← Гариб и словари

Гариб и словари · id 11319

الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي

الأزهري

Полный текст (269 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين قال أبو منصور: محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري ﵀: الحمد لله الهادي لمن يشاء بفضله المضل لمن يشاء بعدله, الموضح لنا سبيل الرشاد الموفقنا للسداد حمدا يقتضي مزيد أفضاله ويمترى كريم إحسانه وإياه أسأل التوفيق للصواب أنه خير موفق ومعين. أما بعد: فاني لما كثر تصفحي لجوامع آيات التنزيل وما أودعها الله تعالى من البيان الذي لا يستغنى عنه عباده ثم ما درسته من سنن المصطفى ﷺ المبينة جمل تلك الجوامع ومن آثار صحابته ﵃ وأخبار التابعين لهم باحسان ما ازددت به بصيرة فيما علمناه من الكتاب عطفت على النظر في المؤلفات التي صنفها فقهاء أمصار المسلمين من الحجازيين والعراقيين وغيرهم من الأئمه المتقنين وذوي البصائر المميزين فدرستها وأخذت حظى من فوائدها وألفيت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - أنار الله برهانه ولقاه رضوانه - أثقبهم بصيرة وأبرعهم بيانا وأغزرهم علما وأفصحهم لسانا وأجزلهم ألفاظا وأوسعهم خاطرا فسمعت مبسوط كتبه وأمهات أصوله من بعض مشايخنا وأقبلت على دراستها دهرا واستعنت بما استكثرته من علم اللغة على تفهمها إذ كانت الفاظه ﵀ عربيه محضه ومن عجمه المولدين مصونة وقدرت تفسير ما استغرب منها فعلمت أني إن استقصيت تخريجها كثر حتى يمل قارئه فأعملت رأيي

стр. 2

في تفسير ما استغرب منها في الجامع الذي اختصره أبو إبراهيم إسماعيل ابن يحيى١ ﵀ من جميعها وزادني رغبة فيما أردته حرص طائفة من المتفقهه على استفادتها غير أني لم أقصد بالذي تحريته المبتدئ الريض دون المرتاض الذي خرجت جوارحه وأعانه ذكاؤه على معارضة المناظرين ومحاورة المميزين بل جعلت لكل منهم فيما كشفته وبينته حظا وافيا وبيانا شافيا والله المعين ولا حول ولا قوة الا بالله عليه أتوكل واليه أنيب.

стр. 3

ما جاء منها في أبواب الطهارات الطهور والغسول والقرور والوضوء ذكر الشافعي١ ﵀ قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ ٢ وفسر الطهور على مقدار فهمه واحتاج من بعده إلى زيادة شرح من باب اللغة فيه فالطهور: جاء على مثال فعول وفعول في كلام العرب يجيء بمعاني مختلفة فمنها فعول بمعنى يفعل به مثل طهور وغسول, قرور, ووضوء فالطهور الماء الذي يتطهر به والغسول: الماء الذي يغتسل به ويغسل به الشيء والقرور: الماء الذي يتبرد به ومن هذا الباب الفطور وهو ما يفطر عليه من الطعام والنشوق وهو ما يستنشق به. وإذا كان الطهور من المياه ما يتطهر به أو يطهر به ثوب وغيره علم أنه طاهر في ذاته مطهر لغيره والطاهر الذي طهر بنفسه وان لم يطهر غير والطهور لا يكون الا طاهرا مطهرا لغيره وكذلك الوضوء هو الماء الذي يتوضأ به ويوضأ به كل متوضئ وكذلك يقال توضأت وضوءا حسنا اسم وضع موضع المصدر فأما الوضوء - بضم الواو - فإنه لا يعرف ولا يستعمل إلا في المصدر, لا في باب الوضوء بالماء وقد يقال: وضوء الإنسان يوضؤ وضاءة ووضوءا إذا حسن فهو وضيء. ونذكر بعد هذا أقسام الفعول ليستفيدها من أراد معرفتها فمنها فعول بمعنى فاعل وهو أبلغ في الوصف من فاعل كالغفور في صفة الله تعالى وهو الذي يغفر ذنوب عباده أي يسترها بعفوه مرة بعد أخرى والغافر لا يقتضى العود بعد البدء كما يقتضيه الغفور ومن صفات الله تعالى على هذا المثال الصفوح والعفو والشكور. وقد يقول: رجل صبور إذا كان ذا صبر على ما يبتلى به من البلايا،

стр. 4

والصابر دون الصبور ولفظ المذكر والمؤنث في هذا الباب سواء رجل صبور وامرأة صبور بغير هاء فافهمه. ويجيء فعول بمعنى مفعول كقولهم: بعير ركوب وناقة حلوب وربما أدخلت الهاء في هذا الباب. وقد يجيء فعول اسما لا صفة كالذنوب وهو النصيب أو الدلو الكبيرة قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ ١ أي نصيبا من العذاب. ويجيء فعول مصدرا وهو قليل من ذلك قولهم قبلته قبولا وأولعت به ولوعا وأوزعت به وزوعا وحكى بعضهم عن يونس النحوي: مضيت على الأمر مضوا وهو نادر قال الشافعي: ﵀: "وما عدا ذلك من ماء ورد أو شجر"٢ معناه: ما جاوز ذلك والعرب تستثنى بما عدا وما خلا فتنضب بهما فاذاحذفوا منهما ما خفضوا وفتحوا كقولهم: جاءني القوم عدا زيد وعدا زيدا وخلا زيد وخلا زيداً٣، كل ذلك جائز ويقال: قد عداك هذا الامر أي جاوزك يعدوك ومنه الاعتداء وهو مجاوزة الحد والقدر. قال الشافعي: ﵀ – "في المبسوط": "فان نحر جزورا فافتظ كرشها واعتصر منه ماء لم يكن طهورا". معنى "افتظ": أي اعتصر ماء الكرش وصفاه وسمى ذلك الماء الفظ لغلظه والعرب إذا أعوزهم الماء لشفاههم في الفلوات البعيدة التي لا ماء فيها نحروا جزورا واعتصروا ماء كرشها فشربوه وتبلغوا به وقيل لماء الكرش فظ لغلظه وخبثه ومنه يقال للرجل القاسي القلب فظ وقد فظظت يا رجل تفظ وقد قال الله تعالى : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ ٤.

стр. 5

وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ١ كل جلد عند العرب إهاب وجمعه: أهب وأهب وقد جعلت العرب جلد الإنسان إهابا قال عنتره: فشككت بالرمح الأصم إهابه ... ليس الكريم على القنا يمحرم٢ أراد رجلا لقيه في الحرب فانتظم جلدته بسنان رمحه فأنفذه وهو الشك ويروى ثيابه أي بدنه وقيل قلبه. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الذي يشرب في آنية الفضه انما يجرجر في بطنه نار جهنم" ٣ آنية الفضه جمع إناء مثل كساء وأكسيه ومعنى قوله: يجرجر في بطنه نار جهنم: أي يلقى في بطنه نار جهنم فنصب نار بالفعل بقوله يجرجر وهذا مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ ٤ فنصب نارً٥ بقوله: يأكلون يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا جرعه جرعا متتابعا يسمع له صوت الجرجره حكاية ذلك الصوت يقال: جرجر الفحل من الابل في هديره إذا ردده في شقشقته حتى يحكى هديره: جرجرة الفحل ويقال للحلاقيم الجراجر من هذا.

стр. 6

ومنه قول النابغة: "لها ميم١ يستلهونها بالجراجر٢" أي يبتلعونها بالحناجر والمضبب بالفضه من الأقداح الذي قد أصابه صدع أي: شق فسويت له كتيفة عريضة من الفضه فأحكم الصدع بها والكتيفه يقال لها: الضبه وجمعها الضباب وقد ضبب فلان قدحه بضببه٣، إذا لأمه بها ومن هذا قيل لطلع النخل قبل انشقاقه وتفلقه عن الاغريض الذي في جوفه ضبه وجمعها: ضباب وضبات قال الشاعر: يطفن بفحال كأن ضبابه ... بطون الموالى يوم عيد تغدت٤ أراد بالفحال فحل النخل الذي يؤبر بثمره ثمر الإناث وضبابه ما أخرج من طلعه قبل انشقاقه. قال الشافعي: ﵀: "وأحب السواك عند كل حال تغير فيها الفم الاستيقاظ من النوم والأزم"٥. والأزم: خفض معطوف على

стр. 7

الاستيقاظ لأنه يدل من قوله: "كل حال" ثم قال: "الاستيقاظ ": أي عند الاستيقاظ من النوم. وأما الأزم: فهو الامساك عن الطعام والشراب ومنه قيل: للحميه: أزم وهو الامساك عن الطعام والشراب ومنه قيل لسنة الجدب والمجاعه أزمة. وقال أبو زيد١: أزم علينا الدهر: إذا اشتد أمره وقل مطره وخيره وأزمت الدابه على اللجام: إذا أمسكته بأسنانها كأنها تعضه ودابة أزوم تقبض على لجامها بأسنانها.

стр. 8

باب النية أصل النيه مأخوذ من قولك: نويت بلد كذا أي: عزمت بقلبي قصده ويقال للموضع الذي يقصده: نية - بتشديد الياء - ونية - بتخفيفها - وكذلك الطيه والطيه قال ابن الاعرابي وانتويت موضع كذا: أي قصدته للنجعه انتواء ويقال للبلد المنوي نوى أيضا والنوى: الفراق ويقال: نواك الله أي حفظك الله وكأن المعنى: قصدك الله بحفظه إياك, فالنية: عزم القلب على عمل من الاعمال فرض أو غيره. وقوله: "فيغرف غرفة لفيه وأنفه"١, فالغرفة: أن يغرف الماء بكفه مجموعة الأصابع مرة واحدة - هذا بفتح الغين - وأما الغرفه - بالضم - فالماء المحمول بالكف ومثله: خطوت خطوه واحده والخطوة ما بين القدمين وقول الله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢. فالمرافق واحدها: مرفق ويقال: مرفق لغتان وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه قال: المرفق: ما جاوز إبرة الذراع التي من عندها يذرع الذراع قال والقبيح رأس العضد الذي يلي المرفق قال: وزج المرفق ما بين القبيح وبين إبرة الذراع وهو المكان الذي يرتفق عليه المتكئ إذا ألقم راحته رأسه وثنى ذراعه واتكأ عليه وهو الحد الذي ينتهي إليه في غسل اليد والكعبان هما: المنجمان وهما العظمان النائتان في منتهى الساق مع القدم وهما ناتئان عن يمنة القدم ويسرتها وامرأة درماء الكعوب إذا كان اللحم قد غطى نتوء الكعب وهذا قول الأصمعي٣ وهو قول الشافعي ﵀. فأما معنى قوله: ﴿إِلَى﴾ في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فقد أخبرني المنذري عن أبي العباس أحمد بن يحيى أنه قال: "إلى" ها هنا

стр. 9

بمعنى "من"١ واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٢ أي مع أموالكم وبقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ أي: مع الله. وقال الزجاج: "إلى" في هذا الموضع بمعنى مع غير متجه لما يكون تحديدا لأنه لو كان معنى الآية "اغسلوا أيديكم مع المرافق" لن يكن في المرافق فائده وكانت اليد كلها يجب أن تغسل من أطراف الأصابع الابط لانها كلها يد ولكن لما قال ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أمرنا بالغسل من حد المرافق إلى أطراف الأصابع كأنه لما ذكر اليد كلها أراد أن يحد ما يغسل مما لا يغسل فجعل حد المغسول المرافق وما وراء ذلك غير داخل في حد المرافق فالمرافق منقطعه مما لا يغسل من اليد وداخله فيما يغسل وهذا كما يقول الرجل: قطع فلان أصابع فلان من الخنصر إلى المسبحه فقد علمنا أنه أخرج المسبحه مما لم يقطع وأدخلها فيما قطع فان قال قائل: إن المرافق والكعبين غير داخله في الغسل لأن إلى نهاية واحتج بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ ٣ والليل غير داخل في الصيام فكذلك المرافق والكعبان غير داخله في الغسل قيل له: فرق بينهما ما قدمت ذكره وهو أن المرافق تحديد داخل في المحدود والمحدود الأيدي والليل غير داخل في محدود النهار لأن الليل غير النهار فهما مختلفان لهذا المعنى ولو أن رجلا قال: وهبت لك هذه المشجره من هذه الشجره وأشار إليها إلى أقصاها شجره لدخل ذلك كله في الهبه لدخول في محدود المشجرة قال أبو منصور: الأزهري: وهذا الذي قاله الزجاج صحيح وهو قول محمد بن يزيد المبرد.

стр. 10

النزعتان والإستطابة: قال الشافعي: ﵀: "والنزعتان من الرأس"١. النزعتان: هما الموضعان اللذان ينحسر الشعر عنهما في مقاديم الرأس يقال: نزع الرجل ينزع نزعا فهو أنزع. والاستطابه: الاستنجاء بالحجارة أو بالماء يقال للرجل إذا بال أو تغوط ثم تمسح بثلاثة أحجار أو بمدر قد استطاب فهو مستطيب وأطاب فهو مطيب. قال الأعشى: يا رخما قاظ على مطلوب ... يعجل كف الخارئ المطيب٢ يهجو رجلا شبهه بالرخم الذي يرفرف في السماء فإذا رأى إنسانا يتغوط انتظر قيامه من غائطه ثم نزل إلى الغائط فأكله وقوله: "قاظ على مطلوب" أي قام في القيظ وهو حمراء الصيف ومطلوب موضع. وأخبرني الأيادي عن شمر أنه قال: الاستنجاء بالحجارة مأخوذ من نجوت الشجره وأنجيتها واستنجيتها إذا قطعتها كأنه يقطع الأذى عنه بالماء أو بحجر يتمسح به قال: ويقال استنجيت العقب إذا خلصته من اللحم ونقيته منه وأنشد ابن الأعرابي: فتبارزت فتبازخت لها ... جلسة الجازر يستنجى الوتر٣

стр. 11

البزا والأبزخ والأبزي: قال: تبارزت: رفعت١ مؤخرها - يعني -: امرأه تيسرت لاتيانه إياها في مأتاها فتبازخ الرجل أي تطامن فأشرف حاركه والبزا: أن يستأخر العجز ويستقدم الصدر والأبزخ الذي في ظهره تطامن قال الفراء: الأبزي الذي قد خرج صدره ودخل ظهره. وجعل القتيبى الاستنجاء مأخوذا من النجوه وهو ما ارتفع من الأرض. فكان الرجل إذا أراد قضاء حاجته تستر بنجوة ثم قالوا: ذهب يستنجي وينجو وينجى قالوا: واستنجى الرجل إذا مسح أو غسل النجو عنه وقول شمر في هذا الباب أصح من قوله٢. الرمة: وفي حديث النبي ﷺ : "أنه نهى عن الروث والرمة في الاستنجاء" ٣. والرمة - بكسر الراء -: العظام الباليه سميت رمة رميما لأن الإبل ترمها أي: تأكلها وجمع الرمة: رمم وقيل سميت رمة لأنها ترم أي تبلى إذا قدمت وأما الرم بغير هاء فهو مخ العظام يقال: ارم العظم فهو مرم أي صار فيه رم أي مخ لسمنه، والرمة – بضم الراء – الحبلى البالى. وقوله: "ما لم يعد المخرج"٤ أي: لم يجاوز مخرج الأذى من الإنسان يقال: عداك الشيء أي جاوزك وعدوى الجرب مأخوذه منه لأن الجرب عندهم يعدى أي: يصير عاديا أي مجاوزا من الجرب إلى الصحيح الذي لا جرب فيه.

стр. 12

وفي حديث آخر: "اذا استجمرت فأوتر وإذا استنشقت فانثر" ١ معنى الاستجمار: الاستنجاء بالحجاره مأخوذ من الجمار وهي: الحجاره فأوتر: أي تمسح بالوتر منها ثلاث أو خمس وقوله: "إذا استنشقت فانثر" أي: إذا أدخلت الماء في أنفك فأخرج منه ما يبس واجتمع من المخاط فيه, وقول الشافعي ﵀ فيما حكى عنه المزنى في العظم٢ أنه لا يجوز الاستطابه به لأن الاستطابه طهارة والعظم ليس بطاهر. يقول القائل: كيف قال: والعظم ليس بطاهر وهو عند الشافعي وغيره من الفقهاء طاهر؟ فالجواب فيه أن المزنى نقل هذا اللفظ عن كتاب الشافعي في الطهارات على المعنى لا على ما لفظ به الشافعي ﵀ ولفظه ما أخبرنا به عبد الملك بن محمد البغوي عن الربيع عن الشافعي ﵀ أنه قال: "ولا يستنجي بعظم للخبر فيه فانه وان كان غير نجس فليس بنظيف وإنما الطهارة بنظيف طاهر". قال: "ولا أعلم شيئا في معنى العظم إلا جلد ذكي غير مدبوغ فانه ليس بنظيف وإن كان طاهرا فأما الجلد المدبوغ فنظيف طاهر فلا بأس أن يستنجى به". وهذا كله لفظ الشافعي٣، وظن المزني أن معنى النظيف والطاهر واحد فأدى معنى النظيف بلفظ الطاهر وليسا عند الشافعي ولا عند أهل اللغة سواء ألا ترى أن الشافعي جعل العظم والجلد إذا كانا غير مدبوغين طاهرين ولم يجعلهما نظيفين ومعنى النظيف عنده الشيء الذي ينظف ما كان من زهومه أو رائحة غمر كزهومة لحوم الحيوان وعظامها والأطعمه السهكه "*" والاشياء الكريهة الطعم والرائحه فهذه الأشياء وإن كانت طاهره فانها ليست بنظيفه ألا ترى أن الإنسان إذا أكل مرقه

стр. 13

دسمة سهكة خبثت نفسه حتى يغسل يده وفمه بما ينظفهما من أشنان١ أو تراب أو غسول طيب فاراد الشافعي أن العظم وإن كان طاهرا فإنه كان في الأصل طعاما زهما غير نظيف في نفسه ولا منظف لغيره فلا يجوز الاستنجاء به لأنه في الأصل طعام وأما الجلد المدبوغ فان الدباغ قد غيره عن حالته التي كانت عليها خلقته فأثر فيه العطن وورق الشجر الذي دبغ به تأثيرا أذهب زهومته وطعمه وأفاد نظافة في حرمه ورائحته وإذا كان الدباغ يبطل حكم ميتيته لما يستفيد من روائح ورق الشجر وغيره فانه لزهومته أشد ازاله وله أشد تنظيفا فافهمه. الإفضاء: قال الشافعي: ﵀: "والملامسه٢ أن يفضي بشيء منه إلى جسدها أو تفضي إليه لا حائل بينهما". الإفضاء على وجوه: أحدها: أن يلصق بشرته ببشرتها ولا يكون بين بشرتيهما حائل من ثوب ولا غيره وهذا يوجب الوضوء عند الشافعي ﵀. والوجه الثاني من الافضاء: أن يولج فرجه في فرجها حتى يتماسا وهذا يوجب الغسل عليهما وهو قول الله : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ ٣ أراد بالإفضاء الايلاج ها هنا. والوجه الثالث من الإفضاء: أن يجامع الرجل الجاريه الصغيره التي لا تحتمل الجماع فيصير مسلكاها مسلكا واحدا وهو من الفضاء وهو البلد الواسع يقال جارية مفضاه وشريم إذا كانت كذلك٤.

стр. 14

المني والمذي والودي: وذكر الشافعي في الأحداث الناقضة للطهارة: المنى والمذى والودى١ فالمنى: هو الماء الدافق الذي يكون منه الولد سمي منيا لأنه يمنى أي: يراق ويدفق ومن هنا سميت منى لما يمنى بها من دماء أي: يراق يعني: دماء النسك٢ والمنى مشدود لا يجوز فيه التخفيف يقال منى الرجل وأمنى إذا دفق الماء. وأما المذى: فهو ماء رقيق يضرب لونه إلى البياض يخرج من رأس الاحليل بعقب شهوة والمذى يشدد ويخفف والتخفيف فيه أكثر يقال: مذى الرجل وأمذى إذا سال ذلك منه. وأما الودى - فهو بالدال غير معجمه - وهو ماء رقيق يخرج على إثر البول ولا يخرج بشهوه وهو مخفف٢ يقال ودى الرجل ولم اسمع فيه أودى ويقال ودى الفرس يدى وديا إذا أدلى وقال اليزيدى: يقال ودى الفرس ليبول وأدلى ليضرب روى ذلك عنه أبو عبيد. وروى المزنى حديث النبي ﷺ قال: "العينان وكاء السه فإذا نامت٣ العينان استطلق الوكاء٤" التشديد في السه على السين للادغام والهاء خفيفه ومنه قول الشاعر٥:

стр. 15

وأنت السه السفلى إذا دعيت نصر١ نصر قبيلة من العرب فلذلك أنث فقال لهذا الرجل: أنت من أرذلهم إذا دعوا للمكارم للمساعى قال أبو عبيد: السه: حلقة الدبر قال: وأصل الوكاء الخيط الذي يشد به رأس القربه فجعل النبي ﷺ اليقظه للعين بمنزلة الوكاء للقربة فإذا نامت العينان استرخى ذلك الوكاء وكان منه الحدث والريح.

стр. 16

باب ما يوجب الغسل ذكر الحديث: "اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ١ فسر الشافعي٢ ﵀ التقاء الختاني تفسيرا مقنعا وجعل معنى التقائهما تحاذيهما وان لم يتضاما وهو صحيح كما فسره والعرب تقول دار فلان تلقاء دار فلان وتراها إذا كانت تحاذيها والتقينا فتحاذينا إذا لقيك ولقيته. والختان من الرجل: الموضع الذي تقطع منه جلدة القلفه وهو من المرأة مقطع نواتها وأما تومة الذكر وهي الحشفة٣، فليست من الختان وإنما يحاذى ختان الرجل ختان المرأة بعد مغيب الحشفه في فرجها وهذه كناية لطيفه عن الايلاج الا ترى أنالرجل لو الصق ختانه بختان المرأة بلا إيلاج لم يجب عليهما الغسل وهذا كما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع فقد وجب عليهما الغسل" ٤ وأراد بشعبها الاربع: شعبتي رجليها وشعبتي شفريها والعرب تقول للعصا إذا كان لرأسها طرفان: عصا ذات شعبين وذات شعبتين كل يقال فافهمه. الضفائر: وضفائر المرأة: ذوائبها المضفورة واحدتها ضفيرة إذا أدخل بعضها في بعض نسجا وهي الضمائر - بالميم أيضا - واحدتها ضميرة وهي الغدائر

стр. 17

أيضا، واحدتها غديره فإذا لويت فهي عقائص واحدتها عقيصه. الفرصة: وروى في حديث النبي ﷺ أنه قال للمرأة الانصاريه: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" ١ وفي حدث آخر: "خذي فرصة فتمسكي بها". قال أبو العباس أحمد بن يحيى٢: الفرصه القطعه من كل شيء يقال: فرصت الشيء إذا قطعته قال: وقوله: "تمسكي بها" فيه قولان: أحدهما: تطيبي بها من المسك ويقال هو من التمسك باليد وروي عن عائشه أنها قالت: أراد تتبعي بها أثر الدم. قال الشافعي: "وأحب المرأة أنتغلغل الماء في أصول شعرها"٣. أراد بغلغلة الماء: ادخاله في خلالها وايصاله إلى بشرتها وأصله من غللت الشيء في جوف الشيء وغللت, وغللت - مخفف ومثقل - إذا أدخلته فيه ومنه يقال: انغل الرجل وسط القوم إذا دخل فيهم ومنه الغلل وهو الماء الذي يجري بين الشجر.

стр. 18

باب التميم ... باب التيمم التيمم في كلام العرب: القصد يقال: تيممت فلانا ويممته وأممته وتأممته إذا قصدته وأصله كله من الأم وهو: القصد. والصعيد في كلام العرب على وجوه: فالتراب الذى على وجه الأرض يسمى صعيدا ووجه الأرض يسمى صعيدا والطريق يسمى صعيدا وقد قال بعض الفقهاء: إن الصعيد وجه الأرض سواء كان عليه التراب أو لم يكن ويرى التيمم بوجه الصفاه الملساء جائزا وان لم يكن عليها تراب إذ يمسح بها المتيمم قال: وسمى وجه الأرض صعيدا لأنه صعد على الأرض ومذهب أكثر الفقهاء أن الصعيد في قوله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ١ إنه التراب الطاهر وجد على وجه الأرض أو أخرج من باطنها ومنه قوله : ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ ٢. البطحاء: والبطحاء: من مسايل السيول المكان السهل الذى لا حصى فيه ولا حجاره وكذلك الابطح وكل موضع من مسايل الأوديه يسويه الماء ويدشه فهو الأبطح والبطحاء والبطح وذكر الشافعي ﵀ قول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ٣ بالفاء وظاهر التنزيل يدل على أن التيمم بأي شرط شرط في الآية ولم يجد الماء سواء كان مريضا فلم يجد الماء أو كان مسافرا أو جاء من الغائط أو لمس النساء ولم يجد الماء فله التيمم. ومذهب الفقهاء أن المريض غير المسافر له التيمم وان كان

стр. 19

واجدا للماء وان من تغوط أو لمس النساء ولم يكن مسافرا فأعوزه الماء فليس له التيمم والآية تحتاج إلى شرح يوافق اجماع الفقهاء في الامصار فقد ذهب طائفة من الخوارج وهم الاباضيه إلى أن الإنسان إذا اعوزه الماء مسافرا كان أو حاضرا مريضا كان أو صحيحا فله التيمم ووجه الآية عندي - والله اعلم - أن الحاضر إذا كان مريضا المرض الذي يخاف على نفسه التلف إن توضأ أو اغتسل أن له أن يتيممه. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزل هذا في الرجل يكون به الجدري أو القروح يخاف إن هو توضأ أو اغتسل أن يؤذيه أذى شديدا فليتيمم. فابن عباس وقد شاهد التنزيل جعل التيمم لبعض المرضى دون بعض والصحابى الذي شاهد التنزيل إذا بين أن نزول الآية كان لسبب انتهى إلى قوله: ووجه تفسيرها على تفسيره وصدق على ما بين وكان أولى بالتأويل من غيره ممن بعده فقد خرج المريض من الجملة بما وصفنا لما روى عن ابن عباس حدثنا محمد بن اسحاق السعدي حدثنا أبو زرعة عن قبيصة عن عمار بن زريق عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: هذا في الرجل يكون به الجدري أو القروح يخاف إن توضأ أو اغتسل أن يؤذيه أذى شديدا فليتيمم١. وحدثنا أبو عبد الله محمد بن اسحاق حدثنا الرمادي حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني يعلى عن سعيد بن جبير عن عباس٢ في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ ٣. قال عبد الرحمن بن عوف: كان جريحا قال أبو عبد الله وهو يعلى بن مسلم مكي روى عنه ابن جريج وغيره.

стр. 20

وأما قوله : ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإن أو في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ بمعنى واو الحال كأنه قال أوكنتم على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو جامعتم ولم تجدوا الماء فتيمموا فان قال قائل: فهل جاءت أو بمعنى الواو في شيء من كلام العرب؟ قيل: نعم: اثبت لنا عن أحمد بن يحيى أنه قال: أو تكون بمعنى تخيير وتكون بمعنى حتى وتكون بمعنى اختيار وتكون بمعنى بل وتكون شكا وتكون بمعنى الواو وقال الكسائي: وتكون شرطا قال: وأنشد أبو زيد فيمن جعلها بمعنى الواو: وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها١ معناه: وعليها فجورها. قال وأنشدني سلمه عن الفراء: إن بها أكتل أو رزاما ... خويربان ينقفان الهاما٢ ٣ قال: أراد بها اكتل ورزاما. قال الأزهري: ولا يجوز في قوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ غير معنى الواو حتى يستقيم التأويل على ما أجمع عليه فقهاء الأمصار. وما علمت أن أحدا شرح من معنى هذه الآية ما شرحته فتبينه تجده كما فسرته إن شاء الله. [تنبيه] *: وذكر الشافعي ﵀ الكوع في هذا الباب وهو طرف العظم الذي يلي رسغ اليد المحاذي للابهام وهما عظمان متلاصقان في الساعد،

стр. 21

أحدهما أدق من الآخر وطرفاهما يلتقيان عند مفصل الكف فالذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع والذي يلي الابهام هو الكوع وهما عظما ساعد الذراع. الإعواز: وقوله: "ليس للمسافر أن يتيمم الا بعد أعواز الماء"١ واعوازه: تعذر وجوده ورجل معوز: لا شيء عنده والعوز القلة والمعوز: الثوب الخلق٢ وجمعه معاوز. الضنى: وقوله: "ولا يتيمم مريض الا من به قروح أو به ضنى من مرض يخاف التلف إن مس الماء معه"٣ الضنى: هو المرض المدنف الذي يلزم صاحبه الفراش ويضنيه حتى يشرف على الموت وقد ضنى يضنى ضنى ورجل ضنى ورجلان ضنى وامرأة ضنى لفظ المذكر والمؤنث والواحد والجماعة سواء لأنه في الأصل مصدر أقيم مقام الإسم والصفة كما يقال رجل عدل والمعنى رجل ذو ضنى وامرأة ذات ضنى ومثله رجل دنف ورجال دنف إذا كان مريضا أو ضعيفا ورجل حرض ورجال حرض قال الله : ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ ٤ أي: مريضا مشرفا على الموت ويجوز ان يقال: رجل ضنى٥، ورجلان ضنيان ورجال أضنياء.

стр. 22

الحش والجبائر والزند: قوله: "وان كان الرجل محبوسا في حش أو موضع نجس"١. الحش في الأصل: البستان من النخيل وكان الناس يتبرزون إلى حسان النخيل فقيل للمستراح حش والاصل ما أعلمتك. وقال في الكسير: "يوضع على موضع الكسر الجبائر"٢. والجبائر: خشبان تسوى وتوضع على موضع الكسر وتسد عليه حتى ينجبر على استوائها واحدتها: جبارة٣ والجبائر أيضا: الأسوره واحدتها جبارة أيضا٤. وفي حديث علي ﵁ انه انكسر أحد زنديه. فالزندان عظما الساعد اللذان يقال لطرفيهما الكوع والكرسوع.

стр. 23

باب ما يفسد الماء القرظ والشب: وقوله: "وكما جعل ما يعمل عمل القرظ والشب في الاهاب في معنى القرظ والشب فكذلك الأشنان في معنى التراب"١. فانا القرظ فهو: ورق شجر السلم ينبت بنواحي تهامه يدبغ به الجلود يقال أديم مقروظ والذي يجنى القرظ يسمى قارظا والذي يبيعه يسمى قراظا. وأما الشب فهو من الجواهر التي أنبتها الله تعالى في الأرض يدبغ به يشبه الزاج والسماع الشب - بالباء - وقد صحفه بعضهم فقال: الشث والشث شجر مر الطعم ولا أدري أيدبغ به أم لا. قال الخليل٢: الشب: حجارة منها الزاج وهو أبيض له بصيص شديد والشت شجر طيب الريح مر الطعم. قال أبو الدقيش٣: منهن مثل الشث يعجب ريحه ... وفي غيبه مر المذاقة والطعم٤

стр. 24

وروى١ في الحديث أن النبي ﷺ أمر بدم الحيض يصيب الثوب - امرأة فقال لها: " حتيه ثم اقرصيه "٢ فالحت أن يحك بطرف حجر أو عود يقال: حتته أحته حت وأما قرصه فهو أن يدلك بأطراف الأصابع والأظفار دلكا شديدا ويصب عليه الماء حتى يذهب أثره وعينه. المقل: وقوله ﷺ : "إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه" ٣. المقل: أن يغمس فيه غمسا ويقال للرجلين هما يتماقلان في الماء إذا كان كل واحد منهما يريد غمس رأس صاحبه فيه ومنه قيل للحجر الذي يقسم عليه الماء إذا قل في السفر المقلة٤. والماء الراكد والدائم هو الساكن الذي لا يجري يقال: ركد الماء ركودا اذا: سكن ودام فلم يجر ودامت القدر إذا سكن غليانها أدمتها أنا إذا سكنتها. وأما القلة فهي شبه حب يأخذ جرارا من الماء ورأيت القلة من قلال هجر والإحساء تأخذ من الماء ملء مزادة والمزاده: شطر الراويه كأنها سميت قله لان الرجل القوي يقلها أي: يحملها وكل شيء حملته فقد أقللته والقلال مختلفه في القرى العربيه وقلال هجر من أكبرها وأنشد أبو عبيد٥:

стр. 25

يمشون حول مكدمه قد كدحت ... متنيه حمل حناتم وقلال١ واحدها: الحنتم وهو الجره الكبيره ذات عروتين ينتبذ فيها يعنى به الاعيان يمشين حول الحمار الذي يحمل الماء والقلال جمع قلة. وفي صفه الجنه: "ونبقها مثل قلال هجر" والنبق ثمر السدر يشبه العناب وهو الطف منه قليلا واشد صفرة. وذكر٢ حديث بئر بضاعه انها كانت تطرح فيها المحايض وما ينجى الناس. أراد بالمحايض خرق المحيض وأراد بقوله: ما ينجى الناس أي يلقونه من الخرق يقال انجى الرجل إذا تغوط والعذرة٣ تسمى نجوا فإذا ازال النجو عن مقعدته قيل استنجى استنجاء. وروى٤ عن ابن عباس انه قال: أربع لا يجنبن فذكر الماء والارض والثوب والانسان ومعناه أن الجنب إذا مس ماء أو ارضا أو ثوبا أو باشر انسانا بيده لم ينجس شيء من هذه الاشياء لان الجنب وان امر بالاغتسال فهو طاهر وإنما تعبد بالاغتسال للجنابة تعبدا لا لنجاسة حلت به. قال٥: "وان وقع في الماء مثل العنبر أو العود أو الدهن الطيب فلا بأس به لأنه ليس مخوضا به". ومعنى المخوض به أن يداف فيه يقال: دفت

стр. 26

الدواء في الماء وخضته إذا مرسته فيه حتى ينماع فيه ولا يتميز منه وخضت فلانا بالسيف إذا جعلت طرف السيف في جوفه ومنه قول أبي النجم١ يصف قانصا رمى صيدا بسهم فخالط حشوه جوفه فقال: فاختاض أخرى فهوت رجوحا ... للشق يهوى جرحها مفتوحا٢ اختاض أي: رماها بسهم دخل في جوفها هوت أي: سقطت رجوحا: تترجح من يمينها على شمالها أي: تميل ومنه قول الشافعي: إن العنبر والعود إذا كانا قطعا فطرحت في الماء فانها لا تختلط به وكذلك الدهن يطفو فوق الماء ولا يختلط به. وقوله٣ في الاناءئن: "يستقين أن أحدهما قد نجس والاخر لم ينجس انه يتأخى يريق النجس على الاغلب عنده ويتوضأ بالطاهر". ومعناه انه يتأخى في الاناءين أي يتحرى اطهرهما عنده ويريق الاخر الذي هو الاغلب على قلبه انه الذي نجس هذا معنى الاغلب عنده يقال: تأخيت الشيء وتحريته إذا قصدته بقلبك ونيتك واصل التأخى التوخي فقلبت الواو همزه كما قالوا ارث واصله ورث ويقال: خذ طريقك على هذا الوخى أي على هذا القصد وهذا الصوب وقد وخى يخى وخيا إذا قصد شيئا أو بلدا يأتيه. قوله٤: "أريد بالمسح على الخفين المرفق": أي اريد به الرفق والتيسير ويجوز أن يقال مرفق في معنى ما يرتفق به وكذلك مرفق اليد ويجوز مرفق يجوز هذا في ذلك وذلك في هذا. وروى٥ عن النبي ﷺ انه قال: "الغسل يوم الجمعه واجب على كل

стр. 27

محتلم" ١ أراد بالمحتلم البالغ من الرجال ها هنا ولم يرد الذي احتلم فاجتنب إنما أراد الذي بلغ الحلم فادرك. وذكر قول٢ النبي ﷺ : "من توضأ يوم الجمعه فبها ونعمت" ٣. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن الهاء في قوله: فيها والتاء في نعمت فقال: اراه أراد فبالسنة أخذ قال ونعمت السنة والتاء في نعمت تاء التأنيث ونعم ونعمت ضد بئس وبئست وهما في الأصل نعم ونعمت فخففا فقيل: نعم ونعمت. وقول٤ عمر لعثمان ﵄ يوم الجمعه حين راح: الوضوء أيضا وقد علمت "أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل". نصب الوضوء على المصدر أقام الاسم مقامه فكأنه قال: وتوضأت ايضا وقد علمت أن النبي ﷺ كان يأمرنا بالغسل. ومعنى قوله: "حين راح" أي: مضى سائرا إلى المسجد للجمعه. ويتوهم كثير من الناس إن الرواح لا يكون الا في آخر النهار وليس ذلك بشيء لان الروح والغدو عند العرب مستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار يقال: راح في اول النهار وآخره وتروح كذلك وغدا بمعناه وأما قولهم: راحت الايل رائحة فهذا لا يكون الا بالعشى إذا اراحها راعيها على اهلها ومنه قوله : ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ٥ يقال: سرحت الابل بالغداة إلى الرعي وراحت بالعشى على أهلها. وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: "من غسل يوم الجمعه واغتسل وبكر وابتكر واستمع ولم يلغ فبها ونعمت". وروى غسل بالتخفيف،

стр. 28

وغسل بالتشديد وكذلك بكر وبكر يجوز فيهما التخفيف والتثقيل فمن خفف غسل فهو كنايه عن مجامعة الرجل أهله يقال: غسلها وغسلها اذا: جامعها ويقال: فحل غسله ومغسل إذا كان كثير الضراب ومن رواة غسل بالتشديد أراد غسله أعضاءه غسلا بعد غسل. ومن روى بكر بالتخفيف فمعناه خروجه من بيته باكرا ومن روى بكر بالتشديد فهو اتيان الصلاة لاول وقتها والمبادره اليها وكل من اسرع إلى شيء فقد بكر إليه وكذلك جاء في الحديث: "بكروا بصلاة المغرب" ١ أي: صلوها عند غروب الشمس وهو اول وقتها وقيل لاول ما يدرك من الفواكه باكورة لمجيئه في اول الوقت ومعنى ابتكر: أي ادرك أو الخطبه كما يقال: ابتكر بكرا إذا نكحها في اول ادراكها وكان أبا عذريتها. وقوله: "واستمع ولم يلغ" أي: استمع إلى الخطيب ولم يشتغل بغيره. واللغو في كلام العربي على وجهين: أحدهما: فضول الكلام وباطله الذي يجري على غير عقد ومنه: لغو اليمين وهو أن يقول: لا والله وبلى والله يصل به كلامه على غير عقد يمين وهو قول عائشه ﵂. وروى عن سلمان ﵁ أنه قال: يثبطهم عن التهجد٢ النوم في آخر الليل فلم يجتهدوا أول الليل مهدته لآخره معناه أن القوم إذا اجتمعوا في أول الليل يسمرون ويهجرون فيما لا يعنيهم غلبهم النوم في آخر الليل فلم يتهجدوا ولهذا حذر عمر - رضى الله عنه - من السمر بعد العتمه لئلا يثبطهم النوم في آخره عن التهجد والصلاة. والوجه الآخر: من اللغو ما كان فيه مأثم ورفث وفحش وقال قتاده في قوله تعالى:

стр. 29

﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ ١، أي لا تسمع فيها باطلا ولا مأثما وقال مجاهد: شتما٢ وقال ابن شميل في قوله: "اذا قال له: انصت فقد لغا" أي: خاب قال: والغيته خيبته واللغة مأخوذه من لغا إذا تكلم وهي في الأصل لغوه نقص منها الواو.

стр. 30

باب١ الحيض الحيض: دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتاده وأصله من حاض السيل وفاض إذا سال وأخبرني المنذري٢ عن المبرد انه انشده لعماره بن عقيل٣: أجالت حصاهن الذواري وحيضت ... عليهن حيضات السيول والطواحم٤ الذواري: الرياح التي تذرو التراب وكذلك الذاريات والطواحم: السيول العاليه يقال: سيل طاحم إذا كان ذا غثاء وخشب وحيضت: سيلت وحيضات السيول ما سال منها وكأن دم الحيض سمى حيضا لسيلانه من رحم المرأة في اوقاته المعتاده. وأما الاستحاضه: فهو أن يسيل منها الدم في غير اوقاته المعتاده والفرق بين الحيض والاستحاضه ما اعلمتك ودم الحيض يخرج من قعر الرحم ويكون اسود محتدما حارا كأنه محترق ويقال: دم محتدم ويوم محتدم ومحتدم إذا كان شديد الحر ساكن الريح له حدمه شديده وأما دم الاستحاضه فانه يسيل من العاذل وهو عرق فمه الذي يسيل منه في ادنى الرحم دون قعره ذكر ذلك عن ابن عباس وذكر أن دم الحيض بحرانى أي شديد الحمره خارج من القعر - والباحر الأحمر - وأما التريه فهي خفيه لا صفرة فيها ولا كدرة ولا تكون التريه الا بعد انقضاء دم الحيض ولا حكم له ويقال

стр. 31

لها: القصه البيضاء تستدخل المرأة القطنه فتخرج بيضاء. وفي حديث آخر أن امرأه استحيضت فسألت النبي ﷺ فقال لها: "احتشى كرسفا"، فقالت: هو أكثر من ذلك إني لأثجه ثجا فقال لها: "استثفري" أو قال: "تلجمي وتحيضي في علم الله ستا أو سبعا ثم اغتسلي وصلي" ١. الكرسف: القطن تحتشى به المرأة ما لم يكثر سيلان الدم فإذا غلب الدم استثفرت وهو أن تشد خرقه عريضه طويله على وسطها ثم تشد بما يفضل من احد طرفيها بين رجليها إلى الجانب الاخر فذلك التلجم تفعله المرأة إذا كانت تثج الدم تجا أي: تسيله يقال: ثججت الماء اثجه ثجا فثج الماء ثجوجا اذا: سيلته فسال والاستثفار مأخوذ من الثفر - بتحريك الفاء – ومن الثفر بسكون الفاء أو الثفر فأما الثفر٢ ساكن الفاء وهو جهاز المرأة وأصله للسباع فاستعير في المرأة وغيرها ومنه قول الاخطل: جزى الله فيها الاعورين ملامة ... وفروة ثفر الثورة المتضاجم٣ يعني: حياة البقرة٤. وأما الثفر بتحريك الفاء فهو ثفر الدابة الذي

стр. 32

يكون تحت ذنب الدابة وقال١: ولا است عير يحكه ثفر والتحيض: فعود المرأة في استحاضتها حائضا لا تصلى وقيل له تحيض لأنه غير مستقين فكأنها تتكلفه والدم المشرق هو الرقيق الصافي القاني الذي لا احتدام فيه. وقوله: "ولا يجوز للمستحاضه أن تستظهر بثلاثة أيام"٢ أراد أن المستحاضه إذا عرفت ايامها فقعدت فيها عن الصلاة وخلفتها اغتسلت وصلت ولم تقعد بعد ذلك ثلاثة أيام كما قاله بعض الفقهاء احتياطا واصل الاستظهار الاستيثاق في الامر يقال: اتخذ فلان بعيرين ظهريين في سفره إذا كان يحمل على اباعر له وساق معه بعيرين قويين فارغين وثيقة لئلا يبدع٣ بعير من حمولته فلا يجد لحملها حموله فوضع الاستظهار موضع الوثيقه واصله ما اعلمتك واصل الاستظهار الاستعانه والظهير المعين كأنها استعانت بثلاثة أيام. وقوله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ٤ فالمحيض له معنيان: يكون موضع الحيض وهو الفرج فكأنه قال اعتزلوهن ولا تجامعوهن في الفروج ومن جعل المحيض بمعنى الحيض أراد اعتزالهن في أيام حيضهن٥ يقال: حاضت المرأة محاضا ومحيضا وحيضا والحيض: جمع الحيضة.

стр. 33

أبواب الصلاة فمنها المواقيت: الصلاة الاولى: يقال لها الظهر. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ١ يقال: أظهر القوم: إذا دخلوا في وقت الظهر أو الظهيره وذلك حين تزول الشمس. وأما العصر: فانما سميت عصرا باسم ذلك الوقت والعرب تقول: فلانا يأتي فلانا العصرين والبردين إذا كان يأتيه طرفي النهار والعصران هما الغداة والعشى قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ ٢. دخلت الصلوات الخمس في طرفي النهار وزلف الليل فصلاة طرفي النهار: صلاة الصبح وصلاة الظهر والعصر فجعل النهار ذا طرفين أحد طرفيه الغداة وفيها صلاة الصبح وحدها والطرف الاخر العشى وفيه صلاتا العشى والعشى عند العرب ما بين أن تزول الشمس إلى أن تغرب كل ذلك عشى والدليل على ذلك ما روى عن أبو هريره ﵁ حيث يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ احدى صلاتي العشى أما الظهر وأما العصر فجعلهما صلاتي العشى فافهم ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ فانه أراد صلاة المغرب وصلاة العشاء الاخره وسماها زلفا لانهما في أول ساعات الليل واقربها واصله من الزلفى وهي القربى وازدلف اليه: اقترب منه وواحد الزلف زلفة وقال:

стр. 34

طي الليالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتى احقوقفا١ [احقوقف الهلال: أي اعوج ورق ومنه الحقوقف الهلال إذا دق في آخر الشمال] ٢. نصب سماوة الهلال بقوله: طي الليالي اوقع الفعل من طي على سماوه فصارت مفعولا به وقوله: "طي الليالي": أي كطي الليالي وقوله: "زلفا" فزلفا أي ساعات يعد ساعات متقاربه وسماوة كل شيء اعلاه وإنما سمي السماء سماء لانها فوقنا احقوقف الهلال: أي اعوج ودق ومنه احقوقف الهلال إذا دق في آخر الشمال. وقيل في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ ٣: إنه صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ٣ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيّاً﴾ ٤ العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ٤ الظهر. وقال في موضع آخر: ومن بعد صلاة العشاء وهي التي كانت العرب تسميها العتمه فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: "لا تغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم العشاء فانما يعتمون بالايل" ٥ أي: يؤخرون ردها من المراعي وإنما سموها عتمه باسم عتمة الليل وهي ظلمة اوله واعتامهم بالابل انهم إذا راحت عليهم النعم بعد المساء أناخوها ولم يحلبوها حتى يعتموا أي يدخلوا في عتمة الليل وهي ظلمة وكانوا يسمون تلك الحلبه عتمه باسم عتمة

стр. 35

الليل ثم قالوا لصلاة العشاء عتمة لأنها تؤدى في ذلك الوقت. وأما قوله : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ١ فانه امر باول الصلوات الخمس في هذه الآية كما أمر به في الاية التي فسرناها قبلها. فدلوك الشمس زوالها وهو وقت الظهر وقيل دلوكها غروبها والذي عندى فيه انه جعل الدلوك وقتا لصلاتي العشى وهما الظهر والعصر كما جعل احد طرفي النهار وقتا لهما. وفي هاتين الايتين اوضح الدليل على أن وقتهما واحد كما روى ابن عباس أن النبي ﷺ صلاهما في وقت واحد من غير خوف ولا سفر فقال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يريد وقت صلاتي المغرب والعشاء الاخره وهذا دليل على أن وقتهما واحد في الضرورات والغسق ظلمة الليل وقد غسق يغسق أي أخر الأذان إلى أن يغسق الظلام على الأرض وأراد بقران الفجر سماها قرآنا لأن القرآن يقرأ فيها وهذا من أبين الدليل على وجوب القراءة في الصلاة والفجر سمى فجرا لانفجار الصبح وهما فجران فالاول منهما مستطيل في السماء يشبه بذنب السرحان وهو الذئب لأنه مستدق صاعد غير معترض في الافق وهو الفجر الكاذب الذي لا يحل أداة صلاة الصبح فيه ولا يحرم الاكل على الصائم. وأما الفجر الثاني فهو المستطير الصادق سمي مستطيرا لانتشاره في الافق قال الله : ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ٢ أي منتشرا فاشيا ظاهرا. وأما قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٣ فان الخيط الأسود هو الفجر الأول الذي يقال له الكاذب سمي أسود لاسوداد الأفق حوالي الخيط المستدق صاعدا.

стр. 36

وأما الخيط الأبيض فهو الفجر الثاني سمي أبيض لانتشار البياض في الأفق معترضا وقال أبو دواد الأيادي١: فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا٢ أراد الفجر الثاني بقوله: خيط أنارا لأنه جعله منيرا وقرنه بالسدفه وهي اختلاط الضوء والظلمه معا وأما الشفق فهو عند العرب الحمره وروى سلمة عن الفراء انه قال: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان احمر قال: فهذا شاهد وفي حديث عائشه ﵂ انها قالت: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الصبح ثم ننصرف متلفعات بمروطنا ما نعرف من الغلس"٣. فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن, ويقال: وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به. وأما المروط فهي أكسيه من صوف أوخز كن النساء يتجلببن بها إذا برزن واحدها مرط والغلس والغبس والغبش بقية الظلام في آخر الليل ومنه يقال: خرج فلان بغلس وقد غلس إلى حاجته. وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح وعليه بقية من ظلمة الليل. وأما الإسفار: فهما إسفاران: أحدهما: أن ينير خيط الصبح وينتشر بياضه في الأفق حتى لا يشك من رآه أنه الصبح الصادق.

стр. 37

والإسفار الثاني: أن ينجاب الظلام كله ويظهر الشخوص ومنه يقال سفرت المرأة نقابها إذا كشفته حتى يرى وجهها ومنه قول الشاعر١: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها٢ وسفر فلان بيته إذا كنسه ووجوه يؤمئذ مسفرة أي: مضيئة منيرة ولقى فلان القوم بوجه مسفر لا عبوس فيه ولا كلوح وقيل للكتاب سفر لبيان وللذي يصلح بين القوم سفير لأنه يظهر بالصلح ما يكنه الفريقان في قلوبهم. والذي هو عندي في قوله ﷺ : "أسفروا بالصبح فانه أعظم للأجر" ٣، أن يصلي صلاة الصبح والفجر قد أضاء وانتشر حتى لا يشك فيه أحد والله أعلم قال الشافعي: "والوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهيه ووقت عذر وضرورة"٤ فالمقام الاقامة في الحضر والرفاهيه الفسحه والدعه يقال: فلان رافه وخافض ووادع إذا كان مقيما حاضرا غير مسافر ولا ظاعن وفلان في رفاهه من العيش ورفاهيه ورفهنيه إذا كان في خفض ودعة.

стр. 38

باب الاذان الأذان: اسم من قولك آذنت فلانا بأمر كذا وكذا اوذنه ايذانا أي: اعلمته وقد أذن يأذن أنذنا إذا علم فالاذان: الإعلام بالصلاة يقال: أذن المؤذن تأذينا وأذانا أي: اعلم الناس بوقت الصلاة فوضع الاسم موضع المصدر وقال الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ﴾ ١ أي اعلام وأصل هذا من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما إذا سمعوه علموا انهم ندبوا إلى الصلاة. وأما قول المؤذن في الاذان: حي على الصلاة وحي على الفلاح فمعنى حي: هلم وعجل إلى الصلاة والفلاح هو الفوز بالبقاء والخلود في النعيم المقيم ويقال للفائز: مفلح ولكل من أصاب خيرا: مفلح وقال عبيد بن الأبرص: أفلح بما شئت فقد يدرك ... بالضعف وقد يخدع الأريب٢ يعني: إبق بما شئت من حمق أو كيس ويقال للسحور الذي يستعين به الصائم على صومه فلاح وفلح لأنه سبب للبقاء وعن ابي ذر انه قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ حتى خشينا أن يفوتنا الفلح". وأما التثويب في صلاة الصبح: فهو أن يقول المؤذن بعد قوله حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين سمي ذلك تثويبا لأنه دعاء بعد دعاء فكأنه دعا الناس إلى الصلاة بقوله: حي على الصلاة ثم عاد إلى دعائهم مرة أخرى بقوله: الصلاة خير من النوم وكل من عاد لشيء فعله فقد ثاب إليه، ومنه

стр. 39

قول الله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ ١، فالبيت بيت الله الحرام جعله الله مثابة للناس لانهم يثوبون إلى زيارته حاجين ومعتمرين مرة بعد أخرى أي يعودون إليه. ومثابة مفعلة من ثاب يثوب ولوقيل مثاب بغير هاء كان جائزاً. وانشد الشافعي ﵀ بيتا في هذا المعني: مثابا لأفناء القبائل بعدما ... تخب إليه اليعملات الذوامل٢ لافناء القبائل: يعني لجماعتها والذوامل٢ يعني بها الضعاف يقال: ذمل٢ يذمل٢ ذمولا٢: إذا ضعف تخب: تسرع وقد يكون التثويب في غير الفجر وهو أن يقول المؤذن بين الاذانين: الصلاة رحمكم الله. وقال عمر ﵁ – لمؤذنه: "اذا أذنت فترسل ثم ثوب أذانك"

стр. 40

ويقال: ثوب الداعي إذا دعا مرة بعد أخرى وقالت جنوب الهذليه: وكل حي وإن طالت سلامته يوما له من دواعي الموت تثويب١ قال الشافعي: ﵀: "وأحب أن يكون المؤذن صيتا وأن يؤذن مترسلا بغير تمطيط ولا بغي فيه وأن تكون إقامته إدراجا مبينا"٢ فالصيت بوزن السيد والهين وهو الرفيع الصوت وهو فيعل من صات يصوت كما يقال للسحاب الماطر صيب وهو من صاب يصوب ويقال: ذهب صيت فلان في الناس أي ذهب ذكره وشرفه. وأما الصوت فهو الذي يسمعه الناس والمترسل هو الذي يتمهل في تأذينه ويبين كلامه تبيينا يفهمه من يسمعه وهو من قولك جاء فلان على رسله أي: على هينته غير عجل ولا متعب لنفسه. والتمطيط: الافراط في مد الحروف يقال: مط كلامه إذا مده فإذا افرط فيه فقد مططه والبغى فيه أن يكون رفعه صوته يحكى كلام الجبابره والمتكبرين المنفيهقين. وأصل الفهق: والصواب أن يكون صوته بتحزين وترقيق ليس فيه جفاء كلام العرب ولا لين كلام المتماوتين والبغى في كلام العرب الكبر والبغى الظلم والبغى الفساد وكل شيء ترامى إلى فساد فقد [بغى] ٣ يقال: قد بغى فلان ضالته إذا طلبها. وأما إدراج الاقامه: فهو أن يصل بعضها ببعض ولا يترسل فيها ترسله في الاذان.
следующие страницы →