Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.
стр. 36
لقد ساق هنتنجتون نظريته في صراع الحضارات على أنه صراع يحدث بين كل الحضارات، ولكن طاب له فقط أن يركز على صراع الحضارتين الإسلامية والغربية، وبالطبع فإنه لم ينس أن يضع المسلمين في مقام المعتدي المبادر بالصدام، بل لم ينس أن يتوسل لتأكيد ذلك بشهادة مزورة من أحد الكتاب المسلمين، وهو الكاتب الهندي م. ج. أكبر حيث يقول: " إن الحرب ستبدأ من جانب العالم الإسلامي، لأنه سيصارع من أجل تشييد نظام عالمي جديد، وإن كل دول العالم الإسلامي من المغرب إلى باكستان، ستشارك في ذلك الصراع "، ثم أردف ذلك بشهادة أخرى من أستاذه القديم في هارفارد المؤرخ اليهودي البروفيسور برنارد لويس: " الذي جعل همه قبل أوانه أن يثبت أن هنالك تزويراً طرأ على المصاحف القرآنية التي يعتمد عليها المسلمون الآن، وأن هناك مخطوطات مصاحف تثبت وجود هذا التزوير! ". وقد استشهد بكلام لويس في شهاداته عن صراع الحضارات بقوله: " إن العالم سيشهد مزاجاً فائراً سيزيد هيجان الحكومات ويؤدي إلى تضارب خططها وسياساتها، وسيؤدي ذلك كله إلى نتيجة واحدة مؤكدة، هي صراع الحضارات ليس غير. وسيقوم المسلمون وهم خصومنا القدامى برد فعل غير عقلاني
стр. 37
ضد تراثنا اليهودي - النصراني المشترك وثقافتنا العلمانية، وعلى انتشار تراثنا وثقافتنا عبر العالم ".
هذه الآراء العدوانية الشاطحة الرافضة لحوار الحضارات حري بها أن تجد الدراسة والعناية من قبل المفكرين والدعاة المسلمين، فالحوار حتى مع عدم تحقق جميع شروطه وآدابه من قبل الطرف الآخر أفضل من الانقطاع عنه والانصراف إلى موقف الصدام، وكما يقول خالد بن عبد الله القاسم في كتابه " الحوار مع أهل الكتاب: أسسه ومناهجه في الكتاب والسنة: " أما الامتناع عن الحوار مع الظالمين واتخاذه منهجاً مطرداً فهذا يخالف منهج النبي ﷺ ، فقد حاور ﵊ اليهود في المدينة وكانوا يكتمون ما أنزل الله، ويلبسون الحق بالباطل. كما حاور نصارى نجران ودعاهم إلى المباهلة فرفضوا " وهكذا يتضح حرص الإسلام على الحوار لكونه أداةً من أدوات بيان الحق، وواجب المسلمين هو أن يأخذوا به سبيلاً للبيان، وأن يعملوا على تفعيل تلك الأداة إبلاغاً للدين وتخفيفاً لحدة الصراع بين البشر ما دام هناك سبيل لإبلاغ الدعوة وإيصالها بطريق الحوار وتبادل الأفكار والآراء.
стр. 38
قضايا لا يجوز الحوار فيها إذا اقتنعنا بمشروعية الحوار وفائدته الظاهرة، فينبغي أن ننظر إلى أنه مشروع بحدوده وجدواه، فالحوار ليس مشروعاً مشروعية مطلقة لكي يتناول كل شأن، فهو ليس من قبيل الترف الفكري ولا الفضول وحب الاستطلاع وتشقيق الجدل في المسائل. هنالك قضايا محددة ليس من الجائز الخوض فيها بحوار أو جدال إما بسبب محدودية العقل البشري إزاءها أو بسبب عدم ترتب أي ثمرة علمية أو عملية من ورائها، أو لأنها محسومة أساساً بنص شرعي أو إجماع.
стр. 39
إن الخوض في البحث في ذات الله تعالى مثلاً منهي عنه شرعاً، فهذا ليس مجال بحث ولا جدال ولا حوار، لأن القول في ذلك الشأن الجليل هو من قبيل الخوض بلا علم ذلك أن العلم شرط أولي لخوض الحوار وهو شرط معدوم في هذه الحالة. وهو هنا من جملة ما نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ . وهنالك مسائل كثيرة لا يترتب حكم عملي عليها مثل أكثر المسائل التي خاض فيها من يسمون بفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن رشد وابن سينا وكثير من الصوفية كابن عربي وابن سبعين والسهروردي وغيرهم. ومن المسائل التي ينهى عن الجدال فيها كل ما حكم الله ورسوله فيه بنص محكم جلي أو ما جاء فيه إجماع لعلماء الإسلام. إن كل ما يحرم الحديث فيه شرعاً لا يجوز الحوار فيه مطلقاً كما لا يجوز الجدال في أمره، وهكذا فالأحكام القطعية في الدين ليست مناطاً للحوار أو الجدال من أجل إعادة النظر فيها أو تقويمها أو تغييرها.
стр. 40
وهنالك قضايا كثيرة لا ينبغي فيها الحوار لأنها تقود إلى مزيد من الشقاق والفتنة، كالجدال في شأن الصحابة ﵃ أو تفضيل مواقف بعضهم على بعض في أيام الفتن، أو الجدال على أسس سياسية أو قومية متعصبة أو ما نحا ذلك النحو من أنواع الخلاف الذي يثير القلق والبلبلة في المجتمع.
стр. 41
مؤهلات المحاور المسلم إن المحاور المسلم يمكن أن يخوض حواره مع جبهات شتى، سواء مع مسلمين من أمثاله، أو مع مسلمين مبتدعين، أو مغالين، أو مفرطين، أو منهزمين فكرياً أمام الأطروحات الغربية ومائلين إلى تفسير الدين بما يساير تلك الأطروحات، أو قد يحاور المسلم بعضاً من أهل الكتاب أو من لا دين لهم. وتتباين دوافع من يقابلهم المسلم في الحوار، فمنهم من يستصحب نية حسنة في طلب الحق والاستعداد لقبوله متى ما اتضح، ومنهم من يتخذ الحوار سبيلاً لعرض آرائه ونشرها مع الإصرار على عدم قبول الحق إذا جاء من طرف آخر حتى ولو اتضح جلياً.
وعلى المحاور المسلم أن يتعرف على خلفيات من يحاورهم جيداً حتى يتمكن من تسخير معارفه ومواهبه على النحو الكفيل بالتعامل مع كل طائفة من هؤلاء بما يليق. وفيما يأتي عرض لبعض المؤهلات الضرورية للمحاور المسلم:
стр. 42
١- العلم بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة: فعلى من يجادل عن دين الله تعالى أن يلم بأدلته الشرعية من الكتاب والسنة وفهمهما كما ورد عن السلف رضوان الله عليهم، وهذا يقتضي العلم بالتفسير بأنواعه، والدراية بالحديث النبوي الشريف وعلوم الشريعة الأساس. وإذا كانت الإحاطة التامة بكل ذلك متعذرة، فالواجب ألا يحاور المرء ولا يجادل إلا فيما يعرف معرفة أكيدة من أمور الشرع وعلوم الدين. إن من تمام فقه الفقيه وعلم العالم أن يعرف قدر نفسه، فلا يتعداه، وأن يحقق مجاله العلمي فلا يخرج عنه، ولا يتصدى لما ليس له بأهل.
стр. 43
٢- العلم بالقواعد الأصولية ومقاصد الشريعة: وهذا جانب مهم من العلم لأن معرفة الأدلة تحتاج إلى المعرفة بتلك القواعد حتى يتم تخريج الأحكام على أساس أصولي صحيح، وإلا اختل الميزان وجرى التلاعب بالأحكام. ومقاصد الشريعة عليها أيضاً التعويل في استخراج كثير من الأحكام. لقد كان علماء السلف أشد الناس تحرياً لمقاصد الشرع. يقول الإمام محمد الطاهر بن عاشور: " وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرفات الرسول ﷺ ولا عن استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدون الرحال إلى المدينة ليتبصروا من آثار الرسول ﷺ وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين، هنالك يتبين لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، ويتضح لهم ما يستنبط من العلل تبعاً لمعرفة الحكم والمقاصد ".
стр. 44
٣- العلم بموضوع الحوار: فعلى من يتصدى للحوار في موضوع معين أن يكون على علم شامل أو على الأقل كاف بأساسيات الموضوع وتفاصيله وذلك حتى لا يجادل عن موقف لا يدرك خلفياته جيداً فينهزم في الحوار. وعليه كذلك أن يحيط علماً بوجهة نظر الطرف الآخر حتى لا يسدد سهام حواره بعيداً عن مدارات الموضوع فتسجل عليه الهزيمة كذلك. وقد اشترط القرآن الكريم العلم فيمن يحاور عن دين الله القويم وعاب على قوم أنهم يجادلون بغير علم، يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (الحج / ٨) وأمر المسلم أن يحاور بعلم وهدى وبصيرة فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: ١٠٨) .
стр. 45
٤- الجهر بالحق: إن الحوار ينبغي ألا يؤدي إلى المداهنة والدبلوماسية التي تغطي على الحقائق وعلى الخلافات وتعمل على ترميمها ظاهرياً وتلفيق موقف اتفاق زائف. وقد ذم الله تعالى من يعمل على كتمان حقائق الدين قائلاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة / ١٥٩) وذم من أهل الكتاب أولئك الذين يزورون حقائق الأمور فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران / ٧١) . إن في تزوير الحقائق إجهاضا لجميع مقاصد الحوار والتبادل الثقافي، فما قام الحوار أساساً إلا لتبادل المعلومات والآراء، فإن جاءت مغشوشة فلن يكون القصد من الحوار إلا الغش والتستر بمواقف هي غير المواقف الأصلية للحوار.
стр. 46
٥- التجرد لطلب الحق: فالحوار ليس معركة حربية غرضها الانتصار وكسر الخصم. فعلى المحاور أن يفترض - ولو نظرياً - احتمال ثبوت الحق على لسان الخصم، وذلك أدب جم من آداب الحوار، قال تعالى إرشاداً لمسار الحوار: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ / ٢٤) . وهذا هو مقام التنزل الذي يعطيه المحاور - افتراضاً - للآخرين حتى يجلبهم إلى مائدة الحوار.
٦- الحوار بالحسنى: فلا مجال للعنف والغلظة في أي حوار بناء ولا يلجأ للقسوة على الخصم إلا عند ظلمه وتجاوزه، فيردع بالقوة إيقافاً له عند ظلمه، وهذا هو الاستثناء لا الأصل في الحوار. إن الحوار بالحسنى يتضمن استخدام أطراف الحوار لبعضها بعضاً، والرغبة المخلصة في تحقيق النفع المشترك، وبغض النظر عمن يكسب جولات الحوار.
стр. 47
وفي تحديد الإطار المهذب للحوار جاء قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ . وذكر بعض المفسرين أن المقصود بالذين ظلموا أولئك الذين نصبوا القتال للمسلمين بدل الجدال. وجاء قول الله تعالى مؤكداً استخدام القول اللين في مخاطبة الآخرين في وصية موسى وهارون ﵉: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ . وأوصى رسول الله ﷺ دوماً بالرفق في القول مع الآخرين والصبر على تطاولهم وإيذائهم.
стр. 48
٧- التثبت واتقاء الزلل: وعلى من يحاور أن يجهد نفسه لضبط أعصابه ليثبت الأمور ولا يجازف بالقول ولا يتمحل الحجج ولا يتسرع فيزل ويجنح إلى خطأ لمجرد أنه يريد أن ينافس محاوره وينتصر عليه. وكثيراً ما يزل المتحاورون بسبب الانتصار لأنفسهم، وهذا ما يوحيه الشيطان ليغلَِب حق النفس على الحق المحض. وكما قال معاذ بن جبل ﵁ فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم. وقال تميم الداري ﵁: "اتقوا زلة العالم "، فسأله عمر: " ما زلة العالم "؟ قال: " يزل بالناس فيؤخذ به، فعسى أن يتوب العالم، والناس يأخذون بقوله ".
стр. 49
٨- منهجة الأفكار: إن التعلم يحتاج إلى الذكاء والمثابرة والدأب والبصيرة، أما منهجة الأفكار فتحتاج إلى مهارة خاصة تصقل بالمران والدربة. إن كثيراً من العلماء مهما زاد محصولهم من العلم المستند إلى الأدلة، فإنهم قد لا يحسنون ترتيب مسائله ترتيباً منطقياً، فتبدو معارفهم مشتتة ومختلطاً بعضها ببعض، وكلما زادت حصيلتهم من العلم ازدادت أذهانهم اختلاطاً وتشوشاً ونقلوا ذلك الاختلاط والتشوش إلى السامع، وهذا آخر ما يحتاج إليه السامع وأول ما يفسد على العالم رسالته ويسبب فشله في الحوار.
إن المحاور الناجح هو ذلك الذي يدرب نفسه على منهجة الأفكار وترتيب النصوص والأدلة، واستخراج مقدمات تخضع للتحليل بغرض استخراج النتائج منها. فإعطاء النتائج بدون ذلك الترتيب المنطقي قد لا يكون محل اقتناع أو تسليم من الطرف الآخر في الحوار ولا من جمهور السامعين.
стр. 50
وعلى المحاور أن يتعهد موضوعه بالمذاكرة الوافية والترتيب المنطقي وأن يعد نفسه للحوار إعداداً جيداً، فحتى العالم فإنه معرض للنسيان ولأن تخذله ذاكرته ويتشتت ذهنه وتنفرط براهينه إن لم يقم ببذل الجهد الكافي لواجب الحوار وهنا قد ينتصر صاحب الرأي الخاطئ والحجة الباطلة فقط لأنه كان مرتب الذهن ولأنه استخدم المنطق جيداً ولأنه واجه محاوراً صاحب حق ولكنه ممثل سيئ لحقه بسبب ما هو عليه من بلبلة وتضعضع وتعثر في المنطق.
٩- منطق البداهة: إن الإيغال في تركيب البراهين قد يغري المحاور بأن يبتعد كثيراً عن منطق البداهة، وعن استخدام المسلمات الأولى التي يتفق عليها الناس جميعاً، ويعمل بالتالي على الإغراب في توليد الصيغ وسلاسل الاعتماد. وذلك مهما بدا مهماً مما يكل الأذهان ويبعد عن التباس حرارة الحق الشاخص. المحاور الناجح هو من يتمكن من التقاط المشاهدات والمسلمات والبدهيات العالية في الحياة والبناء عليها، لأن البناء على أمثال هذه الفرضيات يكون بمثابة البناء على مقدمات صلبة لا ينازع عليها الطرف الآخر، بل تثير إعجاب السامع وتدفع إلى اعترافه بالحق وإذعانه له.
стр. 51
١٠- تجويد لغة الحوار: لا بد للمحاور أن يسيطر على اللغة التي يحاور بها حتى يتمكن من الإفصاح عن جوهر ما يريد قوله وأن يختار الألفاظ والتعابير الأقوى في إيصال تلك المعاني. أما إذا كانت لغة المحاور ضعيفة، فإن أفكاره مهما كانت صحيحة أو عميقة فإنها تبدو ضعيفة وسطحية وشديدة الاهتزاز، وكثيراً ما يحكم الناس على المتحدث بمستوى تمكنه من اللغة والإفصاح بها لا بمستوى تمكنه من العلم والتعمق والتحقيق فيه، وهكذا كثيراً ما انهزم محاورون كانوا على حق، ولكن خانتهم ملكاتهم اللغوية الخائرة.
١١- التسليم بالحق من أي مصدر جاء: فالوصول إلى الحق هو غاية الحوار. وليس غايته إفحام الخصم وجرجرته إلى التسليم بالرأي الذي يطرحه من يحاوره. وعلى كل من يحاور أن يعد نفسه لقبول نتيجة الحوار إن ظهر ضعف رأيه وحجته إزاء قوة رأي الخصم وحجته. وكثير من العناد الذي يعقب الحوار يرجع أصله إلى عدم تحلي المحاور نفسه بالتواضع لإلزامها بقبول الحق. فليس ثمة منهزم ولا منتصر، ولكن التزام بالحق وانصراف إليه.
стр. 52
إن على المحاور ألا يشعر خصمه بالدونية وبأنه على الخطأ الذي لا صواب معه ولا إمكان صدور أي صواب عنه. فحتى الكفار يمكن أن يصدر عنهم بعض الرأي الصائب على ما هم فيه من ضلال ويمكن أن يستدرجوا لينطقوا بالصواب. إن القاعدة العامة هي أن على المحاور أن يهيئ ذهنه لتلقي الصواب من أي جهة عملاً بقول الإمام الشافعي ﵀: " قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب "، وما روي عنه أنه ما حاور إنساناً قط إلا وتمنى أن يأتي الحق على لسانه.
стр. 53
من آداب الحوار متى ما كان المحاور المسلم مؤهلاً للانخراط في الحوار حتى يجني ثماره وينفع نفسه ودينه منه فإن عليه أن يأخذ بآداب الحوار ويلتزم بمعاييره التي تتحقق بها أعلى فائدة منه، ومن أهم هذه الآداب:
١- الالتزام بموضوع الحوار وعدم الخروج عليه. وهذه مسألة منهجية وتنظيمية في غاية الأهمية، وعدم الالتزام بها يؤدي إلى خلط المسائل ببعضها الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى عدم إنضاج أي منها بالبحث والمساءلة والمقارنة والتقويم والاستنتاج. ويمكن معالجة هذه الناحية بضبط أولويات الحوار جيداً، وإقامة هيئة تحكيم لتضبط المتحاورين كلما جنحوا للخروج من إطار الموضوع.
٢- ضرورة تحديد المصطلحات المستخدمة في الحوار وشرح مدلولاتها جيداً، لأن المصطلح الواحد قد يعني شيئاً مختلفاً عند كلا الطرفين. وهنا لا بد أن يعلن المتحدث عما يعني تحديداً بالمصطلح الرئيس الذي يدور حوله حديثه خلال الحوار.
٣- مناقشة المسائل حسب أهميتها. فليس من آداب الحوار تضخيم المسائل الفرعية على حساب المسائل الأصلية، فإن كثيراً من المسائل الفرعية تنحل آلياً بمجرد مناقشة أصولها الكبرى ومصدر الاختلاف حولها.
стр. 54
٤- تلطيف أجواء الحوار حيناً بعد حين، وذلك بإسداء بعض عبارات الاحترام والتقدير للطرف الآخر، فإن ذلك أدعى إلى كبح جماح الانفعال لدى الطرف الآخر وتهدئة جموحه نحو التعدي وعدم الموضوعية.
٥- عدم التسرع في الإقناع؛ لأن ذلك مما يجرح مشاعر الطرف الآخر. فالأفضل أن يظهر المحاور وجهة نظره بصورة واضحة، ويعطي الفرصة كاملة للطرف الآخر - حتى ولو كان خصماً - ليظهر وجهة نظره، ثم تعطى فرصة زمنية للاثنين حتى يتأمل كل إنسان وجهة نظر صاحبه، فتتضح الرؤية مع هدوء الخواطر وفتور الانفعال الوقتي الذي يصاحب لحظات الحوار.
стр. 55
٦- حسن الاستماع للطرف الآخر. فالحوار مسألة تبادل للآراء وليس مجرد إرسال من طرف واحد واستقبال من الطرف الثاني. ومن آداب الحوار أن يحسن كل طرف الاستماع إلى آراء الطرف الآخر، فلا يغفل عن الاستماع استهواناً أو تسفيهاً لآراء الآخرين ولا يتمادى في الحديث حتى يجور على الوقت المخصص للآخرين. ومن حسن آداب الأنبياء أنهم كانوا يصغون جيداً لمحاوريهم بل كانوا يتفضلون فيمنحونهم الفرصة الأولى للإدلاء بآرائهم وحججهم فعندما قال السحرة لسيدنا موسى ﵇: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ فأعطاهم الفرصة الأولى للإدلاء بالبينات. وروى ابن اسحق في سيرته ﷺ «أن عتبة بن ربيعة قال يوماً وهو جالس في نادي قومه، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟! - وذلك حين أسلم حمزة ﵁، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون - فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله
стр. 56
عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي. إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، عبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال فقال رسول الله ﷺ : " قل يا أبا الوليد أسمع ". قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منها، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: " أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: " فاستمع مني ". قال: أفعل. قال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ومضى رسول الله
стр. 57
صلى الله عليه وسلم يقرؤها إلى السجدة واستمع إليها عتبة حتى تغير وجهه وتأثر مما سمع وذهب إلى القوم وهو يمدح القرآن فقالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه» .
ومهما تكن نتيجة الحوار فالمسلم مكلف بالاستماع تطييباً لخاطر من يتكلم وذلك أدعى إلى جلبه إلى جانب الحق، وذلك ما فعله رسول الله ﷺ في هذا الموقف، وفي كل موقف حوار له مع الكفار والمخالفين. وإذا كان حتى الكافر يمنح تلك الفرصة في الاستماع ليعرض أفكاره وآراءه، فإن ذلك الحق نفسه لا بد أن يعطى للمخالفين ضمن إطار التصور الإسلامي العام، أو للمخالفين من أصحاب الثقافات والحضارات والأديان الكتابية، على وجه الخصوص، فالحوار آلية مهمة لتحقيق أداء واجب الدعوة بالتبليغ لرسالة الدين الحنيف، ولذا أورد القرآن الكريم نماذج عديدة منه، ودعا إلى استخدامه مشروطاً بآداب الحوار.
стр. 58
خاتمة مما سبق يتضح جلياً أن الحوار يستمد مشروعيته من القرآن الكريم نفسه الذي حكى كثيراً من الحوارات على سبيل التعليم والموعظة ابتداءً بحوار الله تعالى نفسه مع الملائكة حول خلق آدم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ومروراً بحوارات الرسل مع أقوامهم، وانتهاءً بحوارات الرسول الخاتم ﷺ مع اليهود والنصارى.
وللمسلمين حوارات كثيرة مع غيرهم من أهل الكتاب، ومع الفرق المبتدعة سجلتها كتب الفرق وكتب الحوار والخلاف والجدل الكثيرة التي حفل بها التاريخ الفكري للحضارة الإسلامية، كما امتلأت كتب المذاهب الفقهية الإسلامية أيضاً بحواراتها مع بعضها الآخر حول الكثير من قضايا أصول الفقه وفروعه.
стр. 59
ولأهمية الحوار لكونه آلية مثلى لاستجلاء الحقائق حرص كثير من أئمة السلف على إنشاء كتب علمية قيمة حول موضوع الحوار مثل كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) لأبي سعيد النيسابوري، و (البرهان في الخلاف) لأبي المظفر المروزي و (تجريد المسائل اللطاف في الائتلاف والخلاف) لنور الدين الشافوري و (تهذيب الأخلاق بذكر مسائل الخلاف والوفاق) لمحمد الأسدي القدسي، وهنالك ما لا يقل عن مائة وخمسين كتاباً من هذا النوع في التأسيس لآلية الحوار وترقيتها والنهوض بها ونماذج منها مما يدل على أهميتها الحيوية في بناء المعرفة الإسلامية.
стр. 60
والآن في ظل صحوة المسلمين والتفاتهم إلى أمور دينهم وحقائق عصرهم المتفجر معرفياً وإعلامياً فإن آلية الحوار تكتسب مزيداً من الأهمية في الذهن الإسلامي. وما إقامة الكثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات متعددة الأطراف إلا دليل على استشعار المسلمين المتزايد لتلك الأهمية لمبدأ الحوار بين المسلمين وأهل الديانات والثقافات الأخرى. اللهم إنا نسألك أن تعيد المسلمين إلى دينهم عوداً حميداً وتردهم إليه رداً جميلاً وتزيل غشاوة الباطل عن العيون وتفتح القلوب للحق، وترزقنا المحاجة عن دينك على هدىً ونور والدعوة إلى سبيلك على بصيرة، إنك نعم المولى ونعم النصير.
стр. 61
المراجع * القرآن الكريم.
* سيرة ابن هشام.
* الحوار مع أهل الكتاب: أسسه ومناهجه في الكتاب والسنة، خالد بن عبد الله القاسم، دار المسلم، الرياض، ١٤١٤هـ.
* مقدمة في اختلاف المسلمين وتفرقهم، محمد العبدة وطارق عبد الحليم، دار الأرقم، الكويت، ١٤٠٦هـ.
* معرفة علم الخلاف الفقهي: نظرة إلى تحقيق الوفاق الإسلامي، د. زكريا عبد الرزاق المعري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٠هـ.
* آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، بدون تاريخ.
* آداب الحوار والمناظرة، د. علي جريشة، دار الوفاء، المنصورة، ١٤١٠هـ.
* أدب الحوار في الإسلام، سيف شاهين، دار الأفق، الرياض، ١٤١٤هـ.
* Clash of Civilizations? By: Samuel Huntington, (Foreign Affairs) , Summer ١٩٩٣. pp. . . .