← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11289

قاعدة في المحبة

ابن تيمية

Полный текст (208 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذم الله التفرق والاختلاف في الكتاب والسنة ... وهذه الأصول الثلاثة وهي الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح هي الموجبة للسعادة في كل ملة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والشرع ما جاءت به الرسل وهو الأصل الرابع فإن هذه الأصول الأربعة متلازمة والتفرق في ذلك بالأمر في بعضه والنهي عن بعض هو من التفرق والاختلاف الذي ذمه الكتاب والسنة من المختلفين وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولهذا غضب النبي ﷺ لما اختلفوا في القراءة وقال "كلاهما محسن"

стр. 37

وقال " إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر" وكذلك غضب لما تنازعوا في القدر وأخذوا يعارضون بين الآيات معارضة تفضي إلى الإيمان ببعض دون بعض وهذا التفرق والاختلاف يوجب الشرك وينافي حقيقة التوحيد الذي هو إخلاص الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فإقامة وجهة الدين حنيفا وعبادة الله وحده لا شريك له وذلك يجمع الإيمان بكل ما أمر الله به وأخبر به أن يكون الدين كله لله

стр. 38

ثم قال الله تعالى ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ وذلك أنه إذا كان الدين كله لله حصل الإيمان والطاعة لكل ما أنزله وأرسل به رسله وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قول ما يمتازون به مثل معظم مطاع أو معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركا من هذا الوجه وأيضا ففي قلوب بني آدم محبة وإرادة لما يتألهونه ويعبدونه وذلك هو قوام قلوبهم وصلاح نفوسهم كما أن فيهم محبة وإرادة لما يطعمونه وينكحونه وبذلك تصلح حياتهم ويدوم شملهم وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء فإن الغذاء إذا فقد يفسد الجسم وبفقد التأله تفسد النفس ولن يصلحهم إلا تأله الله وعبادته وحده لا شريك له وهي الفطرة التي فطروا عليها كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: "إنني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". لكن أكثر الشرك في بني آدم بإيجاد إله آخر مع الله ودان بذلك كثير منهم في أنواع كثيرة

стр. 39

يقول بعض المتفلسفة إن المقصود بالدين مجرد المصلحة الدنيوية ... فصار كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين لهذين الأمرين لحاجة نفوسهم إلى الإله الذي هو محبوب مطلوب لذاته ولأنه ينفع ويضر ولحاجتهم إلى التزام ما يحبونه من الحاجات ويدفعونه من المضرات وهم مشركون في المحبة للأمور المنزلة أعيانها وأنواعها فهم مشركون في محبة الإله الذي يعبدونه وتعظيمه ومحبة من يبلغ عنه ما يختص به ومحبة أوامره ونواهيه مشركين في محبة غير ذلك ومشركون أيضا في محبة جنس ما التزموه من الواجبات والمحرمات العامة التي هي جلب المنفعة لهم جميعا ودفع المضرة عنهم جميعا فهذه المحبة هي المحبة الدينية كحب الدين الذي هم عليه حقا كان أو باطلا وكذلك محبة ما يعين على ذلك ويوصل إليه لأجل ذلك فهي أيضا محبة دينية وليس المقصود بالدين الحق مجرد المصلحة الدنيوية من إقامة العدل بين الناس في الأمور الدنيوية كما يقوله طوائف من المتفلسفة في مقصود النواميس والنبوات أن المراد بها مجرد وضع ما يحتاج إليه معاشهم في الدنيا من القانون العدلي الذي ينتظم به معاشهم لكن هذا قد يكون المقصود في أديان من لم يؤمن بالله ورسوله من اتباع الملوك المتفلسفة ونحوهم مثل قوم نوح ونمرود وجنكيزخان وغيرهم

стр. 40

فإن كل طائفة من بني آدم محتاجون إلى التزام واجبات وترك محرمات يقوم بها معاشهم وحياتهم الدنيوية وربما جعلوا مع ذلك ما به يستولون به على غيرهم من الأصناف ويقهرونه كفعل الملوك الظالمين مثل جنكيزخان فإذا لم يكن مقصود الدين والناموس الموضوع إلا جلب المنفعة في الحياة الدنيا ودفع المضرة فيها فليس لهؤلاء في الآخرة من خلاق ثم إن كان مع ذلك جعلوه ليستولوا به على غيرهم من بني آدم ويقهرونهم كفعل فرعون وجنكيزخان ونحوهما فهؤلاء من أعظم الناس عذابا في الآخرة كما قال تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وقد قص الله سبحانه قصة فرعون في غير موضع من القرآن وكان هو وقومه على دين لهم من دين الملوك كما قال تعالى: في قصة يوسف ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وهذا الملك كان فرعون يوسف وكان قبل فرعون موسى وفرعون اسم لمن يملك مصر من القبط وهو اسم جنس كقيصر وكسري والنجاشي ونحو ذلك وهؤلاء المتفلسفة الصابئة المبتدعة من المشائين ومن سلك مسلكهم من المنتسبين إلى الملل في المسلمين واليهود والنصارى يجعلون الشرائع والنواميس

стр. 41

والديانات من هذا الجنس لوضع قانون تتم به مصلحة الحياة الدنيا ولهذا لا يأمرون فيها بالتوحيد وهو عبادة الله وحده ولا بالعمل للدار الآخرة ولا ينهون فيها عن الشرك بل يأمرون فيها بالعدل والصدق والوفاء بالعهد ونحو ذلك من الأمور التي لا تتم مصلحة الحياة الدنيا إلا بها ويشرعون التأله للمخلصين والمشركين وقد تكلمت على أقسام الديانات في غير هذا الموضع وبينت الطبعي والملي والشرعي وإنما جاء ذكر هذا هنا مطردا ولهذا يقيمون النواميس بأنواع من الحيل والسحر والطلسمات كما وضعوه في كتب ذلك ويقولون في بعض الطيالسم هذا يصلح لوضع النواميس كما تواصت القرامطة والباطنية وكما كان يفعله سحرة فرعون وغيرهم وآثارهم موجودة بذلك إلى اليوم وكما يفعله المشركون من الترك والهند في بلادهم

стр. 42

والمتفلسفة الصابئة تجعل ذلك جنسا لما بعثت به الرسل من الآيات ويجعلون موسى والسحرة والذين عارضوه من جنس واحد وهؤلاء كما قال تعالى: فيهم ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ هم مقرون بأن منفعة ذلك لا تكون في الآخرة وإنما يرجون منفعته في الدنيا وإن كان فيه بلوغ بعض الأعراض من رئاسة أو شهوة فهو كما قال الله تعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ إذ ما فيه من المضرة يربو على ما فيه من الخير قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا كان ما نهي عنه من هذا الجنس إنما هو لكون الضرر فيه أغلب من المنفعة فأما ما ينفع الناس فلم ينه الله عنه ولهذا لما عرض على النبي ﷺ الرقى قال: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل وقال لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك".

стр. 43

فصل الحب أصل كل عمل والتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان ... وذكر البخاري في صحيحه في استخراج السحر عن قتادة قال قلت لسعيد بن المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر قال لا بأس به إنما يريدون الإصلاح فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه فصل وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان وهو قول وعمل كما قد بين في غير هذا الموضع ومعلوم أن قوة المحبة لكل محبوب يتفاوت الناس فيها تفاوتا عظيما

стр. 44

ويتفاوت حال الشخص الواحد في محبة الشيء الواحد بحيث يقوي الحب تارة ويضعف تارة بل قد يتبدل أقوي الحب بأقوى البغض وبالعكس قال تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ﴾ إلى قوله ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وإبراهيم هو إمام الحنفاء الذين يحبهم الله ويحبونه وهو خليل الله وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال تعالى: أيضا ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ وقال بعد ذلك ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ولا ريب أن محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات وكذلك محبة الله لهم هي محبة عظيمة جدا كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي

стр. 45

تأويل طوائف من المسلمين للمحبة تأويلات خاطئة ... بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه". وقد تأول الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام محبة الله لعبده على أنها الإحسان إليه فتكون من الأفعال وطائفة أخرى من الصفاتية قالوا هي إرادة الإحسان وربما قال كلا من القولين بعض المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وسلف الأمة وأئمة السنة على إقرار المحبة على ما هي عليه وكذلك محبة العبد لربه يفسرها كثير من هؤلاء بأنها إرادة العبادة له وإرادة التقرب إليه لا يثبتون أن العبد يحب الله وسلف الأمة وأئمة السنة ومشايخ المعرفة وعامة أهل الإيمان متفقون على خلاف قول هؤلاء المعطلة لأصل الدين بل هم متفقون على أنه لا يكون شيء من أنواع المحبة أعظم من محبة العبد ربه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ وقال

стр. 46

تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فلم يرض إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليهم من الأهلين والأموال حتى يكون الجهاد في سبيل الله الذي هو من كمال الإيمان قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ولهذا وصف الله المحبين له الذين يحبهم هو بالجهاد فقال تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ وأما تنازع الناس في لفظ العشق فمن الناس من أهل التصوف والكلام وغيرهم من أطلق هذا اللفظ في حق الله كما روي عبد الواحد بن زيد فيما يؤثره عن أحد أنبياء الله أنه قال عشقني وعشقته

стр. 47

منكرو لفظ العشق لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان، المأخذ الأول من جهة اللفظ ... وقال هؤلاء العشق هو المحبة الكاملة التامة وأولي الناس بذلك هو الله فإنه هو الذي يجب أن يحب أكمل محبة وكذلك هو يحب عبده محبة كاملة ولو قيل أن العشق هو منتهى المحبة أو أقصاها أو نحو ذلك فهذا المعني حق من العبد فإنه يحب ربه منتهي المحبة وأقصاها والله يحب عبده مثل إبراهيم ومحمد صلي الله عليها وسلم تسليما أقصي محبة تكون لعباده ومنتهاها وهما خليلا الله كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" وقال: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله". وذهب طوائف من أهل العلم والدين إلى إنكار ذلك في حق الله ولا ريب أن هذا اللفظ ليس مأثورا عن أئمة السلف والذين أنكروه لهم من جهة اللفظ مأخذان ومن جهة المعنى مأخذان أما من جهة اللفظ فإن هذا اللفظ ليس مأثورا عن السلف وباب الأسماء والصفات يتبع فيها الألفاظ الشرعية فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر

стр. 48

والأولون يستدلون بمثل قول عبد الواحد بن زيد ونحوه وهؤلاء يقولون هذا من الإسرائيليات التي لا يجوز الاعتماد عليها في شرعنا فإن ثبوت مثل هذا الكلام عن الله لا يعلم إلا من جهة نبينا صلي الله عليه وسلم وذلك غير مأثور عنه ونحن لا نصدق بما ينقل عن الأنبياء المتقدمين إلا أن يكون عندنا ما يصدقه كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه كذب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وإما يحدثوكم بحق فتكذبوه" وهذا الوجه يقتضي الامتناع من الإطلاق إلا عند الجزم بتحريمه في جميع الشرائع المأخذ الثاني أن المعروف من استعمال هذا اللفظ في اللغة إنما هو في محبة جنس النكاح مثل حب الإنسان الآدمي مثله ممن يستمتع به من امرأة

стр. 49

أو صبي فلا يكاد يستعمل هذا اللفظ في محبة الإنسان لولده وأقاربه ووطنه وماله ودينه وغير ذلك ولا في محبته لآدمي لغير صورته مثل محبة الآدمي لعلمه ودينه وشجاعته وكرمه وإحسانه ونحو ذلك بل المشهور من لفظ العشق هو محبة النكاح ومقدماته فالعاشق يريد الاستمتاع بالنظر إلى المعشوق وسماع كلامه أو مباشرته بالقبلة والحس والمعانقة أو الوطء وإن كان كثير من العشاق لا يختار الوطء بل يحب تقبيل ومعانقة موطوءته فهو يحب مقدمات الوطء وكم ممن اشتغل بالوسيلة عن المقصود ثم لفظ العشق قد يستعمل في غير ذلك إما على سبيل التواطؤ فيكون حقيقة في القدر المشترك وإما على سبيل المجاز لكن استعماله في محبة الله إما أن يفهم أو يوهم المعني الفاسد وهو أن الله يحب ويحب كما تحب صور الآدميين التي نستمتع بمعاشرتها ووطئها وكما تحب الحور العين التي في الجنة وهذا المعني من أعظم الكفر وإن كان قد بلغ إلى هذا الكفر الاتحادية الذين يقولون إنه عين الموجودات ويقولون ما نكح سوي نفسه وهو الناكح والمنكوح

стр. 50

المأخذ المعنوي قيل إن العشق فساد في الحب والإرادة ... وكذلك الذين يقولون بالحلول العام والذين يقولون بالاتحاد في صور معينة أو بحلوله فيها كما يقوله الغالية من النصارى والرافضة وغالية النساك فإن هؤلاء يصفونه بما يوصف به البشر من النكاح تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولو يكن له كفوا أحد ومن هؤلاء من يعشق الصور الجميلة ويزعم أنه يتجلي فيها وأنه إنما يحب مظاهر جماله وقد بسطنا الكلام في كفرهم وضلالهم في غير هذا الموضع فمن زعم أن الله يحب أو يعشق وأشار إلى هذا المعني فهو أعظم كفرا من اليهود والنصارى وأما المأخذ المعنوي فهو أن العشق هل هو فساد في الحب والإرادة أو فساد في الإدراك والمعرفة قيل إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد على القصد الواجب فإذا أفرط كان مذموما فاسدا مفسدا للقلب والجسم كما قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ فمن صار مفرطا صار مريضا كالإفراط في الغضب والإفراط في الفرح وفي الحزن وهذا الإفراط قد يكون في محبة الإنسان لصورته وقد يكون في محبته لغير ذلك كالإفراط في حب الأهل والمال والإفراط في الأكل والشرب وسائر أحوال

стр. 51

وقيل إن العشق فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة ... الإنسان وهذا المعني ممتنع في حق الله من الجهتين فإن الله لا يحب محبة زيادة على العدل ومحبة عبادة المؤمنين له ليس لها حد تنتهي إليه حتى تكون الزيادة إفراطا وإسرافا ومجاوزة للقصد بل الواجب أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يجب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه منه كما يكره أن يلقى في النار" وفي رواية في الصحيح: "لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" إلى آخره وقال:" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" وفي الصحيح أن عمر قال له يا رسول الله والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فلأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر" وقد تقدم دلالة القرآن على هذا الأصل بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ وقيل أن العشق هو فساد في الإدراك والتخيل والمعرفة فإن العاشق يخيل

стр. 52

له المعشوق على خلاف ما هو به حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة ولهذا يقول الأطباء العشق مرض وسواسي شبيه بالمالنخوليا فيجعلونه من الأمراض الدماغية التي تفسد التخيل كما يفسده المالنخوليا وإذا كان الأمر كذلك امتنع في حق الله من الجانبين فإن الله بكل شيء عليم وهو سميع بصير مقدس منزه عن نقص أو خلل في سمعه وبصره وعلمه والمحبون له عباده المؤمنون الذين آمنوا به وعرفوه بما تعرف به إليهم من أسمائه وآياته وما قذفه في قلوبهم من أنوار معرفته فليست محبتهم إياه عن اعتقاد فاسد لكن قد يقال إن كثيرا ممن يكون فيه نوع محبة الله قد يكون معها اعتقاد فاسد إذ الحب يستتبع الشعور لا يستلزم صريح المعرفة لا سيما من كان من عقلاء المجانين الذين عندهم محبة لله وتأله وفيهم فساد عقل فهؤلاء قد يصيب أحدهم ما يصيب العشاق في حق الله ومعهم حب شديد ونوع من الاعتقاد الفاسد وكثيرا ما يعتري أهل المحبة من السكر والفناء أعظم ما يصيب السكران بالخمر والسكران بالصور كما قال تعالى: في قوم لوط ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالحب له سكر أعظم من سكر الشراب كما قيل

стр. 53

سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى أفاقة من به سكران ومعلوم أنه في حال السكر والفناء تنقص المعرفة والتميز ويضطرب العقل والعلم فيحصل في ضمن ذلك من الاعتقادات والتخيلات الفاسدة ما هو من جنس العشق الذي فيه فساد الاعتقاد وهؤلاء محمودون على ما معهم من محبة الله والأعمال الصالحة والإيمان به وأما ما معهم من اعتقاد فاسد وعمل فاسد لم يشرعه الله ورسوله فلا يحمدون على ذلك لكن إن كانوا مغلوبين على ذلك بغير تفريط منهم ولا عدوان كانوا معذورين وإن كان ذلك لتفريطهم فيما أمروا به وتعديهم حدود الله فهم مذنبون في ذلك مثل ما يصيب كثيرا ممن يهيج حبه عند سماع المكاء والتصدية والأشعار الغزلية فتتولد لهم أنواع من الاعتقادات والإرادات التي فيها الحق والباطل وقد يغلب هذا تارة وهذا تارة فباب محبة الله ضل فيه فريقان من الناس فريق من أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بحقيقتها وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى وقد أمرنا الله تعالى أن نقول ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾

стр. 54

فصل:كل محبة وبغضة يتبعها لذة وألم، للذات ثلاثة أجناس،الأول: اللذة الحسية والثاني: اللذة الوهمية ... فصل ومن المعلوم أن كل محبة وبغضة فإنه يتبعها لذة وألم ففي نيل المحبوب لذة وفراقه يكون فيه ألم وفي نيل المكروه ألم وفي العافية منه تكون فيه لذة فاللذة تكون بعد إدراك المشتهى والمحبة تدعو إلى إدراكه فالمحبة العلة الفاعلة لإدراك الملائم المحبوب المشتهي واللذة والسرور هي الغاية واللذات الموجودة في الدنيا ثلاثة أجناس فجنس بالجسد تارة كالأكل والنكاح ونحوهما مما يكون بإحساس الجسد فإن أنواع المأكول والملبوس يباشرها الجسد وجنس يكون مما يتخيله ويتوهمه بنفسه ونفس غيره كالمدح له والتعظيم له والطاعة له فإن ذلك لذيذ محبوب له كما أن فوات الأكل والشرب يؤلمه وأكل ما يضره يؤلمه وكذلك فوات الكرامة بحيث لا يكون له قدر عند أحد ولا منزلة يؤلمه كما يؤلمه ترك الأكل والشرب ويؤلمه الذم والإهانة كما يؤلمه الأكل والشرب الذي يضره فالمأكول والمنكوح هي أجساد تنال بالجسد يتلذذ بوجودها ويتألم بفقدها ولحصول ما يضر منها وأما الكرامة فهي في النفوس إذا كانت النفوس

стр. 55

الثالث: اللذة العقلية ... ملائمة له وموافقة له بأن يعتقد فيه ما يسره ويوافقه بالمحبة والتعظيم كان ذلك مما يوجب لذته ولذته بإدراكه ذلك الملائم من الناس ومدحهم المظهر لاعتقادهم ومن طاعتهم وموافقتهم المظهرة لمحبتهم وتعظيمهم والجنس الثالث أن يكون ما يعلمه بقلبه وروحه وبعقله كذلك كالتذاذه بذكر الله ومعرفته ومعرفة الحق وتألمه بالجهل إما البسيط وهو عدم الكلام والذكر وإما المركب وهو اعتقاد الباطل كما يتألم الجسد بعدم غذائه تارة وبالتغذي بالمضار أخري كذلك النفس تتألم بعدم غذائها وهو موافقة الناس وإكرامهم تارة وبالتغذي بالضد وهو مخالفتهم وإهانتهم فكذلك القلب يتألم بعدم غذائه وهو العلم الحق وذكر الله تارة والتغذي بالضد وهو ذكر الباطل واعتقاده أخري قال النبي ﷺ : "إن كل أحد يحب أن تؤتي مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن".

стр. 56

وهذه اللذات الثلاث اللذات الحسية والوهمية والعقلية وقد علمت أن كل ما خلقه الله في الحي من قوي الإدراك والحركة فإنما خلقه لحكمة وفي ذلك من جلب المنفعة للحي ودفع المضرة عنه ما هو من عظيم نعم الله عليه والله سبحانه بعث الرسل لتكميل الفطرة وتقريرها لا بتحويلها وتغييرها وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والله شرع من الدين ما فيه استعمال هذه القوي على وجه العدل والاعتدال الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة ومن المعلوم أن قوي الحركة في الجسد التي هي حركات طبعية متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد وكذلك قوي الإدراك والحركة التي فيه وفي النفس متى لم تكن على وجه الاعتدال وإلا فسد الجسد والحركة الطبعية ليس فيها حس ولا إرادة وهذه لا تكون عن حركة إرادية كما تقدم لكن لا يكون ذلك في نفس المتحرك بطبعه كحركة الغذاء قبل أن يصرفه الخارج من السبيلين وغير ذلك

стр. 57

شرع الله من اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان وجعل اللذة التامة في الآخرة ... والله سبحانه قد شرع من هذه اللذات ما فيه صلاح حال الإنسان في الدنيا وجعل اللذة التامة بذلك في الدار الآخرة كما أخبر الله بذلك على ألسن رسله بأنها هي دار القرار وإليها تنتهي حركة العباد واللذة هي الغاية من الحركات الإرادية فتكون الغاية من اللذات عند الغاية من الحركات ولا يخالف ما يوجد في الوسيلة والطريق فإن الموجود فيها من اللذات بقدر ما يعين على الوصول إلى المقصود التام وكل لذة وإن جلت هي في نفسها مقصودة لنفسها إذ المقصود لنفسه هو اللذة لكن من اللذات ما يكون عونا على ما هو أكثر منه أيضا فيكون مقصودا لنفسه بقدره ويكون مقصودا لغيره بقدر ذلك الغير وهذا من تمام نعمة الله على عباده وكل ما يتنعمون به إذا استعملوه على وجه العدل الذي شرعه أوصلهم به إلى ما هو أعظم نعمة منه ولذات الجنة أيضا تتضاعف وتتزايد كما يشاء الله تعالى فإن الله يقول كما ذكره النبي ﷺ في الحديث الصحيح "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقد قال الله تعالى في كتابه ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾

стр. 58

غلط المتفلسفة ومن اتبعهم في أمر اللذات ... ولهذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين مبشرين بنعمة الله التامة في جنته لمن أطاعهم فاتبع الذكر الذي أنزل عليهم واستعمل القسط الذي بعثوا به ومنذرين بتعظيمهم عقاب الله لمن أعرض عن ذلك وعصاهم فكان من الظالمين قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقد غلطت المتفلسفة من الصابئة والمشركين ونحوهم ومن حذا حذوهم ممن صنف في أصناف هذه اللذات كالرازي وغيره في أمر هذه اللذات في الدنيا والآخرة حتى جرهم ذلك الغلط إلى الدين الفاسد في الدنيا بالاعتقادات الفاسدة والعبادات والزهادات الفاسدة وإلي التكذيب بحقيقة ما أخبر الله به على ألسن رسله من وعده ووعيده فصاروا تاركين لما ينفعهم من لذات الدنيا معرضين عما خلقوا له من لذات الآخرة ومعتاضين عن ذلك بأخذ ما يضرهم مما يظنون أنه لذة في الدنيا أو موصل للذة في الدنيا وهم في ذلك ﴿إن

стр. 59

ضل النصارى كذلك في أمر اللذات، اليهود أعلم لكنهم غواة قساة ... يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ فجهلوا المقاصد والوسائل فكانوا ضالين يقصدون ما ينفعهم ويلذهم وهم لا يعرفون عين مقصودهم ولا الطريق إليه وصار عامتهم غواة منهمكين في اللذات التي تضرهم والنصارى ضارعوهم في بعض ذلك حين كذبوا بكثير مما وعدوا به في الآخرة من اللذات وضلوا بما ابتدعوه من العبادات فكانوا ضالين كما قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ولهذا يغلب على عوامهم الغي واتباع شهوات الغي إذ لم يحرموا عليهم شيئا من المطاعم والمشارب وأما اليهود فهم أعلم بالمقصود وطريقه لكنهم غواة قساة مغضوب عليهم ويتبين ذلك بأصلين أحدهما أنهم اعتقدوا أن اللذات الحسية والوهمية ليست لذات في الحقيقة وإنما هي دفع آلام وربما حسنوا العبارة فقالوا ليس المقصود بها التنعم وإنما المقصود بها دفع الألم بخلاف اللذات العقلية الروحانية فإنها هي اللذات فقط وهي المقصودة لذاتها فقط وعن هذا يدفعون أن تكون للنفوس بعد مفارقة الدنيا لذات حسية أو وهمية وإنما يكون لها لذات روحانية فقط

стр. 60

نفصيل مقالة الفلاسفة في اللذة ... ثم إن من دخل مع أهل الملل منهم وافق المؤمنين بإظهاره للإقرار بما جاءت به الرسل وقال إن ما أخبرت به الرسل من الوعد والوعيد إنما هو أمثال مضروبة لتفهم العامة المعاد الروحاني وما فيه من اللذة والألم الروحانيين وربما يغرب بعضهم فأثبت اللذات الخيالية بناء على أن النفوس يمكن أن يحصل لها من إشراق الأفلاك عليها ما يحصل لها به من اللذة ما هو من أعظم اللذات الخيالية التي قد يقولون هي أعظم من الحسية الأصل الثاني أن اللذات العقلية التي أقروا بها لم تحصل لهم ولم يعرفوا الطريق إليها بل ظنوا أن ذلك إنما هو إدراك الوجود المطلق بأنواعه وأحكامه وطلبوا اللذة العقلية في الدنيا بما هو من هذا النمط من الأمور العقلية وتكلموا في الإلهيات بكلام حقه قليل وباطله كثير فكانوا طالبين للذة العقلية التي أثبتوها بالأغذية الفاسدة التي تضر وتؤلم أكثر من طلبها بالأغذية النافعة بل كانوا فاقدين لغذائها الذي لا صلاح لها إلا به وهو إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له فإن هذا هو خاصة النفس التي خلقت له لا تصلح إلا به ولا تفسد فسادا مطلقا مع وجوده قط بل من بات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ صلي الله عليه وسلم أنه قال من وجوه متعددة من

стр. 61

حديث عثمان بن عفان وأبي ذر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وعتبان بن مالك وعبادة بن الصامت وغيرهم ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان وقد تكلمت على رسالة المبدأ والمعاد التي صنفها أبو علي بن سينا وزعم أن فيها من الأسرار المخزونة من فلسفتهم بما يناسب هذا مما ليس هذا موضعه وبينت ما دخل عليهم من الجهل والكفر في ذلك من وجوه بينة من لغاتهم ومعارفهم التي يفقهون بها ويعلمون صحة ما عليه أهل الإيمان بالله ورسوله وبطلان ما هم عليه مما يخالف ذلك من الحقيقة وإن زعموا أنهم موافقون لأهل الإيمان نعم هم مؤمنون ببعض وكافرون ببعض كما قد بينت أيضا مراتب ما معهم ومع غيرهم من الكفر والإيمان في غير هذا الموضع وذكرت ما كفروا به مما خالفوا به الرسل وما آمنوا به مما وافقوهم فيه

стр. 62

فصل: حب الله أصل التوحيد العملي ... فأن الله أمرنا بالعدل وأمرنا أن نعدل بين الأمم كما قال تعالى: لرسوله ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النبيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ فصل وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله وحب الله أصل التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجلي كما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر ﵁ يا رسول الله إذا كان أخفى من دبيب النمل فكيف نصنع به؟ أو كما قال فقال: "ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيرة قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم".

стр. 63

أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة، المؤمنون يحبون لله ويبغضون لله ... فمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ فأخبر أن من الناس من يشرك بالله فيتخذ أندادا يحبونهم كما يحبون الله وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء والمؤمنون أشد حبا لله من هؤلاء لأندادهم ولله فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعل المحبة مشتركة بينه وبين الأنداد والمؤمنون أخلصوا دينهم لله الذي أصله المحبة لله فلم يجعلوا لله عدلا في المحبة بل كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما ومحبة الرسول هي من محبة الله وكذلك كل حب في الله وهو الحب لله كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" وفي رواية في الصحيح: "لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار". ولهذا في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله

стр. 64

فقد استكمل الإيمان" وفي الأثر ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه لأن هذه المحبة من محبة الله وكل من كانت محبته لله أشد كان أفضل". وخير الخلق محمد رسول الله وخير البرية بعده إبراهيم كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وكل منهما خليل الله والخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها ولهذا لم يصلح لله شريك في الخلة بل قال صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله" وفي لفظ: "أنا أبرأ إلى كل خليل من خلته". فمحبة ما يحبه الله لله من الأعيان والأعمال من تمام محبة الله وهو الحب في الله ولله وإن كان كثير من الناس يغلط في معرفة كثير من ذلك أو وجوده فيظن في أنواع من المحبة أنها محبة الله ولا تكون لله ويظن وجود المحبة لله في أمور ولا تكون المحبة لله موجودة بل قد يعتقد وجود المحبة لله وتكون معدومة وقد يعتقد في بعض الحب أنه لله ولا يكون لله كما يعتقد وجود العلم أو العبادة

стр. 65

أو غير ذلك من الصفات في بعض الأشخاص والأحوال ولا يكون ثابتا وقد يعتقد في كثير من الأعمال أنه معمول لله ولا يكون لله فمحبة ما يحبه الله من الأعمال الباطنة والظاهرة وهي الواجبات والمستحبات إذا أحببت لله كان ذلك من محبة الله ولهذا يوجب ذلك محبة الله لعبده وكما في الحديث الصحيح عن الله تعالى: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه". وكذلك محبة كلام الله وأسمائه وصفاته كما في الحديث الصحيح في الذي كان يصلي بأصحابه فيقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إما أن يقرأها وحدها أو يقرأ بها مع سورة أخري فأخبروا بذلك النبي ﷺ صلي الله عليه وسلم فقال: "سلوه لم يفعل ذلك فقال لأني أحبها فقال أن حبك إياها أدخلك الجنة".

стр. 66

محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه، الذنوب تنقص من محبة الله ... وكذلك محبة ملائكة الله وأنبيائه وعباده الصالحين كما كان عبد الله بن عمر يدعو بالمواقف في حجه فيقول: اللهم اجعلني أحبك وأحب ملائكتك وأنبياءك وعبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلي ملائكتك وأنبيائك وعبادك الصالحين بل محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فإن اتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه وهو سبحانه أعظم شيء بغضا لمن لم يتبع رسوله فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي ﷺ يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم

стр. 67

"لا تلعنه فإنه يجب الله ورسوله" , وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبا إذا كان يحب الله ورسوله فكما أن المحبة الواجبة تستلزم لفعل الواجبات وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات والمعاصي تنقض المحبة وهذا معنى قول الشبلي لما سئل عن المحبة فقال ما غنت به جارية فلان تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع وهذا كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حيث يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" وقد تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع

стр. 68

والمقصود هنا أن نفرق بين الحب في الله ولله الذي هو داخل في محبة الله وهو من محبته وبين الحب لغير الله الذي فيه شرك في المحبة لله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فإن هؤلاء يشركون بربهم في الحب عادلون به جاعلون له أندادا وأولئك أخلصوا دينهم لله فكان حبهم الذي هو أصل دينهم كله لله وهذا هو الذي بعث بالله الرسل وأنزل به الكتب وأمر بالجهاد عليه كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ وقد علم أن محبة المؤمنين لربهم أشد من محبة هؤلاء المشركين لربهم ولأندادهم ثم إن اتخاذ الأنداد هو من أعظم الذنوب كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود: "قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك

стр. 69

قلت ثم أي قال ثم أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ " فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحبه كحب الله إذ أصل العبادة المحبة والمحبة وإن كانت جنسا تحته أنواع فالمحبوبات المعظمة لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد كقوله في الحديث الصحيح: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط". فسمي هؤلاء الأربعة الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا لأنها محبتهم ومرادهم عبادا لها حيث قال عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة

стр. 70

مراتب العشق، ذكر الله العشق في القرآن عن المشركين ... فإذا كان الإنسان مشغوفا بمحبة بعض المخلوقات لغير الله الذي يرضيه وجوده ويسخطه عدمه كان فيه من التعبد بقدر ذلك ولهذا يجعلون العشق مراتب مثل العلاقة ثم الصبابة ثم الغرام ويجعلون آخره التتيم والتتيم التعبد وتيم الله هو عبد الله فيصير العاشق لبعض الصور عبدا لمعشوقه والله سبحانه إنما ذكر هذا العشق في القرآن عن المشركين فإن العزيز وامرأته وأهل مصر كانوا مشركين كما قال لهم يوسف ﵊ ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ. الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

стр. 71

المتولون لشيطان هم الذين يحبون ما يحبه ... وأما يوسف ﵇ فإن الله ذكر أنه عصمه بإخلاصه الدين لله وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء ومن السوء عشقها ومحبتها ومن الفحشاء الزنا وقد يزني بفرجه من لا يكون عاشقا وقد يعشق من لا يزني بفرجه والزنا بالفرج أعظم من الإلمام بصغيرة كنظرة وقبلة. وأما الإصرار على العشق ولوازمه من النظر ونحوه فقد يكون أعظم من الزنا الواحد بشيء كثير والمخلصون يصرف الله عنهم السوء والفحشاء ويوسف ﵇ كان من المخلصين حيث كان يعبد الله لا يشرك به شيئا وحيث توكل على الله واستعان به كما قال تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهذا تحقيق قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فأخبر سبحانه أن المتوكلين على الله ليس للشيطان عليهم سلطان وإنما سلطانه على المتولين له والمتولي من الولاية وأصله المحبة والموافقة كما أن العداوة أصلها البغض والمخالفة فالمتولون له هم الذين يحبونه ما يحبه الشيطان ويوافقه فهم مشركون به حيث أطاعوه وعبدوه بامتثال أمره كما قال تعالى:

стр. 72

﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والشياطين شياطين الإنس والجن والعبادة فيها الرغبة والرهبة قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم الشيطان ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقد أخبر الله أنه ليس له سلطان على هؤلاء فقال في الحجر ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ وقوله ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ استثناء منقطع في أقوى القولين إذ العباد هم العابدون لا المعبودون كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

стр. 73

عباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سلطان ... وقال تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ. يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ وإذا كان عباد الله المخلصون ليس له عليهم سلطان وأن سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقد أقسم أن يغويهم إلا عباد الله المخلصين وأخبر الله أن سلطانه ليس على عباد الله بل على من اتبعه من الغاوين والغي اتباع الأهواء والشهوات وأصل ذلك أن الحب لغير الله كحب الأنداد وذلك هو الشرك قال الله تعالى فيه ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فبين أن صاحب الإخلاص مادام صادقا في إخلاصه فإنه يعتصم من هذا الغي وهذا الشرك وإن الغي هو يضعف الإخلاص ويقوي هواه الشرك فأصحاب

стр. 74

العشاق يتولون الشيطان ويشركون به ... العشق الذي يحبه الشيطان فيهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك لما فاتهم من إخلاص المحبة لله والإشراك بينه وبين غيره في المحبة حتى يكون فيه نصيب من اتخاذ الأنداد وحتى يصيروا عبيدا لذلك المعشوق فيفنون فيه ويصرحون بأنا عبيد له فيوجد في هذا الحب والهوى واقتراف ما يبغضه الله وما حرمه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون فيوجد فيه من الشرك الأكبر والأصغر ومن قتل النفوس بغير حق ومن الزنا ومن الكذب ومن أكل المال بالباطل إلى غير ذلك ما ينتظم هذه الأصناف التي يكرمها الله تعالى لأن أصله أن يكون حبه كحب الله وهو من ترك إخلاص المحبة ومن الإشراك بينه وبين غيره أو من جعل المحبة لغير الله فإذا عمل موجب ذلك كان ذلك هو اتباع الهوى بغير هدي من الله وفي الأثر ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوي متبع قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ولهذا لا يبتلي بهذا العشق إلا من فيه نوع شرك في الدين وضعف إخلاص لله وسبب هذا ما ذكره بعضهم فقال إنه ليس شيء من

стр. 75

المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله أو محبة بشر مثلك أما محبة الله فهي التي خلق لها العباد وهي سعادتهم وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع وأما البشر المتماثل من ذكر أو أنثي فإن فيه من المشاكلة والمناسبة ما يوجب أن يكون لكل شيء من الحب نصيب من المحبوب يستوعبه حبه ولهذا لا يعرف لشيء من المحبوبات التي تحب لغير الله من الاستيعاب ما يعرف لذلك حتى يزيل العقل ويفقد الإدراك ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب ويوجب مرض الموت وإنما يعرض هذا كله لضعف ما في القلب من حب الله وإخلاص الدين له عبادة واستعانة فيكون فيه من الشرك ما يسلط الشيطان عليه حتى يغويه هذا بهذا الغي الذي فيه من تولي الشيطان والإشراك به ما يتسلط به الشيطان ولهذا قد يطيع هذا المحب لغير الله محبوبه أكثر مما يطيع الله حتى يطلب القتل في سبيله كما يختار المؤمن القتل في سبيل الله وإذا كان محبوبه مطيعه من وجه وعبدا له فهو أولي بأن يكون هو مطيعه وعبدا له من وجه آخر وإذا كان النبي ﷺ قال: "شارب الخمر كعابد وثن" ومر علي
следующие страницы →