كثيرا منها حفل بالأسانيد التي تروى بها أحاديث كثيرة، وهذه الأسانيد لا تخلو من واحد من أحوال ثلاثة:
١- أن يروي المخرج الحديث بسنده إلى صاحب الكتاب الذي ذكره أو إلى أحد الكتب المعتمدة في الرواية أو أحد رجاله، كما هو صنيع الحافظ ابن حجر –﵀ في تخاريجه التي من أشهرها: تغليق التعليق، ونتائج الأفكار. يقول في مقدمة الكتاب الأول: التزمت في وصل هذا التعليق أن أسوق أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة بإسنادي إلى من علق عنه المصنف لا إلى غيره ا? (١) . وفائدة هذا –فيما يظهر لي– أمور:
أولاً: حفظ الإسناد الذي اختص الله به هذه الأمة دون غيرها، ولاشك أن وجود الإسناد في هذه الأزمنة المتأخرة من مظاهر هذا الاختصاص.
ثانياً: بيان علو الإسناد لدى المصنف، فمثلاً: روى الحافظ حديث أنس –﵁– "يتباهون بالمساجد ... " لذي علقه البخاري، رواه الحافظ بإسناده ثم قال: وهكذا رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق أبي عامر، وقد وقع لنا من وجه آخر أعلى من طريقه ... ثم ساق إسناده، وقال عقبه: وقع لنا بدلاً عالياً. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق حماد بن سلمة ... وقد وقع لنا عالياً.. ثم ذكره (٢) .
ثالثاً: أن المخرج يفعل ذلك ليبين اتصال إسناده بمؤلف أو بكتاب أوبإسناد بعينه، كما فعل الإمام العراقي في تقريب الأسانيد، فقد خرج لابنه
стр. 37
أحاديث بأسانيد محصورة مما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، ثم ساق إسناده إلى هذه الأسانيد المشهورة (١) .
٢- أن يخرج المصنف من كتاب ويذكر إسناد صاحب الكتاب تاماً، وهذه الكتب منها الموجود بين أيدينا ومنها المفقود، وتظهر فوائد هذا الأمر فيما يأتي:
أولاً: حفظ مصادر أصلية للرواية فُقد كثير منها، ولا سبيل إلى معرفة سندها إلا بالنقل من هذه المصادر الفرعية التي خرجت منها. ذكر الزركشي في المعتبر أثر ابن عباس –﵁– أنه قال: يصح الاستثناء في اليمين وإن طال شهراً. قال الزركشي: ورد مرفوعاً عنه: أربعون يوماً. رواه الحافظ أبو موسى في كتاب: التبيين لاستثناء اليمين من حديث يحيى بن سعيد
– قرشي كان بفارس– عن عمرو بن دينار.... ثم ذكره (٢) .
وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه: تغليق التعليق أنه يجمع أسانيده في الكتب التي يحيل عليها في فصل يختم به الكتاب (٣) . وهو ما فعله، فقد ذكر أسانيده إلى: مصنف حماد بن سلمة، ومصنف وكيع (٤) ، والتفسير لابن غندر وغيرها (٥) لكنها لم تتجاوز أربعة وستين كتاباً (٦) . وهذا العدد ليس كل
стр. 38
الكتب التي استفاد منها، فقد ذكر محقق الكتاب أن الحافظ استفاد في كتابه هذا من أكثر من خمسين وثلاثمائة مصنف (١) .
وهذا العدد الكبير من الكتب منه ما هو موجود، ومنه ما لا وجود له بأيدينا، ولعل من النوع الثاني: كتاب البر والصلة، وكتاب بر الوالدين، كلاهما للإمام البخاري، والسنة لأبي الحسين محمد بن حامد بن السري (ت٢٩٩هـ) ، وصحيح البجيري (ت٣١١هـ) ، وأمالي ابن البختري (ت٣٣٩هـ) ، وكتاب الجمعة للطبراني (ت٣٦٠هـ) ، وأمالي القطيعي (ت٣٦٨هـ) ، والروح لابن منده (ت٣٩٥هـ) ، وفضائل الصحابة لطراد بن محمد الزينبي (ت ٤٩١هـ) ، والسفينة الجرائدية لمحمد بن يعقوب الجرائدي (ت ٧٢٠هـ) . ونحوها من المصادر الحديثية.
في حديث: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" أورد إسناد ابن أبي عاصم في كتاب العلم (٢) . وفي قول الحسن –﵀: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها. نقل إسناد الحسين بن الحسن في كتاب الصيام (٣) . ونحو هذا كثير.
ثانياً: ما يوجد عند المخرِّج من علو إسناد على صاحب الكتاب المخرَّج منه ذكر الحافظ في مقدمة كتابه السابق أنه إذا أخرج حديثاً من مصنف غير متداول فذلك لفائدتين:
стр. 39
إحداهما: أن يكون من مسموعه. الثانية: أن يكون عالياً (١) .
ثالثاً: جمع أسانيد الحديث في مكان واحد، وفي ذلك فوائد يدركها أهل الفن، لعل من أظهرها: مقارنة المتون ببعضها، وإظهار السقط والتحريف والتصحيف، وتعيين المبهم وتقييد المهمل، وبيان المتابعات والشواهد، واستظهار الحكم الكلي علىالحديث، وغير ذلك.
ذكر الزركشي حديث: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ... " ثم قال: روي عن ستة من الصحابة.. فذكرهم وذكر رواياتهم بأسانيدها (٢) .
وذكر الحافظ ابن حجر حديث أبي هريرة –﵁: "لاصلاة لمن لا وضوء له" ثم بين أنه رواه من الأئمة أحمد وأبو داود والدارقطني وابن ماجه والحاكم، وذكر أسانيدهم بعد أن رواه بإسناده هو (٣) .
رابعا ً: أن المخرج قد يذكر إسناد أحد المصنفين ثم يذكر ما يفيد في التصحيح والتضعيف. وهذا الصنيع أكثر منه الإمام الزيلعي إذ يذكر الحديث بسند المصنف ثم يبين ما فيه من علل إسنادية، فقد ذكر حديث زياد بن الحارث: "من أذن فهو يقيم" ثم ذكر رجال إسناده وما قيل في كل منهم وأجاب عن ذلك (٤) . وكذلك الحافظ ابن حجر فقد خرج حديثاً من الجعديات فذكر إسناده ثم قال: عاصم فيه لين. ا? (٥) .
стр. 40
وذكر أن الإمام أحمد أخرج حديث: "كيف تقول في الصلاة.. " فذكر إسناده ثم قال: هذا حديث صحيح (١) . بل قد شرط في مقدمة ((تغليق التعليق)) أنه إذا قال البخاري في صحيحه: قال رسول الله ﷺ فإنه يخرجه من أصح طرقه إن لم يكن عند البخاري موصولاً في موضع آخر (٢) .
خامساً: قد يسوق المخرج إسناداً يذكر فيه فوائد لاتظفر بها في غير هذا الموضع، فقد ذكر الحافظ حديث: "إن حبها أدخلك الجنة" وعند تخريجه له من سنن أبي داود ذكر أن المزي في الأطراف لم يذكره تبعاً لابن عساكر، وتعقبه أيضاً في رموزه في تهذيب الكمال لبعض الرواة ثم قال: وقد خرجنا عن المقصود، وإنما نبهنا على ذلك للفائدة ا? (٣) .
٣- أن يذكر المخرج بعض إسناد الكتاب المخرج منه. وأهم الفوائد التي تدعو لهذا الأمر:
أولاً: التمييز بين رواية صحابي وآخر، كقول العراقي عن حديث: "الركوعين في الخسوف": متفق عليه من حديث عائشة وابن عباس (٤) .
ثانياً: بيان أصل الحديث أو شا?ده الصحيح. كقول العراقي عن حديث: "ثم يفشو الكذب ... ": ابن حبان من حديث ابن عمر والحديث متفق عليه بلفظ آخر من حديث أبي هريرة وعمران (٥) .
стр. 41
وكقول السيوطي عن حديث: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني ... ": ابن سعد وهو في الصحيح من حديث عائشة (١) .
ثالثاً: أن يذكر إسناد أحد المصنفين ويأتي بعده من يخرجه من طريقه أو يلتقي معه في إسناده، فإن المخرج لايذكر إسناد الثاني كاملاً بل يأتي بالمقصود منه يقول الزيلعي عن حديث: "جاء جبرائيل فصلى بالنبي ﷺ ... ": رواه عبد الرزاق في مصنفه ... وذكر سنده ... قال: وعن عبد الرزاق رواه إسحاق في مسنده (٢) .
ويقول السخاوي عن حديث: "إذا أراد الله بالأمير خيراً ... " رواه أبو داود في سننه ... وذكر إسناده..ثم قال: ورواه عمر بن سعيد عن القاسم عن عائشة ... فذكر نحوه وقال: أخرجه النسائي والبيهقي في الشعب والتيمي في الترغيب (٣) .
رابعاً: أن يكون المذكور من السند هو من تكلم فيه من رجاله أو من أعل به الحديث. يقول العراقي عن حديث: النص على إمامة علي –﵁: ابن حبان في الضعفاء من رواية مطر بن ميمون عن أنس فذكره ونقل عن ابن حبان أنه قال: مطر يروي الموضوعات. ثم ذكر أن الطبراني أخرج نحوه من رواية مينا عن ابن مسعود وقال: ((مينا كان يكذب قاله أبو حاتم)) .ا? (٤) . وهذا يكثر في كتب التخريج.
стр. 42
المطلب الثاني: دور علم التخريج في حفظ السنة دراية
علم التخريج ماهو إلا تطبيق عملي لقواعد علم دراية الحديث، فقد وضع المتقدمون هذا العلم وقعدوه في مصنفات تبين حرصهم على صيانة الحديث النبوي من الوضع والكذب والضعف الذي قد يتطرق إليه.
ثم جاء من طبق هذه القواعد على الروايات ونقدها نقداً علمياً مبنياً على هذه الأسس العلمية، وذلك في مصنفات جمعت طرق الأحاديث وأجرت عليها هذه القواعد وهي كتب التخريج.
وعند التأمل في هذه المصنفات التي عنيت بالتخريج نجد قواعد علوم الحديث مبثوثة في أطرافها، مما يعني أن هذه القواعد لم تكن أمراً نظرياً يستعصي على التطبيق والعمل به، وهو يعني أيضاً أن علم التخريج حفظ هذه القواعد من الضياع أو التهميش، وسواء كانت هذه القواعد في الأسانيد أو في المتون.
ويمكن أن أبين أن مظاهر هذا الحفظ يمكن تجلية أهم جوانبها في أمرين:-
الأول: حفظ علم التخريج لعلوم الإسناد:
تعددت جوانب العناية بعلوم الإسناد عند المعتنين بالتخريج، والسبب أن العناية بالأسانيد هي الطريق إلى إثبات المتون أو عدمه، فالإسناد هو الطريق الموصل إلى المتن. ويمكن استجلاء جوانب هذه العناية التي حفظت علوم الإسناد من خلال الأمور التالية:
١- بيان كثرة مخارج الحديث:
من الأمور التي يعتني المخرج بها بيان كثرة مخارج الحديث سواء كان
стр. 43
ذلك من جهة كثرة الصحابة الذين رووه، أو كثرة طرقه. مثال ذلك ما ذكره الزيلعي عند ذكر المضمضة والاستنشاق، وأنه ﷺ واظب عليهما. قال: الذين رووا صفة وضوء النبي ﷺ من الصحابه عشرون نفراً، ثم ذكرهم وذكر من أخرج حديث كل منهم (١) .
ومثل قول الحافظ ابن حجر عند ذكره حديث عائشة – ﵂: "كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن ما استطاع". قال: هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة والطيالسي، وذكر أسانيدهم (٢) . ومن هذا الباب كتب الأحاديث المتواترة.
٢- تتبع المتابعات وترتيبها بقصد تكثير الطرق والحكم على الإسناد.
إن مباحث المتابعات والشواهد مما يتوافر في أي كتاب من كتب المصطلح، إلا أن طريقة ترتيب هذه المتابعات وكيف يستفاد منها في الحكم على الحديث مما اعتنت به كتب التخريج أكثر. مثال ذلك ما ذكره الحافظ عند ذكره لحديث الإبراد بالظهر أنه مروي عن حفص عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري –﵁– ثم قال: تابع حفصاً سفيان ويحيى وأبو عوانة عن الأعمش ... ثم ذكر من أخرج هذه المتابعات (٣) .
٣- الاعتناء بالعلل الإسنادية.
إن بيان العلل والكلام على الأحاديث كلاما معللاً ليس أمراً من السهولة
стр. 44
بمكان، ولا ينهض به إلا الجهابذة من العلماء، وقد أولت كتب التخريج
– الموسع خاصة- هذا الجانب جل اهتمامها، فهم يطيلون النفس عند الكلام على الاختلاف على الراوي واضطراب الإسناد وما شابه ذلك من أبواب ومسالك التعليل. نقل الزيلعي عند حديث: "إذا بلغ الماء قلتين.. " أن ابن دقيق العيد ضعف الحديث للاضطراب في سنده ومتنه، ثم لخص كلامه في هذا الشأن تلخيصاً حسناً (١) .
وذكر الحافظ ابن حجر حديث: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف" فبين أنه اختلف على ابن جريج في إسناده فروي مرة مرسلا ومرة متصلا، والإرسال أرجح، وذكر ما يؤيد ذلك (٢) .
ويمكن أن يطلق على هذا النوع: التخريج المعلل.
٤- الاعتناء بالرواة جرحاً وتعديلاً.
تعتني كتب التخريج بالحكم على الرواة، وبيان ما قيل فيهم من جرح أو تعديل، لأن ذلك سبيل إلى الحكم على الأحاديث، وسواء كانت هذه الأحكام منقولة عن المتقدمين أو قالها المخرج بناء على تتبعه وسبره لحال الراوي ذكر الزركشي أن حديث: "الأئمة من قريش" من رواية بكير بن وهب، ثم نقل عن ابن القطان أنه قال: لا يعرف حاله، وأن الذهبي تابعه على ذلك..ثم قال: لكن وثقه ابن حبان ورواية النسائي له توثيق منه، وله طرق يقوي بعضها بعضاً (٣) .
стр. 45
وفي حديث دعاء دخول المسجد ذكر الحافظ ابن حجر أنه مروي عن سالم بن عبد الأعلى.. ثم قال: سالم ضعيف جداً (١) .
٥- الاعتناء بمواضع الاتصال والانقطاع في الإسناد.
تعتني كتب التخريج بهذا الأمر بما قد لايجده الباحث في مواضع أخرى، خصوصاً الانقطاع الخفي في الإسناد فهو مما يخفى على كثير من الباحثين.
في حديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" ذكر الزيلعي الخلاف في سماع الحسن من سمرة –﵁– وأطال في ذلك بذكر الخلاف والترجيح (٢) ، وكذلك فعل الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٣) .
٦- الاعتناء ببيان الشواهد والتمييز بين رواية صحابي وآخر.
عادة مايميز المخرجون بين روايات الصحابة إذا كان الحديث مروياً عن أكثر من صحابي. وهذا مفيد بالطبع في البحث عن رواية صحابي بعينه. يقول المناوي -مثلا– عن حديث: "لسائل حق وإن جاء على فرسه": أخرجه أحمد من حديث الحسين بن علي، وأبو داود من حديث علي، وابن راهويه من حديث فاطمة الزهراء، والطبراني من حديث الهرماس بن زياد (٤) .
٧- الاعتناء ببيان السقط والوهم الذي قد يحصل في الإسناد.
وهذا مما قد يخفى على الناظر في الأسانيد المفردة، فإذا جمعت الطرق والأوجه تبين السقط أو الوهم. لما ذكر السخاوي حديث أنس –رضي الله
стр. 46
عنه-: "السلطان ظل الله في الأرض" خرجه من جزء عباس الترقفي، ومن طريقه البيهقي في الشعب، وذكر أنه سقط عليهما معاً الحسن البصري بين الربيع وأنس (١) .
وذكر العراقي في تخريجه لأحاديث البيضاوي حديث: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين" ونقل عن البيضاوي أن رسول الله ﷺ قال ذلك لأبي بكر، ثم تعقبه بقوله: وإنما هو لأبي بكرة بزيادة التأنيث، وذكر من أخرجه (٢) .
وأشار الزركشي إلى نحو من هذا، وأن الحديث أخرجه النسائي بلفظ:
"لايقضين أحد في قضاء واحد بقضاءين" وقال: هذه الفائدة تساوي رحلة، وبه يظ?ر تحريف ماوقع في المنهاج من وجهين، وأن الصواب أبو بكرة وأنه شرع عام لا خطاب لواحد (٣) .
٨- الاعتناء بالزيادات الواردة في الأسانيد.
لاشك أن إثبات زيادات الأسانيد أو نفيها مبحث من أشهر مباحث علوم الإسناد، وهو مما يفتقر إلى علم جمع الطرق والنظر في الرجال وأحوالهم ومتابعاتهم. وهذا الأمر يتحقق بكثرة في كتب التخريج. ذكر السخاوي حديث عياض بن حمار –﵁: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم" فقال: رواه عدد من الثقات من طريق مطرف عنه، وزاد بعض الثقات أيضاً بينهما واسطة (٤) .
стр. 47
وذكر الحافظ حديث النهي عن الصلاة فوق الكعبة ثم قال: الترمذي عن ابن عمر.. وذكره.. ثم قال: ورواه ابن ماجه من طريق ابن عمر عن عمر، وفي سند الترمذي: زيد بن جبيرة وهو ضعيف جداً، وفي سند ابن ماجه: عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضاً، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع فصار ظاهره الصحة (١) .
٩- الوقوف على أسانيد لبعض الروايات التي يظن أنه لا إسناد لها.
قد يخفى على بعض العلماء –فضلا عن غيرهم– أسانيد بعض الأخبار فيطلقون الحكم بعدم وجود إسناد لها، إلا أن المشتغلين بالتخريج لصلتهم بالبحث وكثرة مراسهم له قد يظفرون بما لا يظفر به غيرهم من الأسانيد والمتون. مثل قول الذهبي ﵀ عن قول علي ﵁ لما سئل عن قتل الجماعة بالواحد....: لم أظفر له بسند ا?. فقد تعقبه الزركشي بقوله: قلت: رواه الخطابي في غريب الحديث ... فذكره (٢) .
وفي أثر ابن عمر –﵁: وقعت في سهمي جارية من سبي جلولاء ... نقل الحافظ عن الرافعي أنه قال: أقمت عشرين سنة أبحث عمن خرج هذا الأثر فلم أظفر به إلا بعد ذلك، ثم ذكر الحافظ تخريجه (٣) .
١٠- ذكر بعض الفوائد الإسنادية التي قد لا يظفر بها في غير هذه المواضع.
стр. 48
هناك فوائد إسنادية لا وجود لها إلا في كتب الشروح أو كتب التخريج، وهي فوائد قيمة يعتني بها الباحثون وأهل الفن.
في حديث: "لاصلاة لمن لاوضوء له" قال الحافظ: أخرجه الدارقطني من طرق إلى أبي ثفال، وهو بكسر المثلثة وتخفيف الفاء، واسمه: ثمامة بن وائل، ونسبه الترمذي إلى جده، وهو موثق. وشيخه رباح: بفتح الراء وتخفيف الموحدة وآخره مهملة، ولا نعرف له راوياً غير أبي ثفال، وأما جدته فوقع في بعض طرقه أنها أسماء وأن لها صحبة (١) . فقد تضمن هذا الكلام ضبطاً وحكماً وتعيين مبهم.
وذكر السخاوي حديث: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً" ثم قال: فيه ثلاثة من الصحابة في نسق، وشيخ بقية المبهم الظاهر أنه أبو عبد الرحمن التميمي (٢) .
وربما نبه على شيء يخص بعض الرواة: كقول الحافظ عند حديث سلمة ابن كلثوم أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة.... الحديث أخرجه ابن ماجه وليس لسلمة في سنن ابن ماجه وغيرها إلا هذا الحديث الواحد اه) ٣) . فهذه الأمور التي اعتنت بها كتب التخريج من مسائل الإسناد لا تعني سوى حفظ علم التخريج لكثير من علوم الإسناد.
الثاني: حفظ علم التخريج لعلوم المتن:
إن الغرض من دراسة الأسانيد والعناية بها هو التوصل إلى إثبات المتون أو
стр. 49
نفيها، سواء كان ذلك للمتن كله أو لبعضه، وإذا اعتنت كتب التخريج بالأسانيد فإن عنايتها بالمتون لا تقل عن ذلك. ولعل أبرز صور هذه العناية بالمتون:
١- جمع ألفاظ المتون.
لاشك أن الرواية بالمعنى عند المحدثين كانت أكثر من الرواية باللفظ، وهذا الأمر كان سبباً في اختلاف الألفاظ الذي قد يترتب عليه اختلاف في استنباط الأحكام ومعرفة ما يدل عليه لفظ المتن. وقد اعتنت كتب التخريج بجمع ألفاظ المتون للمقارنة بينها، ويظهر هذا الأمر بكثرة في الكتب التي اعتنت بتخريج أحاديث فقهية، فقد ذكر الزيلعي حديث القلتين وأشار إلى الاضطراب في متنه وذكر الألفاظ التي روي بها وأطال في ذلك بما لامزيد عليه (١) .
وفي حديث: أن رسول الله ﷺ جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر. قال الحافظ ابن حجر: متفق عليه بهذا اللفظ، وله ألفاظ ثم ذكرها (٢) . ولا يكاد يخلو كتاب تخريج من هذا النوع من الاعتناء بهذا الأمر.
٢- تصحيح المتون وتقويمها كما وردت في كتب المحدثين.
قد ترد بعض المتون في بعض الكتب بغير ألفاظها الواردة في كتب الحديث الأصلية، إما رواية لها بالمعنى أو لأن الذين ذكروها ليسوا من أهل الأثر، وحينئذ يأتي المخرج فيعيد الأمر في نصابه، ويرد اللفظ إلى أصله.
стр. 50
ذكر الغزالي في الإحياء حديث: "اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم" قال العراقي: مسلم من حديث عائشة: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل" (١) .
وفي حديث ذكره البيضاوي بقوله: ((قيل إنه ﵇ صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة)) قال المناوي: هذا تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي ﷺ إماماً، ولا هو الذي تحول في الصلاة، ثم ذكر الرواية الصحيحة (٢) .
٣- تحرير ألفاظ المتون.
قد تختلط بعض ألفاظ المتون ببعض أو يتساهل في عدم إيرادها كما جاءت، وحينئذ يلتزم المخرج بتحرير اللفظ ويعتني بتحقيقه.
ذكر الحافظ ابن حجر قول الرافعي: إن النبي ﷺ كان يبتدئ الصلاة بقول: الله أكبر، هكذا روته عائشة.
وتتبعه الحافظ بقوله: هكذا قال، وليس هذا اللفظ في حديث عائشة، بل الذي في مسلم عن عائشة: "كان يستفتح الصلاة بالتكبير"..... إلى أن ذكر أن كلمة: الله أكبر رواها ابن ماجه من حديث أبي حميد والبزار من حديث علي بإسناد صحيح (٣) .
وعند حديث ذكره الزمخشري بين أنه لَفَّقَهُ من متون عدة (٤) .
стр. 51
٤- الاعتناء ببيان زيادات المتون.
علم زيادات المتون مما اعتنى به المتقدمون، وذكروا قواعده في مباحث علوم الحديث، وذكروا متى تقبل هذه الزيادات ومتى ترد. وقد أولت كتب التخريج هذا النوع عنايتها -ولاسيما التي خرجت الأحاديث الفقهية- ذكر الحافظ حديث: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" ثم قال: لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث، فإن جعفر بن محمد شيخ الترمذي تفرد بها ولم يضبط الإسناد، ثم ذكر لها شاهداً (١) .
وفي حديث دعاء الاستفتاح قال الحافظ: تنبيه: زاد الرافعي في سياقه بعد ((حنيفاً)) : مسلماً. وهو عند ابن حبان من حديث علي، وزاد بعد قوله:
((سبحانك)) : وبحمدك. وهو في رواية الشافعي (٢) .
٥- بيان نكارة المتن.
إن أغلب حديث كتب المصطلح يتوجه إلى نكارة الإسناد، إذ نكارة المتن ليست لها قاعدة تضبطها وتندرج تحتها، بل هي مما يعرف عند جمع ألفاظ المتون أو عند تأمل هذه الألفاظ ومعرفة وجه نكارتها، وقد عنيت كتب التخريج بهذا الأمر، فغالباً ماينبه المخرج لنكارة المتن.
مثل حديث: "من صلى ليلة الأحد عشرين ركعة ... " قال العراقي عنه: ذكره أبو موسى المديني بغيرإسناد، وهو منكر (٣) .
٦- الاعتناء ببيان الأوهام الواردة في المتون.
стр. 52
اعتنت كتب التخريج ببيان ما قد يحصل في المتون من بعض الأوهام من قبل بعض الرواة. إذ إن كثيراً من الأوهام لا تتبين إلا بعد جمع الألفاظ والأسانيد. ذكر الزيلعي أن صاحب الهداية استدل بحديث الخثعمية: "حجي عن أبيك واعتمري" ثم قال: ((هذا وهم من المصنف، فإن حديث الخثعمية ليس فيه ذكر الاعتمار، أخرجه الأئمة الستة في كتبهم)) (١) .
وذكر الحافظ حديث: أن فاطمة بنت أبي حبيش بت زوجها طلاقها ... ثم قال: هذا مما في هذا الكتاب من الأوهام الواضحة، والقصة إنما هي لفاطمة بنت قيس (٢) .
٧- التفريق بين الحديث القولي والحديث الفعلي.
إن الأمر بالنسبة إلى قوله ﷺ وفعله سيان، إلا عند من يعتني باستنباط القواعد الفقهية والأحكام المبنية عليها، وهذا مما اعتنت به كتب المخرجين. فعند حديث: "ابدأوا بما بدأ الله به" ذكر الزركشي أن مسلما روى هذا الحديث بصيغة الخبر، وأما صيغة الأمر فهي عند النسائي والدارقطني، قال: وإنما ذكرت ذلك لأن بعض الفقهاء عزا لفظ الأمر لرواية مسلم وهو وهم منه، وقد يحتمل هذا من المحدث لا من الفقيه؛ لأن المحدث إنما ينظر في الإسناد وما يتعلق به، والفقيه نظره في استنباط الأحكام من الألفاظ ... فعلى الفقيه إذا أراد أن يحتج بحديث على حكم أن يكون ذلك اللفظ الذي يعطيه موجوداً فيه ا? (٣) .
стр. 53
وعند حديث: "أنه ﷺ كان يتمخر الريح" أي: ينظر مجراها لئلا يرد عليه البول. هكذا ذكره الرافعي، وتعقبه الحافظ فقال: لم أجده من فعله، وهو من قوله عند ابن أبي حاتم في العلل من حديث سراقة ... فذكره (١) .
٨- العناية ببيان الإدراج في المتن.
اعتنت كتب التخريج ببيان ذلك للتفريق بين اللفظ النبوي وغيره، ففي حديث تخيير رسول الله ﷺ بريرة لما عتقت ذكر الزيلعي رواية مسلم من طريق عروة عن عائشة وفيه: قال: وكان زوجها عبداً ... إلخ. ثم بين الزيلعي أن هذا الأخير قطعاً من كلام عروة لوجهين ذكرهما (٢) . بل يصل الأمر إلى تحديد المدرِج على وجه دقيق، يقول الزركشي: قول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث. متفق عليه عن ابن عباس وذكر لفظه ثم قال: هكذا ورد مدرجاً عن ابن عباس كما قاله ابن الحاجب، والظاهر أن ذلك من قول الزهري، وذكر أدلة على ذلك (٣) .
٩- ذكر بعض الفوائد المتنية، كضبط الغريب وشرحه وتعيين المبهم ونحوذلك.
في حديث رجاء بن حيوة: أن النبي ﷺ قطع رجلا من المفصل ... ذكر الزركشي ضبط المفصل مستشهداً عليه من الشعر (٤) .
وفي حديث إنشاد كعب بن زهير قصيدته بين يدي النبي ﷺ ذكر الحافظ
стр. 54
أوجه الجمع بين هذه القصة وبين النهي عن إنشاد الشعر في المسجد (١) .
وفي حديث: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء. قال الحافظ: تنبيه: الجاعل لذلك هو شقران مولى رسول الله ﷺ (٢) .
١٠- الاستدراك على بعض الشراح عند الوهم أو التقصير.
لا يقتصر عمل المخرج على التنبيه على أوهام الرواة، بل قد يعرض وهم لبعض الشراح أولمن سبقه من المخرجين فينبه على ذلك، وقد لا يظفر القارئ بهذا التنبيه عند غيره.
لما ذكر المناوي قول البيضاوي: روي أنه لما طلعت قريش يوم بدر.. الحديث. قال: لم يقف عليه الطيبي فقال: لم يذكر أحد من أئمة الحديث أن هذه الرمية كانت يوم بدر، وإنما هي يوم حنين.
قال: ((واغتر به الشيخ سعد الدين – يعني التفتازاني – فقال: المحدثون على أن الرمية لم تكن إلا يوم حنين)) . قال المناوي: ((وليس كما قال الطيبي وإن كان له إلمام بالحديث لكنه لم يبلغ فيه درجة الحافظ، ومنتهى نظره الكتب الستة والموطأ ومسند أحمد ومسند الدارمي لا يخرج عن غيرها، وكثيرا مايورد صاحب الكشاف الحديث المعروف فلا يحسن تخريجه، ويعدل إلى ذكر ما هو في معناه مما في هذه الكتب وهو قصور في التخريج. كذا ذكر هذا التعقيب على الطيبي الجلال السيوطي، وأبرق وأرعد وأوهم أن ذلك من عندياته التي لم يسبق إليها. ولا كذلك. وقد نبه على ذلك قبله الحافظ ابن حجر وغيره ا? (٣) .
стр. 55
المطلب الثالث: دور علم التخريج في تقرير الأحكام الحديثة
...
المطلب الثالث: دورعلم التخريج في تقريرالأحكام الحديثية
إن الحكم على الأحاديث هو الغرض الأسمى من التخريج، فلم ينشأ هذا العلم وينمُ وتؤلف فيه الكتب المستقلة الكثيرة إلا لهذا الأمر. ومن المعلوم لدى أهل الفن أن الحكم على الأحاديث إنما هو شأن جهابذة العلماء وكبارهم الذين أبلوا في جمع الحديث وطلبه وتعلمه وتحقيقه بلاء حسنا، وأفنوا فيه أعمارهم، حتى صار الحديث النبوي مختلطا بلحم أحدهم ودمه، لكثرة ممارسته له. والمخرج لا يشتغل بهذا العلم إلا بعد أن يحصل أدواته من العلم الوافر والاطلاع الواسع والمعرفة التامة وقبل هذا وذاك الورع والخوف من الله جل وعلا أن يقول على النبي ﷺ ما لم يقله أو العكس.
ولقد طَفَحَتْ كتب التخريج بالحكم على الأحاديث صحة وضعفاً. بل بتقرير القواعد اللازمة لهذا الأمر، والتي اعتمدها المخرجون واصطلحوا عليها حتى صارت قواعد عامة لا ينبغي مخالفتها أو الاجتهاد في الإتيان بأفضل منها.
وعند نظري في هذه الكتب ظهرت لي بعض هذه القواعد العامة المتعلقة بالتصحيح والتضعيف والتعليل والترجيح. ولعل من أظهرها:
١- بيان ما يصح العزو إليه وما لا يصح.
هناك من كتب الحديث كتب أصلية يصح العزو إليها والتخريج منها، ومنها ما لا يصح العزو إليه ولا التخريج منه، والعبرة عند المخرجين بالإسناد فكل كتاب لا يكون مسنداً لا يفيد العزو إليه شيئاً، والمتأمل في كتب التخريج قاطبة يرى هذا الأمر بجلاء، فهم لا يذكرون كتاباً ولا يخرجون منه ما لم يكن مسنداً.
يقول المناوي في شرحه لقول السيوطي: بالغت في تحرير التخريج: أي
стр. 56
اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد، فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه، ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جلّ كعظماء المفسرين ا? (١) .
٢- تقرير بعض قواعد العزو والإحالة.
إن كتب الحديث ليست في مرتبة واحدة، فبعضها أولى من بعض، بل كتب الإمام الواحد يقدم بعضها على البعض الآخر، وحينئذ يعاب على من اشتغل بهذا العلم أن يعزو إلى كتاب ويترك ما هو أولى منه.
يقول الزيلعي عن حديث: "أخذ ماء جديداً للأذنين": ذكره عبد الحق في أحكامه وقال: هذا حديث رواه الحاكم في كتابه: علوم الحديث. وهذا عجز منه وتقصير فقد رواه في المستدرك وصححه ا? (٢) .
٣- التنبيه على عدم التقليد في العزو.
قد يستروح الباحث أن يقلد غيره في العزو والإحالة، لئلا يكلف نفسه عناء البحث والتخريج، وهذا قد يوقعه في أوهام وأمور لا تحمد. وعلى هذا كل من أراد أن يخرج حديثا أو يبحث عنه عليه أن يقف عليه بنفسه دون الاعتماد على غيره. يقول الحافظ ابن حجر عن حديث: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً" بعد أن ذكر أنه أخرجه أحمد وأصحاب السنن: عزا المجد ابن تيمية حديث جبير لمسلم، فإنه قال: رواه الجماعة إلا
стр. 57
البخاري، وهذا وهم منه تبعه عليه المحب الطبري فقال: رواه السبعة إلا البخاري. وابن الرفعة فقال: رواه مسلم ولفظه.... وكأنه والله أعلم لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة دون البخاري اقتطع مسلماً من بينهم واكتفى به عنهم، ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن تيمية فأخطأ مكرراً ا? (١) .
٤- التنبيه على صيغ العزو والإحالة.
هناك صيغ للعزو والإحالة اصطلح عليها المحدثون، ومخالفة هذه الصيغ أمر غير محمود عند أهل الفن. مثال ذلك: أن المناوي ذكر أن البيضاوي لما أورد حديث: "إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات" قال عنه: روي. فتعقبه المناوي بقوله: الحديث في الصحيحين، فالتعبير عنه بصيغة التمريض خلاف اصطلاح أهل الحديث (٢) .
٥- منهج المخرجين في البحث عن العواضد.
الحديث الذي يخرج في الصحيحين أو أحدهما يختلف عن غيره فعادة المخرجين عدم الإسهاب في تخريجه من غيرهما بل يكتفون بالعزو إليهما؛ لأن ذلك مشعر بصحة الحديث دون البحث في غيرهما. فالزركشي مثلا يسهب في التخريج والتماس العواضد لكن لما ذكر حديث: "فيما سقت السماء العشر" قال: رواه البخاري عن ابن عمر ا? (٣) .
وقد أشار في مقدمة الكتاب إلى المنهج الذي سلكه فقال: والتزمت أنه حيث وقع الاحتجاج بحديث ضعيف الإسناد ذكرت مايقوم مقامه من
стр. 58
الصحيح أو الحسن غالباً ا? (١) .
ويفهم منه أنه إنما تطلب العواضد عند عدم صحة الحديث.
٦- أخذ الأحكام على الأحاديث من كتب أهل الفن.
هذه الكتب ترشد إلى أنه لا ينبغي أن يؤخذ حكم حديثي إلا من أهل الحديث الذين هم أهل الشأن، لأنهم الذين اشتغلوا بالتصحيح والتضعيف، ومارسوه زمناً طويلاً.
يقول الزركشي عن حديث: "سأزيد على السبعين": أما قول القاضي أبي بكر والإمام الغزالي وغيرهم في كتبهم الأصولية: إن الحديث غير صحيح، فمحمول على أنهم لم يطلعوا على أنه في الصحيحين (٢) .
ويقول الحافظ عن حديث: "من أتى من هذه القاذورات شيئاً ... ": لما ذكر إمام الحرمين هذا الحديث في النهاية قال: إنه صحيح متفق على صحته، وتعقبه ابن الصلاح فقال: ((هذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم)) ا? (٣) .
٧- كثرة الأحكام الحديثية في كتب التخريج.
تكثر الأحكام الحديثية في كتب التخريج نظراً لاعتنائها بهذا الأمر، ولاشك أن هذه الأحكام صادرة عن أهل الصنعة الذين لا يصدرون هذه الأحكام جزافاً بل تأتي بعد تفحص وتمحيص للأسانيد والمتون.
стр. 59
وإذا كان هذا الأمر يتجلى بكثرة في الكتب المطولة فإن الكتب المختصرة لم تغفل هذا الأمر أيضاً. يقول العراقي عن حديث: "كان رسول الله ﷺ يدهن الشعر ويرجله غباً": رواه الترمذي في الشمائل بإسناد ضعيف من حديث أنس، وفي الشمائل أيضاً بإسناد حسن من حديث صحابي لم يسم ا? (١) . ويقول في كتاب آخر عن حديث: "خلق الله الماء طهوراً": رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف ? (٢) .
وأما كتب التخريج الموسع فالأمر فيها أظهر، يقول الحافظ عن حديث: "إذا قام أحدكم من فراشه ... " هذا حديث حسن من هذا الوجه بهذا السياق، وأصل شطره الأول صحيح. ا? (٣) . ويقول عن حديث: "كان رسول الله ﷺ يجعل يمينه لطعامه وشرابه": صححه الحاكم، وفي تصحيحه نظر، وإنما قلت حسن لاعتضاده بما قبله ا? (٤) .
٨- بيان المنهج في النتائج والمقدمات.
من المعلوم أن المنهج المتبع في التصحيح والتضعيف هو تقديم المقدمات على النتائج، أي إن الحكم مترتب على أمور تتقدمه ويبنى عليها، وهذا هو الغالب في هذه الكتب، إلا أن هذا الأمر ليس على إطلاقه فقد يذكر الحكم ثم يتبع بالتخريج. كقول الزيلعي: ماجاء أن الإمام لايكون مؤذناً فيه حديثان ضعيفان ... ثم ذكرهما (٥) .
стр. 60
ويقول الزركشي عن حديث: "تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب": هذا حديث لاتقوم به حجة ... ثم ذكر التعليل (١) . ويقول الحافظ عن حديث الأذان: هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود ... إلخ (٢) .
٩- استنباط الأحكام الفقهية والفوائد من الأحاديث الصحيحة.
عنيت كتب التخريج –الموسع خاصة– بذكر بعض الفوائد، واستنباط بعض الأحكام من الأحاديث الصحيحة المروية في كثير من المسائل. يقول الحافظ ابن حجر: استدل الرافعي بحديث ابن عمر أنه ﷺ تيمم بضربتين –وهو ضعيف– على أن التراب لا يجب أن يصل إلى منابت الشعر ... قال: ويغني عن هذا حديث عمار في الصحيحين (٣) .
стр. 61
الخاتمة:
بعد هذه النظرات السريعة العامة في كتب التخريج التي ألفها المتقدمون من العلماء ظهرت لي بعض النتائج لعل من أهمها:
١- أن التخريج عند أهل الفن يشمل أموراً: هي العزو، والإسناد، والتعليل والترجيح والحكم الكلي على الحديث، وقد يطلق على مجرد الاستخراج والعزو لكنه على خلاف الأصل.
٢- أن هذا العلم قديم قدم السنة ذاتها، لكنه لم يظهر باستقلال وتصنف فيه الكتب الخاصة به إلا بعد الاحتياج إليه، لطول الأسانيد وإهمال عزو الأحاديث لدى كثير من المصنفين.
٣- استقل هذا العلم وألفت فيه الكتب بدءاً من القرن الرابع وكذلك الخامس والسادس والسابع، لكن العصر الذهبي لهذا العلم كان القرن الثامن، حيث كثرت المؤلفات واعتنى به العلماء أكثر من ذي قبل.
٤- أن التخريج سياج متين حفظ الله به سنة المصطفى ﷺ من الدخيل، ولذا شمل جميع العلوم التي يمكن أن يستشهد فيها بالحديث النبوي الشريف.
٥- إن كثرة المصنفات في هذا العلم تدل على اعتناء العلماء به قديماً وحديثاً.
٦- تنوع مناهج هذه المصنفات وطرقها يدل على سعة هذا العلم، وتنوع مقاصد مصنفيه.
٧- علم التخريج رابط وثيق بين علمي الرواية والدراية، وتطبيق عملي لقواعد علم الحديث دراية على الروايات الواردة عن النبي ﷺ .
стр. 62
٨- أن علم الحديث النبوي الشريف من العلوم التي لا غنى عنها لطالب العلم الشرعي على اختلاف مقاصده، ولذلك بذل علماء الحديث جهوداً عظيمة في تقريبه وتحقيقه وتبيين صحيحه من سقيمه، حتى صار في متناول الجميع. وعلى هذا لا يغتفر لطالب العلم الجهل بحال الحديث والصحيح من السقيم بعد هذه الجهود التي قربته للأمة. ولا يسوغ له أن يستشهد بحديث إلا بعد بيان حاله.
٩- لم يقتصر جهد العلماء على بيان الصحيح من السقيم وتخريجه من مصادره الأصلية بل أضافوا لذلك بيان الطرق التي يمكن للباحث أن يسلكها للعثور على الأحاديث، حتى أصبح هذا العلم في غاية من اليسر والسهولة.
وأخيراً: فهذا البحث ما هو إلا استجلاء لبعض جوانب العناية بالحديث النبوي الشريف في بعض الكتب التي ألفها ثلة من الأولين المعتنين بالحديث الشريف، ونظرة عجلى إلى مناهج مؤلفيها الذين أسسوا هذا العلم وشادوه
– عسى أن يفتح آفاقاً أوسع للبحث في هذا الفن الذي هو من الأهمية بمكان عالٍ- على أن العناية بالتخريج والتحقيق لم تقف عند هذا الحد بل هي مستمرة، تكلؤها رعاية الله الذي تكفل بالتمكين لهذا الدين وأهله الذين يعملون به، وقد بذل كثير من المعاصرين جهوداً مشكورة في هذا السبيل، وأسهمت وسائل الحفظ الآلية في كثير من هذه الجوانب،،،،، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.....
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 63
كشاف المراجع
١- أصول التخريج ودراسة الأسانيد: د/محمود الطحان الناشر: مكتبة المعارف بالرياض.
٢- الأعلام: خير الدين الزركلي ط٦- بيروت – دار العلم ١٩٨٤م.
٣- إنباء الغمربأبناء العمر: ابن حجر- دار الكتب العلمية – بيروت – ١٤٠٦? - عن الطبعة الهندية.
٤- إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: إسماعيل باشا البغدادي - دار الفكر – بيروت١٤١٠?.
٥- التأصيل لأصول التخريج: بكر بن عبد الله أبوزيد – دار العاصمة – الرياض- ط الأولى ١٤١٣?.
٦- تاج العروس من جواهر القاموس: محمد مرتضى الزبيدي ط١٣٠٦-١٣٠٧? بمصر.
٧- تخريج أحاديث شرح العقائد: جلال الدين السيوطي ت: صبحي السامرائي- الناشر: دار الرشد بالرياض.
٨- تخريج أحاديث العادلين لأبي نعيم: تخريج: الإمام محمد بن عبد الرحمن السخاوي. ت: مشهور حسن سليمان. ط الأولى. ١٤٠٨?، دار البشائر الإسلامية – بيروت.
٩- تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي: تخريج: زين الدين العراقي. ت: محمد ابن ناصر العجمي ط: الأولى١٤٠٩?. دار البشائر – بيروت.
١٠- تذكرة الحفاظ: الإمام الذهبي ط الهندية – الناشر: دار إحياء التراث.
стр. 64
١١- تغليق التعليق على صحيح البخاري- للحافظ ابن حجر العسقلاني. ت: سعيد عبد الرحمن القزقي، ط: الأولى١٤٠٥?- المكتب الإسلامي.
١٢- تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد: زين الدين عبد الرحيم العراقي (مع طرح التثريب له ولولده) – دار الفكر العربي.
١٣- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر
١٤- عني به: عبد الله هاشم اليماني. الناشر: دار المعرفة – بيروت.
١٥- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي. ت: د/محمد عجاج الخطيب ط: الثالثة – ١٤١٦? - مؤسسة الرسالة – بيروت.
١٦- الجواهروالدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر: للسخاوي. ت: إبراهيم باجس عبد المجيد. ط الأولى ١٤١٩? - دار ابن حزم – بيروت.
١٧- الحديث والمحدثون: محمد محمد أبو زهو – دارالكتاب العربي – بيروت ١٤٠٤?.
١٨- حصول التفريج بأصول التخريج – أحمد بن محمد الغماري ط: الأولى ١٤١٤? - مكتبة طبرية – الرياض.
١٩- الرسالة المستطرفة: محمد بن جعفر الكتاني-ط الثانية – ١٤٠٠? -دار الكتب العلمية – بيروت.
٢٠- الصحاح: إسماعيل بن حماد الجوهري ت: أحمد عبد الغفور عطار. ط الرابعة ١٩٩٠م – دار العلم – بيروت.
стр. 65
٢١- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: للسخاوي – منشورات: دار مكتبة الحياة – بيروت.
٢٢- طرق تخريج حديث رسول الله ﷺ : د/عبد المهدي بن عبد القادر بن عبد الهادي. دار الاعتصام – القاهرة.
٢٣- فتح الباقي بشرح ألفيه العراقي: للشيخ زكريا بن محمد الأنصاري. ط الأولى ١٤٢٢?. بيروت – دار الكتب العلمية.
٢٤- الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير البيضاوي: عبد الرؤوف المناوي. ت: أحمد مجتبى السلفي. ط: الأولى ١٤٠٩? - دار العاصمة – الرياض.
٢٥- فتح المغيث شرح ألفية الحديث: للإمام السخاوي، عناية: صلاح عويضة – دار الكتب العلمية – بيروت – ١٤١٧?.
٢٦- فهرس الفهارس والأثبات. عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني: اعتناء د/ إحسان عباس ط ١٤٠٦? - دار الغرب الإسلامي – بيروت.
٢٧- فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية – المنتخب من مخطوطات الحديث – وضعه الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني. اعتنى به: مشهور حسن ط ١٤٢٢? - مكتبة المعارف – الرياض.
٢٨- فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي – دار الحديث ٦مج.
٢٩- القاموس المحيط: مجد الدين الفيروز آبادي – ط الخامسة – ١٤١٦? بيروت – مؤسسة الرسالة – ١مج.
٣٠- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، الحافظ ابن حجر – طبع بآخر الكشاف – دار المعرفة – بيروت.
стр. 66
٣١- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: حاجي خليفة. دار الفكر – بيروت ١٤١٠?.
٣٢- كشف اللثام عن أسرار تخريج حديث سيد الأنام ﷺ د/عبد الموجود ابن محمد عبد اللطيف ط الأولى ١٤٠٤?.
٣٣- لسان العرب: جمال الدين بن منظور – دار صادر – بيروت.
٣٤- المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر: محمد بن عبد الله الزركشي. ت: حمدي السلفي. دار الأرقم، الكويت، ط: الأولى١٤٠٤?.
٣٥- معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة – ط الأولى ١٤١٤? - مؤسسة الرسالة – بيروت.
٣٦- معجم مصطلحات الحديث ولطائف الأسانيد: د/محمد ضياء الرحمن الأعظمي. ط: الأولى ١٤٢٠? - مكتبة أضواء السلف – الرياض.
٣٧- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار لزين الدين العراقي.- هامش الإحياء – عالم الكتب.
٣٨- مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني. ت: صفوان عدنان. ط الثانية ١٤١٨? - دار القلم، الدار الشامية.
٣٩- مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا للقاضي عياض: تخريج السيوطي. ت: سمير القاضي ط. الأولى ١٤٠٨? - بيروت.
٤٠- منهج ذوي النظرشرح منظومة علم الأثر: محمد بن عبد الله الترمسي ط: الثالثة ١٣٩٤? - الناشر: دار الفكر – بيروت.
стр. 67
٤١- موافقة الخبر الخبر في تخريج آثار المختصر: لابن حجر – تحقيق: حمدي السلفي وصبحي السامرائي-مكتبة الرشد- الرياض- ١٤١٢?.
٤٢- نتائج الأفكارفي تخريج أحاديث الأذكارللنووي: تخريج الحافظ ابن حجر، ت: حمدي السلفي- منشورات مكتبة المثنى ببغداد١٤٠٦?.
٤٣- نصب الراية لأحاديث الهداية: للإمام الزيلعي، ط الهندية – دار الحديث.
٤٤- نظم المتناثرمن الحديث المتواتر: محمد بن جعفر الكتاني. ط الثانية ١٤٠٧? - دار الكتب العلمية – بيروت.
٤٥- هدي الساري- مقدمة فتح الباري – للحافظ ابن حجر ط: الثانية –بولاق- الناشر: دار إحياء التراث –بيروت.