← Акыда

Акыда · id 1128

ري الظمآن بمجالس شعب الإيمان

غازي بن سالم أفلح

Полный текст (999 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عيب أهل الكتاب على المؤمنين إيمانهم بالكتب: ومن جحود اليهود والنصارى أهل الكتاب وكفرهم وعنادهم أنهم عابوا على المؤمنين إيمانهم بالكتب المنزلة كما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة]. أي: هل تعيبون علينا وتنكرون منا إلا أننا آمنا بالله ووحدناه، وآمنا بجميع كتبه ورسله، وذلك أمر لا ينكر ولا يعاب. (١) قال أبو حيان: وهذه محاورة لطيفة وجيزة تنبه الناقم على أنه ما نقم عليه إلا ما لا ينقم ولا يعد عيبا ا. هـ (٢) ونظير هذا في الاستثناء العجيب قول الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج] أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله، وهذا لا ينبغي أن ينكر. ومثله قول النابغة: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ تكرار ذكر الإيمان بالكتب في سورة البقرة: قال شيخ الإسلام ﵀: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْوَاحِدَةُ -يعني سورة البقرة- جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَافْتَتَحَهَا بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَوَسَّطَهَا بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَخَتَمَهَا بِالْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ. فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ هُوَ عَمُودُ الْإِيمَانِ وَقَاعِدَتُهُ وَجِمَاعُهُ ا. هـ (٣) يشير -رحمه الله تعالى- إلى قوله تعالى في أولها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة] فَالْإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ وَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ

стр. 387

يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فَتَضَمَّنَتْ الْإِيمَانَ بِالْقَوَاعِدِ الْخَمْسِ. وقال تعالى في وسطها: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية. [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى في آخرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَالْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر دَاخل فِي الْإِيمَان بالكتب وَالرسل كما تقدم عن ابن القيم ﵀ (١) الإيمان بالكتب يتضمن جملة من الأمور: ويتضمن الإيمان بالكتب: ١ - الإيمان بأنها وحي أنزلت من عند الله حقَّاً. قال البيهقي ﵀: وَالْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ يَتَشَعَّبُ شُعَبًا، فَأُولَاهَا: الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ ﵎، وَلَيْسَ مِنْ وَضْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَا مِنْ وَضْعِ جِبْرِيلَ ﵍ … فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] … ثم ذكر الْبَيْهَقِيُّ ﵀: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال: … الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵍ كَانَ مَخْصُوصًا بِفَضْلِ كَلَامِ اللهِ ، وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مَخْلُوقٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَاصِيَّةُ، … إلخ ا. هـ (٢) ٢ - والإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه: كالقرآن الذي نُزِّل على محمد ﷺ والتوراة التي أُنزلت على موسى ﵍ والإنجيل الذي نزل على عيسى ﵍ والزبور الذي أوتيه داود ﵍ وأما ما لم نعلمه من الكتب المنزلة فنؤمن به إجمالاً. قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، فَنُؤْمِنُ بِمَا سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى مِنْهَا فِي كِتَابِهِ، مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَنُؤْمِنُ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى سِوَى ذَلِكَ كُتُبًا أَنْزَلَهَا عَلَى

стр. 388

أَنْبِيَائِهِ، لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا وَعَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ا. هـ (١) ٣ - تصديق ما صح من أخبارها: كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل، أو يحرف من الكتب السابقة. ٤ - العمل بما لم ينسخ منها، والرضا، والتسليم به، سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي حاكماً عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح وأقره القرآن. يقول الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي -رحمه الله تعالى- في (شعب الإيمان): "الرابع من شعب الإيمان: الإيمانُ بالقرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ وسائرِ الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين … (ثم ذكر جملة من الآيات التي قرأناها، وقال بعد ذلك): والإيمان بالقرآن يتشعَّبُ شعبًا: فأولاها: الإيمان بأنه كلام الله ﵎ وليس من وضع محمد ﷺ ولا من وضع جبريل ﵍. والثانية: الاعتراف بأنه معجز النظم، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه. والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي ﷺ عنه هو هذا الذي في مصاحف المسلمين لم يَفُتْ منه شيءٌ، ولم يضع بنسيان ناس ولا ضلال صحيفة ولا موت قارئ ولا كتمان كاتم، ولم يحرَّفْ منه شيءٌ، ولم يُزَدْ فيه حرف ولم يُنقَصْ منه حرف. (ثم ذكر الأدلة الدالة على هذه الأمور الثلاثة، وقال بعد ذلك): وأما الإيمان بسائر الكتب مع الإيمان بالقرآن فهو نظير الإيمان بسائر الرسل مع الإيمان بنبينا ﷺ وعليهم أجمعين، والذي يحق علينا معرفته في كلام الله أن نعرف: أن كلامه صفة من صفات ذاته يقوم به. وكلامه مقروء في الحقيقة بقراءتنا. محفوظ في قلوبنا. مكتوب في مصاحفنا. غير حالٍّ فيها. كما أن الله-تعالى-مذكورٌ في الحقيقة

стр. 389

بألسنتنا، معلومٌ في قلوبنا، معبودٌ في مساجدنا غيرُ حالٍّ فيها. وكلام الله إذا قُرِئ بالعربية سُمِّيَ قرآنًا، وإذا قُرِئَ بالسريانية سُمِّيَ إنجيلًا، وإذا قُرِئ بالعبرانية سُمِّيَ توراة" (١) وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ، فَالْإِقْرَارُ بِهِ، وَاتِّبَاعُ مَا فِيهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ. فَعَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَى رُسُلِ اللَّهِ أَتَتْهُمْ مِنَ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا حَقٌّ وَهُدًى وَنُورٌ وَبَيَانٌ وَشِفَاءٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران]. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهَا، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ مِنْ عِنْدِهِ. وَفِي ذَلِكَ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْكَلَامِ وَالْعُلُوِّ … إلخ (٢) الاقتصار على القرآن: قال البيهقي: "وإنما يجوز في هذه الشريعة قراءةُ ما سُمِّيَ قرآنًا دون ما سُمِّيَ توراة وإنجيلًا؛ لأن الله كذَّب أهلَ التوراة والإنجيل الذين كانوا على عهد نبينا ﷺ ، وأخبر عن خيانتهم وتحريفهم الكلامَ عن مواضعه ووضعهم الكتاب ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران]. فلا يأمن المسلم إذا قرأ شيئًا من كتبهم أن يكون ذلك من وضع اليهود والنصارى … إلخ" (٣).

стр. 390

التحريف في الكتب السابقة: وهنا يبين لنا الإمام البيهقي ﵀ ما قد ثبت بلا شك من تحريف أهل الكتاب للكتب المنزلة. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران] وفي الصحيحين عن مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ»؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁، كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ (١). النهي عن النظر في الكتب المحرفة والاكتفاء بالقرآن: ولذا جاء النهي عن النظر في كتبهم -لغير حاجة شرعية-، كما روى مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ كِتَابًا حَسَنًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» وفي رواية: أَنَّ عُمَرَ بْنَ

стр. 391

الْخَطَّابِ ﵁ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ ﵁ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، مَا تَرَى بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي، لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي، لَاتَّبَعَنِي» (١) وقيل للحسن البصري ﵀: ما «مُتَهَوِّكُونَ»؟ فقال: متحيّرون. وعلق عليه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ فقال: يقول: أمتحيّرون أنتم فى الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنّصارى؟ قال أبو عبيد: فمعناه أنّه كره أخذ العلم من أهل الكتاب ا. هـ (٢) وقال البغوي ﵀: قَوْلُهُ: «أَمُتَهَوِّكُونَ» أَيْ: مُتَحَيِّرُونَ أَنْتُمْ فِي الإِسْلامِ، لَا تَعْرِفُونَ دِينَكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقَوْلُهُ: «بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» أَرَادَ الْمِلَّةَ، لِذَلِكَ جَاءَ التَّأْنِيثُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [الْبَيِّنَة: ٥] أَيْ: تَفْسِيرُ الْمِلَّةِ الْقَيِّمَةِ الْحَنِيفِيَّةِ ا. هـ (٣) وروى الإمام مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ كَعْبُ الأَحْبَارِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ مُصْحَفًا، قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيَر الْمُؤْمِنِينَ، فِي هَذِهِ التَّوْرَاةُ فَأَقْرَؤُهَا؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، يَوْمَ طُورِ سَيْنَاءَ، فَاقْرَأْهَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَإِلَاّ فَلَا»، فَرَاجَعَهُ

стр. 392

كَعْبٌ، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ (١). قال العلامة القنازعي ﵀: ففِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: أَنَ عُمَرَ كَرِهَ أَنْ يُقْرأَ مِنَ الكُتُبِ الأُوَلُ شَيءٌ إلَّا مَا صَحَّ أَنهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﵎ لَمْ يُحَرَّفْ ولَمْ يُبَدَّلْ، وفيهِ: أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارَ قَدْ عَلِمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ، إذ لَمْ يُخْبرْ عُمَرَ بأن في ذَلِكَ المُصْحَفِ التَّوْرَاةَ المَنْزُولَةَ غَيْرَ المُبَدَّلَةِ ا. هـ. (٢) وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀: ومن صَحَّ عندَهُ شيءٌ من التَّوراةِ بنَقلِ مِثلِ ابن سَلام ﵁ وغيرِهِ من أحبارِ اليهُودِ الذين أسْلَمُوا، جازَ لهُ أن يَقْرأهُ ويعملَ بما فيه إن لم يَكُنْ مُخالِفًا لِما في شَرِيعتِنا، من كِتابِنا وسُنَّةِ نبيِّنا ﷺ ، … ثم ذكر قول عمر لكعب المتقدم. (٣) حكم الرواية عن أهل الكتاب: وفي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٤) قال الحافظ: وَقَالَ مَالِكٌ الْمُرَادُ جَوَاز التحدث عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ فَلَا؛ وَقِيلَ الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ … وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُجِيزُ التَّحَدُّثَ بِالْكَذِبِ فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبَهُ وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّثِ بِهِ عَنْهُمْ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ» (٥) وَلَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ وَلَا الْمَنْعُ مِنَ التَّحَدُّثِ بِمَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ. ا. هـ (٦) وروى الإمام البخاري أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ

стр. 393

التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]» الآيَةَ وزاد في رواية: « … وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» الآيَةَ (١) ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره وذكر الآية تامة ولفظه: « … ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت]» (٢) وفي الحديث: النَّهْيُ عَنْ تَصْدِيقِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِمْ. (٣) وقال الحافظ: قَوْلُهُ «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ» أَيْ إِذَا كَانَ مَا يُخْبِرُونَكُمْ بِهِ مُحْتَمَلًا لِئَلَّا يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صِدْقًا فَتُكَذِّبُوهُ أَوْ كَذِبًا فَتُصَدِّقُوهُ فَتَقَعُوا فِي الْحَرَجِ ا. هـ (٤) وأرشد في الحديث إلى ما هو الصواب فيه، وهو أن يقول المسلمون إذا حدّثهم أهل الكتاب: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾. قال الحافظ: وَلَمْ يَرِدِ النَّهْيُ عَنْ تكذيبهم فِيمَا ورد شرعنا بِخِلَافِهِ وَلَا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فِيمَا وَرَدَ شَرْعُنَا بوفاقه نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّوَقُّفُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْمُشْكِلَاتِ وَالْجَزْمِ فِيهَا بِمَا يَقَعُ فِي الظَّنِّ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ مِنْ ذَلِكَ. ا. هـ (٥) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ [مَحْضًا] لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوه [وَكَتَبُوا] بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ،

стр. 394

فَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ» (١) وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ ﵁: «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَتُكَذِّبُوا بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَيُضِلُّونَ أَنْفُسَهُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ تَالِيَةٌ تَدْعُوهُ إِلَى دِيْنِهِ كَتَالِيَةِ الْمَالِ» (٢) وفي رواية: « … إِلَّا فِي قَلْبِهِ تَالِيَةٌ تَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ وَكِتَابِهِ كَتَالِيَةِ الْمَالِ». وَالتَّالِيَةُ: الْبَقِيَّةُ. (٣) وزاد في رواية: قَالَ: «إِنْ كُنْتُمْ سَائِلِيهِمْ لَا مَحَالَةَ فَانْظُرُوا مَا وَاطَأ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ» (٤) قال ابن بَطَّالٍ ﵀: قال المهلب: قوله ﷺ : «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ» إنما هو في الشرائع لا تسألوهم عن شرعهم فيما لا نعرفه من شرعنا لنعمل به؛ لأن شرعنا مكتف وما لا نص فيه عندنا ففي النظر والاستدلال ما يقوم الشرع منه. وأما سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، وما جاء به نبينا ﷺ من الأخبار عن الأمم السالفة فلم ننه عنه. فإن قيل: فقد أمر الله رسوله ﷺ بسؤال أهل الكتاب فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]. قيل: ليس هذا بمفسد لما تقدم من النهى عن سؤالهم؛ لأنه ﷺ لم يكن شاكًا ولا مرتابًا، وقال أهل التأويل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره من الشكاك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، وتقديره: إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على نبينا. كقولهم: إن كنت ابني فبرني. وهو يعلم أنه ابنه، فإن قيل: فإذا كان المراد بالخطاب غير النبي ﷺ فكيف يجوز سؤال الذين يقرءون الكتاب مع جحدهم النبوة؟ ففيه قولان: أحدهما: سل من آمن من أهل الكتاب كابن سلام، وكعب الأحبار. عن ابن

стр. 395

عباس والضحاك، ومجاهد وابن زيد. الثاني: سلهم عن صفة النبي ﷺ المبشر به فى كتبهم، ثم انظر ما يوافق تلك الصفة ا. هـ (١) الأحاديث الإسرائيلية ثلاثة أقسام: وقال الحافظ ابن كثير ﵀: الْأَحَادِيثَ الْإِسْرَائِيلِيَّةَ تُذْكَرُ لِلِاسْتِشْهَادِ، لَا لِلِاعْتِضَادِ، فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ مِمَّا بِأَيْدِينَا مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ، فَذَاكَ صَحِيحٌ. وَالثَّانِي: مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ بِمَا عِنْدَنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ. وَالثَّالِثُ: مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَلَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَلَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَذِّبُهُ، وَتَجُوزُ حِكَايَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَغَالِبُ ذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ تَعُودُ إِلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذَا كَثِيرًا، وَيَأْتِي عَنِ الْمُفَسِّرِينَ خِلَافٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَمَا يَذْكُرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَلَوْنَ كَلْبِهِمْ، وَعِدَّتِهِمْ، وَعَصَا مُوسَى مِنْ أَيِّ الشَّجَرِ كَانَتْ؟ وَأَسْمَاءَ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَتَعْيِينَ الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَنَوْعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي كلَّم اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ تَعُودُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَلَا دِينِهِمْ. وَلَكِنَّ نَقْلُ الْخِلَافِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ ا. هـ. (٢) وفي قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت] يقول الحافظ ابن كثير: وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: إِذَا أَخْبَرُوا بِمَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ، فَهَذَا لَا نُقدم عَلَى تَكْذِيبِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقًّا، وَلَا عَلَى تَصْدِيقِهِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يكون باطلا وَلَكِنْ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانًا مُجْمَلًا

стр. 396

مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُنْزَلًا لَا مُبَدَّلًا وَلَا مُؤَوَّلًا … ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، … » ثم قال: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَر، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ أَنَّ أَبَا نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُ أَعْلَمُ». قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ» (١) قال الحافظ ابن كثير: وَأَبُو نَمْلَةَ هَذَا هُوَ: عُمَارة. وَقِيلَ: عَمَّارٌ. وَقِيلَ: عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ زُرَارة الْأَنْصَارِيُّ، ﵁. قال: ثُمَّ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحدّثون بِهِ غالبُه كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ وَتَغْيِيرٌ وَتَأْوِيلٌ، وَمَا أَقَلَّ الصِّدْقَ فِيهِ، ثُمَّ مَا أَقَلَّ فَائِدَةَ كَثِيرٍ مِنْهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا … وَقَالَ الْبُخَارِيُّ (٢): وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ -وذكرَ كعبَ الْأَحْبَارِ -فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ. (٣) قال الحافظ ابن كثير

стр. 397

قُلْتُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ الْكَذِبُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صُحُفٍ هُوَ يُحْسِنُ بِهَا الظَّنَّ، وَفِيهَا أَشْيَاءُ مَوْضُوعَةٌ وَمَكْذُوبَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ حُفَّاظٌ مُتْقِنُونَ كَهَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ وَقُرْبَ الْعَهْدِ وُضِعَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ عِلْمًا بِذَلِكَ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ا. هـ (١) تتمة في أن الإيمان بالكتب السماوية يتضمن عدة أمور: وحاصل ما تقدم -في تحقيق معنى الإيمان بالكتب المنزلة- من المنقول عن العلماء -رحمهم الله تعالى-، أنهم قالوا: الإيمان بالكتب المنزلة يتضمن عدة أمور: الأمر الأول: الكتب السماوية المنزلة كلام الله: ١ - فيجب التصديقُ الجازمُ بأن جميعها وحي منزل من عند الله ﵎ على أنبيائه ورسله، وأنها حق وصدق بغير شك ولا ارتياب. وأن الله تعالى تكَلَّم بها حقيقة؛ فهي كلام الله غير مخلوق لا كلام غيره، فليست كلام النبي، ولا جبريل ولا أحد من البشر بل هذه الكتب جميعها من عند الله. هذا هو الأمر الأول. الأمر الثاني: الكتب السماوية تدعو إلى توحيد الله: ٢ - الأمر الثاني: أن نعتقد أن جميع الكتب دعت إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ودعت إلى نبذ الشرك به. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] الأمر الثالث: وجوب الإيمان بما صحَّ من أخبارها: ٣ - الأمر الثالث: أن نؤمن بكل ما فيها من الشرائع، ونصدق بكل ما صحَّ من أخبارها كأخبار القرآن، وما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة كما جاء في سورة النجم، فقد ذكر الله بعض الأمور العظيمة التي كانت في كتب سابقة، وحثَّنَا عليها، فقال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ

стр. 398

أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم] إلى آخر الآيات التي يبين فيها أن هذه الكلمات العظيمة موجودة أيضًا في الكتب السابقة. وفي سورة الأعلى التي نقرؤها مرارًا وتكرارًا ذكر الله -جل وعلا- بعض الأمور العظيمة والمواعظ والحكم ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾. الأمر الرابع: الكتب السماوية يصدق بعضها بعضًا: ٤ - الأمر الرابع: أن نؤمن بأن جميع هذه الكتب يصدِّقُ بعضها بعضًا، لا يكذِّبُه، فلا تناقض بينها، ولا تعارض؛ لأنها كلها من عند الله ﵎. ولو قال قائل: يوجد في التوراة ويوجد في الإنجيل الآن بعض الأشياء التي تخالف ما عندكم في القرآن. فنقول: هذه محرَّفة قد بيَّنَ الله أنَّ أهل الكتاب حرَّفُوا وبدَّلوا. الأمر الخامس: النسخ في الكتب المنزلة: ٥ - الأمر الخامس: أن نؤمن أن نسخ الكتب بعضها بعضًا حقٌّ كما نَسَخَ الإنجيلُ بعضَ شرائع التوراة، وكما نَسَخَ القرآنُ كثيرًا من شرائع التوراة والإنجيل. فيقع نسخٌ في هذه الكتب بأمر من الله-سبحانه-كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وقال الله تعالى عن عيسى ﵇ أنه قال لقومه ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. وقال الله تعالى عن نبيه محمد الخاتم ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهذه الكتب جميعها قد نسخها الله -جل وعلا- بهذا القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم ﷺ .

стр. 399

الأمر السادس: ذِكْرُ ما سُمِّيَ لنا من هذه الكتب المباركة: ٦ - الأمر السادس: أن نؤمن بما سمَّى الله-تعالى-لنا من هذه الكتب السابقة إجمالًا في الإجمال، وتفصيلًا في التفصيل. وقد جاء في القرآن ذِكْرُ بعض هذه الكتب، وجاء إجمالُ شيءٍ آخر منها، فما جاء مجملًا نؤمن به مجملًا، وما جاء مفصَّلًا نؤمن به على جهة التفصيل. فسُمِّيَ في القرآن من هذه الكتب: صحف إبراهيم وموسى، والتوراة، والزبور، والإنجيل ثم خُتِمَت هذه الكتب السماوية بأفضلها وأشرفها وهو القرآن الكريم. وقد نزلت جميعا في شهر رمضان كما في المسند عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ﵍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ» (١) فأما صحف إبراهيم فهي الكتب التي أنزلها الله على نبيه وخليله إبراهيم ﵍ بوحي منه -سبحانه- وقد نزلت عليه جملةً واحدةً في أول ليلة من شهر رمضان. وأما التوراة فهي اسم كتاب الله الذي أنزله الله على نبيه وكليمه موسى ﵍ وألقاه إليه مكتوبًا في الألواح؛ ليكون لبني إسرائيل هدًى ونورًا، وقد نزلت عليه جملةً واحدةً لسِتٍّ مَضَيْنَ من رمضان. واختلف العلماء أهي صحف موسى أم غيرها؟ على قولين لأهل العلم. ومنهم من توقف فلم يجزم بشيء، قال العلامة ابن عثيمين: يحتمل أنها التوراة ويحتمل غيرها ولم يتبين لي فيها شيء ا. هـ (٢) والله أعلم. وأما الزبور فهو اسم كتاب الله الذي أنزله على نبيه داود ﵍ بوحي منه سبحانه، وقد نزل عليه جملةً واحدةً لثمان عشرة خلت من رمضان.

стр. 400

وأما الإنجيل فهو كتاب الله الذي أنزله على نبيه وعبده عيسى بن مريم ﵉ ليكون لبني إسرائيل هدًى ونورًا وموعظةً للمتقين، وقد نزل عليه جملةً واحدةً لثلاث عشرة خلت من رمضان. وأما القرآن فهو كلام الله المنزلُ على رسوله محمد ﷺ بواسطة جبريل، المنقولُ بالتواتر، والمتعبَّدُ بتلاوته، وقد أنزله الله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم نزل على نبينا ﷺ بعد ذلك منجمًا ومفرَّقًا حسب الوقائع والأحداث. وبيَّن في كتابه الحكمةَ من ذلك حين تساءل المشركون، فقال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان] قال الحافظ ابن كثير ﵀: قَالُوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَمَا نَزَلَتِ الْكُتُبُ قَبْلَهُ، كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ. فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أُنْزِلَ مُنَجَّمًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ لِتَثْبِيتِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ ا. هـ (١) وقال -جل وعلا-: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. أَيْ: لِتُبَلِّغَهُ النَّاسَ وَتَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ أَيْ: مَهَل ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ أَيْ: شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. (٢). فنؤمن بأنَّ هذه الكتب إنما هي من عند الله وحيٌ، أنزلها الله-سبحانه- فما عرفنا اسمه تفصيلًا نؤمن به تفصيلًا، وما عرفناه إجمالًا نؤمن به إجمالًا، وكلُّ نبي بعثه الله وأنزل عليه كتابًا فنحن نؤمن به كما أمرنا الله -جل وعلا-. كيفية نزول القرآن: ونزول القرآن كان نزول سماع؛ سمعه جبريل ﵍ من رب العالمين -جل وعلا- وسمعه نبينا ﷺ من جبريل ﵍ غضا طريا. (٣) وهذا النزول المذكور غير الكتابة التي دلت عليها الأدلة التي فيها:

стр. 401

١ - أن القرآن الكريم: كتب في اللوح المحفوظ قبل نزوله: كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة] وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ [عبس] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف]. ٢ - ثم أنزله الله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ٣ - ثم نزل مفرقاً من بيت العزة على المصطفى ﷺ حسب الوقائع والحوادث وغير ذلك. وهذا التفصيل ورد موقوفا عن ابن عباس ﵄ من طرق عدة -كما سيأتي- وله حكم الرفع (١). ولا تنافي بين أدلة نزول القرآن مسموعا وأدلة كتابته قبل نزوله كما بين ذلك شيخ الإسلام ﵀ فقال: كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافى أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله. والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان

стр. 402

كيف كان يكون وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها كما ثبت ذلك في صريح الكتاب والسنة وآثار السلف. ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها فيقابل بين الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنه فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال ابن عباس ﵄ وغيره من السلف وهو حق. فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذى يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم به. ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا من وجوه منها: … أن قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر] وقوله ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ [غافر] وقوله ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت] وأمثال ذلك يدل على أنه منزل من الله لا من غيره وكذلك قوله ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فإنه يدل على: إثبات أن ما أنزل إليه من ربه، وأنه مبلغ مأمور بتبليغ ذلك ا. هـ (١) ذكر ما ورد عن ابن عباس ﵄ في ذلك: وقد سُئلتُ عن هذا الأثر الوارد عن ابن عباس ﵄ ونقل لي السائل عن بعض العلماء -ومنهم العلامة ابن عثيمين ﵀ -، القول بتضعيفه رواية ودراية (٢). فاجتهدت في جمع طرقه والنظر في كلام العلماء حوله وتبين لي أن الصواب صحته رواية ودراية كما تقدم في كلام شيخ الإسلام وإليك بيان ذلك، فأقول: قد ورد عن ابن عباس ﵄ من طريق عكرمة ومقسم وسعيد بن جبير. فأما رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄: فرواه دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نُزِّلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَكَانَ إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُحْدِثَ مِنْهُ شَيْئًا أَحْدَثَهُ. هذا لفظ النسائي وفي رواية: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً [واحدة، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ] إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا [فِي رَمَضَانَ] فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً، [كَانَ جِبْرِيلُ ﵍ يَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 403

[حَتَّى جَمَعَهُ] [فَكَانَ فِيهِ مَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ] قَالَ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]، وَقَرَأَ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء]» (١) وأما رواية مقسم عن ابن عباس ﵄: فرواه السُّدِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَأَلَهُ عَطِيَّةُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِيَ الشَّكُّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وَقَدْ أُنْزِلَ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقِعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَشَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَفِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ: رُسُلًا فِي الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ. (٢) وأما رواية سعيد بن جبير فجاءت عنه من طرق: ١ - فرواه جريرُ بن عبد الحميدِ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، في قَوْلهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ

стр. 404

الْقَدْرِ، [إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ] وَكَانَ اللهُ -جل وعلا- يُنَزِّلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْضَهُ فِي أَثَرِ بَعْضٍ، قَالُوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان]» (١) ٢ - ورواه جَعْفَرُ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ كَمَا يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ؟ أَلَا يُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً؟ يُنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ وَالسُّورَةَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ جَوَّابُ مَا قَالُوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» (٢) ٣ - ورواه حُصَينٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ جَمِيعًا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا] إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ فُصِّلَ (وفي رواية فرق) فَنَزَلَ فِي السِّنِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة] [قَالَ: «نَزَلَ مُتَفَرِّقًا»]» (٣)

стр. 405

٤ - ورواه حَسَّانُ (١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «فُصِلَ (وفي رواية رفع) الْقُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ [في ليلة أربع وعشرين من رمضان]؛ [إِلَى جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ] فَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا [جُمْلَةً]، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ ﵍ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ [بِجَوَابِ كَلامِ العِبَادِ، وَأَعْمَالِهِمْ] يُرَتِّلُهُ تَرْتِيلًا» قَالَ سُفْيَانُ: «خَمْسَ آيَاتٍ، وَنَحْوهَا» (٢) ٥ - ورواه سالم بن عجلان الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: «نزل القرآن جملة، ثم نزل على رسول الله ﷺ نجوما» (٣)

стр. 406

٦ - ورواه مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: «أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس» (١). ٧ - ورواه حَبِيبُ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حَتَّى رُفِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ» (٢) ٨ - ورواه أبو سَلَمَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ -وهو ضعيف-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ وَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وَعَنْ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أَكُلُّهُ أَمْ بَعْضُهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَجُعِلَ عِنْدَ مَوَاقِعِ النُّجُومِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة] الْمَلَائِكَةُ، وَيَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵍، كُلَّمَا أُتِيَ بِمَثَلٍ يَلْتَمِسُ عَيْبَهُ، نَزَلَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ نَاطِقًا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ لَوْلَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان]؛ وَقَرَأَ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء]» (٣) ٩ - وتابعه شَرِيكٌ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فِي

стр. 407

قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة] قَالَ: «الْقُرْآنُ» وفي قَوْلِهِ -جل وعلا- ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة] قَالَ: «بِنُجُومِ الْقُرْآنِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِرَقًا قِطَعًا نُجُومًا» (١) ١٠ - وخالفهم سلمة بن كهيل فرواه عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قوله (٢). ذكر بعض كلام أهل العلم في الحديث: قال الطبري ﵀: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَإِنَّهُ ذكرَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ إِنْزَالَهُ إِلَيْهِ. (٣) وقال الآجري ﵀: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ جُمْلَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. (٤) وقال السهيلي ﵀: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. إلَى آخِرِ الْآيَةِ مُسْتَشْهِدًا بِذَلِكَ عَلَى أَنّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهَذَا يَحْمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَدْءَ النّزُولِ وَأَوّلَهُ لِأَنّ الْقُرْآنَ نَزَلَ فِي أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. وَالثّانِي: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ﵄: أَنّهُ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً … وَهَذَا التّأْوِيلُ أَشْبَهُ بِالظّاهِرِ وَأَصَحّ فِي النّقْلِ وَاَللهُ أَعْلَمُ (٥). وقال القرطبي ﵀: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ-

стр. 408

عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ - جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَنْزِلُ بِهِ نَجْمًا نَجْمًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالْأَسْبَابَ، وَذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً .... وَقَالَ مُقَاتِلٌ … أُنْزِلَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كُلَّ عَامٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نُزِّلَ إِلَى السَّفَرَةِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي عِشْرِينَ شَهْرًا، ونزل به جبريل في عشرين سنة. قُلْتُ: وَقَوْلُ مُقَاتِلٍ هَذَا خِلَافَ مَا نُقِلَ مِنَ الْإِجْمَاعِ … ا. هـ (١) وقال الحافظ ابن كثير ﵀: وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّمَا نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ، … ثم نَزَلَ بعدُ مُفَرَّقًا بِحَسْبِ الْوَقَائِعِ … هَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقَالَ فَخْرُ الدِّينِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى إِنْزَالِهِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ اللَّوْحِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَتَوَقَّفَ، هَلْ هَذَا أَوْلَى أَوِ الْأَوَّلُ؟ وَهَذَا الذِي جَعَلَهُ احْتِمَالًا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. (٢). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: قال ابن عباس ﵄: إنه أنزل جملة واحدة … ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ … وفي المسند (٣) عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ : أنه قال: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ﵍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ». (٤) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَرَّقًا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ ا. هـ (٥)

стр. 409

الأمر السابع: القرآن ناسخ لجميع الكتب ومهيمن عليها: الأمر السابع: أن القرآن الكريم هو خاتم الكتب المنزلة من عند الله وأعظمُها وأشرفُها وأهداها، وهو المهيمن عليها، والناسخُ لها ولشرائعها، والجامعُ لأصولها ومحاسنها، والباقي الخالد إلى قيام الساعة. فالإيمان بالكتب السابقة هو الإقرار بها بالقلب واللسان، أما الإيمان بالقرآن فيتضمن الإقرار مع الاتباع، والله قد ذكر التوراة والإنجيل في سورة المائدة ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، فذكر أن القرآن مهيمنٌ أي: هو الناسخ لجميع الكتب السابقة. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: قَوْلُهُ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قَالَ: " الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ» (١) وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ» (٢) وقال الحافظ: «وَتَوْجِيهُ كَلَام ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْقُرْآنَ تَضَمَّنَ تَصْدِيقَ جَمِيعِ مَا أُنْزِلَ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي فِيهِ إِمَّا مُقَرِّرَةٌ لِمَا سَبَقَ وَإِمَّا نَاسِخَةٌ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي إِثْبَاتَ الْمَنْسُوخِ وَإِمَّا مُجَدِّدَةٌ وَكُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُجَدِّدِ» (٣) وقال ربنا سبحانه: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر] قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يا محمد وهو هذا القرآن الذي أنزله الله عليه ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ يقول: هو الحق

стр. 410

عليك وعلى أمتك أن تعمل به، وتتبع ما فيه دون غيره من الكتب التي أوحيت إلى غيرك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقول: هو يصدق ما مضى بين يديه فصار أمامه من الكتب التي أنزلتها إلى من قبلك من الرسل … وقال: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ … ﴿الْكِتَابَ﴾ هو الكتب التي أنزلها الله من قبل الفرقان .... قال: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه وأمة محمد ﷺ لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلا بما فيه من الأحكام والشرائع؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الذي ذهبت إليه وإنما معناه: ثم أورثنا الإيمان بالكتاب الذين اصطفينا؛ فمنهم مؤمنون بكل كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به؛ لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بالعمل بالفرقان عند نزوله، وباتباع من جاء به، وذلك عَمَل من أقر بمحمد ﷺ وبما جاء به وعَمِل بما دعاه إليه بما فى القرآن، وبما في غيره من الكتب التي أنزلت قبله … إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين، ولم تكن أمة على عهد نبينا ﷺ انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته إلخ (١) الأمر الثامن: التحريف الواقع في الكتب السابقة: الأمر الثامن: أن نؤمن أن كتب أهل الكتاب السابقة للقرآن، وهي التوراة والإنجيل والزبور قد نالها التحريف والتبديل والتغيير والكتمان، كما تقدم. فنحن نؤمن بأصولها أنها من عند الله لكن ما تضمنته من تحريف وتبديل فإن هذا لا يلزمنا، وإنما نؤمن بما عندنا في كتاب الله -جل وعلا-. حفظ الله -جل وعلا- للقرآن وللسنة المبيِّنة للقرآن: وأما القرآن فإن الله قد تكفل بحفظه، فما بين الدفتين مما هو مكتوب في المصحف هو القرآن الكريم بغير ارتياب ولا شك، كما ذكر الإمام البيهقي، وقد قرأنا عبارته، وهي عبارة دقيقة يقول: "أن نعتقد أن جميع القرآن الذي تُوُفِّيَ النبي ﷺ عنه هو هذا الذي في مصاحف المسلمين لم يَفُتْ منه شيء، ولم يَضِعْ بنسيان ناسٍ ولا ضلال صحيفة ولا موت قارئ ولا كتمان كاتم، ولم يُحرَّفْ منه شيء، ولم يزد فيه حرف ولم

стр. 411

ينقص منه حرف". يقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] فالله-سبحانه-قد حفظ هذا الكتاب. بل وحفظ السنة المطهرة التي هي بيان من رسولنا ﷺ لهذا الكتاب. ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] يقول البيهقي ﵀: "من أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه أو تحريفه فقد كذَّبَ اللهَ في خبره، وأجاز الخلف فيه، وذلك كُفْرٌ، وأيضًا فإن ذلك لو كان ممكنًا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين بما هو متمسك به؛ لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن أو ضاع بنسخٍ شيءٌ مما هو ثابت من الأحكام أو تبديله بغيره، وبسط الحليمي الكلام فيه، فصَحَّ أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بأن جميعه هو هذا المتوراث خلفًا عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان منه" (١). إذًا هذه أمور يجب أن نعتقدها في إيماننا بالكتب. فإذا قال: آمنت بكتب الله، فالمقصود: اعتقاد هذه الأمور التي نصَّ عليها العلماء ﵏ فيجب علينا أن نؤمن بهذه الكتب التي أمرنا الله -جل وعلا- بها. والقرآن الذي هو كلام الله هو الكتاب الذي جعل الله فيه هداية البشرية بعد بعثة النبي ﷺ . الكتب السماوية مجتمعة على الدعوة إلى توحيد الله: وهذه الكتب العظيمة دعت إلى أصل واحد، وهو توحيد الله -جل وعلا-. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]

стр. 412

من آثار الإيمان بالكتب المنزلة: قال العلماء من آثار الإيمان بالكتب المنزلة: • العلم برحمة الله ﵎، فإذا تأملت فيما أمرك الله -جل وعلا- به من الإيمان بالكتب فإنك تستيقن أن الله رحيم بالناس، ومن رحمته أن أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب المبينة والموضحة، فهذه رحمة من الله ولطف بعباده حيث أنزل للناس كتبًا تهديهم إلى صراطه المستقيم، وتُبيِّن لهم سبيله القويم، وترشدهم إلى ما يحبه ويرضاه وما يبغضه ولا يرضاه، فالعقل لا يمكن أن يستقل بمعرفة ذلك كله. • ثم من آثار ذلك أيضًا: ظهورُ حكمة الله-تعالى-في شرعه: حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسب حالها. فديانة الأنبياء أصلها واحد، وهو التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له لكن شرائعها تختلف بما يناسب كل حال. فإن موسى ﵍ لما جاء بالتوراة جاء فيها بشريعة لقومه تناسب حالهم وتناسب ما هم عليه. ثم بعث الله -جل وعلا- عيسى ﵍ فكان مما قال لقومه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] فجاء في الإنجيل بأمر فيه تيسيرٌ لقومه الذين بعثه الله -جل وعلا- إليهم. ثم جاءت شريعة محمد ﷺ ، وهي شريعة فيها اليسر والرحمة بالناس أجمعين. يقول الله -جل وعلا- في ذكر بعثة نبينا ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فجاءت هذه الشريعة وفيها التيسير. القرآن صالح لكل زمان ومكان: ففي كل كتاب وفي كل شريعة من الأحكام ما يتناسب مع ذلك الزمان وذلك الحال. ثم جاء القرآن الخاتم مناسبًا لجميع بني الإنسان في مختلف العصور والأزمان، فهذه الشريعة المطهرة شريعة محمد ﷺ صالحةٌ لكل زمان ومكان، ومن يَقُلْ غير ذلك فإنه لا يعرف الإسلام الحق ولا يعرف روح هذه الشريعة المباركة. • كذلك من ثمرات الإيمان بهذه الكتب: إثباتُ صفة الكلام لله تعالى: وأنه -جل وعلا-

стр. 413

يتكلم حقيقة متى شاء وكيف شاء وبما شاء. وأنه يُسمِع من شاء من خلقه كلامَه، كما سمعه جبرائيل ﵍ بلا واسطة وكما سمعه موسى ﵍. قال الله -جل وعلا-: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]. • وكذلك الإيمان بعلو الله -جل وعلا- على خلقه كما دلَّت على ذلك آيات القرآن والسنة المطهرة، فنزول القرآن من عند الله يدل على علوه على خلقه. • كذلك من ثمرات الإيمان بهذه الكتب: شكرُ نعمةِ الله العظيمةِ من إنزال هذه الكتب، وانظر إلى أُنْسِك وسَلْوة قلبك وفؤادك -يا عبد الله- وأنت تقرأ كلام الله -جل وعلا- وأنت تقرأ القرآن ستجد فيه الراحة، وستجد فيه الهدى وستجد فيه النور. يقول خباب بن الأرت ﵁: «تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ» (١)، والنبي ﷺ يقول: «إنَّ أَصْدَقَ الحدِيثِ كِتَابُ اللهِ» (٢).

стр. 414

وقال عثمان بن عفان ﵁: «لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا» (١). فأقبلوا على القرآن إذا أردتم الخير في حياتكم وفي أولادكم وفي أنفسكم، والبركةَ في أوقاتكم والسعةَ في أرزاقكم، فعليكم بكتاب الله، عليكم بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار. وقد صحَّ عند الدارمي، عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: «إِنَّ الْبَيْتَ: لَيَتَّسِعُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَكْثُرُ خَيْرُهُ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَإِنَّ الْبَيْتَ: لَيَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَهْجُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَقِلُّ خَيْرُهُ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (٢) وليكن لك -يا عبد الله- وِرْدٌ مع كتاب الله -جل وعلا-، لا سيَّما في هذا الشهر، فأكثر فيه من قراءة القرآن. فصل في ذكر بعض ما روي عن السلف في الاشتغال بكتاب الله: وعناية السلف بتلاوة القرآن وختمه في رمضان وفي غيره باب واسع جدا فمن ذلك: ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ، وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الجمعة (٣). وكان تلميذه الْأَسْوَد بن يزيد ﵀ يَخْتِمُ الْقُرَآنَ فِي لَيْلَتَيْنِ. (٤) - يعني في شهر رمضان (٥). وكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي غير رمضان في سِتٍّ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَخْتِمُهُ فِي خَمْسٍ (٦) [وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ يختمه في كل سبع] (٧) وكان إِبْرَاهِيم النخعي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ قَرَأَهُ فِي لَيْلَتَيْنِ. (٨).

стр. 415

وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ (١). وَكَانَ أَبُو مِجْلَزٍ يَقُومُ بِالْحَيِّ فِي رَمَضَانَ، يَخْتِمُ فِي كُلِّ سَبْع. (٢) وعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عمه أَبِي الْمُهَلَّبِ قَالَ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَمَانٍ، وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ (٣) وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ «كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ» (٤) وقال ابن سعد: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: كَانَ مَعْرُوفٌ إِمَامَ مَسْجِدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ وَكَانَ بِهِ فَتْقٌ وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي ثَلَاثٍ، أَمَّ قَوْمَهُ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ يَسْهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُهِمُّهُ» (٥) وعَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، أنه: «كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، ثُمَّ يُصْبِحُ الْيَوْمَ الَّذِي يَخْتِمُ فِيهِ صَائِمًا» (٦) وعَنِ ابْنِ طاووس، عَنْ أَبِيهِ،: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا حَتَّى يَخْتِمَ الْقُرْآنَ، وَكَانَ يَطُوفُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ سُبُوعًا (٧). وقِيلَ لِلإمام مَالِكٍ ﵀: الرَّجُلُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ؟ قَالَ: مَا أَجْوَدَ ذَلِكَ إِنَّ الْقُرْآنَ إِمَامٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ كَانَ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ -يعني الجمحي- فِي رَمَضَانَ قَالَ: فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يَسْتَفْتِحُ القرآن في كل ليلة. (٨) وقال الرَّبِيع تلميذ الشافعي: كَانَ الشَّافِعِيُّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً. (٩)

стр. 416

وفي ترجمة الإمام أبي حنيفة من تاريخ بغداد عن مسعر بن كدام قال: دخلت ذات ليلة المسجد فرأيت رجلا يصلي فاستحليت قراءته فقرأ سُبْعاً، فقلت يركع، ثم قرأ الثلث، ثم قرأ النصف، فلم يزل يقرأ القُرْآن حَتَّى ختمه كله في ركعة، فنظرت فَإِذَا هُوَ أَبُو حنيفة. وَقَالَ خارجة بن مُصْعَب: ختم القُرْآن في ركعة أربعة من الأئمة، عُثْمَان بن عَفَّان، وتميم الداري، وَسَعِيد بن جُبَيْر، وَأَبُو حنيفة. وَقَالَ يَحْيَى بن نصر: كَانَ أَبُو حنيفة ﵀ ربما ختم القُرْآن في شهر رمضان ستين ختمة. (١) ولَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ ﵀ الْوَفَاةَ بَكَتْ أُخْتُهُ، فَقَالَ: «لَا تَبْكِي -وَأَشَارَ إِلَى زَاوَيَةٍ فِي الْبَيْتِ- فَقَدْ خَتَمَ أَخُوكِ فِي تِلْكَ الزَّاوْيَةِ ثَمَانَيَةَ عَشَرَ أَلْفِ خَتْمَةٍ» (٢) وفي رواية: لمّا حضرته الوفاة بكت ابنته، فقال: يا بنيّة لا تبكي أتخافين أن يعذبني الله وقد ختمت في هذه الزاوية أربعة وعشرين ألف ختمة؟ (٣) ومكث ﵀ أربعين سنة يختم في كل يوم وليلة ختمة. (٤) وقَالَ لِابْنِهِ -وأراه غرفة- يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ فَإِنِّي خَتَمْتُ فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ خَتْمَةٍ. (٥) ولَمَّا نَزَلَ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْمَوْتُ بَكَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: لَا تَبْكِيَن، فَقَدْ خَتَمْتُ

стр. 417

الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ. (١) وقال الحافظ أبو الفضل صالح بن محمد الرازي: ختمت القرآن أربعة آلاف ختمة. (٢) وكان الإمام البخاري ﵀ يختم القرآنَ كلَّ ثلاثِ ليالٍ، ويقول: عند كل ختمةِ دعوةٌ مستجابة (٣) فما أروعه من جيل؛ وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على حرصهم في اغتنام دقائق وساعات هذا الوقت. وقد يستغرب الإنسان: أيعقل أن يقرأ الإنسان القرآن في يوم واحد مرتين؟! والجواب: نعم، ويعرف ذلك من جرَّبه، ومن كان قلبُه وأُنْسُه مع كتاب الله -جل وعلا-. أما نحن في هذا الزمان فإننا نُقَرِّبُ المصحف لنقرأ ونُقَرِّبُ معه هذه الجوالات وهذه الملهيات والمُشغِلَات، فربما قرأ الإنسان دقيقة، وانشغل بهذه الملهيات ساعات وساعات -نسأل الله العفو والعافية-. فتدارك نفسك يا عبد الله. واجتهدوا -رحمكم الله- في اغتنام ما بقي وسلوا الله القَبولَ لما مضى. انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس الإيمان بالقدر خيره وشره

стр. 418

سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (٥) الإِيْمَانُ بالقَضَاءِ والقَدَرِ تأليف أبي حمزة غازي بن سالم أفلح عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين تقديم الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر

стр. 419

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م (مزيدة ومنقحة) رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢ Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩ الترقيم الدولي ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤ التصنيف العمري: E تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com الإمارات العربية المتحدة - الشارقة البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧ تويتر: @ DroosAldar

стр. 420

الركن الخامس من أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره

стр. 421

المجلس الثامن عشر (١) الشعبة الخامسة من شعب الإيمان: الإيمان بالقضاء والقدر كل شيء بقضاء وقدر: قال البيهقي ﵀: "الخامس من شعب الإيمان وهو: بابٌ في القدر خيره وشره من الله -جل وعلا-، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] … وفي هذه الآية دلالة على أن قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] معناه: ما أصابك من شيء يسرك من صحة بدنٍ أو ظفر بعدو وسعة رزق ونحو ذلك فالله مُبتَدِيك بالإحسان به إليك، وما أصابك من شيء يسوؤك ويغمك فبكسب يدك لكن الله مع ذلك سائقُه إليك والقاضي به عليك، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] وقد يكون فيما يسوؤه جراحات تصيبه أو قتل أو أخذ مال أو هزيمة وقد أَمَرَ في الآية الأخرى بأن يقول فيها وفيما يصيبه من خلافها: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] فدَلَّ أن ذلك كله بتقدير الله -جل وعلا- غير أنه في آية أخرى أخبر أنه إنما يصيبه جزاء له بما جناه على نفسه بكسبه، وليس ذلك بخلاف بما أمر به في الآية الأولى" (٢). إذًا لخَّص البيهقي ﵀ اعتقاد المؤمن الواجب عليه في هذا الباب الخطير. وفي هذه الآية يقول الحافظ ابن كثير ﵀: ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلرَّسُولِ ﷺ وَالْمُرَادُ جِنْسُ الْإِنْسَانِ لِيَحْصُلَ الْجَوَابُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ

стр. 422

فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: فَمِنْ قِبَلِكَ، وَمِنْ عَمَلِكَ أَنْتَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى] قَالَ السُّدِّيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ جُريج، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذَنْبِكَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عُقُوبَةً يَا ابْنَ آدَمَ بِذَنْبِكَ … وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذَنْبِكَ، وَأَنَا الَّذِي قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ (١). وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَهْلٌ -يَعْنِي ابْنَ بَكَّار -حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ وَاصِلِ بْنِ أَخِي مُطَرِّف، عَنْ مُطَرِّف بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنَ الْقَدَرِ، أَمَا تَكْفِيكُمُ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] أَيْ: مِنْ نَفْسِكَ، وَاللَّهِ مَا وُكِلُوا إِلَى الْقَدَرِ وَقَدْ أُمِروا وَإِلَيْهِ يَصِيرُونَ (٢). وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ أَيْضًا ا. هـ (٣). تعريف الإيمان بالقدر: هو الإيمان بأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بعلم الله وكتابته السابقة ومشيئته النافذة وخلقه له خيرًا أو شرًّا حلوًا أو مُرًّا. فما من شيء في هذا الكون يقع إلا بتقدير الله. فإيمانك بالقضاء والقدر يعني أن تؤمن بأن كلَّ شيء من عند الله. تعريف القدر بالقدرة: وقد جاء تفسير القدر عند بعض السلف كزيد بن أسلم والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم أن القدر هو "قدرة الله -جل وعلا- على العباد … " أي: إن الله قادر على كل شيء. فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵀ أنه قَالَ: الْقَدَرُ قَدْرَةُ اللَّهُ -جل وعلا-، فَمَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ جَحَدَ قُدْرَةَ اللَّهِ -جل وعلا- (٤). وروي عن زيد عن عمر بن الخطاب ﵁. (٥)

стр. 423

وقَالَ: زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أيضا: «مَا أَعْلَمُ قَوْمًا أَبْعَدَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْمٍ يُخْرِجُونَهُ مِنْ مَشِيئَتِهِ، وَيُنْكِرُونَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ» (١) وفي السنة لأبي بكر بن الخلال أَنَّ الإمام أحمد ﵀ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ، فَقَالَ: " الْقَدَرُ قُدْرَةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنْ زَنَى فَبِقَدَرٍ، وَإِنْ سَرَقَ فَبِقَدَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، اللَّهُ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ " (٢) وعلق شيخ الإسلام ﵀ على كلام الإمام أحمد ﵀ فقال: يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ فَقَدْ أَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (٣). واستحسن ابن عقيل ﵀ هذا الكلام من الإمام أحمد غاية الاستحسان وقال: إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر. وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين ا. هـ (٤) قال ابن القيم ﵀: وهو كما قال أبو الوفاء: فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم ا. هـ (٥) وقال: والقدر منشؤُه عن علم الرب وقدرته (٦) وقال أيضا: والمخاصمون في القدر نوعان: أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره كالذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق والطائفتان خصماء الله. قال عوف: مَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ، فَقَدْ كَذَّبَ بِالْإِسْلَامِ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ قدر أقدارا وخَلْقَ الْخَلْقِ بِقَدَرٍ وَقَسَمَ الآجال بِقَدَرٍ وقسم

стр. 424

الأرزاق بِقَدَرٍ وَقَسَمَ الْبَلَاءَ بِقَدَرٍ وَقَسَمَ الْعَافِيَةَ بِقَدَرٍ وَأَمَرَ وَنَهَى (١) ا. هـ (٢) وقال ﵀ في قصيدته الكافية الشافية: فحقيقة القدر الذي حار الورى … في شأنه هو قدرة الرحمن واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد … لما حكاه عن الرضا الرباني قال: الإمام شفا القلوب بلفظة … ذات اختصار وهي ذات بيان (٣) وقال ﵀: القدر بحر محيط لا ساحل له، ولا خروج عنه لأحد من العالمين، والشرع فيه سفينة النجاة، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها فهو من المُغْرَقين، وهو قُدْرَةُ الله الذي هو على كل شيء قدير، وكل مخلوق فمنه ابتدأ وإليه يصير. والإيمان به قُطْب رحا التوحيد ونظامه، ومبدأ الإيمان وتمامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، والحكمة آخِيَّته التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فالقدر مظهر المُلْك، والحكمة مظهر الحَمْد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة وكمال التقدير. فلا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين، ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف]. ا. هـ (٤)

стр. 425

الفرق بين القضاء والقدر: ١ - من أهل العلم من لم ير فرقا بينهما قال العلامة ابن باز ﵀: … ومعناهما واحد وهو الشيء الذي قضاه الله سابقا وقدره سابقا، يقال لهذا قضاء، ولهذا قدر يعني ما سبق في علم الله أنه قدره من موت وحياة وعز وذل وأمن وخوف، كله وغيره يسمى قضاء ويسمى قدرا ا. هـ (١) واختاره تلميذه شيخنا العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله (٢). ٢ - ومن العلماء من قال: هاتان الكلمتان مترادفتان إن تفرقتا، ومتباينتان إن اجتمعتا. فإذا قيل: القضاء بدون أن يقترن به القدر كان شاملاً للقضاء والقدر، وإذا قيل: القدر دون أن يقترن به القضاء كان شاملاً للقضاء والقدر أيضاً. وإذا قيل: القضاء والقدر جميعاً فالكتابة قدر والمشيئة قضاء، يعني القدر: ما قدر الله تعالى في الأزل وكتبه في اللوح المحفوظ، والقضاء: ما يقضي به الله من أفعاله أو أفعال الخلق. وهو اختيار العلامة ابن عثيمين (٣) ٣ - وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن ﵀: القدر أصل من أصول الإيمان، كما في سؤال جبريل ﵍، وما أجابه به رسول الله ﷺ حين سأله، قال: «الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٤)، وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ .... فجرى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٥) أي: جرى بما يكون مما يعلم الله تعالى، فإنه تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون ﴿لَا يَعْزُبُ
следующие страницы →