"لأن" إذا كانت اللام مكسورة بالألف؛ وكذلك يجِبُ أن تُكتب إذا زيدت عليها "لا" ولم يحدُثْ في الكلام شيءٌ غير معنى الإباءِ، إلاّ أنَّ النّاسَ اتَّبعوا المصحف، وكذلك "لَئِنْ فَعَلْتَ كذا لأفعلنَّ كذا" كتبت بالياء اتِّباعاً للمصحف، وكان القياس أن تكتب بالألف لأنّها “إنْ” زِيدتْ عليها اللاَّمُ" (١) وانظر حديثه عن رسم "اللّيل واللّيلة" (٢) . ورسم "أيّها الرجل وأيُّها الأمير" بألفٍ وغير ألف (٣) . وفي رسم "يحيى"قال "إنّ الكُتَّاب اجتمعوا على أن كتبوه بالياء، ولم يلزموا فيه القياسَ، وأَحسبهم اتَّبعوا فيه المصحف" (٤) . وبيَّن مخالفة الكُتَّاب لرسم المصحف في نحو "صغراهم، وكُبراهم، وحصاك، ونواك، ورماهم، فدلاّهما بغرور" (٥) . ومثل هذا لا يخلُّ بمذهبه في أن الرسم هو الأصل، بل إنّ استحسانه لمخالفة المصحف في بعض الرسم لا يُخِلُّ، كما في قوله: "على ذلك كُتَّاب المصحف، وإن شئت كتبت ذلك بألفين على مذهب التحقيق، وهو أعجَبُ إليّ" (٦) . ولا يُخِلَّ به مثل قوله: "وليس بمستعملٍ إلاّ في كتاب المصحف" (٧) . ومثل "هذا الّذي عليه المصحف، ومتقدِّمو الكُتّاب، وقد كتبه بعضُ الكُتَّاب بياءٍ
стр. 37
قبل الواو “مستهزئون” و“مقرئون” وذلك حسن" (١) . ومثل "كتبت [المَوْءودة] في المصحف بواوٍ واحدة، ولا أستحبُّ للكاتب أن يكتبها إلاّ بواوين " (٢) . ومثل "وقد خالف الكُتّاب في هذا المصحفَ" (٣) . وقد اختار ابن قتيبة ما ذهب إليه الكُتّاب. ومثل " وكتب بعضهم [مثل بئيس] بياءٍ واحدة اتّباعاً للمصحف، وكتبهم بعضهم بياءين، وهو أَحَبُّ إليّ " (٤) .
والأصل عند ابن قتيبة توافق الرسمين، بل عدَّ موافقة الرسم حُجَّةً أو دليلاً للترجيح، مثل "والحذف أجود، وبالحذف كتبتْ في المصحف إلاّ في حرفٍ واحد " يسألون عن أنبائكم " (٥) .
وقد جعل ابن فارسٍ رسم المصحف حُجَّةً، فقال: "فصار ذلك كُلُّه حُجَّةً، وحتّى كرِهَ من العلماء تَرْكَ اتّباع المصحف من كره قال الفَرَّاءُ: اتّباع المصحف - إذا وجدتُّ له وجهاً من كلام العرب، وقراءةِ القُرَّاء - أَحَبُّ إليَّ من خلافه والذي قاله الفَرَّاءُ حَسَنٌ، وما بحسَنٍ قولُ ابن قتيبة في أحرفٍ ذكرها، وقد خالفَ الكُتَّابُ المصحفَ في هذا" (٦) .
وكأنِّي بابن فارس يرى التزام رسم المصحف أو تقديمه على مذاهب الكُتّاب، في حين يرى ابن قتيبة أنّ الأصل توافق الرسمين، ولا يلزم اطّراده.
стр. 38
والفرق بين الرسمين أنّ رسم المصحف إنّما يكون اتّباعاً لمرسوم المصحف الأوّل، في حين يختلف الرسم المعتاد حَسَب اجتهادِ الكُتّابِ وعلماء العربية واختياراتهم، غير أنَّ أصل الرسم في العربيّة هو رسم المصاحف، والرسم الآخر فرعه، وهو - وإن خالفه في أشياء - عائدٌ، وراجع إليه، غير خارج عليه.
إنّه لا يُهمُّنا أن نسرد مؤلّفاتِ رسم المصحف أو مرسوم المصاحف، فهذا له ميدانٌ آخر، وما هو بعسير، وإنّما يُهمِّنا إسهام علماء العربية، وعنايتهم بالرسم، وصلة هذا الإسهام بخدمة القرآن.
ويكفي علماء العربيّة شرفاً أنّهم رفعوا الإيهام عن الخطّ العربيِّ بإعجامه، ونقط، وشكله، وهذه خدمة للقرآن في أعلى الدرجات من الخدمة.
وقد سخّر علماء العربيّة دراستهم الصوت العربيَّ لخدمة القرآن وقراءاته، وابتعدوا عن الدرس العبثيِّ الّذي يعتمد الوصف سبيلاً له، من دون تفريق بين الجيِّد والرديء، والحسن والقبيح، والمستجاد والمرذول، وجعلوا الدّرس الصّوتيَّ يتفيَّأُ ظلال القرآن، يستحسنون ما يستحسنه القُرَّاءُ، ويستهجنون ما يستهجنونه، نجد في كتاب سيبويه مثلاً أنّ أصوات العربيَّة تسعةٌ وعشرونَ حرفاً، "وتكون خمسةً وثلاثين حرفاً، بحروفٍ هُنَّ فُروعٌ، وأصلها من التِّسعة والعشرين، وهي كثيرةٌ يُؤْخَذُ بها، وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار ... وتكون اثنين وأربعين حرفاً بحروفٍ غير مستحسنةٍ، ولا كثيرة في لغةِ من ترتضى عربيَّته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر" (١) .
стр. 39
وقد ربط سيبويه درسَ الحروف بأحكامِ القراءة والتجويد، وأخذ بعض أمثلته من القرآن، ووافق ما عند القرّاء في أفهامهم وأحكامهم، وينصُّ أحياناً ما يقع منه في القرآن (١) . ترى ذلك في حديثه عن الإمالة والإدغام، وهذا لا يطعن فيه أن يأخذ سيبويه معظم أمثلته من الحديث الدارج، وكلام الناس المتداول المعتاد.
وقد تابع النحويُّون سيبويه في درس الصوت العربيّ، وجعلوا نموذجه العالي هو صوت القُرّاء المسندين، الذين أخذوا قراءتهم مشافهة، عرضاً أو سماعاً عن المشايخ المجيدين، بأسانيدهم المتصلة.
ويكفي أن يشار إلى اللُّغويين بفخارٍ بعمل لُغويٍّ حاز الشهرة، وشُهِدَ له بالجودة، إنّه كتاب أبي الفتح عثمان بن جني ت ٣٩٢ هـ "سرّ صناعة الإعراب"وقد عرض فيه لدراسة الحروف العربيّة مفردةً حرفاً حرفاً، حتّى أتى عليها كلّها، وقد شاع في الكتاب الاستشهادُ بالآياتِ.
ولطريقة تلقِّى القرآن عن الأشياخ فضلٌ عظيم على الفصحى حرمت منه لغاتٌ أخرى، ممّا جعل نظامها الصوتي عرضةً للاضطراب، والتطوّر غير المنضبط، أمّا الصوتُ العربيُّ فإنّ المتلقّن للقرآن يتلقَّنُه عن شيخه، والشيخ يصغي له، ويصحح ما يقع فيه من خطأ أو انحراف، وإن دقَّ أو جلَّ عن العامة، ويروض لسان تلميذه حتى يتقن محاكاة شيخه، وتصحّ في لسانه الحروف من مخارجها وعلى صفاتها.
ولم يقف الأمر باللُّغويّين عند هذا الحدِّ في درس الصوت العربيِّ من
стр. 40
خلال القرآن، بل شاركوا أصحاب القراءة، والمبدعين في التجويد عملهم، فلا يكادُ يخلو كتابٌ من ذكر آرائهم، والاستناد إلى ما قرَّروه، ممّا لا تدعو حاجة إلى بيانه وشرحه.
"والقراءة والأداء - كما يقول الرافعي - أمران يتعلّقان باللفظ، ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها " (١) وأحْكِمَتِ الصِّلةُ بين القراءة واللغةِ، حَتَّى عُدَّتْ موافقة القراءةِ العربيةَ بوجهٍ من الوجوه شرطاً في صحّتها وقبولها، سواء أكان هذا الوجه أفصح أَمْ فصيحا، مجمعاً عليه، أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرُّ مثله (٢) ترى ذلك بيّناً في كلماتٍ لأهل اللغة، مثل قول الفرّاء "اتباع المصحف إذا وجدتُ له وَجْهاً من كلام العرب، وقراءة القُرّاء أَحَبُّ إليَّ من خلافه" (٣) .وكلام الفرّاء وإن كان صريحاً في رسم المصحف، إلاّ أنّه ينطبق على القراءة والأداء.
وقد جَعَلَ المتأخِّرون من القُرّاء شروط القراءة الصحيحة ثلاثة جمعها بقوله:
стр. 41
فكُلُّ ما وافَق وَجْهِ نَحْوِ
وكان للرسم احتمالاً يَحْوي
وصَحَّ إسناداً هو القرآنُ
فهذه الثلاثة الأركانُ" (١)
وقال البنّا: "فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في قراءةٍ وجَب قبولها، سواء كانت عن السَّبْعة أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، نصّ على ذلك الدانيُّ وغيره ممّن يطول ذكرهم " (٢) .
وبإقامة أحكام العربية بنية وتركيباً، يتحقّق الإيقاع الجيِّد في الأداء، وبه يرتّل القرآن كما قال أبو حاتم الرّازيّ: "النحو معيار جميع كلام العرب، ما كان منه منثوراً، وما كان منه شعراً، وما كان منه سجعاً، وغير ذلك من وجوه كلام العرب، وبالنّحو يرتَّل القرآنُ الّذي هو كلام الله فيعرب كُلُّ حرفٍ منه به، ويقوَّم عليه، حتى لا يترك حرفٌ واحد إلاّ ويُعطَى حَقَّه من الإعراب، وهكذا كان الفصحاء من العرب يفعلون في كلامهم كُلّه، يُعْطُون كُلَّ حرفٍ حظّه من الإعراب" (٣) .
صحيحٌ أنّ مُقَوِّماتِ الإيقاع ليست محصورةً في إقامة الإعراب على وجهه، لكنّه من أهمِّها، إلى جانب إتقان أحكام التجويد، خاصّة ما يتعلق بالغنة، والمدّ، وأنواع المدود وقدر حركاتها، ومعرفة الأحكام الخاصَّةِ لبعض
стр. 42
الحروف، مع تحقيق الحروف بأدائها من مخارجها وعلى صفاتها، وهي أمورٌ إذا لاقَحَتْ موهبة فطرية، وطبيعةً طَيِّعةً، مع دربةٍ وممارسة، وتثقيف، وحسن تأتٍّ، مع جمالٍ فطريّ للصوت، وسلامةٍ لأعضاء النطق، وتأثّر القارئ بما يقرأ، كان منها تلاوة هي الغاية في الإيقاع والسلاسة، من دون نكير أو نشازٍ، وهذا من مقاصد القراءة "ليس مِنّا من لم يتغنَّ بالقرآن" (١) و "ما أَذِن الله لشيء كأَذَنِهِ لنبيٍّ حَسَنِ الصّوتِ أن يتغنَّى بالقرآن" (٢) .
وهذا لا يقلّل من أهمية اللغة أصواتاً وبنية وتركيباً في تحقيق الإيقاع في القراءة، بل هي شرط لا يمكن أن يتحقّق إيقاعٌ بدون الأمور اللغويّة المذكورة وقد أدرك القرّاء ذلك ووعوه، فقاموا به على وجهه.
أمّا ألفاظ القرآن فهي ميدانٌ برزتْ فيه صلةُ علوم اللُّغة بعلوم القرآن بأجلى معانيها؛ "إِذْ في القرآنِ ألفاظٌ تسمَّى الغريب أو الغرائب، لا من جهة نكارةٍ في لفظها، أو شذوذٍ في بنيتها، أو استكراهٍ لمعناها، لأنّ القرآنَ نزل بأحلى لغة العرب لفظاً، وأجملها صوتاً وأوفاها تركيباً، وبأوضحها دلالة في المعنى، وإنّما يراد بوصف الغرابة أن تكون حَسَنةً مستغربةً في التأويل، بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس" (٣) .
стр. 43
وقد أسهم أهل العربيّة في هذا الجانب، وأبدعوا فيه، ولا غرو في ذلك، فهذا الجانبُ أقربُ الجوانب إلى إبداعهم، وهو أقربُ الميادين إلى ميدانهم، بل هم فرسانه، وأصحاب الكلمة فيه، يتّضح هذا من نظرةٍ عجلى في بداية التصنيف في الغريب، أو في كلماتِ القرآن وألفاظه.
ومن تقرير الحقيقة أن نقرِّر أنّ ظهور التأليف في غريب القرآن، وألفاظه، وكلماته، تُعَدُّ البداية الحقيقيّة، أو بداية نشأة التأليف في معجم العربيّة، بل كان "تفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب، ورأى بعضُ من فسَّر الغريب أنّ كثيراً منه غريبٌ عن الأفهام؛ لأنّه ليس من لغة قريش، وإنّما جاء في القرآنِ من لغاتِ القبائل الأخرى، فأشار إلى ذلك، وسمع بعضهم الآخر ممّن اختلط بهم من أهل الكتاب، ومن أهل البلادِ القريبةِ من الحجاز، ومن أهل الأقطار المتاخمة لبلاد العرب، والتي دخلت تحت سيطرة الإسلام، أنّ بعض هذه الألفاظ موجودٌ في لغاتٍ أخرى، فأشاروا إلى ذلك، فكأنّما جمعت هذه المحاولات الأولى بين تفسير الغريب، والمشكل، والإشارة إلى أصله في اللّغات القبليّة والأجنبيّة، وكانت هذه المحاولاتُ العين التي استقى منها اللُّغويُّون بعد، وسبحوا فيما خرج منها من جداول، أصبحت أنهاراً" (١) .
إنّنا لو رجعنا إلى تاريخ التأليف في ألفاظ القرآن لوجدنا مثل ما يعزى إلى ابن عبّاسٍ ت ٦٨ هـ وكتاب أبان بن تغلب (ت ١٤١ هـ) وكتاب محمد بن السائب الكلبي الكوفي (ت ١٤٦ هـ ) وعبد الرحمن ابن محمد الأزديّ الكوفيّ
стр. 44
(من أهل القرن الثاني) .
ثمّ جاء من بعدُ أبو فيدٍ مُؤَرِّج بن عمروٍ السدوسيّ البصري (ت ١٧٤ هـ) فألّف كتاباً لم يصل إلينا، ومثله أبو سعيد البكري (من أهل القرن الثاني) ثمّ تلاهما طائفةٌ، منهم أبو محمّد يحيى بن المبارك اليزيديّ (ت ٢٠٢ هـ) والنضر بن شميل (ت ٢٠٣) وأبو عبيدة معمر ابن المثنّى ت ٢١٠ هـ) وأبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة ت ٢١٥ هـ) وأبو عبيدٍ القاسم بن سلاّم (ت ٢٢٤ هـ) ومحمد بن سلاّم الجمحي ت ٢٣١ هـ) وأبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد العدويّ (ابن اليزيديّ) تلميذ الفرّاء، وابن قتيبة ت ٢٧٦ هـ) وأحمد بن يحيى ثعلب (ت ٢٩١ هـ) ومحمد بن الحسن بن دينارٍ الأحول، وأبو جعفر بن محمد بن يزداد الطبري (١) ، وهؤلاء عاشوا في عصر واحد، تقاربت وفياتهم، وتأثّر بعضهم ببعضٍ، وأغلب كتبهم ضاعَتْ إلاّ ما نُقِلَ منها في الكتب اللاّحقة.
وقد وصل إلينا منها غريب القرآن لابن قتيبة، وقد طبع، وقد قال في مقدمته: "وكتابنا هذا مستنبطٌ من كتب المفسِّرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلَّفْنا في شيءٍ منه بآرائنا غير معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة، وأشبهها بقصَّةِ الآية" (٢) . وهذا يؤكّد التلازم أو التآخي بين علوم القرآن وعلوم العربية.
ثمّ توالى المؤلِّفون في غريب القرآن في القرون التالية، وكان من أشهرهم
стр. 45
محمد بن عُزيز السجستاني ت ٣٣٠ هـ) وكتابه مطبوع، وأبو القاسم الحسين بن محمد الرَّاغب الأصفهانيّ (من رجال القرن الخامس) وقد تجلّى في معجمه منهج لغويٌّ متميِّزٌ، صنعةً ومادّةً. ومحمد بن أبي بكرٍ بن عبد القادر الرَّازيّ (من علماء القرن السابع) ألّف كتابه "تفسير غريب ألفاظ القرآن العظيم" منتزعاً من مصادر لغوية، وكُتب تفسير، مثل كتب الزّجّاج، والفَرّاء، والأزهريّ، والجوهريّ، والزمخشريّ، وابن عزيز، وأبي عبيدٍ الهرويّ صاحب الغريبين (١) .
ولم ينقطع التأليف في لغة القرآن، وغريبه، وألفاظه حتّى عصرنا الحاضر، ومادّة هذه الكتب لم تكن حجراً عليها، وإنّما دخلت في صميم المعجم العربيّ، لم يخرج عنها إلاّ ما لا يُعَدُّ تفسيراً أو شرحاً للفظ، وهي تُمثِّل أساس المعجم العربيّ، أو هي كما قال الراغب: "ألفاظ القرآن هيَ لُبُّ كلامِ العرب وزبدته، وواسطته، وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء، والحكماء، في أحكامهم وحِكمهم، وإليها مفزعُ حُذَّاقِ الشعراءِ، والبلغاء، في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتّقات منها بالإضافة إليها كالقشور والنّوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحُثالة والتبن بالإضافة إلى لُبوبِ الحنطة" (٢) .
وخدمة القرآن بإيضاح آيه، وبيان أحكامه، كانت غاية مُؤَلِّفي اللُّغة والمعاجم حتّى قال أبو إبراهيم الفارابيّ (ت ٣٥٠ هـ (في مقدمة معجمه
стр. 46
"ديوان الأدب": "وقد أنشأت بتوفيق الله (تعالى) ... كتاباً عمِلْتُ فيه عملَ من طَبَّ لمن حَبَّ، مشتملاً على تأليفٍ لم أسبقْ إليه، وسابقاً بتصنيفٍ لم أُزاحَمْ عليه، وأودعْتُه ما استعمِلَ من هذه اللُّغة، وذكره النّحارير من علماء أهل الأدب في كتبهم، ممّا وافق الأمثلة التي مُثِّلَتْ، والأبنية التي أوردت، ممّا جرى في قرآنٍ، أو أتى في سُنَّةٍ، أو حديثٍ، أو شعرٍ، أو رجزٍ، أو حكمةٍ، أو سجع، أو مثل، أو نادرة.
فأمّا القرآن فوحيٌ أو حاه الله تعالى إلى الرسول ﵊ مع رُوحِ القدسِ بلسانٍ عربيّ مبين، وهو كلام الله، وقول الله، وتنزيل الله، مفصّلاً فيه مصالح العباد في معادهم ومعاشهم، ممّا يأتون ويذرون، ولا سبيلَ إلى علمه وإدراك معانيه إلا بالتبحُّر في علم هذه اللُّغةِ " (١) .
وقد "نزل القرآن الكريم، والمخاطبون به قومٌ عرب، أولو بيانٍ فاضل، وفهمٍ بارع، أنزله (جَلَّ ذكره) بلسانهم، وصيغة كلامهم الّذي نشؤوا عليه، وجُبلوا على النطق به، فتدرّبوا به، يعرفون وجه خطابه، ويفهمون فُنونَ نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلّم مُشْكِلِه، وغريب ألفاظه، حاجةَ المولَّدين النّاشئين فيمن لا يعلم لسانَ العرب حتّى يُعَلَّمَه، ولا يفهم ضُروبَه وأمثاله، وطرقه، وأساليبه حتّى يُفهَّمَها.
وبيَّن النَّبيُّ ﷺ للمخاطبين من أصحابه ﵃ ما عَسى الحاجَةُ إليه من معرفةِ بيانٍ لمجمل الكتاب وغامضه، ومتشابهه، وجميع وجوهه التي لا غنى بهم وبالأُمَّةِ عنه، فاستغنوا بذلك عمّا نحن إليه محتاجون، من معرفة لغات
стр. 47
العرب، واختلافها، والتبحُّر فيها، والاجتهاد في تعلّم العربيّة الصّحيحة التي بها نزل الكتاب، وورد البيان.
فعلينا أن نجتهد في تعلُّم ما يتوصَّلُ بتعلُّمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثُمَّ السُّنن المبيّنة لجمل التنزيل، الموضّحة للتأويل، لتنتفي عنّا الشبهة الداخلة على كثيرٍ من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثمّ على رءوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأوّلوا بآرائهم المدخولة، فأخطئوا، وتكلَّموا في كتاب الله (جلَّ وعزّ) بلكنتهم العجميّة، دُونَ معرفةٍ ثاقبةٍ، فضلّوا وأضلُّوا " (١) .
ثمّ أردف كلاماً للشافعيِّ ببيان "أَنّ على الخاصَّة الّتي تقومُ بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلّم لسان العرب ولغاتها، التي بها تمام التوصُّل إلى معرفة ما في الكتاب والسُّنن والآثار، وأقاويل المفسّرين من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة، والمخاطباتِ العربيّة، فإنّ من جَهِلَ سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جَهِلَ جُملَ علم الكتاب، ومن علمها، ووقف على مذاهبها، وفَهِم ما تأوّله أهل التفسير فيها، زالت عنه الشبه الدَّاخلةُ على من جَهِلَ لسانها من ذوي الأهواء والبدع" (٢) .
هذه النصوص، والكلمات، وكثير غيرها في التُّراثِ اللُّغويِّ تهديك إلى الدّافع الحقيقيِّ وراء هذا التراثِ اللُّغويِّ المعجميّ، وهو خدمة القرآن وتيسير فهمه وتلاوته، ورفع ما يحيط بفهمه من شبه، ودحض صرفه إلى التأويلات الفاسدة، والآراء الزَّائغة.
стр. 48
وقد كان الدَّافع الدّينيّ لهذه الأعمال اللُّغويَّة بارزاً واضحاً من كلماتهم، وعملهم، حتّى صار هذا الدّافع شعاراً يمتاز به التصنيف اللُّغويّ العربيّ، الّذي يخالِفُ كُلَّ تصنيفٍ لغويّ آخر في لغةٍ أخرى.
وأنت لو أردت أن تأخذ التصنيف اللُّغويَّ بمعزلٍ عن القرآن وعلومه والشرع وأحكامه، ما استطعْتَ؛ لأنّ هذه العلومَ قد تمازجت، وانفتح بعضها على بعض، وأصبح بعضها يفضي إلى بعض، ويخدم بعضها بعضاً.
وقد بلغ الأمر أن يعتقد أهل الإسلام أنّ علوم الإسلام لا تكمل إلاّ بعلم لغة القرآن، وفهم أساليب العرب في خطابها وحديثها، وهي عقيدة أيَّدتها الشواهد والأدلة، ومسالك علماء الأمصار في مختلف الأقطار، كلُّهم يجمعون على ذلك، ويردون ما سواه، وفي هذا ردٌّ على فئةٍ تدعو إلى عزل اللغة وعلومها عن القرآن وعلومه، زاعمة أن اللغة يمكن أن تقدّم لغير المسلمين، وحينئذٍ يصعُبُ إلزامُهم بالمعاني والقيم الإسلامية، وهي دعوى مآلها تجريد العربية وعلومها من روحها الحيَّةِ النّابضة، وسلخها من أُسِّ مقوّماتها وأمتنها.
ومن أنماط ألفاظ القرآن ما يسمَّى الوجوه والنظائر، وهو فرعٌ من فروع التفسير، ويقصد بالوجوه اللّفظ المشترك الّذي يستعمل في عِدَّة معانٍ كلفظ الهدى، له سبعة عشر معنىً في القرآن والنظائر الألفاظ المتواطئة التي تستعمل بمعنىً واحدٍ، مثل جوادٍ وكريم (١) . وكأن الأوّل من باب المشترك
стр. 49
اللّفظي، والثاني من باب الترادف.
وقد أَلَّفَ في هذا الفنِّ أقوامٌ، منهم مقاتل بن سليمانَ البلخيّ
(ت ١٥٠ هـ) ويحيى بن سلاّم (ت ٢٠٠ هـ) وأبو العبّاس محمد بن يزيد المبرّد (ت ٢٨٥ هـ) ألَّف كتاباً صغيراً باسم "ما اتّفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد)) . وأبو عبد الله الحُسين الدَّامغانيّ
(ت ٤٧٨ هـ) وكتابُه "إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم". والمؤلفات في هذا الفنِّ كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثلاثةٍ وعشرين مُؤلَّفاً.
وقد أَلَّف من أهل اللغةِ غير المبرّد أبو الحسين أحمد بن فارسٍ (ت ٣٩٥ هـ) واسم كتابه الأفراد، وأبو منصورٍ عبد الملك الثعالبيّ (ت ٤٢٩ هـ) ألّف كتاب "الأشباه والنظائر"، ومجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (ت ٨١٧ هـ (خصّص أجزاءً من كتابه "بصائر ذوي التمييز" لذكر الوجوه والنّظائر.
وألّف غيرهم ممّن لهم مشاركاتٌ في علومٍ أخرى، كابن الجوزي، والسيوطيّ (i) ، وهذا النّمط ذو علاقةٍ قويَّةٍ باللُّغة، وهي تجمع بين الوضع اللُّغويّ، والاستعمال القرآني، ولهذه الصلة نكاد نجزم أنّ مادّة كتب الوجوه والنّظائر قد دخلت المعجم العربيّ باعتبارها أحد روافده.
وعلماء اللغة عنوا بهذا النمط عنايةً مستقلّة بمؤلّفاتٍ قائمةٍ بذاتها، أو بإدخال مادّتها في مادة المعجم، وهو فنّ يتّصل - كما أسلفت - بالمشترك اللّفظي، والمترادف، ولا نخرج عن القصد لو قلنا: إنّ هذا العلم يفتقر أساساً
стр. 50
إلى اللُّغة لمعرفةِ أوضاع الكلمات، واستعمالاتها، وتتبع ما ورد منها في القرآن، وما يستشهد لها به من كلام العرب.
وقد أسهم اللّغويُّون بدراسة حروف المعاني والأدواتِ في القرآن من خلال مؤلّفاتهم النحويّة، من مثل مغني اللبيب لابن هشامٍ، وبصائر ذوي التمييز للفيروزآباديّ، ثمّ جاء في عصرنا شيخنا محمد عبد الخالق عضيمة، وألّف كتابه "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" وخصّ مجلّداته الثلاثة الأولى لحروف المعاني والأدوات في القرآن، وقد استقرأ كُلَّ حرف وكُلَّ أداة في القرآن، وأورد استعمالاتها، ومعناها في كل موقعٍ وردتْ فيه، واستدرك على النحاة أشياء فاتتهم، وحشد كثيراً من أقوال النحاة والمفسّرين في عملٍ معجمي يُسهِّل لك الوصول إلى المادة المرادة.
وهم في درسهم حروف المعاني والأدوات قد جعلوا من الشواهد القرآنية أساساً لتحديد معاني الحروف والأدواتِ، وتعدّد تلك المعاني، بحسب السِّياقات والتراكيب. والقرآن في هذه الأعمال إمّا مفسَّر مشروح يستشهد لمعانيه وبما يؤيِّدها من أقوالِ العرب، وأمثالهم، وحكمهم، وأراجيزهم، وأشعارهم، وإمّا شواهد تبيَّن بها المعاني سواء وافقت معاني الأداة أو الحرف في معناه، أو زادتْ عليه.
وعلى كُلٍّ فألفاظ القرآن هي أساس الصنعة المعجميّة، وأساس التأليف في المعجم العربيّ، ولا يستطيع مؤرّخ المعجم العربي أن يتجاوز كلماتِ القرآن، وأنّها البداية الأولى للتأليف المعجميّ، بل الدافع الأساس لنشأة المعجم العربيّ، والدرس اللغويّ، وهو أمرٌ ظاهر لا يسوغ لأحدٍ تجاهله، أو التقليل من شأنه وأثره.
стр. 51
أمّا "معاني القرآن" فقد كان لعلماء العربيّة فيها إسهامٌ واضح، صار فيما بعد من مصادر التفسير، ولو رجعنا إلى كتب المعاني لوجدنا لأهل العربيّة الأوائل جهداً بارزاً واضحاً، تلقَّته الأُمَّة بالقبولِ، ويكفي أن نشير هنا إلى ثلاثة كتبٍ، هي:
١ - مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنّى (ت ٢١٠ هـ) من مقدّمة كتابه اتّفاق كلام العرب والقرآن في الألفاظ، والتراكيب، والمدلولات، والاستعمالات، وأنّ القرآن إنّما نزل بلغة العرب، وجاء على طرائقهم في البيان والكلام، قال أبو عبيدة: "قالوا: إنّما أنزِلَ القُرآنُ بلسانٍ عربيّ مبين، وتصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] فلم يحتج السَّلف ولا الّذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه، وعمّا فيه ممّا في كلام العربِ مثلُه من الوجوه والتلخيص، وفي القرآن مثل ما في الكلام العربيِّ، من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني)) (١) . ثم ذكر نماذج وأمثلة من القرآن قبل البدء بسوره (٢) ثمّ أجمل الحديث بقوله: "ففي القرآن ما في الكلام العربيِّ من الغريب والمعاني، ومن المحتمل من مجاز ما اختصر، ومجاز ما حُذِف، ومجاز ما كُفَّ عن خبره، ومجاز ما جاء لفظه لفظ الجمع، ووقع على الجميع، ومجاز ما جاء لفظه لفظ الجميع، ووقع معناه على الاثنين، ومجاز ما جاءَ لفظه خبر الجميع على لفظ خبر الواحد، ومجاز ما جاء الجميع في موضع الواحد إذا أُشْرِكَ بينه وبين آخر مفردٍ، ومجاز ما خُبِّر عن اثنين، أو عن أكثر من ذلك، فجعل الخبر للواحد، أو للجميع، وكُفَّ عن خبر الآخر، ومجاز ما خُبِّر عن اثنين، أو أكثر من ذلك،
стр. 52
فجعل الخبر للأوّل منهما، ومجاز ما خُبِّر عن اثنين أو عن أكثر من ذلك، فجعل الخبر للآخر منهما، ومجاز ما جاء من لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس؛ والحيوان كلّ ما أكل من غير الناس، وهي الدَّوابُّ كلُّها، ومجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الغائب، ومعناه مخاطبة الشاهد، ومجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد، ثمّ تُركت وحُوِّلتْ مخاطبة هذه إلى مخاطبة الغائب، ومجاز ما يزاد من حروف الزائد، ويقع مجاز الكلام على إلقائهن، ومجاز المضمر استغناءً عن إظهاره، ومجاز المكرّر للتوكيد، ومجاز المجمل استغناءً عن كثرة التكرير، ومجاز المقدَّم والمؤخَّر، ومجاز ما يحوّل من خبره إلى خبر غيره بعد أن يكون من سببه، فيجعل خبره للذي من سببه، ويترك هو. وكُلُّ هذا جائز قد تكلّموا به" (١) .
ويظهر من إيراد هذا النّصّ أنّ المقصود بالمجاز ليس تفسير الكلماتِ تفسيراً لغويّاً معجميّاً فحسب، وإنّما يخرج إلى الاستعمالات، والتراكيب، وأساليب العرب في الخطاب، وخروج الكلام عن ظاهر ما يَدُلُّ عليه، وكُلُّ هذه يجمعها أنها معانٍ. ولا يبعد عن كتاب "مجاز القرآن" كتاب أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت ٢١٥ هـ (؛ إذْ عُنِي بما عُنِيَ به أبو عبيدة من تفسير الألفاظ، وشرح المعاني، وبيان أوجه الأساليب، وأغراض الخطاب، وخروج الأساليب عن ظاهرها، وزاد على ذلك عنايته بالظاهرة النحوية، والقراءات القرآنية، وقد أبان عن آراءٍ له في الرسم والقراءة.
ويقال: إنّ الكسائي طلب من الأخفش تأليف هذا الكتاب، فجعله إماماً،
стр. 53
وعمل عليه كتاباً في المعاني، ثم عمل الفرّاء كتابه في المعاني عليهما، كما يقوله الأخفش (١) . وقد خلا كتاب الأخفش المطبوع من مقدمة، كمقدمة أبي عبيدة.
أمّا كتاب "معاني القرآن" للفرّاء يحيى بن زياد (ت ٢٠٧) فهو أمالٍ أملاها في مجالس في السنوات الثانية، والثالثة والرابعة بعد المائتين، وقد أفاد فيه من أعمالٍ سبقته، كما تقدّم، وعُنِي بما عُنوا به، وزاد عليهم عنايةً خاصّةً بالظاهرة النحوية، والرسم، والقراءة، ونثر في كتابه كثيراً من مصطلحات الكوفيين وآرائهم.
ويتّفق الثلاثةُ على أنّ الغرض من تأليفهم هو دفع الشبه عن القرآن، وما يرمي به الملاحدة والزنادقة القرآن من خللٍ واضطراب، وتناقض، وقد جعلوا عُدَّتهم وسلاحهم لردِّ تلك الشُّبه لغة العرب، وأساليبهم البيانية، وطرائقهم الكلامية، وتقرير أنّ القرآن لم يخرج عن طرائق العرب ورسومهم، ولا عن معهودهم وسَنَنِهم في الحديث والخطاب.
وقد استوفى المفسِّرون فيما بعدُ خلاصة ما في هذه الكتب الثلاثة وغيرها، فلو نظرنا مثلاً في تفسير الطبريّ لاستطعنا ردّ ما فيه ممّا يرجِع إلى المعاني، وتفسير الألفاظ، والكلام عن سَنن العرب في كلامها إلى كتب ثلاثة أو أكثر، وإن لم يصرّح بها، وهي " المجاز "، و" معاني القرآن " للفرّاء، و" غريب القرآن " وصنوه " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة.
ثمّ إنّ المصنّفين في "معاني القرآن" كأنّهم شغلوا بأصل اللغات، وإن لم
стр. 54
ينسوا فرعها؛ لأنّ الأصل يبحث في " رسوم العرب في مخاطباتها، ومالها من الافتنان تحقيقاً ومجازاً ... وهذه هي الرُّتْبةُ العليا؛ لأنّ بها يعلم خطاب القرآن والسُّنَّة، وعليها يُعَوِّلُ أهل النظر والفتيا، وذلك أنّ طالب العلم العلويّ يكتفي من أسماء الطويل باسم الطويل، ولا يضيره أن لا يعرف الأشقَّ والأمقَّ، وإن كان في ذلك زيادة فضل.
وإنّما لم يضره خفاءُ ذلك عليه؛ لأنّه لا يكاد يجدُ منه في كتاب الله (جلّ ثناؤه) شيئاً فيحوج إلى علمه ولو أنّه لم يعلم توسُّع العرب في مخاطباتها لعيَّ بكثيرٍ من علم محكم الكتاب والسُّنَّة، ألا تسمع قولَ الله (جلّ ثناؤه) : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٣] إلى آخر الآية، فسرُّ هذه الآية في نظمها
لا يكون بمعرفة غريب اللُّغة والوحشيِّ من الكلام، وإنّما معرفته بغير ذلك ممّا لعلّ كتابنا (أي الصاحبي) هذا يأتي على أكثره بعونِ الله تعالى) " (١) وقد صدق ابن فارسٍ في هذا، ووفّى بما وعد؛ فكُلُّ المباحث المتعلِّقة بالحروف، ومعاني الكلام إنّما هي في معرفة رسوم العرب في مخاطباتها، وقد قرنها بخطاب القرآن والسنة، وقد كان جُلُّ اعتماده على كتاب معاني القرآن، وكتب العربية، والتفسير.
وقد كان ميدان المعاني ميداناً فسيحاً، ولج منه الطاعنون على كتاب الله، الزّائغون عن نور اليقين، المحرومون من نور هدايته، وحلاوة بيانه وطلاوته، ونظرة عجلى فيما أورده ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن" من طعونهم، وشبههم، وضربهم القرآن بعضه ببعض، واتباع متشابهه، وترك
стр. 55
محكمه، وترك الرجوع إلى ما يناظر كتاب الله من كلام العرب، وبيانهم، وزعم التناقض في القرآن، وطلبهم أن يحوي كتاب الله كُلّ فنٍ عرفوه، ليكون جامعاً، ويصدق فيه قوله (تعالى) : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] على حدِّ زعمهم، في أمورٍ سببها جهلهم، وجعلهم اختلاف القراءة اختلافاً، وليس باختلافٍ، ورميهم القرآنَ باللَّحن، والطّعن بحكمة إنزال المتشابه، وعيبهم مجازات القرآن، والمجاز - كما زعموا - نوع من الكذب، ودلالات ألفاظه، كالأضداد، والقلب، وأساليبه وما فيها من حذف واختصار، وزيادة وتكرار، وطرائق التعبير فيه من كنايةٍ وتعريض، ومخالفة ظاهر اللفظ ومعناه.
وقد قال ابن قتيبة في صدر كتابه: "وإنّما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتَّسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصَّ الله به لغتها دون جميع اللغات؛ فإنّه ليس في جميع الأمم أُمَّةٌ أُوتيتْ من العارضة والبيان، واتّساع المجال، ما أوتيته العرب خِصِّيصى من الله، لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوَّتهِ بالكتاب، فجعله عَلَمَه، كما جعل عَلَمَ كُلِّ نبيّ من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه" (١) .
وقد كان اعتماد ابن قتيبة على أقوال سابقيه، ولغات العرب، قال: "فألَّفْتُ هذا الكتاب، جامعاً لتأويل مشكل القرآن، مستنبطاً ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملاً ما لم أعلم فيه مقالاً لإمامٍ مطّلع على لغات العرب؛ لأُرِيَ المعانِدَ موضِعَ المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن
стр. 56
أحكم فيه برأيٍ، أو أقضي عليه بتأويل" (١) .
وقد وصف هؤلاء الّذين عناهم بكتابه، فقال: "وقد اعترضَ كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ﴿ما تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ثمّ قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة، واللّحن، وفساد النّظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعللٍ رُبَّما أمالتِ الضّعيفَ الغُمرَ، والحَدَثَ الغِرَّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور" (٢) .
فكان هؤلاء الزّنادقة يأخذون ما اشتبه من معاني القرآن، ويجعلون منه شُبهاً يقذفون بها في قلوب المؤمنين، كي ينتزعوا إيمانهم من جذوره، ويزرعوا الشكّ مكان اليقين، ظنّاً منهم أنّهم قادرون على إضلالِ الخلق وإهلاكهم، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
وقد جرتْ حكمةُ الله أن ينتدِبَ لهذا القرآن من يذبُّ عنه، وأن يستنبت من كُلِّ جيلٍ ذادة عن كتابه، وحراساً لدينه، يدفعون عنه حيف الظالمين، وشبه الملحدين، وأكاذيب المرجفين، وفرى الجاحدين، وطغيان الطاغين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّا عن بَيِّنةٍ.
وما ذكره هؤلاء من شبهٍ ترجع في غالبها إلى بابٍ واحد، هو باب اللُّغة والبيان، وكُلّ ما في القرآن جارٍ على طرائق العرب في الخطاب، وسننها في القول، وإن كان ظاهره غير ذلك، كما قال ابن قتيبة:
"وليستْ تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهبٍ من مذاهب أهل الإعراب ... " (٣) . وأكّد
стр. 57
هذا المعنى بقوله الآخر: "إنّ القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيءِ، وإغماض بعض المعاني، حتّى لا يظهر عليه إلاّ اللَّقِنُ، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي، ولو كان القرآن ظاهراً مكشوفاً، حتّى ليستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضُل بين الناسِ، وسقطت المحنةُ، وماتت الخواطر ... " (١) .
ثمّ قال: "وعلى هذا المثال كلام رسول الله ﷺ وكلام صحابته والتابعين، وأشعار الشعراء، وكلام الخطباء، ليس منه شيءٌ إلاّ وقد يأتي فيه المعنى اللّطيف الذي يتميَّزُ فيه العالم المتقدِّمُ، ويقرُّ بالقصور عنه النَّقاب المبرِّز " (٢) .
وتكفينا هذه النّصوصُ لمعرفة مكان "معاني القرآن" وما لها من أثرٍ في التصنيف اللُّغويِّ، الّذي قصد إلى الدّفاع عن القرآن، وبيان شبه المشبّهين، وزيغ الزَّائغين، وبيان وجه فريتهم، وأنّهم جهلوا لغة العرب، وخفيت عليهم أنماطها، فوقعوا فيما وقعوا فيه من شكّ، ولا يرفع هذا الشّكَّ، ولا يدفع هذا الزَّيغَ إلاّ معرفة ما للعرب من أساليب وافتنان في الحقيقة والمجاز، وهو عين ما قام به المؤلّفون في المعاني، وتجلَّى أكثر عند ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن". فكان هذا العمل لدفع الشبه عن القرآن، بردِّ طعن الطاعنين، وتأييد ذلك بكلام العرب، وتعرّف طرائقه، وأنماطه، وتعدّد طرقه وأساليبه، وكان في هذا العمل مِنَّةٌ عظمى على العربيّة وأهلها، وخدمةٌ جُلّى
стр. 58
للقرآن وبيانه.
وهذه البابة من العلم بحاجةٍ إلى أن تسترعي نظر طالبي علوم القرآن وعلوم العربيّة؛ لأنّها مّما دقَّ حتّى كاد يخفى، ومِمّا أهمل حتّى كاد ينسى، في ظلّ انصراف طلاّب العربيّة إلى قواعد يتحفّظونها، والاكتفاء بمصنفات متأخِّري النحاة، بمعزلٍ عن أصل البيان، وفي ظلِّ اشتغال طلبة علوم القرآن بمنظوماتٍ في التجويد والقراءة، يكرِّرونها بمعزلٍ عن أصول علمهم الشريف، ونشأته الأولى.
غنيٌّ عن التأكيد أن القرآن أعلى نصّ في العربية، وأقواه من حيث صحة سنده، وكيفية هذه الصحة، وينفرد عن غيره من نصوص العربية، بأنّه رُوِي سماعاً شيخاً عن شيخ يبلغون به رسول الله ﷺ عن جبريل
﵇ عن ربِّ العالمين. وليس في الدنيا نصّ تحقّقت فيه هذه الميزة. ولا غَرْو أن يجعله علماء العربية، كما جعله علماء الشريعة الحجّة الأولى لإثباتِ اللغة. وتقرير قواعده، وأن يجعلوه في مرتبةٍ أسمى وأعلى من قياساتهم النحوية، فكان من ذلك ما يسمّونه الاحتجاج بالقراءات ولها، وهو نمطٌ لم يكن وليد قرنٍ متأخر كالرابع الهجري مثلاً، كما قد يتبادر إلى الذهن من ظهور مؤلّفاته، وأنّ رجاله المؤسِّسين جميعاً، أو أكثرهم على الأقلِّ عاشوا فيه، بل نجد من هذا شيئاً غير قليل في كتب النحاة الأوائل، ومقالاتهم، ومجالسهم، وأماليِّهم، وما ذلك على العربيّة بغريبٍ؛ لأنّها في أصل وضعها، ونشأتها إنّما قامت لتخدم القرآن، وتبين عن وجه ما يخفى وجهه، بالتنظير له من كلام العرب شعرها ونثرها، ولعلّ ما مرَّ من حديثٍ عن "معاني القرآن" كافٍ في شرح الفكرة وبيانها.
стр. 59
كما لم تخلُ كتب "معاني القرآن" من توجيه للقراءات، وبيان نظائرها من كلام العرب، ومن آراءٍ في القراءة احتجاجاً وقبولاً وردّاً، وربطاً بالرسم، والرأي النحوي.
وقد أسهم علماء العربيّة في هذا النمط من العلم ابتداءً بجمع القراءات، الذي يقال: إنّ أوّل من عمد إلى التصنيف فيه رجلٌ من أهل اللغة في صدر القرن الثالث هو أبو عبيد القاسم بن سلاّم الهروي (ت ٢٢٣ هـ (ألّف كتابه "معاني القراءات".
وقد ألّف بعده ابن قتيبة كتاباً في "وجوه القراءات" ويفهم من ذكره له في "تأويل مشكل القرآن" أنّه كتابٌ في توجيه القراءات، وتخريجها على مذاهب العرب في كلامها.
وقد كان الاحتجاجُ للقراءاتِ باباً واسعاً لخدمة اللُّغة العربيّة، وتقوية بعض وجوهِها، وقد عرف النحويُّون هذا الاحتجاج منذ بداية التأليف في علوم العربية، نجد ذلك في كتاب سيبويه، ومن تبعه من النحاة ينظِّرون للقراءة بكلامِ العرب شعره ونثره، فلمّا كان القرن الرابع سبَّع في أوّله أبو بكر بن مجاهدٍ (ت ٣٢٤) "السّبعة"، وألّف كتابه، وتلقّت الأُمَّةُ تسبيعه بالقبولِ، وظهر منذ ذلك الزّمن توجيهاتٌ واحتجاجاتٌ للقراءات سواءٌ كانت سبعيَّةً أو غيرها.
ولو ألقينا نظرة على تآليف الاحتجاج للقراءات في القرن الرابع لوجدنا أبا بكرٍ محمد بن مِقْسَم (ت ٣٥٦ هـ) يؤلِّف كتاباً بعنوان "احتجاج القراءات" وفي أوّل القرن وقبله ألّف أبو بكر بن السّرّاج (ت ٣١٦ هـ ("احتجاج القراءة". ويقال: إنّه شرع فيه ولم يتمَّه، ثمّ ألّف أبو عليّ الفارسيّ كتاب
стр. 60
"الحجة في علل القراءات السبع " وقِرنُه أبو عبد الله الحُسَين بن أحمد بن خالويه (ت ٣٧٠ هـ) كتاب "إعراب القراءات السبع وعللها" وألّف من هذه الطبقة أيضاً، أبو منصور الأزهري (ت ٣٧٠ هـ) كتاباً في "معاني القراءات". ثم ألّف بعدهم أبو الفتح عثمان بن جني (ت ٣٩٢ هـ) ألّف كتاب "المحتسِب في تبيين وجوه شواذّ القراءاتِ، والإيضاح عنها" وقد أراد به أن يستكمل عمل شيخه أبي عليّ. كما ألّف في آخر هذا القرن أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة كتابه "حُجَّة القراءات".
وفي القرن الخامس ظهر مكّيّ بن أبي طالبٍ (ت ٤٣٧ هـ) فألّف كتابه "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" وغيره، ثمّ تواتر التأليف في جمع القراءات والاحتجاج فألّف في القرن السادس ابن الباذش (ت ٥٤٠ هـ) كتابه " الإقناع ".
والكتب في القراءات تخريجاً وتوجيهاً واحتجاجاً أكبر من أن نأتي عليها في هذه العجالة، ولسردها مقامٌ آخر، لكن يكفينا أن نشير إلى بعضها إشارة خاطفة، وفيه غنيةٌ، وكفاية، لما قصدنا إليه.
وقد أسهم هذا النوعُ من التأليف في إثراء العربيّة، وخدمة لغة القرآن، وكان إضافةً لدرس العربيّة اتخذ القرآن محوراً، وجعله مداراً يدورُ حولَه، وكم من مسألةٍ عازبة، يعزُّ عليك أن تجدها في المطوّلات النحوية، ثمّ تجدها منشورةً مبسوطةً في كتب توجيه القراءات.
ثمّ إنّ كتب توجيه القراءات تمزج مستويات الدرس اللُّغويِّ الأربعة ببعض: الصوتي، والصرفيّ، والنحويّ، والدّلاليّ، وتعدُّ من أرقى الدراسات التطبيقية في اللغة العربية، وهي تمثِّل اللحمة القويّة بين علوم العربيّة
стр. 61
وعلوم القرآن، وتصوّر التآخي بينهما في أعلى مراتبه، وأسمى درجاته؛ لأنّها تتخّذ النَّصّ المقدَّسَ مجالاً للدرسِ، وترومُ خدمته، ورفع ما يحيق بفهمه من حواجز، وتيسير ذلك الفهم من خلالِ تناوُلٍ لغويّ ميسَّرٍ يعتمد التحليل، والإعراب، وذكر النظائر، والاستئناس بالرأي أو الآراء الأخرى، وتخريج ما في القراءة على كلام العرب، أو آراء العلماء ومذاهبهم.
وممّا يتّصل بموضوع الاحتجاج للقراءات إعرابُ القرآن، وهو أمرٌ جذب أنظار اللُّغويين منذ عصور الازدهار اللُّغويِّ، نجد أمثلةً لذلك في التصنيف خلال القرن الرابع الهجريّ؛ ألَّف ابن خالويه كتابه “إعراب ثلاثين سورة” وينسب من قبل لمحمد بن يزيد المبرّد (ت ٢٨٦ هـ) كتابٌ في إعراب القرآن، بل لقطربٍ محمد بن المستنير (ت ٢٠٦ هـ) ينسب كتابٌ أيضاً. ولثعلبٍ أحمد بن يحيى (ت ٢٩١ هـ) ولابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) .
وهناك كتب في إعراب القرآن، شُهِرت، مثل“ البيان في إعراب غريب القرآن ” للكمال بن الأنباري (ت ٥٧٧ هـ) ، ولأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ هـ) كتابٌ أيضاً طبع باسم “إملاء ما منّ به الرحمن”و“ التبيان في إعراب القرآن”. ولابن هشام (ت ٧٦١ هـ) تأليف في إعراب القرآن باسم “المسائل السفريّات” في إعراب مواضع من القرآن.
وللمتأخرين كتب كثيرةٌ، يصعب حصرها، لعلّ من أشهرها كتاب
“ البحر المحيط ” لأبي حيَّان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) و“ دراسات لأسلوب القرآن الكريم ” لشيخنا محمد عبد الخالق عضيمة (ت ١٤٠٦ هـ) ، وكتب الإعراب لا تعرض لإعراب الواضحات من الكلمات، وإنّما تعنى بما يكون في إعرابه إشكالٌ أو خلافٌ، أو اختلاف في المعنى، أمّا ما فعله بعض
стр. 62
المتأخرين من إعراب كُلِّ كلمةٍ في القرآن، فهذا أقرب إلى العبث، وهو إخراجٌ للقرآن عمّا أنزِلَ من أجله.
والملحوظ أنّ النحويّين يتباينون حين تناول إعراب القرآن، فمنهم من يحشد لجمع أكبر عددٍ من أوجه الإعراب الممكنة والمفترضة، بل المحالة، ومنهم من يسلك طريقاً أقربَ إلى القصد، فلا يتّسع في إيراد الأقوال إلاّ بقدر، ومنهم من يربط هذا الاتّساعَ بصحّة المعنى، واستقامة التركيب، وتحقُّق القصد، وهذا أقربُ إلى بيان القرآن؛ إذْ من الضّروريِّ مراعاةُ الجوانب البلاغيّة والأسلوبية عند التخريج النحويّ، وذكر الأوجه الممكنة في الإعراب، فلا يكفي لصحّة الإعراب استقامة التخريج النحويّ، وهو أمرٌ النحاةُ بحاجةٍ إلى تطلّبه والبحث عنه، وعدم الغفلة عنه، وليتهم يبحثون حين تخريج الآيات على أوجه الإعراب عن أعلى الوجوه بلاغةً، وأرفعها فصاحةً، وأقواها بياناً، فلا يكتفى بمجرَّد الجواز والإمكان، الّذي إن قبلناه في كلامِ الأعراب والشعراء، فلا ينبغي لنا أن نقبله في كلام الله.
ثمّ إنّ الاشتغال بالتكثر من أوجه التخريج والإعراب، وترجيح بعضها على بعضٍ قد يشغلنا عن “معاني القرآن”، ويجعل ما نقوم به أقرب إلى درسٍ في الإعراب، لا يكادُ يتّصل بالقرآنِ، وهو يُعْرِبُ القرآن.
وهناك فنٌّ من التأليف حول القرآن يُعْنى بوقوفه، وابتداءاته، وهو شديد الارتباط بالدّرس اللُّغوي؛ لأنه يتّصل بالمعنى المراد، أو بالصنعة اللفظية، والأدب، والحكم النّحويّ، وقد تتوقَّفُ عليه أحكامٌ شرعيّة.
وألّف في هذا الفنّ جماعة من أهل العربية، منهم أبو بكر بن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) ألّف كتاب “إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله
стр. 63
عزّ وجلّ”. وأبو جعفر النّحاس (ت ٣٣٨ هـ) كتابه “القطع والائتناف”.
وهو فنٌّ عُنِي به الصحابة، وتلقّوه عن رسول الله ﷺ وتناقلته الأجيالُ من بعد، وقد جعلوا من صفات من يتقن الوقوفَ ما حكي عن مجاهدٍ أنّه قال: "لا يقومُ بالتّمام إلاّ نحويٌّ عالمٌ بالقراءة، عالم بالتفسير، عالم بالقصص" (١) . كما يحتاج إلى معرفة علوم وفنونٍ أخرى كي يتقن الوقف، وقال أبو جعفرٍ النحاس:" قد صار في معرفة الوقف والائتناف التفريق بين المعاني، فينبغي لقارئ القرآنِ إذا قرأ القرآن أن يتفهّمَ ما يقرؤه، ويشغل قلبه به، ويتفقّد القطع والائتناف، ويحرِصَ على أن يفهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلام مستغنٍ أو شبيه، وأن يكون ابتداؤه حَسَناً" (٢) . وهذا يتطلّب من القارئ أن يعرفَ علوماً وفنوناً.
ثم إنّ من الوقف ما هو واضح مفهومٌ معناه، ومنه مشكل لا يدرى إلاّ بسماعٍ، وعلم بالتأويل، ومنه ما يعلمه أهل العلم بالعربيّة واللّغة، فيدري أين يقطع؟ وكيف يأتنف " (٣) .
وكُلُّ من ألّف في وقوف القرآن كان يعوِّلُ على العربية والمعاني اللُّغوية، وتمام المعنى، وكان من هذا عملٌ رائع خدم العربيّة، ولفت الأنظار إلى ما وراء وقف المتكلّم من سرٍّ معنويّ أو لفظيّ.
ثمّ إنّ هذا العلم قد قصرتِ العناية به في العصور المتأخّرة، خاصَّةً لدى
стр. 64
طُلاّب العربيّة، وهو علم على قدر من الأهمية كبير، خاصَّةً في فهم المعنى بطريقة وقف القارئ، إن كان الوقف كاملاً، أو كان ناقصاً، بطريقة تشعر السامع بالمعنى المراد، ويعمد إليها القارئ.
وكم من معنىً لاح بسبب وقفةِ قارئ، وكم من معنى اختلط، أو لُبِّس، أو عُمِّي بسبب وقفة، وهذا هو معنى قولهم "ينبغي لقارئ القرآن أن يتفهَّم ما يقرؤه" وهذا أمرٌ زائد على ما يدرسه أهل العربيّة في باب “الوقف” لأنّه إنّما يعنى بالصورة اللّفظيّة للفظ الموقوف عليه، ولا يبحث فيما وراء ذلك.
ولم تَخْلُ الدراسات العامَّةُ التي كتبت حولَ القرآن من تفسيرٍ نقليّ، أو تفسيرٍ موضوعيّ، أو أحكام، أو أنماطٍ أخرى من التفسير، أو ما حول التفسير، لم تخل من توظيف اللغة، كما لم تخلُ من خدمةٍ للغة العربية بوجهٍ ما، لا تخفى على أحدٍ، وبيانها من توضيح الواضحات، وهو ثقيلٌ على النّفس.
أمّا ما يتعلّق بالإعجاز والبلاغة فهذا الأمر من الوضوح بما يكفينا ويغنينا عن أن نردِّدَ ما قاله الآخرون، فلولا القرآن لم يكن ثمَّ بحثٌ في إعجاز، ولا عمل في البلاغة، فالبلاغة إنّما وُلِدَتْ لتبينَ عن إعجاز القرآن.
وهذا الموضوع لم يكفّ أهل العلم عنه منذ نشأة علوم العربيّة حتّى عصرنا الحاضر، كُلّها تحاول بيان وجهٍ من وجوه الإعجاز، وبلاغة القرآن والكثير منها مُتَّجه إلى الجانب البيانيّ. وقد قدّمت هذه الدراسات للعربية نمطاً فريداً من الدراسات البيانيّة لم تَنْعَمْ بها لُغةٌ من اللُّغاتِ، وهذا كاف، ولاتساع الموضوع، ولأنّه خُصَّ بمحورٍ خاصٍّ يَجْملُ بنا أن نتركه لغيرنا، لأنّهم أحقَّ به، وأولى، وأقدر على الكتابة فيه، وفيما قدّمناه عن عناية
стр. 65
المسلمين باللغة العربية خدمة للقرآن كفاية.
وبعد، فقد آن لنا أن نثني عنان القلم بالقول:
إنَّه لا يمكن المسلمين أن يقيموا دينهم، أو أن يفهموا قرآنهم من غير استعانةٍ باللغة العربية، وإنه لولا القرآن لما تقدّمت علوم العربية، وتميّزت عن غيرها من علوم اللّغاتِ الأخرى، ولما كان فيها الأنماط التي مازتها عن غيرها، بل إنّ بعض أنماط علوم العربيّة لولا القرآن ما كانت ولا وُجِدتْ، ولا فَكَّر فيها أحد.
وإنّ هناك فئة تحاوِلُ فصل الأُمَّةِ عن دينها بحيلة بَتِّ صلة اللغة العربية بالقرآن والحديث، وإبعاد علوم العربيّة عن الصبغة الدينيّة، ويتظاهرون مع ذلك بحبِّ العربيّة، والحرص على تعليمها، لكن بشرط أن تفصل عن العلوم الشرعية، وأن لا يكون للدين وتعليماته هيمنة عليها، فظهرت دعواتٌ إلى إقامة أقسامٍ للعربيّة على هذه الأسس، تربِّي أبناءها على غير لغة القرآن، وإن كتبت بالحرف العربيِّ، ويدرسون غير لغة القرآن، وإن سمّوها بعلومٍ عربيّة.
إنّ هناك حرباً يستهدف بها القرآن؛ لكنّها لا تستطيع أن تخلع قناعها وتهجم على ما تريد مباشرة، لأنّها سوف تُرَدُّ وتُصَدُّ، فيصرفون حربهم إلى لغة القرآن، فيحاربون كُلّ لسانٍ يحاكي بيان القرآن في جزالته، وفصاحته، ويستبدلون بذلك كُلَّ أسلوبٍ فجّ، وتركيبٍ ركيكٍ، وهم في ذلك لا يحاربون نمطاً من أنماط التعبير، ولا يحاربون اللّغة العربيّة نفسها، ولكنّهم يعلنون حرباً ضروساً على القرآن (١) .
стр. 66
ومن مظاهر فصل اللُّغة عن قرآنها أن يدَّعيَ بعض الكُتَّاب أنّ اللُّغةَ إنّما حُفِظَتْ لا بسببِ ارتباطها بالقرآن، ولكن بسبب انكفائها على نفسها وانغلاق أهلها، كما هو الحال في اللُّغة الصينية، كما يقولون، وقد غاب عن هذا وأضرابه "أَنَّ العربيّة بنيت على أصل سحريّ، يجعل شبابها خالداً عليها، فلا تهرم، ولا تموتُ؛ لأنّها أُعِدَّتْ من الأزل فلكاً دائراً للنيِّرين الأرضيّين العظيمين، كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومن ثمَّ كانت فيها قُوَّة عجيبة من الاستهواء كأنّها أخذةُ السحر، لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع" (١) .
ويزعم هؤلاء أنّ البلاغة يمكن أن تكون بمعزلٍ عن القرآن، وأن الفصاحة يمكن اكتسابها من غير القرآن، وهذا ما لم يقل به أحد من قبل، وليأتنا هؤلاء بواحدٍ استطاع بمعزلٍ عن القرآن، وما كان على نمطه من الكلام جزالةً وقُوَّةً، وحلاوةً وطلاوةً أن يجعل من نفسِه أديباً ذا بيانٍ ولسان.
والغَضُّ من قدر العربيّة، والنيل من مكانتها، وأنّها ضرورة لكلِّ علمٍ شرعيّ، ليس بِدْعاً عصريّاً، بل أشار الزمخشري إلى بعض منتحليه، وردَّ عليهم فقال: " ... وذلك أنّهم لا يجدون علماً من العلوم الإسلاميّة، فقه?وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها إلاّ وافتقاره إلى العربيّة بَيِّنٌ لا يُدْفَعُ، ومكشوفٌ لا يتقنَّعُ، ويرون الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه، ومسائلها مبنيّاً على علم الإعراب، والتفاسير مشحونةً بالرِّوايات عن سيبويه، والأخفش، والكسائيّ، والفرّاء، وغيرهم من النحويّين البصريّين والكوفيّين، والاستظهار في مآخذ النّصوص بأقاويلهم، والتّشبُّث بأهداب فسرهم،
стр. 67
وتأويلهم، وبهذا اللسانِ مناقلتهم في العلم، ومحاورتهم، وتدريسهم، ومناظرتهم، وبه تقطر في القراطيس أقلامهم، وبه تَسْطُر الصُّكوكَ والسِّجّلات حُكّامهم، فهم ملتبسون بالعربيّة أَيّةً سلكوا غير منفكين عنها أينما وجَّهوا، كُلٌّ عليها حيثما سيّروا ... " (١) . ثم قال: "وإنّ الإعراب أجدى من تفاريق العصا، وآثاره الحسنة عديد الحصى، ومن لم يتَّقِ الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله، وهو غير معرب، فقد ركِبَ عمياءَ، وخَبَطَ خَبْط عشواء، وقال ما هو تَقُوّلٌ وافتراءٌ وهُراءٌ، وكلاّمُ الله منه براء، وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن، الكافل بإبراز محاسنه، الموكل بإثارة معادنه، فالصادُّ عنه كالسَّادِّ لطرق الخير كيلا تسلك، والمريد بموارده أن تعاف وتترك" (٢) .
وبعد، فقد وضح لنا مدى التلازم أو التآخي بين علوم العربية، وعلوم القرآن حتّى غدا كُلُّ واحدٍ لا يتم إلا بالآخر، وهذه لحمة أكدها افتقار كُلٍ إلى الآخر، كما اتضح من خلال ما قدّمته، إذْ لا يستطيع دارس علوم القرآن أن يفيد منها كما ينبغي إلاّ بدرسٍ للعربية وعلومها المختلفة جادٍّ، في حين لو تخلّت علوم العربية عن القرآن، أو نأتْ لتحوّلت جُثَّةً هامدةً، ولفقدت روحها الفاعلة، ولفقدت ما فيها من مُقوّماتٍ أسلوبيّة، وبيان ناصع.
كما وضح لنا مدى خطورة الدعوة إلى التخلِّي عن مزايا الجملة القرآنيّة، ولغة القرآن؛ التي تغذوها النُّصوصُ من القرآن والسُّنَّةِ، والتراث العربيّ
стр. 68
الأصيل شعراً ونثراً، وهذه الدعوة من الخطورة بحيث تخفى إلاّ على اللبيب، وقليلاً ما هو، والسُّموّ يتطلَّب شيئاً من المجاهدة، والعمل الشاقّ.
إنّ القرآن هو السِّرُّ في بقاء العربيّة وخلودها، أدرك هذا أعداؤها، كما أدركه أهلها، نجد تأكيد ذلك في دراساتٍ عربيَّةٍ، وأخرى غير عربيّة، بل إنّ هذا هو الّذي خلّد العربيّة، ورفعها إلى أن تكون ممّا يتسامى الناسُ في تحصيله؛ إِذْ صارت العربيّة فيما بعد لغة الدين، ولغة العلم، ولغة علية القوم، فتسامى النّاسُ في تعلُّمها، وتباروا في إتقانها لمجموع هذه الدّوافع، حتّى صار من غير أهلها من امتاز على أهلها، وهذه الدّوافع تعود كلها إلى القرآن، فالقرآن هو الدَّافع الحقيقيّ الّذي جعل من العربيّة مقصداً يتبارى الجميع في تحقيقه.
إنه يجب الحذر أشدَّ الحذر من دعواتٍ تدعو إلى فصل القرآن عن العربيّة، بل فصل سلطة القرآن على العربيّة، وأنّه يجب أن ندرس العربيّة باعتبارها لغةً لا ترتبط بالقرآن، مثلها في ذلك مثل أيِّ لغة، وقد جرَّت هذه الفكرة إلى أن يفكر أناسٌ بإيجاد أقسام للعربيّة لا تهيمن عليها السُّلْطة الدّينيّة، ولا تهيمن عليها الاتجاهات القرآنية.
كما يجب أن نكون في حذرٍ شديدٍ من تجريد تعليم العربيّة عن الدّوافع الدينيّة، خاصّةً في مجال تعليمها لغير أهلها؛ إذْ قد تغرينا بعض مكاسبَ عاجلة محدودة، أو طلبات وقتيّة من شركاتٍ عاملةٍ في بلادنا، أو راغبين في تعلُّمها من غير المسلمين، هذه العلوم قد تغري بعضاً، وينادي بأن لا نثقل عليهم بربط العربية بالدين، ونصوصه، وعلينا أن نجرّدها من كلّ ما يربطها بالدين أو القرآن، شأنها في ذلك شأن أيِّ لغةٍ أخرى، وأذكر أنّني مَرَّةً قابلت صينيّاً تعلّم العربيّة، وهو يقول: إنكم في المملكة العربية السعودية في برامجكم عيب،
стр. 69
وهو ربطها بالدين والقرآن، وكان بعض الحاضرين قد أعجبه كلامه أو رأيه، ورأى فيما يقوله وجهةَ نظرٍ مقبولة.
ثم إنّ هذا التجريد أو الفصل يرفع عنها هيبتها وقداستها التي اكتسبتها من ارتباطها بالقرآن، ويجعلها لغةً من اللُّغاتِ، ليس لها أَيُّ امتياز.
إنّه لا يسعُنا في هذا المقام إلاّ أن نشيد بتلك الجهود الضّخمة التي بذلها المسلمون من غير العرب في خدمة اللغة العربية كتابةً وتأليفاً، ودرساً، ودفاعاً عنها، ونشراً لها في مواقع من العالم، وفِئاتٍ من المجتمع.
وقد كان للعربية، وهي لغة القرآن أثر بارزٌ في لغات العالم الإسلاميّ الأخرى، كالفارسيّة مثلاً؛ إذِ امتزجَتِ اللُّغتانِ في تكوين لغةٍ جديدةٍ، اعتمدت الحرف، العربيّ ورسمه، وحاكت اللغة العربيّة في معجمها، وأوزانها، وعروضها، وقد أخذت الفارسيّة الألفاظ الإسلاميّة، كما هي من غير تغييرٍ يذكر، ولا يغيبُ عن أذهاننا محافظة المسلمين من غير العرب على الخطّ العربي في كتابة لغاتهم، وتمسُّكهم به، ممّا يُعَدُّ خطّاً من خطوط الدفاع عن العربيّة ويعدّ دافعاً لتمسُّك العرب بخطّهم ورسمهم.
إنّه يجب علينا أن نعيد الترابط بين علوم القرآن وعلوم العربيّة، وذلك بربط الثانية بالأولى حين تدرس الأصوات، وحين ندرس الأبنية والتراكيب، وحين ندرس المعجم، فتجعل الدراسة الصوتية دراسةً تطبيقية من خلال الصوت العربيّ المتمثّل في قراءة القرّاء المجيدين، وفيما سطره التجويد من أصواتٍ في صفاتها ومخارجها، كما نعني بكلماتِ القرآن، وأنّها أصلُ اللُّغة ولبُّها، كما يقول أهل اللغة، وأن نعنى بدراسة إعراب القرآن وأحكامه النحويّة بما ينمّي الذَّوقَ ويرقِّيه.
стр. 70
كما يجب من طرفٍ آخر تقوية عناية المشتغلين بعلوم القرآن بعلوم العربيّة؛ لأنّها ضرورةٌ لهم، ولأنّها تعين في تكوين حِسٍّ لُغَويّ تدرك به أسرار التعبير، ويفرق بين الأساليب، ولأنّها تقومُ مقام التكوين الفطريّ الّذي يعتمد على تلقِّي اللّغةِ عن البيئة، كما كان العرب يفعلون، وكما هي حال الجيل الأوّل الّذي تلقّى وبدأ درسَه بمعارف بسيطة، استحالت فيما بعدُ إلى علومٍ.
إنّ عودة دارسي القرآن وعلومه إلى اللغة العربية، نصوصاً وعلوماً ليست بدعاً، أبدعه عصرنا، بل دعوة مدويَّةٌ أرسلها الخليفة الراشد الثاني عمر الفاروق حين قال، وهو على المنبر عن قوله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] فقال له رجلٌ من هذيل: التخوّف عندنا
التنقُّص، ثمّ أنشده:
تخوَّف الرَّحْل منها تامكاً قرِدا ... كما تخوّف عُودَ النّبعة السَّفِنُ
فقال عمر: أَيُّها النّاسُ، تمسَّكوا بديوان شعرِكم في جاهليّتكم، فإن فيه تفسير كتابكم " (١) .
هناك من يلحّ أن تكون علوم العربيّة في تنظيم التعليم الجامعيّ تابعةً لعلوم القرآن، ويعيبُ أن تكون مادّةٌ مثل القراءات من اهتمامات أقسام اللغة العربيّة، وما ذلك بعيبٍ، بل يعيب أن يكون للقراءات قسم في كلية اللغة العربيّة، والحق أن لا عيبَ في ذلك لشدّة اللحمة، والترابط بين النوعين: علوم القرآن وعلوم العربية. ولا يعني هذا تبعيّة علمٍ لعلم، فالأصل هو القرآن وعلومه، والعربيّة وعلومها إنّما هي خدمٌ للقرآن وعلومه. وقد تغلغلت علوم العربية في صلب علوم القرآن، من قراءةٍ وتفسير، حتّى إنّه ليعسُر على الدارس فَصْلُ تلك العلوم عن بعض.
стр. 71
وإن من الواجب أن لا تخلو أقسام اللغة العربية من موادّ الدراسات القرآنية خاصة ما يتعلَّق بالتجويد والقراءة، وإعراب القرآن، وتفسيره، وإنّ القرآن الأولى أن يكون مجالاً للدروس التطبيقية في اللغة العربيّة، لأسبابٍ لا تخفى على ذي بصيرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم على محمد وآله وصحبه.