنيا ليعملوا ما لا ينتفعون به ولا فيه لربهم منفعة ليعوضهم مع ذلك بعد الموت بأجرتهم وفي هذا من تشبيه الله بالعاجز الجاهل السفيه ما يجب تنزيه الله عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا

стр. 177

المقالة الصحيحة لأهل السنة والجماعة ... والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين وان إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق أعظم من إنزال المطر وإطلاع البذر وإن يحصل بهذه الرحمة ضرر لبعض النفوس ثم إنه سبحانه كما قال قتادة وغيره من السلف لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي ﷺ : "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد يسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة يا عبادي إنما هي أعمالكم ترد عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

стр. 178

رفع الله الحرج عن المؤمنين ... وقال تعالى: في وصف النبي ﷺ الأمي ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وقال تعالى: لما ذكر الوضوء ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا من حرج فيما أمرنا به وهذه نكرة مؤكدة بحرف من فهي تنفي كل حرج وأخبر أنه إنما يريد تطهيرنا وإتمام نعمته علينا وقال تعالى: في الآية الأخرى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ فقد أخبر أنه ما جعل علينا في الدين من حرج نفيا عاما مؤكدا فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرة من حرج فقد كذب الله ورسوله فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادا وضررا لا منفعة فيه ولا مصلحة لنا ولهذا لما لم يكن فيما أمر الله ورسوله حرج علينا لم يكن الحرج من ذلك إلا من النفاق كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾

стр. 179

وقال الله تعالى فيما أمر به من الصيام ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا فكيف يريد ما يكون ضررا وفسادا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه ثم إنه يكون قد أخبر أن الإيمان والطاعة خير من الكفر والمعصية للعبد في الدنيا والآخرة وإن كان لجهله يظن أن ذلك خير له في الدنيا كما يقوله هؤلاء الذين فيهم جهل ونفاق الذين قد يقولون إن المأمور به قد لا يكون فيه للعبد مصلحة ولا منفعة طول عمره بل يكون ذلك في المنهي عنه فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: عن الذين اتبعوا ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأخبر أنهم يعلمون أن هذه الأمور لا تنفع بعد الموت بل لا يكون لصاحبها نصيب في الآخرة وإنما طلبوا بها منفعة الدنيا وقد يسمون ذلك العقل المعيشي أي العقل الذي يعيش به الإنسان في الدنيا عيشة طيبة فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فاخبر أن أولياءه الذين آمنوا وكانوا يتقون ينبههم على

стр. 180

أن في ذلك ما هو خير لهم مما طلبوه في الدنيا لو كانوا يعلمون فيحصل لهم في الآخرة من الخير الذي هو المنفعة ودفع المضرة ما هو أعظم مما يحصلوه بذلك من خير الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم قال ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال عن إبراهيم ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وقد قال تعالى: ما يبين به أن فعل المكروه من المأمور خير من تركه في الدنيا أيضا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾

стр. 181

وهذا في سياق حال ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب والمشركون حالهم أيضا شبيه بحال الذين نبذوا كتاب الله وراءهم ظهريا كأنهم لا يعلمون ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فإن أولئك عدلوا عما في كتاب الله إلى اتباع الجبت والطاغوت والسحر والشيطان وهذه حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت وحال الذين يتحاكمون إلى الطاغوت من المظهرين للإيمان بالله ورسله فيها من حال هؤلاء والطاغوت كل معظم ومتعظم بغير طاعة الله ورسوله من إنسان أو شيطان أو شيء من الأوثان وهذه حال كثير ممن يشبه اليهود من المتفقهه والمتكلمة وغيرهم ممن فيه نوع نفاق من هذه الأمة الذين يؤمنون بما خالف كتاب الله وسنة رسوله من أنواع الجبت والطاغوت والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله تعالى وسنة رسوله وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ

стр. 182

معنى المجيء إلى الرسول ﷺ بعد مماته ... رَحِيماً﴾ فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة وهذا من كمال رحمته بعباده يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار وهو رحيم بهم في كلا الأمرين بأمره لهم بالطاعة أولا برحمته وأمرهم بالاستغفار من رحمته فهو سبحانه رحيم بالمؤمنين الذين أطاعوه أولا والذين استغفروه ثانيا فإذا كان رحيما بمن يطيعه والرحمة توجب إيصال ما ينفعهم إليهم ودفع ما يضرهم عنهم فكيف يكون المأمور به مشتملا على ضررهم دون منفعتهم معني المجيء إلى الرسول بعد مماته وقوله فجاؤوك المجيء إليه في حضوره معلوم كالدعاء إليه وأما في مغيبه ومماته فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهو الرد والمجيء إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وكذلك المجيء إليه لمن ظلم نفسه هو الرجوع إلى ما أمره به فإذا رجع إلى ما أمره به فإن الجائي إلى الشيء في حياته ممن ظلم نفسه يجيء إليه داخلا في طاعته راجعا عن معصيته كذلك في مغيبه ومماته واستغفار الله موجود في كل مكان وزمان وأما استغفار الرسول فإنه أيضا

стр. 183

يتناول الناس في مغيبه وبعد مماته فإنه أمر بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وهو مطيع لله فيما أمره به والتائب داخل في الإيمان إذ المعصية تنقص الإيمان والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها فيكون له من استغفار النبي ﷺ بقدر ذلك فأما مجيء الإنسان إلى الرسول عند قبره وقوله استغفر لي أو سل لي ربك أو ادعو لي أو قوله في مغيبه يا رسول الله ﷺ ادع لي أو استغفر لي أو سل لي ربك كذا وكذا فهذا لا أصل له ولم يأمر الله بذلك ولا فعله واحد من سلف الأمة المعروفين في القرون الثلاثة ولا كان ذلك معروفا بينهم ولو كان هذا مما يستحب لكان السلف يفعلون ذلك ولكان ذلك معروفا فيهم بل مشهورا بينهم ومنقولا عنهم فإن مثل هذا إذا كان طريقا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على فعله وعلى نقله لا سيما فيمن كانوا أحرص الناس على الخير فإذا لم يعرف أنهم كانوا يفعلون ذلك ولا نقله أحد عنهم علم أنه لم يكن مما يستحب ويؤمر به

стр. 184

بل المنقول الثابت عنه ما أمر الله به النبي ﷺ من نهيه عن اتخاذ قبره عيدا ووثنا وعن اتخاذ القبور مساجد وأما ما ذكره بعض الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتي قبر النبي ﷺ وقال يا خير البرية إن الله يقول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وإني قد جئت وأنه رأى النبي ﷺ في المنام وأمره أن يبشر الأعرابي فهذه الحكاية ونحوها مما يذكر في قبر النبي ﷺ وقبر غيره

стр. 185

من الصالحين فيقع مثلهما لمن في إيمانه ضعف وهو جاهل بقدر الرسول وبما امر به فإن لم يعف عن مثل هذا لحاجته وإلا اضطرب إيمانه وعظم نفاقه فيكون في ذلك بمنزلة المؤلفة بالعطاء في حياة النبي ﷺ كما قال: " إني لأتألف رجالا بما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغني والخير" مع أن أخذ ذلك المال مكروه لهم فهذه أيضا مثل هذه الحاجات وأما المشروع الذي وردت به سنته فهو دعاء المسلم ربه متوسلا به لا دعاؤه في مماته ومغيبه وهو أن يفعل كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي ﷺ علم رجلا أن يقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي

стр. 186

على المؤمن أن يحب ما أحب الله ويبغض ما أبغضه الله ويرضى بما قدره الله ... ليقضيها اللهم شفعه في" وذلك أن الله يقول ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فأقسم بنفسه على أنه نفي إيمان من لم يجمع أمرين تحكيمه فيما شجر بينهم ثم أن لا يجد في نفسه حرجا وهذا يوجب أنه ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج لمن امتثل ذلك فإن حكمه لا بد فيه من أمر ونهي وإن كان فيه إباحة أيضا فلو كان المأمور به والمنهي عنه مضرة للعبد ومفسدة وألما بلا لذة راجحة لم يكن العبد ملوما على وجود الحرج فيما هو مضرة له ومفسدة ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب لا يجوز كراهة ذلك وسخطه وأن محبة ذلك واجبة بحيث يبغض ما أبغضه الله

стр. 187

ويسخط ما أسخطه الله من المحظور ويحب ما أحبه ويرضي ما رضيه الله من المأمور وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر فقيل هو واجب وقيل هو مستحب وهو أرجح والقولان في أصحاب الإمام احمد وغيرهم وأما الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب وقد قال تعالى: في الأول ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فجعل من المنافقين من سخط فيما منعه الله إياه ورسوله وحضهم بأن يرضوا بما آتاهم الله ورسوله والذي آتاه الله ورسوله يتناول ما أباحه دون ما حظره ويدخل في المباح العام ما أوجبه وما أحبه وإذا كان الصبر على الضراء ونحو ذلك مما أوجبه الله وأحبه كما أوجب الشكر على النعماء وأحبه كان كل من الصبر والشكر مما يجب محبته وعمله فيكون ما قدر للمؤمن من سراء معها شكر وضراء معها صبرا خيرا له كما قال النبي ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن أن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان

стр. 188

فصل، جميع الحركات ناشئة عن الإرادة والاختيار ... خيرا له" وإذا كان خيرا فالخير هو المنفعة والمصلحة الذي فيه النعيم واللذة كما تقدم فيكون كل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله خيرا له وإنما يكون شرا لمن عمل بمعصية الله ورسوله ومثل ذلك فهو بحسبه ونيته بلاء قد يعمل فيه بطاعة الله وقد يعمل فيه بمعصية الله فلا يوصف بواحد من الأمرين فصل وإذا كان كل حركة في الوجود فلا تخلو من أن تكون إرادية أو طبعية أو قسرية وتبين أن الطبيعة والقسرية فرع وتبع للإرادية فثبت أن جميع الحركات ناشئة عن الإرادة والاختيار وذلك يبطل أن يضاف خلق شيء من المخلوقات إلى الطبع الذي في الأجسام مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام هو طبع أو الخالق للنبات هو طبع لأن الطبع لا يكون مبدءا لحركة

стр. 189

الجسم وانتقال أصله إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه كما يجمع بين الأجسام بالمزج والخلط فتنتقل عن مراكزها ومحالها المخالف لمقتضي طبعها وعند التحقيق يعود الطبع إلى أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها فيكون الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة أو أمرا وجوديا منافيا للحركة فالحركة الواردة عليها مخالفة له والطبع جمود وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات فكيف بالحوادث الجوهرية والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم كما أن الحياة أيضا مستلزمة للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من أئمة السنة

стр. 190

وكما أن الحركة مستلزمة للإرادة والحياة فالحياة أيضا مستلزمة للحركة والإرادة ولهذا كان أعظم آية في القرآن ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فالاسم الحي مستلزم لصفاته وأفعاله وهو من أعظم البراهين العقلية على ثبوت صفات الكمال والمصحح لها والمستلزم ثبوتها ونفي نقيضها كالعلم والكلام والسمع والبصر وغير ذلك كما هو مبين في موضعه فصل قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ

стр. 191

أصل الموالاة الحب وأصل المعادة البغض ... يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق والتباغض يوجب التباعد والاختلاف وقد قيل المولي من الولي وهو القرب وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه والعدو من العدواء وهو البعد ومنه العدوة والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به كما أنه إذا عدي عنه ونأي عنه وبعد منه كان ماضيا عنه فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ويحبهم ويرحمهم ويكون عليهم منه صلاة وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ومن رحمته ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين فالصلاة ضد اللعنة والرحمة والرضوان ضد الغضب والسخط والعذاب ضد النعيم قال تعالى: في حق الصابرين ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

стр. 192

وقال تعالى: في حق المنافقين ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ وقال تعالى: في حق المجاهدين ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ وقال تعالى: في قاتل المؤمن متعمدا ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ والمتلاعنان يقول الرجل في الخامسة ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وذلك يكون قاذفا وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وتقول المرأة في الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنه إذا كان صادقا كانت زانية فاستحقت الغضب الذي هو ضد الرحمة ولهذا قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فنهي عن الرأفة بهما في دين الله والمؤمن يغار والله يغار وغيرة الله أعظم كما قد استفاض عن النبي ﷺ في الصحيح من غير وجه أنه قال " لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"

стр. 193

وفي بعض الأحاديث الصحاح: "لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته " وفي بعضها: "إن الله يغار وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه". والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه فالزنا وإن كان صادرا عن الشهوة والمحبة منهما أو من أحدهما فإن ذلك مقابل بضرورة التنزه عن الفواحش والتورع عن المحرمات فأمر الله أن

стр. 194

لا تأخذنا بهما رأفة في دين الله فنهانا عن أن تكون منا رأفة تدفع العذاب عنهما فضلا عن أن يكون محبة لذلك الفعل ولهذا أخبرنا به بأنه لا يحب ذلك أصلا فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وما لا يأمر به لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب لا يحبه قال لوط ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ والقلي بغضه وهجره والأنبياء أولياء الله يحبون ما يحب الله ويبغضون ما يبغض وربما قيل القلي أشد البغض فالله سبحانه يبغض ذلك وهو سبحانه يبغض كل ما نهي عنه كما أنه يحب كل ما أمر به بل الغيرة مستلزمة لقوة البغض إذ كل من يغار يبغض ما غار منه وليس كل من يبغض شيئا يغار منه فالغيرة أحض وأقوي ولا ريب أن المرأة المزوجة الزانية استحقت الغضب لشيئين لأجل ما في الزنا من التحريم ولأنها اعتدت فيه على الزوج فأفسدت فراشة ولهذا كان للزوج إذا قذف امرأته ولم يأت بأربعة شهداء أن يلاعنها لما له في ذلك من الحق ولأنه مظلوم إذا كان صادقا وعليه في زناها من الضرر ما يحتاج إلي

стр. 195

دفعه بما شرعه الله كالمقذوف الذي له أن يستوفي حد القذف من القاذف الذي ظلمه في عرضه فكذلك الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي الظالمة له المعتدية عليه كما قال النبي ﷺ في حق الرجل على امرأته: "وأن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه" فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء وقذفها إما مباح له وأما واجب عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب ويضطرها بذلك إلى أحد أمرين إما أن تعترف فيقام عليها الحد فيكون قد استوفي حقه وتطهرت هي أيضا من الجزاء لها والنكال في الآخرة بما حصل وإما أن تبوء بغضب الله عليها وعقابه في الآخرة الذي هو أعظم من عقاب الدنيا فإن الزوج مظلوم معها والمظلوم له استيفاء حقه إما في الدنيا وإما في الآخرة قال الله تعالى

стр. 196

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بخلاف غير الزوج فإنه ليس له حق الافتراش فليس له قذفها ولا أن يلاعن إذا قذفها لأنه غير محتاج إلى ذلك مثل الزوج ولا هو مظلموم في فراشها لكن يحصل بالفاحشة من ظلم غير الزوج ما لا يحتاج إلى اللعان فإن في الفاحشة إلحاق عار بالأهل والعار يحصل بمقدمات الفاحشة فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار ولا بينة كان عقوبة ما ظهر منها كافيا في استيفاء الحق مثل الخلوة والنظر ونحو ذلك من الأسباب التي نهي الله عنها وهذا من محاسن الشريعة وكذلك كثيرا ما يقترن بالفواحش من ظلم غير الزانيين فإن إذا حصل بينهما محبة ومودة فاحشة كان ذلك موجبا لتعونهما على أغراضهما فيبقى كل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبيح وتعاونهما بذلك على الظلم كما جرت العادة في البغي من النساء والصبيان أن خدنه أو المسافح به يحصل له منه من الإكرام والعطاء والنصر والمعاونة ما يوجب استطالة ذلك الفاجر بترك حقوق الخلق والعدوان عليهم

стр. 197

وأيضا فإن محبته له قد تحمل الطالب الراغب على أخذ أموال الناس بغير حق ليعطيه ذلك وتحمله أيضا على ترك حقوق الناس وقطيعة رحمه لأجل ذلك الشخص فإنه لا يمكن الجمع بين الأمرين ويحمله أيضا على الانتصار له بالعدوان ففي الجملة المحبة توجب موافقة المحب للمحبوب فإذا كانت المحبة فاسدة لا يحبها الله ولا يرضاها إذا لم يتعد ضررها للاثنين تكون العقوبة لهما حقا لله لكن هي في الغالب بل في اللازم يتعدى ضررها إلى الناس فإن كل واحد من الشخصين عليه حقوق للناس وهو ينهى عن العدوان عليهم فإذا تحابا وتعاونا لم يتمكن كل منهما من القيام بحقوق الناس واحتاج إلى أن يعتدي عليهم ولا ينبغي للإنسان أن يعتبر بظاهر ما يقال إن الإنسان إذا فعل فاحشة فإن الإثم عليه خاصة وليس ذلك بظلم للغير فإن ذلك إنما هو في الفاحشة المحضة مثل الزنا المحض الذي لم يتعلق به حق الغير فإما زنا الزوجة ففيه ظلم بالاتفاق كما بيناه وكذلك المحبة والعشق الفاسد فإن هذا أعظم ضررا من الزنا مرة واحدة

стр. 198

فإن الرجل إذا زنا مرة أو مرتين حصل غرضه وكذلك المرأة ثم إنه قد يكون بعوض من أحدهما للآخر وقد لا يكون فربما كان فيه ظلم للغير وأما المحبة والعشق فإن ذلك مستلزم للعدوان على غيرهما في العادة فإن المحبة توجب أن يعطي المحبوب من المنافع والأموال ما يوجب حرمان الغير والعدوان عليه ويوجب من الانتصار للمحبوب والدفع عنه ما فيه أيضا ترك حق الغير والعدوان عليه ألا تري أن الرجل إذا أحب غير امرأته أو المرأة إذا أحبت غير زوجها قصر كل منهما في حقوق الآخر واعتدي عليه بل إذا أحب الرجل امرأة أو صبيا قصر في حقوق أهله وأصدقائه ممن له عليه حق بل وظلمهم أيضا كما يظلم غيرهم لأجله وهذا سوى ما في ذلك من حق الله الذي يوجب غليظ عقابه وإن كان الرجل العاقل قد يقوم من الحقوق بما يمكن ويدع الظلم بحسب الإمكان إلا أن هذا مظنة وسبب لذلك وهذا مما يوجب تحير الرجل وتردده وتلومه إلى الحق تارة وإلى الباطل أخرى وهذا مرض عظيم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ وأما ما في ذلك من ظلم كل منهما لنفسه ولخدنه فذاك ظاهر لكنهما ظلما أنفسهما فهما الظالمان المظلومان وأما الغير فظلماه بغير رضاه ولا اختياره وكذلك ما تفضي إليه هذه المحبة الباطلة من ظلم كل منهما للآخر إما بقتله وإما بتعذيبه بغير الحق وإما منعه من الاتصال بالناس وفعل ما يختار

стр. 199

من مصلحة وغيرها ففيها هذه المفاسد كلها وأكبر منها لكن ذلك ظلم منهما لأنفسهما مبدؤه المحبه الفاسدة ولهذا أمر سبحانه أن لا تأخذنا بهما رأفه في دين الله فإن الرأفة والرحمة توجب أن توصل للمرحوم ما ينفعه وتدفع عنه ما يضره وإذا رأف بهما أحد لأجل ما في قلوبهما من الشهوة والمحبة وغير ذلك وترك عذابهما كان ذلك جالبا لما يضرهما ودافعا لما ينفعهما فإن ذلك مرض في قلوبهما والمريض الذي يشتهي ما يضره ليس دواؤه إعطاءه المشتهي الضار بل دواؤه الحمية وإن آلمته وإعطاؤه ما ينفعه وتعويضه عن ذلك الضار بما أمر مما لا يضر فهكذا أهل الشهوات الفاسدة وإن أضرمت قلوبهم نار الشهوة ليس رحمتهم والرأفة بهم تمكينهم من ذلك أو ترك عذابهم فإن ذلك يزيد

стр. 200

بلاءهم وعذابهم والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم متى مكن المحموم مما يضره ازداد مرضه أو انتقل إلى مرض شر منه فهذه حال أهل الشهوات بل تدفع تلك الشهوة الحلوة بضدها والمنع من موجباتها ومقابلتها بالضد من العذاب المؤلم ونحوه الذي يخرج المحبة من القلب كما قيل: فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب فإذا كان يحصل بالمحبة ونيل الشهوة أمر مما يزيد ألمه على لذتها انكفت النفس وكذلك إذا حصل بدله أمر لذيذ أطيب منه اغتاظت النفس فاللذيذ يترك لما يرجح عليه من لذيذ وأليم كما أن الأليم محتمل لما يرجح عليه من لذيذ وأليم وإذا تكافئا تقابلا فلم يغلب أحدهما الآخر بل تبقي الأمور على ما هو عليه إذا استوت الدواعي والصوارف واحتمال الأليم وفوت اللذيذ وإن كان فيه مرارة فذلك يدفع به ما هو أمر منه ويجلب به ما هو أرجح منه من الحلو ولكن هذا من محبة بني آدم وفتنتهم التي لا بد منها وهي محالفة الأهواء فلا تقوم مصلحة أحد من بني آدم بدون ذلك أبدا لا مصلحة دنياه ولا مصلحة دينه كما قال إبراهيم الحربي أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم ولا بد من الصبر في جميع الأمور قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ

стр. 201

الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فلا بد من التواصي بالحق والصبر إذ أن أهل الفساد والباطل لا يقوم باطلهم إلا بصبر عليه أيضا لكن المؤمنون يتواصون بالحق والصبر وأولئك يتواصون بالصبر على باطلهم كما قال قائلهم ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ فالتواصي بالحق بدون الصبر كما يفعله الذين يقولون آمنا بالله فإذا أوذي أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله والذين يعبدون الله على حرف فإن أصاب أحدهم خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة والتواصي بالصبر بدون الحق كقول الذين قالوا أن امشوا واصبروا على آلهتكم كلاهما موجب للخسران وإنما نجا من الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهذا موجود في كل من خرج عن هؤلاء من أهل الشهوات الفاسدة وأهل الشبهات الفاسدة أهل الفجور وأهل البدع وما ذكرناه من أن المحبة الفاسدة توجب ظلم المتحابين لأنفسهما

стр. 202

فصل، تقسيم العلم إلى فعلي وانفعالي ... ولغيرهما موجود في كل محبة يبغضها الله كمحبة الأنداد والشركاء من دونه قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ وكمحبة أهل الشهوات لجنس الفواحش ومحبة أهل الظلم والقائلين على الله ما لا يعلمون فإن المحبة توجب تعاون المتحابين واتفاقهما فلا بد أن يبغضا ويعاديا من يبغض ذلك منهما ويخالفهم فيه ومعلوم أن كل مؤمن فإنه يبغض ما يبغضه الله ويحب ما يحبه الله فلا بد أن يكون التحاب الذي يبغضه الله موجبا لنوع بغض المؤمنين بحسبه فصل قد كتبت في غير هذا الموضع أن الناس وإن تنازعوا في العلم هل هو صفة انفعالية تابعة للمعلوم كما قد يطلقه كثير من أهل الكلام أو هو صفة فعلية مؤثرة في المعلوم كما يقوله طوائف من المتفلسفة فإن الصواب أنه ينقسم إلى النوعين جميعا فمنه ما هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه بحال وهو العلم النظري القولي الخبري المحض كعلمنا بما لا تأثير لنا في وجوده كالعلم بالخالق وملائكته وكتبه وأنبيائه وسائر مخلوقاته ومنه ما هو فعلي له تأثير في المعلوم كعلمنا بأفعالنا الاختيارية وما يترتب عليها من حصول منفعة ودفع مضرة

стр. 203

علم الرب بأفعال عباده الصالحة والسيئة يستلزم حبه للحسنات وبغضه للسيئات ... وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى فإنه يعلم نفسه ويعلم مخلوقاته أيضا والأول علم بموجود والثاني علم بمقصود لكن العلم بالموجود المستغني عن أفعالنا يتبع العلم به حبه تارة وبغضه أخري فيكون العلم به سببا لأفعال لنا متعلقة به فيكون هذا العلم الانفعالي فعليا مؤثرا من هذا الوجه وعلمنا بالحسنات والسيئات التي في أفعال غيرنا من هذا الوجه وعلم الرب سبحانه بأفعال عباده الصالحة والسيئة مستلزم أيضا حبه للحسنات وبغضه للسيئات والعلم بالمقصود من أفعالنا وإن كان مؤثرا في المعلوم وهو سبب في حصوله فلا يكون إلا بعد علم بأمور موجودة أوجب قصدا أو اختيارا لتلك الأفعال فإن الفعل الاختياري يتبع الإرادة والإرادة تتبع المراد فلا بد أن يتصور الفاعل المراد قبل قصد الفعل الذي هو سبب إليه كما يقال آخر الفكرة أول العمل وتسمي العلة الغائية فلا بد من تصور ذلك المراد وأن يكون ما يترتب على الفعل من لذة تجلب منفعة وتدفع مضرة فاللذة مشروطة بالإحساس باللذيذ والإنسان لا يفعل ابتداء لطلب لذيذ إلا أن يكون قد أحسه قبل ذلك فأحبه واشتهاه واشتاق إليه وذلك علم بأمر موجود تابع للمعلوم تبعه علم بأمر مقصود تابع للعلم وإن كانت اللذة

стр. 204

الإرادة والمحبة ينقسمان أيضا إلى فعليتين وانفعاليتين ... قد تحصل ابتداء لا عن شوق كمن يذوق الشيء الطيب الذي لم يكن يعرفه فيحبه بعد ذلك لكن هذا لم يتقدم منه طلب وفعل في حصول هذا المحبوب بخلاف من ذاقه ابتداء فأحبه ثم سعي في تحصيل نظائر ما حصل له ابتداء فقد تبين أن كلا العلمين الفعلي والانفعالي مستلزم للآخر وكذلك علم الرب بنفسه مستلزم لعلمه بصفاته وأفعاله ومفعولاته وهو سبحانه يحمد نفسه ويثني عليها فلا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثني على نفسه وعلمه بأفعاله ومفعولا ته مستلزم لعلمه بنفسه وعلمه بالمخلوقات وأفعالها يتبعه حبه وبغضه وأمره ونهيه وعلمه بما يفعله بعباده من ثواب وعقاب وغير ذلك تابع لعلمه بما هي عليه وقد تكلمنا على نحو هذا في غير هذا الموضع وإنما المقصود في هذا المكان أن هذا التقسيم الوارد في العلم يرد نحوه في الإرادة والمحبة ونحو ذلك فإن الإرادة والمحبة تنقسم أيضا إلى فعلية مؤثرة في المراد المحبوب وهي إرادة الفعل وحبه وإن كان المراد المحبوب تابعا مفعولا معدوما وقد ظن بعض الناس أن الإرادة والمحبة ليست إلا هذا النوع حتى قال لا تتعلق الإرادة والمحبة إلا بالمعدوم دون الموجود وبالمحدث دون القديم وهذا قول طوائف من أهل الكلام وأكثر هؤلاء هم أكثر القائلين بأن العلم لا يكون إلا انفعاليا

стр. 205

فيجعلون العلم لا يتعلق في الحقيقة إلا بمعلوم متبوع كالموجود ويجعلون الإرادة لاتتعلق إلا بمراد تابع كالمفعول المعدوم وتنقسم إلى انفعاليه تابعه للمراد المحبوب ليست مؤثرة في وجوده أصلا بل يكون المحبوب المراد موجودا بدون الإرادة وإنما يحب المحب ذلك الموجود ويريده ويقال في كثير من أنواع ذلك يهواه ويعشقه ونحو ذلك من العبارات وهذا القسم في الحقيقة هو الأصل في القسم الأول كما قد تكلمنا عليه في بعض القواعد المتقدمة من سنين وذكرنا أن العلم والإرادة إنما يتعلق أولا بالموجود وأن تعلقه بالمعدوم تابع لتعلقه بالموجود وذكرنا أن الإنسان لا يحب الشيء ويريده حتى يكون له به شعور أو إحساس أو معرفة ونحو ذلك ويكون مع ذلك بنفسه إليه ميل وفيها له حب وكل واحد من هاتين الفرقتين في فطرته وجبلته المعرفة والمحبة ولهذا كان كل مولود يولد على الفطرة فطرة الإسلام وهي عبادة الله وحده وأصل ذلك معرفته ومحبته والنفس لا تحس العدم المحض وإنما تعرف العدم بنوع من القياس المقدر على الوجود كما يقدر في نفسه جبل ياقوت وبحر زئبق فنزل ذلك مما علمه من الجبل ومن الياقوت ثم ينفي

стр. 206

الحب يتبع الإحساس والإحساس يكون بموجود لابمعدوم ... ذلك المقدر في ذهنه أن يكون موجودا في الخارج وهو لم يحكم على نفيه حتى صار موجودا في نفسه وجودا تقديريا فإذا كان الحب يتبع الإحساس والإحساس لا يكون إلا بموجود ما فإن ما يحب لا يكون إلا بموجود وأيضا فإن الإحساس لا يكون أولا إلا لموجود فكذلك الحب في نفسه لا يكون إلا لموجود أو محبوب وإن كان يحب وجود المعدوم فهو لاشيء وما ليس بشيء لا يكون محبوبا وإن كان يحب وجود المعدوم ويريده فلا بد أن يكون قبل ذلك قد ذاقه والتذ به موجودا حتى أحبه بعد ذلك أو ذاق والتذ بنظيره أو بما يشبهه كما ذلك في العلم وهذا مذكور في غير هذا الموضع ولا يرد على هذا ما يوجد من بكاء الصبي حين يولد قبل أن يذوق طعم اللبن فإذا ذاق اللبن التذ به وسكن فإن الصبي قبل ذوقه اللبن لم يكن يحبه ويشتهيه ولكن يجد ألم الجوع فيبكي من ذلك الألم فلما ذاق اللبن ووجد لذته وأنه أذهب ألم الجوع أحبه من حينئذ صار يشتهيه ويحبه وهكذا كل

стр. 207

الأمور الغائبة لاتعرف ولاتحب ولا تبغض إلا بنوع من القياس والتمثيل ... من جاع فإنه لا يشتهي شيئا معينا إلا أن يكون ذاقه قبل ذلك ولكن يجد طلبا لما يزيل به ألم الجوع ولهذا إذا حضر عنده ماقد ذاقه قبل ذلك ومالم يذقه قبل ذلك اشتاق إلى الأول وأحبه وكان شوقه إلى الثاني ومحبته إياه مشروطا بذوقه إياه وسماع وصفه ممن يخبره فإن سماع الوصف يورث المحبة والشوق كما يورث العلم كما قيل: والأذن تعشق قبل العين أحيانا لكون النفس ذاقت طعم الحب لما هو من نظير لذلك أو شبيه به ولو من وجه بعيد فكما أن الشيء لا يتصور إلا بعد الحس به أو بما فيه شبه به من بعض الوجوه فكذلك لا يحب كذلك ولهذا ضربت الأمثال للتعريف والترغيب والترهيب فإن الأمور الغائبة عن المشاهدة والإحساس لا تعرف وتحب وتبغض إلا بنوع من التمثيل والقياس سواء كان الغائب أكمل في الصفات المطلوبة المشتركة كالموعود به من أمر الجنة والنار وكما يصف به الرب نفسه أو ما كان دون ذلك كما مثل من الأمور بما هو أكمل منه ومن هنا ضل من ضل من الصابئة المتفلسفة ومن أضلوه من أهل الملل حيث ظنوا أن ما وصف الله به من الجنة والنار إنما هي أمثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحاني من غير أن تكون حقائق وضل من رد عليهم من نفاة أهل الكلام كما

стр. 208

أصاب الفريقين مثل ذلك في أمر النفس الناطقة حيث تقابلوا بالنفي والإثبات وحيث اتفق الفريقان على مثل هذا الضلال في صفات ذي الجلال فخاضوا في باب الإيمان بالله واليوم الآخر خوضا ليس هذا موضع بسط الكلام فيه وإن كان كل ذي مقالة فلا بد أن تكون في مقالته شبهة من الحق ولولا ذلك لما راجت واشتبهت وإن كانت الإرادة والمحبة تنقسم إلى متبوعة للمراد تكون له كالسبب الفاعل وإلي تابعة للمراد يكون هو لها كالسبب الفاعل وتكون عنه كالمسبب المفعول وهذا هو الأصل وإذا علم أن جميع حركات العالم صادرة عن محبة وإرادة ولا بد للمحبة والإرادة من سبب فاعل يكون هو المحبوب المراد علم بذلك أنه لا بد لجميع الحركات من إله يكون المعبود المقصود المراد المحبوب لها وأنها دالة على الإله الحق من هذا الوجه وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وهذا غير هذا الوجه الذي دلت منه على ربوبيته وقد بسطنا الكلام على ذلك في مواضع متعددة إذ هو أجل العلم الإلاهي وأشرفه وإنما كان المقصود هنا التنبيه علب أن الإرادة نوعان كالعلم والله أعلم