← Общие книги

Общие книги · id 1129

الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

علي بن عبد العزيز الشبل

Полный текст (66 стр.). Показаны 36–66 · переход к 41.

стр. 36

فقال: يا قنبر ائتني بفَعَلة معهم مرورهم - عمالا معهم أدوات حفرهم - فخدَّ لهم أخدودا بين المسجد والقصر وقال لهم: احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه في النار في الأخدود وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبوا أن يرجعوا. فقذف بهم حتى احترقوا وقال: لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قُنبرا وإسناده حسن. وفي الصحيح أن ابن عباس لما بلغه تحريقهم قال: لو كنت أنا لم أحرقهم لقول النبي ﷺ : «لا تعذبوا بعذاب الله» . ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) . فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس)) . اهـ. وهذه المحاولة مشهورة في التاريخ ذكرها جمع من أهل المقالات، ولولا الإطالة لأحلت إلى كتبهم، وقد وقفت على قول لبعض المعاصرين (٢) وهذا القول ظهر أخيرا من أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم , ولا يبعد أن يكون النفي له أصل متقدم معتمد على نفي الرافضة له , مع أن النوبختي مؤرخ الرافضة وسارد فرقهم قد ذكر ابن سبأ , وذكر فرقته السبئية في كتابه: فرق الشيعة، ص ٢٢, ٢٣. ينكر فيه هذه القصة ويدَّعي أنها:

стр. 37

((خبر مختلق من أساسه ولم يرد على صورة فيها ثقة , في كتاب معتبر من كتب التاريخ. . . . وينتهي بنا المطاف إلى فائدة عظيمة هي أن السبئية ركام من التهم أُلقيت على جماعة. . . . . إن عن قصد أو عن غير قصد)) (١) . والجواب عليه: من فمك أدينك؛ فهذه القصة ليست مختلقة بل توارد عليها جمع من المؤرخين وكُتَّاب المقالات - كما ذكرت بعضا منهم في كتابك. والأعجب من هذا أن رويت بإسناد حسن كما قاله الحافظ ابن حجر. بل حديث ابن عباس في البخاري قرينة واضحة على وقوع تلك الحادثة. وعليه فلا مدخل من هنا على تكذيب هذه الحادثة لمن نظر وتعقل. وبعد هذا ندرك كيف كانت هذه الطغمة الفاسدة - من الخوارج والسبئية - أول مظاهر الغلو والتطرف الحقيقي وأكثرها رواجا على غلاة الرافضة خاصة , وباقي الفرق الإسلامية عامة. وحسبك أن تنظر إلى كتاب واحد من كتب الملل والمقالات لترى أثر ذلك! ولم نعتد بغلو الخوارج وحده فقط على أنه أول مظاهر التطرف والغلو الديني للآتي: ١- أن غلوهم أخف بكثير من غلو هؤلاء السبئية بعلي ﵁ ديانة وعقيدة وأثرا؟!

стр. 38

٢- الخوارج وقعوا فيما وقعوا فيه عن سفه ونقص في عقولهم وبصيرتهم وعلومهم (١) . فلم يكن قصدهم إفساد الدين والمسلمين - قطعا - كما هو الحال عند غلاة الرافضة. فعليه فأجلى مظاهر الغلو والتطرف , ومنشؤه عند المسلمين هو غلو السبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ الهمذاني اليهودي الصنعاني المكنى بابن السوداء - الذي أسلم في عهد عثمان وقاد الفتنة بين الصحابة وبين علي ومن معه , وكان ناشر مقولة الغلاة في تأليه عليّ - وقد نفاه عليّ إلى ساباط المدائن حيث لم يصرح أمامه بقوله بإلهيته. إذن يمكن القول بأن أول نشأة الغلو والإرهاب الممنوع والتطرف في الإسلام بهذا الفكر , وتلك العقائد؛ إنما كان بسبب عبد الله بن سبأ اليهودي أبعده الله. كأثر بولس اليهودي في إفساد ملة النصارى؟!

стр. 39

ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة إذا تقرر أن أول غلو نشأ عند المسلمين , وأثر في القرون اللاحقة هو غلو عبد الله بن سبأ في ذات علي ﷺ , وأن ابن سبأ شخصية حقيقية تكاد مصادر العقائد تجمع على أنه أول من دعا إلى فكرة تقديس علي ثم آل بيته (١) ؛ وإنه يهودي أصلا - وكانت بعض العقائد القديمة موجودة عند فرق الإسلام والغلاة , خاصة الرافضة - لما كان هذا موجودا جعل بعض المعاصرين يبحث في نظريات الغلو والتطرف الديني عند المسلمين من أين جاءت؟ فمن قائل: إنها من أصل هندي أو مجوسي أو يهودي أو نصراني أو من أصل عربي (٢) . والواقع أن ما عند الغلاة هو حصيلة أغلب تلك العقائد - مع التأثر الملحوظ باليهود - خاصة أنه دين أول فرقة غالية في الإسلام (٣) .

стр. 40

وإليك قول أعرف الناس بالرافضة وهو الإمام الشعبي التابعي الجليل (١٠٤هـ) . فقد روى أبو القاسم اللالكائي الطبري بسنده إلى عبد الرحمن بن مالك بن مِغول عن أبيه قال: ((قال الشعبي: يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤوا بيتي ذهبا - يعني الرافضة - على أن أكذب لهم على عليّ لفعلوا , ولكن والله لا أكذب عليه أبدا. يا مالك: إنني قد درست هذه الأهواء كلها فلم أر قوما هم أحمق من الخشبية - من فرق الرافضة - لو كانوا من الدواب لكانوا حُمرا , ولو كانوا من الطير لكانوا رخما. وقال: أحذرك الأهواء المضلة وشرها الرافضة؛ وبذلك أن من يهود من يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم , كما غمص بولس بن شاؤول ملك اليهود دين النصرانية , لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله , ولكن مقتا لأهل الإسلام , وطعانا عليهم , فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار , ونفاهم من البلدان: منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط , وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر وأبو الكَروَّس وابنه إلى الجابية. وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود , قالت اليهود: لا يصلح الملك إلاَّ في آل داود , وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في آل علي.

стр. 41

وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال , أو ينزل عيسى من السماء. وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المهدي , ثم ينادي مناد من السماء. واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم , وكذلك الرافضة. والحديث عن رسول الله ﷺ : «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» . واليهود يولون عن القبلة شيئا , وكذلك الرافضة. واليهود تسدل أثوابها , وكذلك الرافضة. وقد أمر رسول الله ﷺ برجل قد سدل ثوبه فَقمَّصه عليه أو عطفه عليه. واليهود حرفوا التوراة , وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. واليهود يستحلون دم كل مسلم , وكذلك الرافضة. واليهود لا يرون الطلاق ثلاثا شيئا , وكذلك الرافضة. واليهود لا يرون على النساء عدة , وكذلك الرافضة. واليهود يبغضون جبريل ويقولون: هو عدونا من الملائكة , وكذلك صنف من الرافضة - هم الغرابية - يقولون: غلط بالوحي على محمد (١) . وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواريو عيسى.

стр. 42

وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد. أُمروا بالاستغفار لهم فسبوهم , فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا يثبت لهم قدم ولا تقوم لهم راية ولا تجتمع لهم كلمة , دعوتهم مدحوضة وجمعهم متفرق , كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) اهـ (١) . وإليك ما قاله أبو بكر الباقلاني في كتابه فضائح الباطنية - يسر الله بعثه - بواسطة شرح الطحاوية (٢) قال فيه: ((ولهذا كان الرفض باب الزندقة كما حكاه القاضي أبو بكر الطيب عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المتصل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبري من تيم وعدي - قبيلتي أبي بكر وعمر - وبني أمية وبني العباس مع أنهم من آل البيت. وقل بالرجعة وأن عليا يعلم الغيب يُفوض إليه خلق العالم! . وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم , فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا , أوقفته على مثالب عليّ وولده ﵃. . . . .)) اهـ (٣) .

стр. 43

وأخذ الغلاة من الرافضة عن المجوس أهل فارس - كما في حديث أبي هريرة في الموقف من الغلو - حيث صرَّح النبي ﷺ أنهم يأخذون عن فارس والروم. ومن العقائد التي تأثر بها الغلاة القول بالوصيَّة أتى بها ابن سبأ حيث قال: إن عليا وصي رسول الله من عقائد يهود أنهم يقولون: إن يوشع بن نون وصيٌ لموسى ﵇. وأخذوا من اليهود التشبيه - تشبه الخالق بالمخلوق - حيث قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] , وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] . ومتقدمو الرافضة مشبهة مجسمة ومن أشهرهم هشام بن الحكم الرافضي, والجواليقي. وقالوا برفع عليّ إلى السماء وكذَّب ابن سبأ من قال بموته , وأنه لو أُتي بدماغه في صرة أو بسبعين صرة لم يصدق بموته , وأنه سينزل إلى الأرض. كقول أهل الكتاب في إيليا - عيسى - عليه وسلم - وهو عقيدة الرجعة. وقالوا: إنه فوق السحاب , وإن الرعد صوته , والبرق سوطه يضرب به السحاب. وأخذوا القول بنفي القدر وأن العبد يخلق فعل نفسه , وهو قول فرقة من اليهود تسمى الفروشيم (١) . وأخذوا من النصارى والهنود الحلول والتناسخ (٢) .

стр. 44

وغيرها من العقائد التي أفسدت عليهم دينهم , ولا أخص بذلك غلاة الشيعة بل كل من أتى بفكر غالٍ , كالمعتزلة وغلاة القدرية والحلولية والاتحادية والباطنية وعموم الزنادقة قبحهم الله!

стр. 45

ثالثا - تطرف المعتزلة وغلوهم , وأثره وظهر غلوهم في ثلاثة مناحٍ في باب الأسماء والصفات حيث أنكروها على الله , وعطلوها سبحانه منها مشابهة منهم للجهمية , وهو أصلهم المسمى عندهم ((بالتوحيد)) وفي باب القدر بإنكار قدر الله ومشيئته لأفعال خلقه , كما على أصلهم المسمى عندهم ((بالعدل)) . والمنحى الثالث وهو أخطر ما عندهم ما يتعلق بالأسماء والأحكام من جهة أسماء الناس في الدنيا هل هم مسلمون أو فاسقون أو كفار؟ وأحكامهم في الآخرة هل هم في الجنة أو النار؟ وهو ما تحور حول أصولهم: ١ - الأصل الثالث وهو ((إنفاذ الوعد والوعيد)) بجعل صاحب الكبيرة مخلدا في النار. ٢- الأصل الرابع وهو ((المنزلة بين المنزلتين)) يكون صاحب الذنب في الدنيا ليس بمسلم ولا كافر , بل بمنزلة بينهما , يطلقون عليها اصطلاحا خاصا بهم هو الفاسق. (١) . ٣ - الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقف هذا الأصل عندهم على الخروج على السلاطين وولاة الأمور إذا وقعوا في معصية , خروجا باليد وبالسيف إذا قدروا عليه. (٢) . وهو ثمرة مذهب الخوارج في إعمال السيف على صاحب الذنب مما صدق عليهم جميعا وصف الوعيدية.

стр. 46

هذا والفصل القادم , وهو الثالث يوضح تطرف المعتزلة وغلوهم في هذه الأصول وآثارها , مما يضرب بالتكفير والقتال في تاريخ المسلمين من خلالهم.

стр. 47

الفصل الثالث التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره أولا - ما الأسماء والأحكام؟ هذا المصطلح حادث لم يكن معروفا عند الرعيل الأول من السلف الصالح, وإن كان موجودا بمعناه وأحكامه. فالأسماء: هو ما يسمى العبد به في الدنيا من الأسماء الدينية: مؤمن , كافر , فاسق , عاصٍ , منافق. . . . . والأحكام: هو ما يُحكم عليه به في الآخرة: في الجنة أو مخلد في النار أو غير مخلد فيها. وهذا المبحث هو ثمرة الخلاف في مسمى الإيمان وحقيقته , ومسمى الكفر وحقيقته فكل من كان له قول في الإيمان تجد له في نهاية قوله تقريرا في حكم العبد في الآخرة , واسمه في الدنيا. لأجل هذا سيكون الكلام ابتداء على الغلو في باب الإيمان بين الطوائف ويتضمن الأسماء والأحكام كنتيجة له. فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان يكون بثلاثة أمور: ١- قول باللسان. ٢- اعتقاد بالقلب والجنان. ٣- عمل بالجوارح والأركان. مع زيادته بطاعة الرحمن , ونقصانه بالمعصية , وأصل هذا القول مستفاد من استقراء الكتاب والسنة , وفهم الصحابة لهما , ودلالة لغة العرب لألفاظهما.

стр. 48

وعليه فالعبد عند أهل السنة بمقتضى النصوص اسمه في الدنيا مؤمن ما لم يكن صاحب كبيرة مُفسِّقة أو مُكفِّرة. فإن كانت له مُفسقة فيسمونه مؤمنا ناقص الإيمان بحسب معصيته , أو مؤمنا فاسقا, ويعامل معاملة المسلمين إلا في الشهادة ونحوها , وهو يوم القيامة من أهل الجنة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه بكبيرته أو غفر له برحمته , وإن عذبه بها فإنه لا يخلد في نار جهنم لأنه مسلم معه أصل الإيمان. وإن كانت بدعة مُكفرة فيقام عليه حكمُ الردة , ويسمونه كافرا لإجراء أحكام الكافر عليه , وهو يوم القيامة - أي الكافر - مخلد في النار , لكنهم لا يشهدون لمعين - ولو أقيم عليه حدُّ الردة - أنه من أهل النار المخلدين فيها؛ لعدم اطلاعهم على ما ختم الله به عمله من توبة نصوح. وكذلك الشهادة بالإيمان؛ لا يشهدون لمعين بأنه من أهل الجنة , إلا من نصَّ عليهم الدليل كالعشرة المبشرين بالجنة وعكاشة بن محصن ونحوهم ﵃ أجمعين.

стр. 49

ثانيا - الفرق الغالية في هذا الباب اتفق الخوارج والمعتزلة وهم الوعيدية , مع أهل السنة على تعريف الإيمان وفارقوهم في تطبيقه حتى غلو أو تطرفوا في الأسماء والأحكام. فغلت الخوارج وقالت: صاحب الكبيرة اسمه في الدنيا كافر حلال الدم والمال, وحكمه يوم القيامة أنه مخلد في نار جهنم. وقالت المعتزلة: هو - أي صاحب الكبيرة - في منزلة بين المنزلتين ليس بمؤمن ولا كافر , هذا في الدنيا وربما يسمونه فاسقا , لكن على غير معناه عند أهل السنة والجماعة؛ بل فسقا ينقله عن مرتبة الإيمان ولا يدخله إلى دركة الكفر , وحكمه يوم القيامة أنه خالد مخلد في النار. فاختلافهم مع الخوارج في اسمه في الدنيا , فلم يصرحوا بقول الخوارج مع أنهم وافقوهم في الحكم الأخروي الذي يكون نتيجة لما قبله من عمل؛ ولهذا سُموا ((مخانيث الخوارج)) ؟! . وقالت الجهمية , والصالحية - أصحاب أبي الحسن الصالحي المعتزلي - والثوبانية , والغسانية - أتباع يونس بن عون النميري - , والشبيبية - أتباع محمد بن شبيب - , وكذا قال غيلان بن مسلم الدمشقي؛ قالوا:

стр. 50

الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله بالقلب فقط , وإن لم يكن معه قول اللسان أو عمل الجوارح؛ فكل عارف لله بقلبه في الدنيا هو من أهل الجنة. والعكس بالعكس. ولذا قال ابن القيم في النونية حاكيا مذهب جهم وأضرابه: قالوا وإقرار العباد بأنه ... خلاقهم هو منتهى الإيمان والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان وهؤلاء هم المرجئة المحضة. وقالت الكرامية - أصحاب محمد بن كرام السجستاني الزاهد , - وقول النجارية - أتباع الحسين بن محمد النَّجار من المعتزلة , - وهم مقاتل بن سليمان وأتباعه؛ قالوا: الإيمان هو مجرد النطق بالتوحيد بلسانه. فمن نطق بالتوحيد عندهم فهو مؤمن كامل الإيمان وهو في الآخرة في جنان النعيم. والكرامية في المشهور عند العلماء هم من عامة المرجئة , أو قل من عوامهم ومتوسطيهم! وقالت الأشاعرة , وهو ظاهر قول الماتريدية: إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط. فافترقوا عن المرجئة المحضة بزيادة التصديق على إقرار القلب! وعلى قول الأشاعرة والماتريدية يُحمل قول شارح الطحاوية (١) :

стр. 51

((فمنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي , وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي ﵀ , ويروى عن أبي حنيفة ﵁)) اهـ. قلت: أما قول أبي حنيفة فهو غريب عنه , إذ إن المشهور عنه ﵀ كما في شرح الفقه الأكبر (١) قوله: ((الإيمان هو الإقرار والتصديق , وإيمان أهل السماوات لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به , ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق , والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد , متفاضلون في الأعمال)) اهـ. وهذا الذي اشتهر عند الحنفية وذكره شارح الطحاوية هو ما قرره أبو جعفر الطحاوي الحنفي في عقيدته , ولذا يسمون عند أهل العلم ((مرجئة الفقهاء)) . أما قول أبي منصور الماتريدي فلم أقف عليه , ولو صح لكان خلافه مع الجهمية - أصحاب المعرفية؛ بأن الإيمان معرفة بالقلب بالله ورسوله - خلافا لفظيا إذ إن اللسان ركن زائد ليس أصليا. وعلى هذا فالمرجئة مراتب هي: ١ - المرجئة المحضة , القائلون بأن الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط , والكفر هو الجهل. ٢- عوام المرجئة ((الكرامية)) القائلون بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.

стр. 52

٣- الأشاعرة والماتردية: القائلون بأن الإيمان هو التصديق بالجنان. ٤- مرجئة الفقهاء القائلون بأن الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان.

стр. 53

ثالثا - مناقشة أقوال الغلاة قول الجهمية أظهر من أن يناقش فهو أفسد الأقوال؛ لأن من لوازمه الشهود بالإيمان لأكفر خلق الله , مَن كفرهم الله في كتابه , كإبليس وفرعون وقومه وأمية بن خلف. . فلازم قولهم أنهم مؤمنون؛ لأنهم جميعهم مقرون بالله وبرسوله في قلوبهم , كما حكاه الله عنهم في غير ما آية في كتابه العزيز. كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] , وقال في سورة ص: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] , وقال سبحانه عن فرعون وآله في سورة النمل ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] , وقال سبحانه في آخر سورة الإسراء: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]

стр. 54

أما الخوارج والمعتزلة فمن أظهر شبههم التمسك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] . فقالوا: هذا مؤمن ارتكب معصية وكبيرة بقتله مؤمنا آخر عدوانا وتعمدا , فالله تعالى جعله مخلدا في ناره , ولا يخلد في النار إلا الكافر؛ فدل على أنه كافر مخلد في النار بكبيرته , وعلى هذا باقي المعاصي.

стр. 55

رابعا - الرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة والرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة في استدلالهم بآية النساء من عدة وجوه: ١- أن الله ذكر الخلود في الآية ولم يذكره على التأبيد كقوله عن أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] . وكقوله عن أهل النار في ثلاثة مواضع من القرآن في أواخر النساء والأحزاب والجن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ فصرّح سبحانه فيها بالخلود مع التأبيد. فعليه يكون المراد بالتخليد في هذه الآية المكث الطويل , خاصة أن معصية قتل النفس التي حرم الله من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله , كما دل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في السبع الموبقات وهو عند مسلم , فدل على عظم هذا الجرم وكبره لا على كفر فاعله! ٢- إن الله تعالى في أحكام القصاص سمى القاتل أخا للمقتول , كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]

стр. 56

فلو كان القاتل كافرا لما جاز أن يسميه الله أخا للمؤمن؛ لأن الأخوة مودة ولا تكون إلا للمؤمن ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ . . . . . [المجادلة: ٢٢] ٣- كما أنه يجوز العفو في القصاص إلى الدية , وإلى لا شيء تكرما وتفضلا, فلو كان القاتل كافرا مرتدا , لم يجز إسقاط الحد عليه بالعفو , للحديث «من بدل دينه فاقتلوه» ولحديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني , والنفس بالنفس , والتارك لدينه المفارق للجماعة» . ٤ - القاتل لو أقيم عليه الحد يُصَليَّ عليه , ويُغَسَّل , ويدفن مع المسلمين في مقابرهم وتجوز الصدقة عنه. . . . وعليه إجماع السلف. ولو كان كافرا ترتبت عليه أحكام المرتدين ولم يجز له ما سلف من الأحكام المخصوصة بالمسلمين فقط. ٥ - قال بعض العلماء كابن جرير وغيره: إن الآية خاصة في الذين يستحلون القتل , فإن كان كذلك فهو كافر لا شك فيه , لكن ظاهر الآية يبعد عن هذا التأويل والتفسير!

стр. 57

٦ - وعلى سبيل التَّنزل فهذه الآية خاصة بمن يقتل مؤمنا متعمدا فلا يدخل معها غيرها من المعاصي كالسرقة والرجم والقذف. . . . . . إلخ. ٧ - عموم قوله تعالى: في آيتي النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولا شك أن القتل دون الشرك بالله إجماعا؛ فهو داخل تحت المشيئة في هذه الآية. أما عن شبهة الكرامية في قولهم: إن الإيمان هو القول باللسان فقط؛ لأن الله دعا الناس إلى الإقرار به , وبالكتب المنزلة , كما في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ . . . . . [البقرة: ١٣٦] , فالله لم يأمرنا هنا إلا بالقول , فدل على أن الإيمان يتوقف عليه. فالجواب عنهم: كذلك من وجوه: ١ - غاية ما تدل عليه الآية الأمر بالإيمان بالله والكتب السماوية والأنبياء من قبل الله , وألا يفرق بين رسله فيُؤمن ببعض ويُكفر ببعض , فليس في الآية دلالة على اقتصار الإيمان على القول فقط.

стр. 58

٢ - الآية اللاحقة لها مباشرة فيها: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] ؛ أي آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به أنتم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. . . . وبعضها لا يكون إلا بالقلب فدل على عدم اقتصار الإيمان على القول المجرد. ٣ - في هذه الآية تنويه بأهم أنواع الإيمان ولم تستغرق الآية جميع أنواع الإيمان ((بالله وملائكته. . . .)) وشعب الإيمان كثيرة , وفي باقي النصوص تكميل لجميع أنواع الإيمان؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . . . . . . . . [البقرة: ١٧٧] وغيرها , فالقرآن يؤخذ جميعه لا بعضه , وكذلك السنة , حيث وردت نصوص تكفر من اعتقد الإيمان بكل مراتبه الست ثم لا يصلي , أو استحل معصية ظاهرة الحرمة , قطعية الدلالة على حرمتها. ٤- هذا القول يعارض قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] .

стр. 59

فنفى الله عن الأعراب الإيمان مع أنهم نطقوا بكلمة التوحيد , لكن لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم , إلا إن قصدوا بذلك الإسلام - أي بالإيمان الإسلام - فلا تعارض بين الآيتين. ٥ - يلزم من قولكم: إن الإيمان مجرد النطق باللسان فقط , الحكم على المنافقين الذين شهدوا بألسنتهم أنهم مؤمنون كاملو الإيمان , وهذا خلاف صريح الكتاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] , ولغيرها من الآيات الدالة على كفرهم وتكذيبهم وأن مآلهم إلى النار. ٦ - كما يلزم من هذا القول أن من به عيب كالأخرس , ولا يستطيع أن يتكلم بلسانه - مع تصديق قلبه وإيقانه بالإيمان - يلزم أنه كافر , وهذا خلاف إجماع المسلمين. وعلى كل , فإن قصر الإيمان على مجرد النطق به - مع لزومه ابتداء - قول باطل مخالف لظاهر النصوص من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين , وفعل الرسول ﷺ مع من يسلم حديثا. أما عند القائلين بأن الإيمان هو التصديق , وهو قول الأشاعرة والماتردية , فهو باطل أيضا.

стр. 60

- لأنه لو كان كذلك لما صح وجوب تلفظ الكافر بالتوحيد - الشهادتين - عند دخوله الإسلام , وهو ما فعله النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون بعدهم مع مريد الإسلام من الكفرة. - وأيضا لما صح تكفير أحد من الناس , يأتي بناقض من نواقض الإسلام, أو يترك الصلاة عمدا أو تهاونا. . . . ما دام عنده تصديق بالقلب وحده! فإن هذين مما يبينا فساد قولهم وبعده عن الصواب. وكذلك قول مرجئة الفقهاء بأن الإيمان هو: الإقرار والتصديق , يخالف عمل رسول الله ﷺ والمسلمين بعده من فرضية عمل الإيمان بالصلاة والحج والصوم والجهاد وربط كثير من الأعمال بالإيمان. بل هم يعارضون قولهم فيما يقررونه في فقههم بوجوب العمل بدءا من كتاب الطهارة إلى نهاية أبواب الفقه , فلو لم تكن هذه من الإيمان , فما الحاجة من بحثها والعلم والعمل بها؟ كما وأنهم من أوسع المذاهب الأربعة في تقرير أبواب حكم المرتد وبيان الأقوال والأعمال التي يرتد بها المؤمن عن الإسلام. هذا فضلا عن ترتيبهم الجزاءات والعقوبات الشرعية في الدنيا والآخرة على ترك الأعمال.

стр. 61

خامسا - أثر الغلو في الأسماء والأحكام مضى قول الخوارج إن الفاسق كافر في الدنيا , مخلد في النار يوم القيامة , يجوز سلب ماله , واستحلال دمه , واسترقاقه , وتطليق زوجته منه ولا تجوز الصلاة عليه أو دفنه مع المسلمين. . . . . , وهو في الآخرة يائس من رحمة الله , للجزم بأنه كافر ومخلد في نار جهنم. أما المعتزلة فيوافقونهم في حكم يوم القيامة , وهو الحكم الأخروي , دون حكم الدنيا. فهؤلاء ضيقوا على الناس بمحاسبتهم بكبائرهم ومعاصيهم , فكم يبقى في الدين من رجل بعد هذا التشدد والتعسير؟! حيث من يبرئ نفسه من الوقوع في المعاصي أو ترك الواجبات. . ولا يزال خطر أولئك الخوارج مستمرا , حتى ظهرت في هذا الزمان طائفة تنادي بأفكارهم , وتؤصل أصولهم , وهي جماعة شكري أحمد مصطفى (١٣٩٨هـ) في بلاد مصر وهي جماعة التكفير والهجرة وقد تأثر بهذه الجماعة وأقوالها طوائف من قليلي العلم والبصيرة من الشباب العاطفي المندفع , وطوائف من الدعوات الحركية وحزب التحرير وغيرهم. ومن أقوال شكري (١) . في مرتكب المعصية:

стр. 62

((لم يحدث أن فرقت الشريعة بين الكفر العملي والكفر القلبي , ولا أن جاء نص واحد يدل أو يشير أدنى إشارة إلى أن الذين كفروا بسلوكهم غير الذين كفروا بقلوبهم واعتقادهم , بل كل النصوص تدل على أن العصيان لله عملا والكفر به سلوكا واقعا , هو بمفرده سبب العذاب والخلود في النار والحرمان من الجنة)) اهـ. وحسبي أن أشير إلى آثار تلك الفرقة في الناس: ١- اعتزال أفرادها المجتمع المصري لأنه كافر؛ ولأنه راضٍ بالكفر. ٢ - تصفية وقتل كل من خالفهم أو رد عليهم - ومنهم ذهبي مصر - لأن من خالفهم فهو كافر , حيث قامت عليه الحجة فلم يقتنع بها , وتجرى عليه أحكام المرتد. ٣ - عندهم كل من لم يحكم بغير ما أنزل الله يكون كافرا كفرا مخرجا عن الملة جملة , دون التفصيل , كما هي طريقة المحققين من أهل السنة في وجوب التفصيل. ٤ - التكفير بالمعاصي والحكم على صاحبها لخلود بها في نار جهنم. وهذا من أعظم المسوغات لحصول التكفير والتفجير والقتل واستباحة الدماء والأعراض والأموال والسعي في الأرض فسادا , وتخويف الآمنين , وإشاعة الفوضى والخوف بين المجتمعات الآمنة.

стр. 63

٥ - تشويه صورة سماحة الإسلام بين الناس - ووافق ذلك لمزهم بالتطرف, والإرهاب , التشدد وجماعة التكفير والهجرة - وتفرق المسلمين , وبث الفوضى والخوف وعدم الأمن بينهم , وهذا مشاهد في أماكن شتى عند أضراب هؤلاء , ومع الأسف الشديد أنهم يعتقدون أن تصرفهم هذا ديانة لله وجهادا , وجهلا بالعلم والدين ومقاصده! ٦ - دعواهم بأنهم جماعة المهدي المنتظر , لاتحاد الزمان الذي أخبر عنه النبي ﷺ بوجود المهدي فيه مع زمانهم الذي يعيشون فيه؟! وهكذا كل قول أو طائفة تنتحل مثل أفكار الخوارج ومعتقداتهم لا بد أن ينتج عنه نظير ما ينتج عن هذه الطائفة من الآثار غير المحمودة طبعا وعقلا فضلا, عن الشرع الحنيف. مع التنبيه إلى أنه لا يستلزم أن من شابه الخوارج - أو غيرهم من الفرق - في بعض أصولها أن يكون منهم أو منتسبا إليهم , ولكن الحكم العدل في هذا أن يقال: إنه شابه الخوارج في أصلهم كذا وكذا. والله أعلم , والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 64

الخاتمة الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه: وبعد هذا التطواف في ثنايا هذا البحث بين تمهيده وفصوله ومباحثه , ومن خلال التنقل في تواريخه بدء من غلو قوم نوح ﵇ إلى وثنيات اليونان إلى غلو أهل الكتاب: اليهود والنصارى , ثم تأثيرهم في فرق المسلمين , ونشأة الغلو فيه في الغلو في الأسماء والأحكام , وفي الغلو في الأشخاص والبقاع , تحصلت هذه النتائج مشمولة بتوصيات , كان أهمها الآتي: أن الغلو في الدين هو مجاوزة الحد , وهو مذموم في الشريعة , والتطرف معنى عام , والغلو أخص منه. والإرهاب نوعان: مشروع بالجهاد في سبيل الله , وممنوع بتخويف الآمنين من المسلمين وغيرهم. وسبق الشريعة بتحديد معناه من خلال معاني الحرابة والسعي في الأرض فسادا , وتحريم الظلم. استخدام مصطلحات الغلو والتطرف والإرهاب في غير مواضعها , إذا اتهم المسلمون أو الإسلام عقيدة أو شريعة بأنه مصدر لها. وأن هذا من التشويه وتغيير الحقائق. الغلو والتطرف الديني قديم في البشرية متمثلا في غلو قوم نوح في صالحيهم , وغلو اليونانيين في آلتهم وغلو أهل الكتاب.

стр. 65

تأثير العقائد ممن قبلنا على طوائف من المسلمين في نشئ الغلو فيهم. وظهر هذا واضحا في الرافضة وفي الجهمية والمعتزلة , وفي الخوارج. أن الغلو والتطرف المذموم بحمل السلاح على المسلمين ووضع السف فيهم ناشئ مبتدع , ظهر لدى الخوارج ثم تطروهم والمعتزلة من خلال أصولهم الثلاثة: ١ - إنفاذ الوعيد. ٢ - والمنزلة بين المنزلتين. ٣ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (٧) آثار الغلو والتطرف بالإرهاب الممنوع العنف , مرده إلى فهم سيء لمسائل الأسماء والأحكام: في اسم الناس في الدنيا من حيث الإسلام أو الفسق والمعصية أو الكفر والنفاق , ثم حكمهم في الآخرة هل هم من أهل الجنة؟ أو من أهل النار؟ أو من يدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة؟ . (٨) ثم إن مسائل الغلو مما يولد بعضها بعض , حيث هي دائرة تبدأ ضيقة ثم تتوسع فتنال العقيدة والقول والفعل , ويحصل من جُرَّائها الفساد والإفساد في الدين والحياة , وواقع الغلاة يشهد بكل هذا , ولاحول ولا قوة إلا بالله. أهم الأسباب في علاج الغلو والتطرف الديني بالعلم الشرعي الصحيح.

стр. 66

وبمعرفة أسبابه والحذر من الهدى المورث للبغي والظلم والعدوان في الفهم والمعتقد والقول والفعل والله المستعان.