المبحث الرابع: عناية المسلمين بالشعر خدمة للقرآن الكريم
للشعر منزلة كبيرة في علوم العربية؛ لأنَّه هيَّأ لها مادة واسعة في سبيل تأصيل مفردات اللغة، وبيان نسيج تركيبها وأوجه استعمالاتها. وقد عني به علماء العربية خدمة للقرآن الكريم؛ لأنه ديوان العرب، وكان له قبل الإسلام منزلة سامية لدى القبائل العربية، كما كان للشعراء مرتبة رفيعة، بَيْدَ أن بيان القرآن المعجز لم يستطع الشعر مغالبته، وصارت الألسنة تلهج بتلاوة النص القرآني الفريد.
ومع أن الناس كانوا يُجْمعون على تفوُّق بيانه لم يهجروا الشعر، بل عَدُّوه عوناً لهم على فَهْم مُعْضِلات القرآن، والوصول إلى معانيه (١) ، ومن هنا صار الشعر وسلية ذات شأن، أصبحت تساهم مساهمة فاعلة في تفسير القرآن، وخدمة جوانبه المتعددة.
والواقع أن العناية بلغة الشعر والاستشهاد بها على غريب القرآن ومفرداته وبيانه، ليست مسألة طارئة على الحياة العلمية في عصر التابعين، وإنما كانت هذه العناية مألوفة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد أورد الزمخشري (٢) رواية عن الخليفة الراشد عمر ﵁، حيث سأل وهو على المنبر
стр. 37
عن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (النحل: ٤٧) . فقام إليه شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوُّف التنقُّص. فسأله عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال الشاعر:
تَخَوَّف الرَّحْلُ منا تامِكاً قَرِداً ... كما تخوَّفَ عودَ النَّبْعَة السَّفِنُ (١)
فقال عمر: أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضلُّ. فقالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
وقام حَبْرُ الأمة ابن عباس ﵁ في ميدان الاستشهاد بالشعر على غريب القرآن بجهد متميز، وكان له مجالس واسعة تعقد لهذا الغرض، ويَفِدُ إليه الناس من كل حدب وصوب، وكان يقول (٢) : ((إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب)) .
وقال عمرو بن دينار (٣) : ((ما رأيت مجلساً قط أَجْمَعَ لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر)) . وتحتفظ مصنفات علوم القرآن بحوار علمي مطولٍ جرى بين أحد زعماء الخوارج وهو نافع بن الأزرق وابن عباس، فقد قال نافع لصاحبه نجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفتيا بما لا عِلْمَ له به. فقاما إليه فقالا: نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسِّره لنا، وتاتينا بمصداقه من
стр. 38
كلام العرب، فإن الله إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. قال ابن عباس: سَلاني عمَّا بدا لكما تجدا علمه عندي حاضراً إن شاء الله. فقالا: يابن عباس أخبرنا عن قول الله : ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ (المعارج: ٣٧) قال: عزين: حلق الرفاق. قال: وهل تعرب العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول:
فجاؤوا يُهْرَعون إليه حتى ... يكونوا حول مِنْبره عزينا
قال نافع: يابن عباس أخبرني عن قول الله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: ٣٥) قال: الوسيلة: الحاجة. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول:
إنَّ الرجالَ لهم إليك وسيلةٌ ... إن يأخذوك تكحَّلي وتَخَضَّبي
ويمضي نافع يسأل، وابن عباس يُفَسِّر ويستشهد على تفسيره ببيت من الشعر في مئتين وخمسين موضعاً من القرآن (١) ، وقد حقَّق هذه المسائل الدكتور إبراهيم السامرائي بعنوان ((سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس)) . يقول الدكتور رمضان عبد التواب (٢) : وبذلك يمكننا أن نَعُدَّ تفسير ابن عباس للقرآن على هذا النحو نواةً للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم)) . وكان ابن عباس يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها، فالتمَسْنا
стр. 39
معرفة ذلك منه)) (١) ، وبذلك تكون دراسة القرآن الكريم والرغبة في تفسير غريبه وفهم مقاصده سبباً رئيساً من أسباب العناية بالشعر العربي. ومع مرور الأيام تزايدت الحاجة إلى هذا الاتجاه، وتابع هذا المنحى علماء العربية والتفسير، ولا غرابة أن تحفل كتب إعراب القرآن وتفسيرة بمادة غزيرة من الشعر العربي الفصيح، فقد تجاوزت الشواهد الشعرية في كل من البحر والمحيط وجامع القرطبي والدر المصون مثلاً أكثر من خمسة آلاف بيت.
ونجم عن العناية برواية الشعر الكشف عن أسرار الأسلوب القرآني وإعجازه، وتفوُّقه على أعلى مراتب الشعر البليغ الذي كانت العرب تحتفل به أيَّما احتفال، وهي الخبيرة بمواقع النظم الرفيع، وللجرجاني في كتابَيْه ((الدلائل)) و ((الأسرار)) ، وللباقلاني في ((إعجاز القرآن)) ، جولات واسعة في هذا الحقل، حيث وازن هؤلاء الأئمة بين أسلوبَيْ القرآن والشعر، وعرضوا أمثلة وافية؛ وذلك لأنَّ الشعر ديوان العرب نظم فيه أصحابه عصارة بيانهم وصفوة بلاغتهم. ويرى عبد القاهر (٢) أنه لمَّا كان الشعر ديوان العرب كان محالاً أن يَعْرف القرآنَ معجزاً مِنْ جهة فصاحته إلا مَن عرف الشعر. ونودُّ أن نضرب مثالاً من كتاب ((إعجاز القرآن)) للباقلاني يوضِّح من خلاله تَفَوُّق الأسلوب القرآني على أعلى أساليب العرب في الشعر من حيث البلاغة والبيان يقول (٣) : ((ونظم القرآن جنس متميز، وأسلوب متخصص،
стр. 40
وقبيل عن النظير مُتَخَلِّص. فإذا شئتَ أن تعرف عظم شأنه فتأمَّلْ ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبيِّن لك مِنْ عَواره على التفصيل، وذلك قوله:
قفا نَبْك مِنْ ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بِسِقْط اللِّوى بين الدَّخول فحَوْمل
الذين يتعصَّبون له ويدَّعُون محاسن الشعر يقولون: هذا من البديع لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر العهد والمنزل والحبيب، وتوجَّع واستوجع، كله في بيت وإنما بيَّنَّا هذا؛ لئلا يقع لك ذهابنا عن مواضع المحاسن إن كانت، ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة إن وُجِدَتْ)) .
ثم يمضي الباقلاني في نقد قصيدة امرئ القيس التي هي من غُرَر شعره، ويُبَيِّن مواضع سَقْطه، وتخلُّفه عن الأسلوب القرآني ثم يقول (١) : ((فأمَّا نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره، وتَضِلُّ دون وَصْفِه، ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدلُّ به على الغرض، فلو لم يكن بين أيدي الباقلاني وأقرانه مثل هذه القصائد الشعرية لما استطاعوا أن يحققوا قاعدة ((وبضدها تتميز الأشياء)) ؛ وذلك لبيان روعة النظم القرآني وبلاغته، ومن هنا فإن عناية علماء العربية بالشعر عناية هادفة إلى تحقيق مقاصد كثيرة في مجال علوم العربية المتعددة.
وهذه الإفادة الرحبة من المادة الشعرية في سبيل الإحاطة بلغة القرآن مَهَّدَتْ الطريق لكثير من اللغويين للقيام برحلات علمية إلى البوادي لالتقاطها
стр. 41
من أفواه الأعراب (١) ، ولولا هذا النشاط المبذول في جمع الشعر والعناية به لخدمة القرآن لاندثر الشعر الجاهلي (٢) .
وكلما تباعد الناس عن عصر نزول القرآن برزت الحاجة إلى معرفة غريب القرآن، فكان الشعر مِنْ أهمِّ الوسائل لفهم هذا الغريب، والإجابة عن استفسارات الناس المتجددة (٣) . ثم تدخل محاولات جمع الشعر مرحلة التنظيم والجمع من خلال المجموعات الشعرية التي جمعها الثقات من اللغويين كالمفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب، وتضمُّ هذه المجموعات قصائد لشعراء يُستشهد بشعرهم في مضمار اللغة. وقد يَجْمَعُ أحد علماء اللغة شعر أحد الشعراء الجاهليين في ديوانٍ واحد ويشرح غريبه، وبذلك مدَّ الشعرُ العربي حركةَ التفسير القرآنية التي بدت تنمو وتزدهر مع مرور الأيام، كما مدَّ هذا الشعرُ معاجمَ اللغة وكتب النحو والصرف والبلاغة بشواهد غزيرة تساهم في تأصيل علومها. وقد كان للعلماء الثقات في هذه الخطوات دورٌ كبير في سَدِّ أبواب الانتحال والوضع؛ ليكون الاستشهاد مبنياً على أسس صحيحة (٤) ، وكلما ابتعد الناس عن موارد الفصاحة وتقدَّمت بهم الأيام، صَعُبَ عليهم فَهْمُ الشعر والتعامل معه لكثرة غريبه المبثوث فيه،
стр. 42
فاستلزم الأمر شرحه، ولا سيما الجاهلي الذي يكثر فيه الحوشيُّ.
ويجد الباحث في المكتبة العربية الكثير من هذه الشروح التي يتخللها الاستشهاد بآيات القرآن الكريم، ومن ذلك كتب الأمالي والنوادر، ومن هنا صار فن الشعر فناً قائماً برأسه، وفرعاً من فروع المعرفة اللغوية والبيانية التي تخدم القرآن (١) . وليس غريباً أن يحتلَّ الشعر مكانة عالية في مجال البحوث القرآنية المتعددة التي تُعنى بالتأصيل، وبذلك خالف الشعر العربي آداب اللغات الحية التي لا نكاد نجد فيها مثل هذا التواصل اللغوي عبر هذه القرون المتطاولة، ولكن بفضل القرآن بقي الشعر العربي حياً طوال فترة سالفة (٢) .
стр. 43
المبحث الخامس: عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمة لقرآن
...
المبحث الخامس: عناية المسلمين بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمةً للقرآن
ثمة ارتباط وثيق بين القراءات القرآنية ولهجات القبائل العربية، وقد كان مِنْ حكمة نزول هذه القراءات أن يَسَّرَتْ تلاوة الوحي الكريم والتعامل معه، على الرغم من أن اللسان العربي تتعدَّد لهجاته على نحوٍ واسع. وفي الفترة التي سبقت نزول القرآن كان للهجة قريش السيادة على اللهجات العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية. وقد بلغَتْ قريش هذه المنزلة بعد مراحل عديدة من احتكاك اللهجات العربية بها، وذلك بفضل موقعها الديني؛ فهي المشرفة على خدمة الكعبة المشرفة، وتَهْفو إليها أفئدة العرب جميعاً، وبفضل النشاط التجاري الذي كانت قريش تعقده في حواضرها، وكانت اللهجة القرشية تستقي من لهجات القبائل ما تحتاج إليه من صفوة اللغات، حتى تمَّ تكوينُها قُبَيْل نزول الوحي.
وقد اشتملت لهجة قريش على خصائص كثيرة من لهجات القبائل الأخرى؛ إذ استوعبت صفوة العناصر الحميدة لهذه اللهجات. فإذا قلنا: إن القرآن نزل بلغة قريش فليس معنى هذا أننا نَغُضُّ الطرف عن تأثير اللغات الأخرى في مفردات القرآن ونسيجه الصوتي، وإنما نقصد أن لغة قريش هي اللغة النموذجية العالية التي تكوَّنَتْ عبر مراحل عديدة، واشتملَتْ على
стр. 44
خصائص لهجات العرب الأخرى (١) . وقد تكفَّلَت كتب ((لغات القبائل)) بإسناد كل مفردة قرآنية إلى أصل قبيلتها التي انحدرت منها، على نحو ما تبيَّن لنا في موضوع اللغة.
والحق أنَّ هذا التطور التاريخي للهجة قريش التي نزل بها القرآن كان مَحْمَدة لصالح العرب جميعاً؛ وذلك لأنَّ هذه اللهجة أصبحت لغة الأدب والشعر وقاسماً مشتركاً لدى جميع القبائل، ولو كانت لهجة قريش مقصورةً عليها غير معهودة عند العرب لما استطاعت هذه القبائل أن تحقِّق الانتفاع بالقرآن الكريم والتعامل معه لأنه بلهجةٍ غيرِ لهجتها (٢) ، وبذلك صار تحدِّي القرآن للعرب جميعاً يقوم بغرضه الذي سِيق من أجله، فهو معجزٌ بالإضافة إلى قبائلهم كلها،، ولو كان التحدي مُوَجَّهاً إلى قبيلة قريش وحدها لقيل: إن القرآن جاء بما لا قدرةَ للعرب على جنسه (٣) .
وقد بذل النحاة جهداً فائقاً لخدمة القرآن بمختلف قراءاته المتواترة والشاذة، فوجَّهوها بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية المديدة، وقد استندوا إلى هذه القراءات في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة. ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطاً ومعايير تجعلها مقبولة، وقد اعتمدها النحاة واللغويون
стр. 45
والبلاغيون، واستنبطوا منها الأصول التي بَنَوْا عليها علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عَدُّوه شاذاً.
وقد تحدث ابن جني عن الاحتجاج بالنوعين في مقدمة كتابه ((المحتسب)) (١) فذكر ((ضرباً اجتمع عليه أكثر قراء الأمصار، وهو ما أودعه ابن مجاهد كتابه الموسوم بقراءات السبعة، وهو بشهرته غان عن تحديده، وضرباً تعدَّى ذلك، فسمَّاه أهل زماننا شاذاً، أي: خارجاً عن قراءة القراء السبعة المقدَّم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات مِنْ أمامه وورائه، ولعله أو كثيراً منه مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه، نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف بغيره فصاحته (٢) ، وترسو به قدم إعرابه. لكن غرضنا منه أن نُري وجه قوة ما يُسَمَّى شاذاً، وأنه ضارب في صحة الرواية بجِرانه، آخِذٌ من سَمْتِ العربية مهلة ميدانه؛ لئلا يرى مُرىً (٣) أن العدول عنه إنما هو غضٌّ منه أو تهمة له)) .
فالقراءات المتواترة والشاذة حجة عند أهل العربية، وإن كانت الأُولى أعلى قدراً. وقد صنف علماء العربية ثلاثة أنواع من المصنفات لخدمة القراءات في ضوء صناعتهم: الضرب الأول يختص بالمتواتر، ومنه ((الحجَّة))
стр. 46
للفارسي و ((الكشف)) لمكي، والضرب الثاني يختص بالشاذِّ، ومنه ((المحتسب)) لابن جني، و ((إعراب القراءات الشاذة)) للعكبري، والضرب الثالث يجمع بين المتواتر والشاذِّ ومنه ((البحر المحيط)) لأبي حيان، و ((الدر المصون)) للسمين الحلبي. ويبدأ كل مصنف من هذه المصنفات بذكر صاحب القراءة وضبط قراءته، ثم يشرع في توجيهها حسب قوانين الصناعة، ويعربها ويشرح معناها، ويستشهد عليها من شعر العرب ومنثورهم، وقد يجتهد في إيجاد وحدة معنوية بين قراءتين أو أكثر، وقد لا يكون ثمة وحدة فيسعى المؤلف في التوجيه الذي يراه في ضوء علوم العربية المختلفة، مِنْ لغةٍ ونحو وصرف وبلاغة. ويمكننا أن نضرب ثلاثة أمثلة يمثِّل كل مثال منهجاً من مناهج التأليف المذكورة:
ذكر الشيرازي في ((الكتاب الموضِّح في وجوه القراءات وعللها)) (١) أن حمزة وحده قرأ ﴿أَسْرَى﴾ (البقرة: ٨٥) بغير ألف؛ وذلك لأنَّ ((أَسْرى)) أقيس من ((الأُسارى)) ؛ لأنَّ فَعِيلاً إنما جاء جَمْعُه على فَعْلى نحو: قتيل وقَتْلى، وجريح وجرحى، وأصل ذلك إنما يكون لِما كان بمعنى مفعول، وقد حُمِل عليه أشياء وقعَتْ مقاربةً له في المعنى نحو: مَرْضى، لمَّا كان هؤلاء مُبْتَلين بهذه الأشياء التي وقعت على غير اختيارهم، شُبِّهوا بالجرحى، إذ كانوا أيضاً كذلك. وقرأ الباقون ((أُسَارى)) . ووجه ذلك أن ((أسيراً)) جُمع ههنا على ((أُسارى)) تشبيهاً بكُسالى، لَمَّا كان الأسير ممنوعاً عن
стр. 47
الكثير مِنْ تَصَرُّفه شُبِّه بالكسلان الذي يمتنع عن ذلك، بما فيه من العادة المذمومة التي هي الكسل، فلمَّا أشبهه في المعنى شاركه في الجمع على فُعالى)) .
ويُخَرِّج ابن جني في ((المحتسب)) (١) قراءة الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعيسى الهمداني ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ (البقرة:٢٤) فيقول: ((هذا عندنا على حذف المضاف أي: ذو وُقودها، أو أصحاب وُقودها الناس، وذلك أن الوُقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس، لكن قد جاء عنهم ((الوَقود)) بالفتح في المصدر لقولهم: وَقَدَت النار وُقوداً، ومثله أَوْلَعْتُ به وَلوعاً، وهو حسن القَبول منك، كلُّه شاذ والباب هو الضم)) . ويأتي ابن جني بتخريجات أخرى لهذه القراءة على منهجه في الاستشهاد بلغات العرب وأشعارها.
وأشار صاحب ((الدر المصون)) (٢) إلى ست وعشرين قراءة في قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ (الأعراف: ١٦٥) ، وبدأ بعَزْو كل قراءة إلى أصحابها، ثم عُني بضبطها ضبطاً مفصَّلاً، ثم مضى يُخَرِّج كل قراءة على حِدة، سواءٌ أكانت متواترة أم شاذة في ضوء الصناعة العربية؛ ليكون لها وجهٌ من القبول والتوجيه، ثم ذكر أن أبا البقاء العكبري أضاف أربع قراءات أُخَر، وختم كلامه بقوله: ((فهذه ست وعشرون قراءة في هذه اللفظة، وقد حرَّرْتُ
стр. 48
ألفاظها وتوجيهها بحمد الله تعالى)) .
وهكذا اشتغل النحاة بتوجيه القراءات القرآنية، وليس غريباً أن يكون النحاة الأوائل الذين بنَوا صَرْحَ هذا العلم هم من القرَّاء كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد، ولعلَّ اهتمامهم بهذه القراءات دفعهم إلى الدراسة النحوية المفصَّلة؛ لكي يلائموا بين ما سمعوا من القراءات وما روَوْه من كلام العرب (١) .
وقد اجترأ بعض النحاة والمفسرين على تضعيف طائفة من القراءات المتواترة، التي خالفَتْ أصولهم المقررة في اللغة أو النحو والصرف، كما اجترؤوا على رَمْيها بالتخطئة، أو الخروج عن سنن العربية؛ ممَّا جعل فريقاً آخر من النحاة يَرُدُّون عليهم، ويُثْبتون خطأ هذا المنهج في التسرُّع إلى تضعيف قراءات تشتمل على شروط القراءة المتواترة. وفي هذا الإثبات والردِّ على المتسرِّعين مَحْمَدة حَفِظت لهذه القراءات هيبتَها، واستنادها إلى وجه صحيح، فالحكم على رَفْض ما تواتر بحجةٍ واهية ليس بالأمر السهل، وبذلك أصبح علم توجيه القراءات علماً أصيلاً يَرُدُّ على الطاعنين، ويجيب عن تعليلها الذي يُبَيِّن وجهها في المعنى أو الصناعة. ومن ذلك (٢) قوله تعالى ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة: ٥٤) فقد رُوي عن أبي عمرو بن العلاء في الهمزة الكسر والاختلاس، وهو الإتيان بحركة خفيَّة، والسكون المحض، وهذه الأخيرة قد
стр. 49
طعن عليها جماعة من النحويين، وَنَسبوا راويَها إلى الغلط على أبي عمرو. قال سيبويه (١) : ((إنما اختلس أبو عمرو فظنَّه الراوي سكَّن ولم يضبط)) . وقال المبرد: ((ولا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر، وقراءة أبي عمرو لحن)) .
وبعد أن عرض السمين أقوالهم في تلحين القراءة وتضعيفها ينبري للردِّ عليهم، وتوجيهِ قراءة أبي عمرو، فيقول: ((وهذه جرأةٌ من المبرد وجَهْلٌ بأشعار العرب؛ فإن السكون في حركات الإعراب قد ورد في الشعر كثيراً، ومنه قول امرئ القيس (٢) :
فاليومَ أشربْ غير مُسْتَحْقِبٍ ... إثماً من الله ولا واغلِ
فسكَّن ((أشربْ)) . وقال جرير (٣) :
سِيروا بني العمِّ فالأهوازُ منزلُكُم ... ونهرُ تِيرى فما تعرفْكم العربُ
فهذه حركات إعراب وقد سُكِّنَتْ. وقراءة أبي عمرو صحيحة؛ وذلك أن الهمزة حرف ثقيل، ولذلك اجْتُرئ عليها بجميع أنواع التخفيف، فاستثقلت عليها الحركةُ، فقُدِّرت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا﴾ (فاطر: ٤٣) فإنه سكَّن همزة ((السَّيِّئ)) وصلاً، والكلام عليهما واحد، والذي حسَّنه هنا أنَّ قبل الهمزة راءً مكسورة، والراء حرف تكرير، فكأنه توالى ثلاث كسرات، فحَسُن
стр. 50
التسكين، وليت المبرد اقتدى بسيبويه في الاعتذار عن أبي عمرو وفي عدم الجرأة عليه، وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التخفيف، ولذلك يُدغم المثلين والمتقاربين، ويُسَهِّل الهمزة ويُسَكِّن)) .
وهكذا نصل إلى أنَّ علماء العربية خدموا قراءات القرآن الكريم بالتوجيه والشرح، وبيَّنوا أصولها، وحقَّقوا في صلتها بقواعدهم الصناعية، ورَدُّوا على المجترئين عليها بالتلحين أو التضعيف، وتجاوزوا المتواتر منها إلى الشاذِّ، وتَعَدَّدت مناهجهم وطرقهم في هذه السبيل.
стр. 51
المبحث السادس: عناية امسلمين برسم المصحف خدمة للقرآن الكريم
...
المبحث السادس: عناية المسلمين برسم المصحف خدمةً للقرآن الكريم
لو تأمَّلْنا في تاريخ الكتابة العربية ورسمها الإملائي لوجدناها سابقة للوقت الذي نزل فيه القرآن، ولكن الرغبة الشديدة التي كانت عند السلف للعناية بالقرآن الكريم من حيث تلاوتُه وصيانتُه من اللحن هي التي دفعَتْهم في القرن الهجري الأول إلى التفكير في وسيلة عملية تعصم تالي القرآن من الوقوع في اللحن؛ وذلك لأنَّ أصل كتابته في المصاحف العثمانية كانت خاليةً من رموز الحركات ونَقْط الإعجام، وكان الناس قريبين من موارده الصحيحة، فلم تكن قضية تلاوته تلاوة صحيحة مُعْضِلةً تُشْغل علماء السلف، ولكن بعد اختلاط العرب الفصحاء بغيرهم وفُشُوِّ اللحن، أصبحوا يفكرون فيما يهدي القارئ إلى القراءة الصحيحة (١) . وسوف نشير الآن بإيجاز إلى هذه الجهود التي بذلها علماء العربية في جانبين رئيسين ممَّا يتصل برسم المصحف:
١ - رموز الحركات:
ثمة روايات تَنْسُب إلى أبي الأسود الدؤلي بداية التفكير في وضع رموز للحركات الإعرابية في سبيل ضبط الرسم العثماني الخالي من هذه الرموز.
стр. 52
وينقل أبو عمرو الداني في كتابه ((المحكم في نقط المصاحف)) رواية عن المبرد يقول فيها (١) : ((لمَّا وَضَع أبو الأسود الدؤلي النحو قال: ابْغُوا لي رجلاً، وليكُنْ لَقِناً. فطُلب الرجل فلم يوجد إلا في عبد القيس. فقال أبو الأسود: إذا رأيتني لفظت بالحرف فضممت شفتيَّ فاجعل أمام الحرف نقطة. فإذا ضممت شفتيَّ بغنة فاجعل نقطتين. فإذا رأيتني قد كسَرْت شفتيَّ فاجعل أسفل الحرف نقطة، فإذا كَسَرْت شفتيَّ بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد فتحت شفتيَّ فاجعل على الحرف نقطة، فإذا فتحت شفتيَّ بغنة فاجعل نقطتين)) . قال المبرد: ((فذلك النَّقْطُ بالبصرة في عبد قيس إلى اليوم)) .
وكانت نُقَط الحركات هذه تُكتب بصبغ يخالف لون المداد الذي كُتبت به الحروف ونقطها، فكان ذلك يَشُقُّ على الكاتب؛ إذ يتحتم أن يكتب بقلمَيْن ومدادَيْن مختلفين (٢) .
ويبدو أنه قد أتى على صنيع أبي الأسود في شكل الحركات الإعرابية حينٌ من الدهر، ثم طرأ عليها تعديل جديد قام به الخليل الفراهيدي، فقد أورد الداني في ((محكمه)) رواية ثانية عن المبرد يقول فيها (٣) : ((الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل، وهو مأخوذ من صور الحروف، فالضمة واو صغيرة الصورة في أعلى الحرف؛ لئلا تلتبسَ بالواو المكتوبة، والكسرة ياء تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف)) . وصنيع الخليل هذا لم
стр. 53
يستقرَّ لدى الكُتَّاب إلا بعد فترة من الزمن، فقد كانوا لا يجرؤون على استخدامه، ويُفَضِّلون عليه نَقْط أبي الأسود بحجة إتباع سُنَّة السلف، وكانوا يُسَمُّون طريقة الخليل بشكل الشعر (١) ، والغاية من هذا الاحتراز صيانة القرآن الكريم من التبديل والتغيير.
وتُعَلِّل مصنفات رسم المصحف شكل هذه الحركات (٢) ، فالحركات كما هو معلوم: فتحة وكسرة وضمة، فموضع الفتحة من الحرف أعلاه؛ لأنَّ الفتح مُسْتعل، وموضع الكسرة منه أسفله؛ لأنَّ الكسر مُسْتفل، وموضع الضمة منه وسطه أو أمامه؛ لأن الفتحة لمَّا حصلت في أعلاه، والكسرة في أسفله، لأجل استعلاء الفتح وتَسَفُّل الكسر بقي وسطه، فصار موضعاً للضمة.
ويشرح الإمام أبو عمرو الداني (٣) طريقة تنقيط التشديد. وثمة مذهبان، أحدهما: أن تجعل علامته أبداً فوق الحرف، وصورة التشديد على هذا المذهب شين. والثاني: أن تجعل علامة التشديد دالاً فوق الحرف المفتوح، وتحته إذا كان مكسوراً، وأمامه إذا كان مضموماً. فأما السكون، فأهل المدينة يجعلون علامته دارة صغيرة فوق الحرف، وآخرون يجعلون علامته خاء، يريدون بذلك أول كلمة خفيف، وبعض أهل العربية يجعل علامته
стр. 54
هاء. قال الداني (١) : ((كان سبب نَقْط المصاحف تصحيح القراءة وتحقيق الألفاظ بالحروف؛ حتى يُتَلَقَّى القرآن على ما نزل من عند الله تعالى، وتُلُقِّي من رسول الله ﷺ ، ونُقِل عن صحابته رضوان الله عليهم، وأدَّاه الأئمة رحمهم الله تعالى، فسبيل كل حرف أن يُوَفَّى حقَّه بالنَّقْط ممَّا يستحقُّه من الحركة والسكون والشدِّ والمدِّ والهمز وغير ذلك، ولا يُخَصُّ ببعض ذلك دون كله)) .
ومن هنا نخلص إلى أن جهود علماء السلف في شكل الفتحة والضمة والكسرة والسكون والتشديد بدأت منذ وقتٍ مبكر، واختلفت اتجاهاتهم في ذلك، إلى أن استقرَّ الأمر على صنيع الخليل الفراهيدي الرجل الفذِّ الذي كان له جهود كبيرة في تاريخ علوم العربية.
٢ - نقط الإعجام:
أعجمتُ الكتابَ إعجاماً إذا نَقَطْتَه، وكتاب معجم: منقوط. والحروف المعجمة مثل الباء والتاء والثاء والنون. ومَنْ يتتبَّع الروايات التاريخية المختلفة في تاريخ الكتابة العربية يجد أن أبا الأسود الدؤلي وتلاميذه، وهم نصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى بن يعمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن، هم الذين قاموا بنقط الإعجام، وهو اتخاذ نقط جديد للحروف المعجمة في المصاحف الخالية منها، تمييزاً لها من الحروف المهملة. ويذكر الإمام الداني في
стр. 55
((محكمه)) رواية يحيى بن أبي كثير حيث يقول (١) : ((كان القرآن مجرداً في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النَّقْط على الياء والتاء، وقالوا: لا بأس به هو نور له، ثم أحدثوا فيها نُقَطاً عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم)) .
ويرى الداني (٢) أن الصدر من السلف أخْلَوا المصاحف من التنقيط والشكل؛ لأنهم أرادوا الدلالة على بقاء السَّعة في اللغات، والفسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها، فكان الأمر على ذلك إلى أن حَدَثَ في الناس ما أوجب نَقْطَها وشكلَها.
وقد سُئِل الإمام أحمد عن نَقْط القرآن (٣) فأجاب: ((أمَّا الإمام من المصاحف فلا أرى أن يُنَقَّط، ولا يُزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأمَّا المصاحف الصغار التي يتعلَّم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأساً)) .
ومثل هذه الروايات تُنْبئ عن خشية السلف الاجتراءَ على القرآن بالتبديل والتغيير؛ لأن مثل هذا التنقيط في العصور المتقدمة كان فيه مجال للاجتهاد، ولم يستقرَّ أمره بعد، ومن هنا اختلف اجتهاد السلف في نقاط الإعجام ما بين مترخِّص ومانع.
ويذكر الإمام الداني (٤) أن الذي دعا السلف إلى نَقْط المصاحف بعد أن
стр. 56
كانت خاليةً من ذلك وعاريةً منه وقت رسمها وحين توجيهها إلى الأمصار ((ما شاهدوه من أهل عصرهم، مع قُرْبهم من زمن الفصاحة، ومشاهدة أهلها مِنْ فساد ألسنتهم، واختلاف ألفاظهم، وتغيُّر طباعهم، ودخول اللحن على كثير من خواصِّ الناس وعوامِّهم، وما خافوه مع مرور الأيام وتطاول الأزمان مِنْ تزيُّدِ ذلك وتضاعُفه فيمن يأتي بعد ... لكي يُرْجَعَ إلى نَقْطها، ويُصار إلى شكلها عند دخول الشكوك وعدم المعرفة، ويتحقق بذلك إعراب الكَلِم وتُدرك به كيفية الألفاظ)) .
وثمة روايات تاريخية تُرجع عصرَ نَقْطِ الإعجام إلى زمن الصحابة وقبل أن يُكتب المصحف الإمام في عهد عثمان ﵁. وقد أشار بعض المؤرخين (١) إلى وثيقةٍ من وثائق البُرْدي، يرجع عهدها إلى عام ٢٢هـ، وفيها حروف منقوطة.
كما أن الفراء (٢) نقل عن سفيان بن عيينة أن زيد بن ثابت وجد حجراً مكتوباً عليه آية من غير تنقيط فنقَّطها، كما أن بعض الصحابة كره النقط، ودعا إلى تجريد المصحف منه كعبد الله بن مسعود (٣) . وليس المقام هنا تحقيق مَنْ بدأ بهذا العمل الجليل، وإنما المقام أن نشير إلى أن غَيْرة علماء العربية من السلف على القرآن هي التي دفعَتْهم إلى هذين العملين: نقط الإعجام والحركات.
стр. 57
وسارت الكتابة العربية على الصورة التي نجدها في الرسم العثماني، ولكن اتساع استخدام الكتابة العربية في القرون الهجرية الأولى أظهر الحاجة إلى قواعد للكتابة تكون أكثر تحديداً وضبطاً، فاتجه علماء السلف منذ القرن الهجري الثاني إلى تكميل ما قد يبدو في الكتابة العربية مِنْ ثَغَرات، وسَعَوْا إلى توحيد ما في الكتابة الأولى من قواعد متعددة (١) . قال ابن درستويه (٢) : ((ووجدنا كتاب الله لا يُقاس هجاؤه، ولا يُخالَفُ خطُّه، ولكنه يُتَلَقَّى بالقبول على ما أودع المصحف)) . والمذهب الذي نذهب إليه في هذه المسألة هو مذهب الجمهور في وجوب التزام الرسم العثماني في المصاحف، وذلك في كل زمان ومكان؛ خشيةَ تَسَرُّب الفوضى والاضطراب إلى رسمه، لو فتحنا باب كتابته بالرسم الإملائي المعاصر. وقد سُئِل الإمام مالك: أرأيت من استكتب مصحفاً اليوم، أترى أن يُكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ قال: ((لا أرى ذلك، ولكن يُكتب على الكتبة الأولى)) (٣) .
стр. 58
المبحث السابع: عنايةالمسلمين بعلم الأصوات خدمةً للقرآن الكريم
امتدَّت جهود علماء العربية لتشملَ طرق أداء القرآن الكريم أداء صوتياً صحيحاً، كما ورد عن الرسول ﷺ ، وهو ما عُرِف في دراسات السلف بالتجويد، وعُرِف في دراسات علم اللغة الحديث بعلم الأصوات. والمقصود به إعطاء الحروف حقها، وإخراجها مِنْ مخارجها، ووصف الأصوات التي تخرج من جهاز النطق في الإنسان. والتجويد: مصدر جَوَّد الشيء تجويداً إذا أتى بالقراءة مجوَّدة الألفاظ، بريئةً من الجَوْر عند النطق بها (١) . وقد ترك علماء العربية في هذا الجانب مؤلفات غزيرة تشير إلى نضج وخبرة ومعرفة دقيقة بأصوات العربية، كما توصَّلوا إلى تحليلات دقيقة، وافقت في كثير من جوانبها جهود علم اللغة الحديث الذي توفَّرَتْ له معامل الاختبار، والأجهزة الدقيقة التي لم تتوفَّر للسلف.
إنَّ الوصف المتقن لحروف العربية ومخارجها في جهاز النطق لدى الإنسان (٢) ، أعانَتْ قارئ القرآن كثيراً للوصول إلى الأداء الصحيح أثناء تلاوة القرآن. يقول القارئ عبد الله بن ذكوان: ((يجب على قارئ القرآن أن يقرأ بترتيل وتَرَسُّل، وأن يعرف مخارج الحروف في مواضعها، ويستعمل إظهار
стр. 59
التنوين عند حروف الحلق إظهاراً وسطاً بلا تشديد، وإخراج الهمزة إخراجاً وسطاً حسناً، وتشديد المضاعف تشديداً وسطاً، وتفخيم الكاف والراء والزاي والخاء والحاء والطاء، وترقيق الراء، وتصفية السين، وإظهار النون عند الخاء، وإظهار الهاء وإخراجها من الصدر، وإدغام ما يحسن فيه الإدغام، وإظهار ما يحسن فيه الإظهار)) (١) .
لقد عَدَّ السلفُ القارئ لاحناً لحناً خفيَّاً إذا لم يُوَفِّ الحرف حقَّه، أو كان مقصِّراً في معرفة صفته التي هي له، أو زاد على هذا الحق، فأعطى الحرف شيئاً من الصفات لا يستحقها (٢) . وذكروا (٣) أنه لايُتمكن التجويد، ولا يتحصل التحقيق إلى بمعرفة حقيقة النطق بالمحرك والمسكَّن والمختلس والمرام والمشم والمهموز والمسهَّل والمحقَّق، والمشدَّد والمخفَّف والممدود والمقصور والمبين، والمدغم والمخفى والمفتوح والممال، كما فصَّلوا في صفات الحروف وأحكام المدود، وتفخيم الحروف وترقيقها، والإدغام الصغير والكبير، وتحدَّثوا عن الصفات الأصلية الملازمة للحرف، ولا تنفك عنه بحال كالجهر والاستعلاء والإطباق، والصفات العَرَضية، وهي تعرض للحرف أحياناً، وتنفكُّ عنه أحياناً كالتفخيم والترقيق والإظهار والإدغام والمد والقصر، وفصَّلوا في أنواع المخارج وعددها. وجاء هذا التفصيل كله في كثير من
стр. 60
المصنفات بغية الوصول إلى الأداء الصوتي الصحيح لكتاب الله .
ولم تقتصر جهود علماء التجويد على وضع معايير النطق بأصوات القرآن وهي مفردةٌ، بل شملت هذه الأصواتَ وهي مركبة، أي: نطق الصوت وهو مركبٌ مع غيره من الأصوات في الكلمة، ومن هنا كان لهذا العلم فرعان (١) ، أحدهما: علم الصوت المفرد، والآخر علم الصوت التركيبي. وقد أقبل العلماء على دراستهم لكلا النوعين بالنحو الذي يتَّسم بالاستقصاء والتحري وتتبُّع الصوت في السياقات الصوتية المختلفة التي ورد فيها.
وطريق هذا العلم الأَخْذُ من أفواه المشايخ العارفين بطريق أداء القرآن بعد معرفة ما يحتاج إليه القارئ مِنْ مخارج الحروف وصفاتها والوقف والابتداء والرسم (٢) .
وقد شَدَّد علماء السلف في بابِ صفةِ مَنْ يجب أن يُقرأ عليه ويُنقل عنه، على مسألة الفقه بالعربية والتحقق من العناية بأسرارها، يقول أبو محمد مكي (٣) : ((يجب على طالب القرآن أن يتخيَّر لقراءته ونَقْلِه وضَبْطهِ أهلَ الديانة والصيانة والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علم العربية والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن، وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم، فإذا اجتمع
стр. 61
للمقرئ صحة الدين والسلامة في النقل والفهم في علوم القرآن والنفاذ في علوم العربية والتجويد بحكاية ألفاظ القرآن، كملت حاله ووجبت إمامته)) . ويقرر (١) أبو محمد مكي بأن القراء يتفاضلون في العلم بالتجويد: فمنهم مَنْ يَعْلمهُ رواية وقياساً وتمييزاً، فذلك الحاذق الفَطِن، ومنهم مَنْ يعرفه سماعاً وتقليداً، فذلك الوَهِن الضعيف، لايلبث أن يَشُكَّ، ويدخله التحريف والتصحيف، إذ لم يَبْنِ على أصلٍ، ولا نقل عن فَهْم.
وسيبويه مع تقدُّم زمنِه سَجَّل في أواخر كتابه وصفاً دقيقاً للأصوات العربية بقي أساساً لكثير من الدراسات التي تَلَتْه، وقد أفاد منه المصنفون الذين ألَّفوا في تجويد القرآن، ولاسيما في حديثه عن حروف العربية وهي مفردة ومخارجها في جهاز النطق. ومن أمثلة تدقيقه في وصف مخارج الأصوات حديثه عن الضاد الضعيفة التي تَرِد في لهجة بعض القبائل (٢) : ((الضاد الضعيفة تُتكلف من الجانب الأيمن، وإن شئتَ تَكَلَّفْتها من الجانب الأيسر، وهو أخفُّ؛ لأنها من حافة اللسان مُطْبقة؛ لأنك جمَعْتَ في الضاد تكلُّف الإطباق مع إزالته عن موضعه، وإنما جاز هذا فيها؛ لأنك تُحَوِّلها من اليسار إلى الموضع الذي في اليمين، وهي أخفُّ لأنها من حافة اللسان، وأنها تخالط مَخْرَج غيرها بعد خروجها، فتستطيل حين تخالط حروف اللسان، فسَهُل تحويلها إلى الأيسر؛ لأنها تصير في حافة اللسان في الأيسر إلى مثل ما كانت في الأيمن، ثم تَنْسَلُّ من الأيسر حتى تتصل بحروف اللسان كما كانت
стр. 62
كذلك في الأيمن)) .
وفي المكتبة العربية سِفْرٌ في أصوات العربية له أهمية كبيرة في هذا الجانب هو ((سرُّ صناعة الإعراب)) لابن جني، يقول عنه الدكتور كمال بشر في كتابه ((علم الأصوات)) (١) : ((أمَّا وصف ابن جني للمخارج بالصورة التي سجَّلها في كتابه وترتيبه لهذه المخارج، فهو يدلُّ على قوة ملاحظته وذكائه النادر. والحق أن النتائج التي وصل إليها هذا العالِم في هذا الوقت الذي كان يعيش فيه، لَتُعَدُّ معجزة له ولمفكري العرب في هذا الموضوع. وممَّا يؤكد براعتهم ونبوغهم في هذا العلم أنهم قد توصَّلوا إلى ما توصَّلوا إليه من حقائق مدهشة دون الاستعانة بأية أجهزة أو آلات تُعينهم على البحث والدراسة كما نفعل نحن اليوم)) .
ويُعَدُّ هذا الكتاب امتداداً لجهود علماء العربية التي نشأت ابتداءً في كنف القرآن الكريم بُغْية خدمة لغته وبلاغته وأصواته، ثم توسَّعت هذه الجهود لتبني علماً شامخاً، يُفَصِّل في أحكام العربية تفصيلاً منتشراً شاملاً، وابن جني نفسه وهو يدرس علم الأصوات كان يقف عند الآيات القرآنية كثيراً، وكتابه هذا حافل بدَرْسها والتدقيق في تجويدها، والنظر في مخارج حروفها وصفات هذه الحروف، ومن ذلك قوله (٢) : ((فأمَّا الحركة الضعيفة المختلسة كحركة همزة بين بين وغيرها من الحروف التي يُراد اختلاس حركاتها تخفيفاً، فليست حركة مُشَمَّةً شيئاً من غيرها من الحركتين، وإنما أُضْعف
стр. 63
اعتمادُها وأُخْفِيَتْ لضرب من التخفيف، وهي بزنتها إذا وُفِّيَتْ ولم تختلس، وكذلك غير هذه الهمزة من الحروف المخفاة الحركات نحو قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا﴾ (يوسف: ١١) وغير ذلك كله محرك وإن كان مختلساً، يدل على حركته قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (البقرة: ١٨٥) فيمن أخفى. فلو كانت الراء الأولى ساكنة والهاء قبلها ساكنة، لاجتمع ساكنان في الوصل ليس الأول منهما حرف لين والثاني مدغماً نحو: دابَّة وشابَّة، وكذلك قوله : ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ (يونس: ٣٥) لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن تكون الهاء مُسَكَّنَةً البتة، فتكون التاء من ((يَهْتدي)) مختلسة الحركة، وإمَّا أن تكون الدال مشددة، فتكون الهاء مفتوحة بحركة التاء المنقولة إليها، أو مكسورة لسكونها وسكون الدال الأولى، وكذلك ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (يس: ٤٩) الحكم فيهما واحد)) . والمقام لا يتسع للمزيد من النصوص التي خدمت قراءات القرآن وأصواته وتصريفه وتجويده خدمة دقيقة، أفادت منها الأجيال التالية فوائد جَمَّة، وما يزال الغرض عند السلف خدمة كتاب الله، وفَهْمَ أسراره، وتيسير تناوُله.
стр. 64
الخاتمة:
تبيَّن لنا ممَّا سبق هذا الجهد الكبير الذي بذله المسلمون من خلال علماء العربية خدمةً للقرآن الكريم. ولولا أن المقام لا يسمح بالمزيد من التفاصيل العلمية والتاريخية لجاءت الكتابة أوسع من هذا الإيجاز؛ وذلك لأن كل مبحث يستحق أن يكون فصلاً أو باباً. وقد جاء البحث في سبعة مباحث، تحدثت في المبحث الأول عن عنايتهم باللغة خدمة للقرآن، وظهر لنا من معالمه التأليف في لغات القبائل الوادرة في القرآن، والتأليف في الأضداد، والمشترك اللغوي، والمفردات القرآنية، والألفاظ المعرَّبة، وغريب القرآن، والفروق اللغوية، والمذكر والمؤنث، ومواضع القطع والائتناف، ومشكل القرآن ومعاجم اللغة المنهجية. وانتهى المبحث إلى أن باب اللغة باب واسع بذل السلف مِنْ خلاله جهوداً طيبة أسهمت في فهم التنزيل العزيز، وتدبُّر آياته.
وتحدثت في المبحث الثاني عن عناية المسلمين بالنحو في سبيل الغرض نفسه، وتبين لنا من خلال هذا المبحث أن القرآن الكريم كان الدافع الرئيس لعلماء السلف لوَضْع علم النحو والإعراب، وذلك بعد تَفَشِّي اللحن وتزاوُج اللغات المختلفة في الوسط الاجتماعي.
وجاء المبحث الثالث عن عنايتهم بالبلاغة، وثبت لنا فيه أن القرآن
стр. 65
الكريم هو العامل الرئيس الذي ساعد على الشروع في الدراسات البلاغية بمختلف اتجاهاتها؛ وذلك لدفع المطاعن والشكوك التي أثيرت حوله، وللتأكيد على إعجازه وتفوُّقه على الأساليب الأدبية.
وأمَّا المبحث الرابع فقد جاء عن عنايتهم بالشعر في سبيل الاستشهاد به على غريب القرآن ومفرداته وبيانه، وأشرنا إلى جهود ابن عباس ﵁ في هذا السبيل، وكلما تباعد الناس عن عصر نزول القرآن برزت الحاجة إلى معرفة غريب القرآن، فكان الشعر من أهم الوسائل لمعرفة ذلك.
وتحدَّثْتُ في المبحث الخامس عن عنايتهم بتوجيه القراءات في ضوء العربية خدمةً للقرآن الكريم؛ وذلك لأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين القراءات ولهجات القبائل العربية، وأشَرْتُ في هذا المبحث إلى نزول القرآن بلهجة قريش التي اشتملت على خصائص كثيرة من لغات القبائل، وقد بذل النحاة جهداً فائقاً لخدمة هذه القراءات المتواترة والشاذَّة في ضوء صناعتهم المحكمة.
ويأتي المبحث السادس عن عنايتهم برسم المصحف، وشرَحْتُ جهودهم في رموز الحركات، ونقط الإعجام، وأشَرْتُ إلى تطور الكتابة العربية إلى أن استقرَّت على ما قرره الخليل الفراهيدي من مصطلحات.
وأخيراً يأتي المبحث السابع عن عنايتهم بعلم الأصوات خدمةً للقرآن الكريم، فقد امتدَّتْ جهود علماء العربية لتشمل طرق أداء القرآن الكريم وقدَّموا لقارئ القرآن وصفاً دقيقاً للحروف العربية ومخارجها، وذلك لإعطاء كل حرف حقَّه، وتُعَدُّ جهودهم في هذا الباب متميزة، في عصر لم يعرف
стр. 66
الأجهزة ومعامل الاختبار.
وبذلك نخلص إلى أن القرآن الكريم هو الباعث الرئيس على نشأة علوم اللغة العربية، ثم ازدهارها وتطورها، فكان من حكمة الله أن قيَّض لهذا الكتاب العزيز همَّة هؤلاء الرجال وجهودهم.
اللهم إنا نسألك التوفيق والسداد والحمد لله رب العالمين.
стр. 67
مصادر ومراجع
...
- كشاف المراجع -
١ - أثر القرآن في تطور النقد العربي: د. محمد زغلول سلام، الطبعة الأولى، مصر، مكتبة الشباب
٢ - أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية: د. عبد العال سالم مكرم، الطبعة الثانية، ١٩٧٨ الكويت
٣ - الأضداد لابن الأنباري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الكويت ١٩٦٠
٤ - الإيضاح في علل النحو للزجاجي، تحقيق د. مازن المبارك، بيروت ١٣٩٣-١٩٧٣
٥ - الأضداد لقطرب، تحقيق: حنا حداد، دار العلوم، الرياض، ١٤٠٥-١٩٨٤
٦ - إعجاز القرآن للبلاقلاني، تحقيق: أحمد صقر، الطبعة الرابعة، مصر، دار المعارف
٧ - الاقتضاب في شرح أدب الكتَّاب للبطليوسي - دار الجيل ١٩٧٣- بيروت
٨ - إعجاز القرآن: د. مصطفى مسلم، دار المسلم، الرياض، ١٤١٦
٩ - إيضاح الوقف والابتداء للأنباري، تحقيق محيي الدين رمضان، دمشق ١٣٩٠-١٩٧١
١٠ - أصول علم العربية في المدينة: د. عبد الرزاق الصاعدي. مقال في مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٠٥
стр. 68
١١ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي - بيروت، دار الفكر
١٢ - اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، الرياض - مطابع المجد التجارية
١٣ - البديع لعبد الله بن المعتز، نشر أغناطيوس كرا تشقوفسكي
١٤ - البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مصر
١٥ - البرهان في علوم القرآن للزركشي تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، ١٣٩١-١٩٧٢
١٦ - البيان العربي د. بدوي طبانة مصر، الطبعة السادسة
١٧ - تنبيه الألباب على فضائل الإعراب للشنتريني: تحقيق: د. معيض العوفي، ١٤١٠، جدة
١٨ - التفكير البلاغي عند العرب: د. حمادي صمود، تونس، ١٩٨١
١٩ - تاريخ الأدب العربي: د. عمر فروخ، بيروت، ١٩٨١
٢٠ - التلخيص للقزويني: شرح عبد الرحمن البرقوقي، بيروت
٢١ - تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: تحقيق: أحمد صقر، بيروت، دار الكتب العلمية
٢٢ - التحديد في الإتقان للداني، تحقيق: د. أحمد الفيومي، مصر ١٩٩٣
٢٣ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري - دار المعرفة - بيروت لبنان ١٣٩٨-١٩٧٨ طبعة مصورة
٢٤ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان
جمال القراء للسخاوي، تحقيق: د. علي البواب، مكتبة التراث،
стр. 69
مكة، ١٤٠٨هـ
٢٦- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي، تحقيق: د. أحمد الخراط، دار القلم دمشق ١٤٠٦
٢٧ - رسم المصحف: د. غانم الحمد، بغداد، ١٤٠٢-١٩٨٢
٢٨ - الرعاية لأبي محمد مكي، تحقيق د. أحمد حسن فرحات، دار عمار، عمان ١٤٠٤هـ
٢٩ - شرح الهداية للمهدوي، تحقيق د. حازم حيدر، الرياض، مكتبة الرشد، ١٤١٦هـ
٣٠ - الصعقة الغضبية - للطوفي، تحقيق: د. محمد خالد الفاضل، الرياض، ١٤١٧- ١٩٩٧
٣١ - الصاحبي لابن فارس: تحقيق: السيد أحمد صقر، مصر، مطبعة الحلبي
٣٢ - الصناعتين للعسكري، تحقيق: علي محمد البجاوي، مصر
٣٣ - طبقات القراء لابن الجزري، نشره برجستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٢
٣٤ - طبقات النحويين واللغويين للزبيدي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، دار المعارف
٣٥ - الطراز للعلوي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٠-١٩٨٠
٣٦ - علم الأصوات: د. كمال بشر - مصر - ١٩٨٠م
٣٧ - الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن: د. محمد الشايع - الرياض، ١٤١٤-١٩٩٣
стр. 70
٣٨ - الفروق لأبي هلال العسكري، الطبعة الثانية عام ١٩٧٧، بيروت
٣٩ - فصول في فقه العربية: د. رمضان عبد التواب، الطبعة الثانية، مصر، مكتبة الخانجي
٤٠ - القطع والائتناف للنحاس، تحقيق. د. أحمد خطاب العمر، بغداد ١٣٩٨
٤١ - الكتاب لسيبويه: تحقيق: عبد السلام هارون، الثالثة، ١٤٠٣،١٩٨٣، مصر
٤٢- كتاب الكُتَّاب لابن درستويه، تحقيق: د. إبراهيم السامرائي، الكويت،١٣٩٧
٤٣ - الكتاب الموضح للشيرازي، تحقيق: د. عمر حمدان الكبيسي، ١٤١٤-١٩٩٣- جدة
٤٤ - الكشاف للزمخشري، مصر، مطبعة الحلبي، ١٣٨٥-١٩٦٦
٤٥ - كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، تحقيق: د. لطفي عبد البديع - مصر ١٣٨٢
٤٦ - لغة القرآن، مكانتها، والأخطار التي تهددها، د. إبراهيم أبو عباة، الرياض ١٤١٣
٤٧ - لغات القبائل الواردة في القرآن لأبي عبيد، تحقيق: د. عبد الحميد السيد طلب، الكويت، ١٩٨٥
٤٨ - المشترك اللغوي: د. توفيق شاهين، مصر، الأولى، ١٤٠٠-١٩٨٠
٤٩- المدارس النحوية: د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، الطبعة
стр. 71
الرابعة
٥٠ - المعرب للجواليقي: تحقيق: د. ف عبد الرحيم، دار القلم، دمشق، ١٤١٠-١٩٩٠
٥١ - المفردات للراغب الأصبهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، مصر
٥٢ - المقنع في رسم مصاحف الأمصار للداني: تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، مصر
٥٣ - مراحل تطور الدرس النحوي: د. عبد الله الخثران، الإسكندرية، ١٩٩٣-١٤١٣
٥٤ - معاني القرآن للفراء، تحقيق: محمد علي النجار وأحمد نجاتي، بيروت، عالم الكتب، ١٩٨٠
٥٥ - مفتاح العلوم للسكاكي، مصر، مطبعة الحلبي ١٣٥٦-١٩٣٧
٥٦ - معجم الأدباء لياقوت، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٠-١٩٨٠
٥٧ - المحتسب لابن جني، تحقيق: علي النجدي ناصف وآخرين، مصر، ١٣٨٦
٥٨ - مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - مصر - مطبعة دار نهضة مصر
٥٩ - المحكم في نقط المصاحف للداني، تحقيق: عزة حسن، دار الفكر - ١٤٠٧
٦٠ - الموجز في تاريخ البلاغة: د. مازن المبارك، بيروت، دار الفكر
٦١ - مقدمة ابن خلدون: ابن خلدون، الطبعة الرابعة ١٣٩٨-١٩٧٨
стр. 72
٦٢ - المزهر للسيوطي، تحقيق: محمد أحمد جاد المولى ورفاقه، مصر، مطبعة الحلبي
٦٣ - المستدرك على الصحيحين للحاكم، دار الكتاب العربي - لبنان، بيروت
٦٤ - النكت في إعجاز القرآن للرماني ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، مصر، دار المعارف
٦٥ - نزهة الألباء للأنباري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر
٦٦ - وفيات الأعيان لابن خلكان، تحقيق: د. إحسان عباس بيروت