← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11314

أسباب النزول ت الحميدان

الواحدي

Полный текст (471 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وَمَذْهَبُ قَتَادَةَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وجوهَكمْ شَطْرَه﴾ فهذا قَوْلُ ابن عباس عند عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَقَالَ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ شَأْنُ الْقِبْلَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ: فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَرَكَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. (١) - وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبي طلحة لوالبي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْيَهُودَ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ. فَاسْتَقْبَلَهَا بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا ارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَقَالُوا: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ﴿١١٦﴾ . نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَفِي نَصَارَى نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَفِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ. (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿١١٩﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: "لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ " فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

стр. 37

وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ جَزْمًا وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَوْ أنزل اللَّهَ بَأْسَهُ بِالْيَهُودِ لَآمَنُوا" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى﴾ الْآيَةَ ﴿١٢٠﴾ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ الهدنة ويطمعون أنهم إذا هَادَنَهُمْ وَأَمْهَلَهُمُ اتَّبَعُوهُ وَوَافَقُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قِبْلَتِهِمْ فَلَمَّا صَرَفَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ ذلك عليهم، فيئسوا مِنْهُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ﴿١٢١﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَالْكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أَقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ ابن أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنَ الْحَبَشَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِيمَنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

стр. 38

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ ﴿١٣٣﴾ . نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ مَاتَ أَوْصَى بَنِيهِ بِالْيَهُودِيَّةِ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ ﴿١٣٥﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رُؤُوسِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ: كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا، وَأَبِي يَاسِرِ ابن أَخْطَبَ؛ وَفِي نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَاصَمُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ، كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: نَبِيُّنَا مُوسَى أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَكِتَابُنَا التَّوْرَاةُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ، وَكَفَرَتْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ وَقَالَتِ النَّصَارَى: نَبِيُّنَا عِيسَى أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا الْإِنْجِيلُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ وَكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ. وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا عَلَى دِينِنَا فَلَا دِينَ إِلَّا ذَلِكَ وَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ﴿١٣٨﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّصَارَى كَانَ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ فَأَتَى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، صَبَغُوهُ فِي مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ له: المعمودي ليظهروه بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: هَذَا طَهُورٌ مَكَانَ الْخِتَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قَالُوا: الْآنَ صَارَ نَصْرَانِيًّا حَقًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. نَزَلَتْ فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ.

стр. 39

(١) - قوله تعالى: ﴿سَيَقول السّفَهَاء مِنَ النَّاسِ﴾ الآية ﴿١٤٢﴾ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن جعفر قال: أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بن أحمد قال: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بن مصعب قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن حكيم قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رجاء قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إِلَى آخر الآية، فقال السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ - وَهُمُ الْيَهُودُ - مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ. (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ﴿١٤٣﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَاتُوا عَلَى الْقِبْلَةِ الْأُولَى،

стр. 40

مِنْهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَأَبُو أُمَامَةَ أَحَدُ بَنِي النَّجَّارِ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ، وَأُنَاسٌ آخَرُونَ، جَاءَتْ عَشَائِرُهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ إِخْوَانُنَا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَقَدْ صَرَفَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَيْفَ بِإِخْوَانِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الْآيَةَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: "وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا" وَكَانَ يُرِيدُ الْكَعْبَةَ، لِأَنَّهَا قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: "إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ لَا أَمْلِكُ شَيْئًا فَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يُحَوِّلَكَ عَنْهَا إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ" ثُمَّ ارْتَفَعَ جِبْرِيلُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِمَا سَأَلَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ محمد المنصوري قال: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى قال: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ

стр. 41

قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عياش قال: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ هَوَى نَبِيِّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الْآيَةَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ؛ ورواه الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿١٤٦﴾ . نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بنعته وصفته وبعثه فِي كِتَابِهِمْ كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ وَلَدَهُ إِذَا رَآهُ مَعَ الْغِلْمَانِ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: لَأَنَا أَشَدَّ مَعْرِفَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي بِابْنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا ابْنَ سَلَامٍ؟ قَالَ: لِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا يَقِينًا، وَأَنَا لَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِي، لِأَنِّي لَا أَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ سَلَامٍ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الْآيَةَ ﴿١٥٤﴾ . نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَاتَ فُلَانٌ وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّاتُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ ﴿١٥٨﴾ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ أحمد الزاهد قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بكر الفقيه قال: أَخْبَرَنَا

стр. 42

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عبد العزيز قال. حدثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ الله الزبيري. قال: حدثني مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الأنصار، كانوا يهلون لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ. (١) - أخبرنا أَبُو بكر التميمي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الشيخ الحافظ قال: حَدَّثَنَا أَبُو يحيى الرازي قال: حَدَّثَنَا سهل العسكري قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِموا مع النبي ﷺ فِي الْحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. (٢) - وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كُنَّا نَكْرَهُ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّهُمَا كانا من مشاعر قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَرَكْنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.

стр. 43

(١) - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ حُبْشِيٍّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ عَلَى الصَّفَا صَنَمٌ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: إِسَافٌ، وَعَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمٌ عَلَى صُورَةِ امْرَأَةٍ تُدْعَى نَائِلَةَ، زَعَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ تعالى حجرين، ووضعهما عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَافُوا بَيْنَهُمَا مَسَحُوا عَلَى الْوَثَنَيْنِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الطَّوَافَ لِأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (٢) - وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْزِفُ الشَّيَاطِينُ بِاللَّيْلِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا آلِهَةٌ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ شِرْكٌ كُنَّا نَصْنَعُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.

стр. 44

أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الوهاب البزار قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن سنان قال: أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن شعيب قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن بكار قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُنَّا نَتَّقِي الطَّوَافَ بِهِمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَاصِمٍ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ﴿١٥٩﴾ . نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكِتْمَانِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ وَأَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ ﴿١٦٤﴾ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ طاهر التميمي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بن مطر قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الزيادي قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النهدي قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عطاء قال: أنزلت بالمدينة على النبيّ ﷺ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ

стр. 45

النَّاسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١) - أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الأصبهاني قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد الحافظ قال: حَدَّثَنَا أَبُو يحيى الرازي قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عثمان العسكري قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ تَعَجَّبَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا: إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قوله تعالى: ﴿يَا أَيّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ﴿١٦٨﴾ . قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: نَزَلَتْ فِي ثَقِيفٍ وَخُزَاعَةَ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَحَرَّمُوا الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِي. (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ﴿١٧٤﴾ . قَالَ

стр. 46

الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَعُلَمَائِهِمْ، كَانُوا يُصِيبُونَ مِنْ سَفَلَتِهِمُ الْهَدَايَا وَالْفُضُولَ، وَكَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بُعِثَ مِنْ غَيْرِهِمْ خَافُوا ذَهَابَ مَأْكَلَتِهِمْ وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيَّرُوهَا ثُمَّ أَخْرَجُوهَا إِلَيْهِمْ، وَقَالُوا: هَذَا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، لَا يُشْبِهُ نَعْتَ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بِمَكَّةَ فَإِذَا نَظَرَتِ السَّفَلَةُ إلى النعت المتغير وَجَدُوهُ مُخَالِفًا لِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَا يَتْبَعُونَهُ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿١٧٧﴾ . قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْفَرَائِضِ إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (٢) - قوله تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الْآيَةَ ﴿١٧٨﴾ . قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ قِتَالٌ، وَكَانَ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ طُولٌ عَلَى الْآخَرِ، فَقَالُوا: نَقْتُلُ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرَّ مِنْكُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ الرَّجُلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. (٣) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ﴿١٨٧﴾ . قَالَ ابْنُ

стр. 47

عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِذَا صَلَّوُا الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ النِّسَاءُ وَالطَّعَامُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ وَالنِّسَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فشكوا ذلك لرسول اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الأصفهاني قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الشيخ الحافظ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد الرازي قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عثمان العسكري قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابن أبي زائدة قال: حَدَّثَنِي أَبِي وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا أَفْطَرُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَمَسُّونَ النِّسَاءَ مَا لَمْ يَنَامُوا فَإِذَا نَامُوا لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلَةِ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَأَتَى أَهْلَهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ، فَانْطَلَقَتِ امْرَأَتُهُ تَطْلُبُ شيئًا وغلبته عيناه فَنَامَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ مِنْ غَدٍ غشي عليه، قال: وَأَتَى عُمَرُ امْرَأَتَهُ وَقَدْ نَامَتْ، فَذُكِرَ ذلك للنبيّ ﷺ فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَجْرِ﴾ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ. (٢) - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي حامد قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد الشيباني قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن الدغولي قال: حدثنا الزعفراني قال: حَدَّثَنَا شبابة قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ

стр. 48

الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمُهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، وَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةٌ لَكَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ. (١) - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ محمد الفارسي قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن الفضل قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى

стр. 49

قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عمار قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن حمزة قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِنَّ بَدْءَ الصَّوْمِ كَانَ يَصُومُ الرَّجُلُ مِنْ عِشَاءٍ إِلَى عِشَاءٍ، فَإِذَا نَامَ لَمْ يَصِلْ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، حَتَّى جَاءَ عُمَرُ إلى امرأته فقالت: إِنِّي قَدْ نِمْتُ، فَوَقَعَ بِهَا وَأَمْسَى صِرْمَةُ بْنُ أَنَسٍ صَائِمًا فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَانُوا إِذَا نَامُوا لَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا، فَأَصْبَحَ صَائِمًا وكاد الصوم يقتله فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ قَالَ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ الْآيَةَ. (١) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ قال: أَخْبَرَنَا جَدِّي قال: أخبرنا أبو عمرو الحيري قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أبي مريم قال: أَخْبَرَنَا أَبُو غسان قال: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾

стр. 50

وَلَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رِجَالٌ إِذَا أَرَادُو الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَمَا يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الْآيَةَ ﴿١٨٨﴾ . قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ الْكِنْدِيِّ، وَفِي عَبْدَانَ بْنِ أَشْوَعَ الْحَضْرَمِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَرْضٍ وَكَانَ امْرُؤُ الْقَيْسِ الْمَطْلُوبَ وَعَبْدَانُ الطَّالِبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَحَكَمَ عَبْدَانُ فِي أَرْضِهِ، وَلَمْ يُخَاصِمْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الْآيَةَ ﴿١٨٩﴾ . قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَغْشَانَا وَيُكْثِرُونَ مَسْأَلَتَنَا عَنِ الْأَهِلَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ لِمَ خَلَقْتَ هَذِهِ الْأَهِلَّةَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ عَنْمَةَ وَهُمَا رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو فَيَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الْخَيْطِ ثُمَّ

стр. 51

يَزِيدُ حَتَّى يَعْظُمَ وَيَسْتَوِيَ وَيَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْقُصُ وَيَدِقُّ حَتَّى يَكُونَ كَمَا كَانَ، لَا يَكُونُ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ﴿١٨٩﴾ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم المزكي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بن مطر قال: أَخْبَرَنَا أَبُو خليفة قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَالْحَوْضِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلَ بَابٍ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. (٢) - أَخْبَرَنَا أَبُو بكر التميمي قال: حَدَّثَنَا أبو الشيخ قال: حَدَّثَنَا أَبُو يحيى الرازي قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بن عبيد قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعَى الْحُمْسَ، وَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الْأَبْوَابِ فِي الْإِحْرَامِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ وَسَائِرُ الْعَرَبِ لَا يَدْخُلُونَ مِنْ بَابٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بُسْتَانٍ، إِذْ خَرَجَ مِنْ بَابِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُطْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رَجُلٌ فَاجِرٌ وَإِنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ الْبَابِ فَقَالَ لَهُ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ " قَالَ: رَأَيْتُكَ فَعَلْتَهُ فَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتَ. فَقَالَ: "إِنِّي أَحْمَسِيٌّ" قَالَ: فَإِنَّ دِينِي دِينُكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾

стр. 52

وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَدْخُلْ حَائِطًا وَلَا بَيْتًا وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمُدُنِ نَقَّبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنْهُ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ، أَوْ يَتَّخِذُ سُلَّمًا فَيَصْعَدُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ وَلَا يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ دِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُمْسِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَخَثْعَمُ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنُو النَّضْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ سُمُّوا حُمْسًا لِشِدَّتِهِمْ فِي دِينِهِمْ، قَالُوا: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْبَابِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لِمَ دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ " فَقَالَ: رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ فَدَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنِّي أَحْمَسِيٌّ" قَالَ الرَّجُلُ: إِنْ كُنْتَ أَحْمَسِيًّا فَإِنِّي أَحْمَسِيٌّ، دِينُنَا وَاحِدٌ رَضِيتُ بِهَدْيِكَ وَسَمْتِكَ وَدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿١٩٠﴾ . قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ صَالَحَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَابِلَ عَلَى أَنْ يُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ويفعل ما شاء، وَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَخَافُوا أَنْ لَا تَفِيَ لَهُمْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وَأَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيُقَاتِلُوهُمْ، وَكَرِهَ أَصْحَابُهُ قِتَالَهُمْ فِي الشَّهْرِ الحرام، في الْحَرَامِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ ﴿١٩٤﴾ . قَالَ قَتَادَةُ: أَقْبَلَ

стр. 53

نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ دَخَلُوا مَكَّةَ، فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِينَ رَدُّوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَقَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ﴿١٩٥﴾ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ محمد الزاهد قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بكر الفقيه قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بن الجنيد قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أيوب قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، أَمْسَكُوا عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ هُشَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَاتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (٢) - أَخْبَرَنَا أَبُو بكر المهرجاني قال: أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ بن بطة قال: أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم البغوي قال: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بن خالد قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،

стр. 54

عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ ابن أَبِي جُبَيْرَةَ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ يَتَصَدَّقُونَ وَيُطْعِمُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ، فَأَمْسَكُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - أَخْبَرَنَا أَبُو منصور البغدادي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن السراج قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الحضرمي قال: حدثنا هدبة قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: لَا يُغْفَرُ لِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. (٢) - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بن عبدان قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بن هانئ قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَنَسٍ الْقُرَشِيُّ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ

стр. 55

المقري قال: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بن شريح قال: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حبيب قال: أَخْبَرَنِي أَسْلَمُ أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، وَصَفَفْنَا لَهُمْ صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا مُقْبِلًا، فَصَاحَ النَّاسُ، فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ أَلْقَى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى دينه وكثر ناصروه، قُلْنَا بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، فَلَوْ أَنَّا أَقَمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا هَمَمْنَا بِهِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فِي الْإِقَامَةِ الَّتِي أَرَدْنَا أَنْ نُقِيمَ فِي الْأَمْوَالِ فَنُصْلِحَهَا، فَأَمَرَنَا بِالْغَزْوِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ .

стр. 56

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ ﴿١٩٦﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر الزيادي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الحسن المحمدأباذي قال: حَدَّثَنَا العباس الدوري قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بن موسى قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْفَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ وَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " احْلِقْ وَافْدِهِ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوِ النُّسُكَ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ". أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم المزكي قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مطر إملاء قال: أَخْبَرَنَا أبو خليفة قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عن بشر قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "ادْنُهْ" فَدَنَوْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: نَعَمْ؛ فَأَمَرَنِي بِصِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكِ مَا تَيَسَّرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. (١) - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله المخلدي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن السراج قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سليمان المروزي قال: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ علي قال: حَدَّثَنَا شعبة قال: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأصفهاني قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ

стр. 57

نُسُكٍ﴾ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ هَذَا، مَا تَجِدُ شَاةً؟ " قُلْتُ: لَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ". فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَلَكُمْ عَامَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ وَأَبِي الْوَلِيدِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبراهيم الصوفي قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ علي الغفاري قال: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ محمد الرسعني قال: حَدَّثَنَا جدي قال: حدثنا المغيرة الصقلابي قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ بِشْرٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلْنَا الْحُدَيْبِيَةَ، جَاءَ كَعْبُ بن عجرة تنتثر هَوَامُّ رَأْسِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أَكَلَنِي، قَالَ: "احْلِقْ وَافْدِهِ" قَالَ: فَحَلَقَ كَعْبٌ فَنَحَرَ بَقَرَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "الصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالصَّدَقَةُ الْفَرْقُ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ". (١) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ محمد المنصوري قال: أخبرني عَلِيُّ بْنُ عمر الحافظ قال: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بن المهتدي قال: حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ عيسى التميمي قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابن عباد قال: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مَاهَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ،

стр. 58

عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ. "احْلِقْ" فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: "فَالصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ فَرَقٌ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ". أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَرَوِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ الْفَضْلِ بْنِ زَكَرِيَّا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَجْدَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْفَهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمِينَ فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي حَتَّى وَقَعَ في حاجبي فذكر ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ هَذَا. ادْعُوا الْحَالِقَ". فَجَاءَ الْحَالِقُ فَحَلَقَ رَأْسِي. فَقَالَ: "هَلْ تَجِدُ نَسِيكَةً؟ " قُلْتُ: لَا وَهِيَ شَاةٌ. قَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ". قَالَ: فَأُنْزِلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً.

стр. 59

(١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ﴿١٩٧﴾ . أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عمرو المزكي قال: حدثنا محمد بن مكي قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل قال: حدثني يَحْيَى بْنُ بشير قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ يَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ فَيَحْمِلُ كَلَّهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿١٩٨﴾ أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عليّ الزَّراع قال: أخبرنا عِيسَى بْنُ مساور قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الفزاري قال: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نُكْرَى فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّ

стр. 60

قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَنَا قَالَ: أَلَسْتُمْ تُلَبُّونَ؟ أَلَسْتُمْ تَطُوفُونَ؟ أَلَسْتُمْ تَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ أَلَسْتُمْ أَلَسْتُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فَدَعَاهُ فَتَلَا عَلَيْهِ حِينَ نَزَلَتْ. فَقَالَ: "أَنْتُمُ الْحُجَّاجُ". (١) - أَخْبَرَنَا أَبُو بكر التميمي قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن خشنام قال: حَدَّثَنَا أَبُو يحيى الرازي قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بن عثمان قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ذُو الْمَجَازِ وَعُكَاظُ مَتْجَرًا لِلنَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا، ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا يَتَّقُونَ الْبُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ فِي الْحَجِّ يَقُولُونَ أَيَّامُ ذِكْرِ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فَاتَّجَرُوا.

стр. 61

(١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ﴿١٩٩﴾ . أَخْبَرَنَا التَّمِيمِيُّ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ الْعَرَبُ تُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَقُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا تُفِيضُ مِنْ جَمْعٍ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٢) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جعفر المزكي، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن زكريا قال أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن السرخسي قال: أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي خيثمة قال: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عيينة قال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دينار قال: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي يَوْمَ عَرَفَةَ، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا مِنَ الحمس ماله هنا؟ !.

стр. 62

قَالَ سُفْيَانُ: وَالْأَحْمَسُ: الشَّدِيدُ الشَّحِيحُ عَلَى دِينِهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمَّى الْحُمْسَ، فَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَهْوَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ عَظَّمْتُمْ غَيْرَ حَرَمِكُمُ اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِحَرَمِكُمْ فَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ وَيَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يَعْنِي عَرَفَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿٢٠٠﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا اجْتَمَعُوا بِالْمَوْسِمِ ذَكَرُوا فِعْلَ آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَيَّامِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ فَتَفَاخَرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَتِ الْأَعْرَابُ إِذَا حَدَّثُوا وتكلموا يَقُولُونَ: وَأَبِيكَ إِنَّهُمْ لَفَعَلُوا كَذَا وَكَذَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ ﴿٢٠٤﴾ . قَالَ السُّدِّيُّ نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِسْلَامَ وَأَعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ، وَاللَّهُ يعلم إني صادق، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُمُرٍ فَأَحْرَقَ الزَّرْعَ وَعَقَرَ الْحُمُرَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ ﴿٢٠٧﴾ .

стр. 63

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَرَ مَا فِي كِنَانَتِهِ وَأَخَذَ قَوْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِمَا فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شئتم قالوا: دُلَّنَا عَلَى بَيْتِكَ وَمَالِكَ بِمَكَّةَ وَنُخْلِي عَنْكَ، وَعَاهَدُوهُ إِنْ دَلَّهُمْ أَنْ يَدَعُوهُ فَفَعَلَ. فَلَمَّا قدم على النبي ﷺ قَالَ: "أَبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعُ رَبِحَ الْبَيْعُ"، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ صُهَيْبًا فَعَذَّبُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مِنْ غَيْرِكُمْ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي؟ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَكَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً، فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: رَبِحَ بَيْعُكَ أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ صُهَيْبٌ: وَبَيْعُكَ فَلَا يَخْسَرُ، مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ يَلْقَى الْكَافِرَ فَيَقُولُ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قُلْتَهَا عَصَمْتَ مَالَكَ وَدَمَكَ فَأَبَى أَنْ يَقُولَهَا فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ فَتَقَدَّمَ فقاتل حتى يقتل. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. قَالَ أَبُو الْخَلِيلِ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ.

стр. 64

(١) - قَوْلُهُ ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ الآية ﴿٢٠٨﴾ . أَخْبَرَنِي أبو نعيم الأصبهاني فيما أذن لي فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ قَامُوا بِشَرَائِعِهِ وَشَرَائِعِ مُوسَى، فَعَظَّمُوا السَّبْتَ وَكَرِهُوا لُحْمَانَ الإبل وألبانها بعدما أَسْلَمُوا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: إِنَّا نَقْوَى عَلَى هَذَا وَهَذَا وقالوا للنبيّ لله ﷺ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَعْمَلْ بِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الْآيَةَ ﴿٢١٤﴾ . قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ حِينَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ وَالشِّدَّةِ وَالْحَرِّ والخوف والبرد وسوء الْعَيْشِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (٣) وَقَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ اشْتَدَّ الضرّ عليهم، بأنهم خَرَجُوا بِلَا مَالٍ وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَآثَرُوا رِضَا اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَأَظْهَرَتِ الْيَهُودُ الْعَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسَرَّ قَوْمٌ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ النِّفَاقَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ الْآيَةَ. (٤) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ الْآيَةَ ﴿٢١٥﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا مَالٍ

стр. 65

كَثِيرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَاذَا نَتَصَدَّقُ؟ وَعَلَى مَنْ نُنْفِقُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي دِينَارًا فَقَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ" فَقَالَ: إِنَّ لِي دِينَارَيْنِ، فَقَالَ: "أَنْفِقْهُمَا عَلَى أَهْلِكَ " فَقَالَ: إِنَّ لِي ثَلَاثَةً فَقَالَ: "أَنْفِقْهَا عَلَى خَادِمِكَ" فَقَالَ: إِنَّ لِي أربعة، فقال: "أنققها عَلَى وَالِدَيْكَ" فَقَالَ: إِنَّ لِي خَمْسَةً، فَقَالَ: "أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ" فَقَالَ: إِنَّ لِي سِتَّةً فَقَالَ: "أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ أَحْسَنُهَا". (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ ﴿٢١٧﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله الشيرازي قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خميرويه الهروي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الخزاعي قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قال: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى هَبَطُوا نَخْلَةَ، وَوَجَدُوا بِهَا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فِي عِيرِ تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ فِي يوم بقي في الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَاخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَا نَعْلَمُ هَذَا الْيَوْمَ إِلَّا مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا نرى أن تستحلوا لِطَمَعٍ أَشْفَيْتُمْ عَلَيْهِ. فَغَلَبَ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا، فَشَدُّوا عَلَى ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ وَغَنِمُوا، عِيرَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَرَكِبَ وَفْدٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَتُحِلُّ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قلْ قِتَالٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

стр. 66

(١) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ محمد الحارثي قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن جعفر قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد الرازي قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عثمان قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقَدٍ اللَّيْثِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَأَسَرُوا رَجُلَيْنِ وَاسْتَاقُوا الْعِيرَ، فَوَقَفَ عَلَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "لَمْ آمُرْكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ"، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أَيْ قَدْ كَانُوا يَفْتِنُونَكُمْ وَأَنْتُمْ فِي حَرَمِ اللَّهِ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وَهَذَا أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ تَقْتُلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا نَزَلَ هَذَا قَبَضَ رَسُولُ الله ﷺ العير، ونادى الْأَسِيرَيْنِ وَلَمَّا فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ تِلْكَ السَّرِيَّةِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ غَمٍّ طَمِعُوا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ثَوَابِهِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ غَزْوَةً وَلَا نُعْطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ الْآيَةَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدِمِهِ الْمَدِينَةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيَّ وَعُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّ وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ السُّلَمِيَّ وَأَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ وَعَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ وَوَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ، وَكَتَبَ لِأَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كِتَابًا وَقَالَ: "سِرْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَلَا

стр. 67

تَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ فَإِذَا نَزَلْتَ مَنْزِلَيْنِ فَافْتَحِ الْكِتَابَ وَاقْرَأْهُ عَلَى أَصْحَابِكَ، ثُمَّ امْضِ لِمَا أَمَرْتُكَ، وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أحدًا من أصحابه عَلَى الْمَسِيرِ مَعَكَ"، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَ وَفَتَحَ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ:. "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ بِمَنِ تَبِعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بَطْنَ نَخْلَةٍ فَتَرْصُدَ بِهَا عِيرَ قُرَيْشٍ لَعَلَّكَ أَنْ تَأْتِيَنَا مِنْهُ بِخَبَرٍ" فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ الْكِتَابِ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، وقال لِأَصْحَابِهِ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ واحدًا مِنْكُمْ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَعْدِنٍ فَوْقَ الْفَرْعِ وَقَدْ أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ فَاسْتَأْذَنَا أَنْ يَتَخَلَّفَا فِي طَلَبِ بَعِيرِهِمَا فَأَذِنَ لَهُمَا فَتَخَلَّفَا فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بِبَقِيَّةِ أصحابه حتى وصل بَطْنَ نَخْلَةٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَّتْ بِهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأُدْمًا وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ الطَّائِفِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّانِ؛ فَلَمَّا رَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَابُوهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ذُعِرُوا مِنْكُمْ فَاحْلِقُوا رَأْسَ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَلْيَتَعَرَّضْ لَهُمْ فَإِذَا رَأَوْهُ مَحْلُوقًا أَمِنُوا وَقَالُوا: قَوْمٌ عُمَّارٌ، فَحَلَقُوا رَأْسَ عُكَاشَةَ ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: قَوْمٌ عُمَّارٌ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ فَأَمِنُوهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ جُمَادَى أَوْ هُوَ رَجَبٌ، فَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ وَقَالُوا: لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ فَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي مُوَاقَعَةِ الْقَوْمِ فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بسهم فقتله، وكان أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَأْسَرَ الْحَكَمُ وَعُثْمَانُ، فَكَانَا أَوَّلَ أَسِيرَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَفْلَتَ نَوْفَلٌ وَأَعْجَزَهُمْ، وَاسْتَاقَ الْمُؤْمِنُونَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الْخَائِفُ وَيَبْذَعِرُّ (١)

стр. 68

النَّاسُ في معايشهم فَسَفَكَ فِيهِ الدِّمَاءَ وَأَخَذَ فِيهِ الْحَرَائِبَ، وَعَيَّرَ بِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الصُّبَاةِ اسْتَحْلَلْتُمُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فَقَاتَلْتُمْ فِيهِ؟ وَتَفَاءَلَتِ الْيَهُودُ بِذَلِكَ وَقَالُوا: وَاقِدٌ وَقَدَتِ الْحَرْبُ وَعَمْرٌو عَمَرَتِ الْحَرْبُ، وَالْحَضْرَمِيُّ حَضَرَتِ الْحَرْبُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِابْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ: "مَا أَمَرْتُكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ"، وَوَقَّفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ وَظَنُّوا أَنْ قَدْ هَلَكُوا، وَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَتَلْنَا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ ثُمَّ أَمْسَيْنَا فَنَظَرْنَا إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ، فَلَا نَدْرِي أَفِي رَجَبٍ أَصَبْنَاهُ أَوْ فِي جُمَادَى، وَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِيرَ فَعَزَلَ مِنْهَا الْخُمُسَ، فَكَانَ أَوَّلَ خُمُسٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَسَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، فَكَانَ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ أَهْلَ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسِيرِيهِمْ، فَقَالَ: بَلْ نَقِفُهُمَا حَتَّى يَقْدَمَ سعد وعتبة، وإن لَمْ يَقْدَمَا قَتَلْنَاهُمَا بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَا فَادَاهُمَا؛ وَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ وَأَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا؛ وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا؛ وَأَمَّا نَوْفَلٌ فَضَرَبَ بَطْنَ فَرَسِهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِيَدْخُلَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَوَقَعَ فِي الْخَنْدَقِ مَعَ فَرَسِهِ فَتَحَطَّمَا جَمِيعًا، فَقَتَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَلَبَ الْمُشْرِكُونَ جِيفَتَهُ بِالثَّمَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "خُذُوهُ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ"، فَهَذَا سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ وَالْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الْآيَةَ ﴿٢١٩﴾ . نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فَإِنَّهُمَا مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿٢٢٠﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ

стр. 69

طَاهِرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحسن السراج قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بن معاذ قال: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مسعود قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظلْمًا﴾ [النساء: ١٠] عَزَلُوا أَمْوَالَهُمْ عَنْ أَمْوَالِهِمْ. فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ فَخَلَطُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ. (١) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد الزاهد قال: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الفقيه قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد البغوي قال: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبة قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالُ يَتِيمٍ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، وَجَعَلَ يُفَضِّلُ الشَّيْءَ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تخَالِطوهمْ﴾ فتخلطوا طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم.

стр. 70

(١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الْآيَةَ ﴿٢٢١﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ ابن أَبِي عمرو الحافظ قال: أَخْبَرَنَا جَدِّي أخبرنا أبو عمر أَحْمَدُ بن محمد الحرشي قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن قتيبة قال: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي عَنَاقَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ ذَاتَ حَظٍّ مِنْ جَمَالٍ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ وَأَبُو مَرْثَدٍ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهَا لَتُعْجِبُنِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢) - أَخْبَرَنَا أبو عثمان قال: أخبرنا جدي قال: أَخْبَرَنَا أبو عمرو قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بن حماد قال: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ وَإِنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهَا فَلَطَمَهَا، ثُمَّ إِنَّهُ فَزِعَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ "مَا هِيَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُحْسِنُ الْوُضُوءَ، وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُهُ، فَقَالَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ هذه مؤمنة" قال عَبْدُ اللَّهِ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَأَعْتَقِنَّهَا وَلَأَتَزَوَّجَنَّهَا، فَفَعَلَ فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: نَكَحَ أَمَةً، وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَنْكِحُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَيَنْكِحُوهُمْ رَغْبَةً فِي أَحْسَابِهِمْ فَأَنْزَلَ الله تعالى فيه: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ الْآيَةَ. (٣) - وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ غَنِيٍّ يُقَالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ حَلِيفًا لِبَنِي هَاشِمٍ إِلَى مَكَّةَ، لِيُخْرِجَ

стр. 71

نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا أُسَرَاءَ؛ فَلَمَّا قَدِمَهَا سَمِعَتْ بِهِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ، وَكَانَتْ خَلِيلَةً لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَعْرَضَ عَنْهَا، فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا مرثد ألا تخلو؟ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ وَحَرَّمَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتِ تَزَوَّجْتُكِ، إِذَا رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَبِي تَتَبَرَّمُ؟ ثُمَّ اسْتَغَاثَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ بِمَكَّةَ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا وَأَعْلَمَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ عَنَاقَ وَمَا لَقِيَ فِي سَبَبِهَا، فَقَالَ: يَا رسول الله، أتحل أن أتزوجها؟ فأنزل اللَّهِ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الْآيَةَ ﴿٢٢٢﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن جعفر قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بن زكريا قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن الدغولي قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مشكان قال: حدثنا حيان قال: حدثنا حماد حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، فَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادٍ. (٢) - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ

стр. 72

حَمْدَانَ قال: أخبرنا أبو عمران مُوسَى بْنُ العباس الجويني قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَرْدُوَانِيُّ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَابِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيِّ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فَكَانَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَا يَدَعْنَ أَزْوَاجَهُنَّ يأتونهن من أدبارهن، فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ إِتْيَانِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، وَعَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ يَعْنِي الِاغْتِسَالَ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الْقُبُلَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَإِنَّمَا الْحَرْثُ حَيْثُ يَنْبُتُ الْوَلَدُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ منهم لم تؤاكلها ولم تشاربها ولم تساكنها فِي بَيْتٍ كَفِعْلِ الْمَجُوسِ، فَسَأَلَ أَبُو الدَّحْدَاحِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَصْنَعُ بِالنِّسَاءِ إِذَا حِضْنَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. (١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ ﴿٢٢٣﴾ . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الحسن القاضي قال: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بن أحمد قال: حَدَّثَنَا

стр. 73

عَبْدُ الرَّحِيمِ بن منيب قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا: إِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. (١) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زيد البجلي قال: حَدَّثَنَا أبو كريب قال: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عرضات من فاتحته إِلَى خَاتِمَتِهِ، أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ. فَأَسْأَلُهُ عَنْهَا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ بِمَكَّةَ وَيَتَلَذَّذُونَ بِهِنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تَزَوَّجُوا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَذَهَبُوا لِيَفْعَلُوا بِهِنَّ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِمَكَّةَ، فَأَنْكَرْنَ ذَلِكَ وَقُلْنَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ نَكُنْ نُؤْتَى عَلَيْهِ، فَانْتَشَرَ الْحَدِيثُ

стр. 74

حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: إِنْ شِئْتَ مُقْبِلَةً وَإِنْ شِئْتَ مُدْبِرَةً وَإِنْ شِئْتَ بَارِكَةً، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ لِلْحَرْثِ يَقُولُ: ائْتِ الْحَرْثَ حَيْثُ شِئْتَ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُحَارِبِيِّ. (١) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ محمد الحياني قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بكر الفقيه قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ البغوي قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ جعد قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ ابن المنكدر قال: سمعت جابر قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ بَارِكَةً كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ. (٢) - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ محمد الحياني قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن حمدون قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الشرقي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الأزهر قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جرير قال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مُجَبِّيَةً جَاءَ وَلَدُهَا أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حامد بن الشرفي: هَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ يُسَاوِي مِائَةَ حَدِيثٍ، لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ. (٣) - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المطوعي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ

стр. 75

حَمْدَانَ قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ قال: حدثنا زهير قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ محمد قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القمي قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ، فَقَالَ: "وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟ " قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ، قَالَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هذه الْآيَةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يَقُولُ: أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ محمد الأصفهاني قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد الحافظ قال: حَدَّثَنَا أَبُو يحيى الرازي قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بن عثمان قال: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْعَزْلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ذَكَرُوا إِتْيَانَ النِّسَاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْأَنْصَارَ وَالْيَهُودَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِنَّ وَمِنْ خَلْفِهِنَّ إِذَا كَانَ الْمَأْتِيُّ وَاحِدًا فِي الْفَرْجِ، فَعَابَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِنَّ خَاصَّةً، وَقَالُوا: إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ التَّوْرَاةِ أَنَّ كُلَّ إِتْيَانٍ يُؤْتَى النِّسَاءَ غَيْرَ مُسْتَلْقِيَاتٍ دَنَسٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْحَوَلُ وَالْخَبَلُ، فَذَكَرَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا في الجاهلية وبعدما أَسْلَمْنَا نَأْتِي النِّسَاءَ كَيْفَ شِئْنَا، وَإِنَّ الْيَهُودَ عَابَتْ عَلَيْنَا ذَلِكَ، وَزَعَمَتْ لَنَا كَذَا وَكَذَا فَأَكْذَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْيَهُودَ وَنَزَلَ عَلَيْهِ يُرَخِّصُ لَهُمْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ يَقُولُ: الْفَرْجُ مَزْرَعَةٌ لِلْوَلَدِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يَقُولُ: كَيْفَ شِئْتُمْ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا فِي الْفَرْجِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ ﴿٢٢٤﴾ . قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي
следующие страницы →