الكتاب كاملاً. ولم أجد ذكراً لهذا الكتاب ولا لمؤلفه في المراجع التي بين يدي إلا كشف الظنون، ومصدره أيضاً -فيما أرى- كتاب جمل الغرائب هذا. ثم لا تجد في كشف الظنون إلا عنوان الكتاب واسم مؤلفه، أما النصوص التي نقلها بيان الحق منه فيظل كتاب جمل الغرائب هو المصدر الوحيد لها إلى أن يعثر على الكتاب.
وأظن ظناً أن مؤلف كتاب الأغفال أبو بكر بن عبد الله بن إبراهيم الحنبلي الذي ذكر أبو سعد السمعاني (٥٦٢هـ) في كتاب مرو أنه رثى الخطابي (٣٨٨هـ) في بست بشعره (١) . فإن صدق ظني، فإنه من رجال القرن الرابع، ولعله توفي في القرن الخامس الهجري. والظاهر أنه قصد في كتابه الأغفال إلى الاستدراك على كتاب الخطابي ليكون بذلك حلقة رابعة في هذه السلسلة.
هذه الكتب الثلاثة عشر من المصنفات في غريب الحديث عموماً. وضم إليها بيان الحق كتابين آخرين للخطابي. وهما أعلام الحديث في شرح الجامع الصحيح للبخاري، ومعالم السنن في شرح سنن أبي داود. واختيار هذين الكتابين دليل على حسن نظر النيسابوري ورجاحة عقله، فإنه لم يقصر كتابه على السنن بل أراد أن يكون جامعاً لشرح ما يحتاج إليه من غريب الحديث في التوحيد والنبوة والمعاد والسنن والأحكام والحكم والآداب والمحاسن والمساوئ والأمثال والمواعظ وما إلى ذلك. وقد اعتنى الخطابي في تفسير الكتابين بإيضاح المشكل من متون ألفاظهما وشرح المستغلق من معانيهما
стр. 37
بالإضافة إلى بيان وجوه الأحكام وغير ذلك. فتهيأت لبيان الحق –بضم هذين الكتابين الجليلين إلى كتب الغرائب- مادة متنوعة غزيرة، ينتقي منها ما شاء من تفسير غريب الحديث ومشكله.
стр. 38
(٣) ترتيب الكتاب
لم يتبع بيان الحق في ترتيب كتابه منهج أبي عبيد وصاحبيه، فيوردَ أحاديث رسول الله ﷺ ثم يتبعها أحاديث الصحابة فالتابعين كلٍّ على حدة، ولا اقتفى أثر الهروي صاحب الغريبين، فيرتبَ الأحاديثَ على المواد اللغوية، بل صنف كتابه على الموضوعات، فقال في مقدمته:
"وخرجته على أربعة عشر كتاباً يفترّ كل كتاب عن خطبة غراء تلمع بفوائد ذلك الكتاب، كما يتقدم الصباح شروق الشمس، والرياح طلوع السحاب".
وهي:
١- كتاب التوحيد والإيمان وما جاء في القرآن.
٢- كتاب النبوات وذكر بعض المعجزات.
٣- كتاب البدء والحياة والحال والمآل.
٤- كتاب الموت والبعث والثواب والعقاب.
٥- كتاب العبادات.
٦- كتاب أحكام المعاملات.
٧- كتاب زواجر الجنايات.
٨- كتاب الحرب والسلطان.
٩- كتاب المواعظ والوصايا.
стр. 39
١٠- كتاب الحكم والآداب.
١١- كتاب الألفاظ والأمثال.
١٢- كتاب المحاسن والمحامد.
١٣- كتاب المساوئ والمناهي.
١٤- كتاب النساء.
لم يقسم بيان الحق هذه الكتب إلى أبواب، ولكنه عقد أحياناً بعض العناوين في داخلها وجمع تحته أحاديث في موضوع واحد، ففي كتاب النبوات نجد العناوين الآتية:
- أخبار في مقدمة النبوة.
- ومن الأحاديث في خلقه ﷺ .
- ومن الأحاديث في خلقه وسمته وذكر مجالسه وأحواله ﷺ .
- ومن الأحاديث التي فيها الجواب عن مطاعن ممن يلحد في النبوة لجهله ويدعي التناقض لخبث اعتقاده.
- أحاديث فيما أخبر به عما يكون بعده ﷺ .
وكذلك في كتاب العبادات بعد تفسير أحاديث الطهارة والصلاة عقد العناوين الآتية:
- ومن غرائب الأحاديث في الزكاة.
- غرائب أحاديث في الصوم.
- أحاديث في الحج.
وقد سبق في التمهيد أن أبا عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمي -وهو من أصحاب أبي زيد وأبي عبيدة- صنف كتابه في غريب الحديث على
стр. 40
أبواب السنن، وقد وقف عليه ابن درستويه (٣٤٧هـ) فوصفه بقوله: "ذكر فيه الأسانيد، وصنفه على أبواب السنن والفقه، إلا أنه ليس بالكبير" (١) . وقد رأى أبو الخير سلامة بن غياض الشامي الكفرطابي النحوي (٥٣٤هـ) نسخة من كتاب أبي عدنان بالري. فكان كتاب أبي عدنان إذن في زمن بيان الحق، ولا ندري أوقف عليه أم لا؟ غير أنه لم يكن بين يديه حينما ألف كتابه جمل الغرائب. ولا نعرف من أصحاب الغريب من اتبع أبا عدنان في ترتيب غريب الحديث على الموضوعات غير بيان الحق. ولكن بينهما اختلافاً ظاهراً من عدة وجوه، منها:
أن بيان الحق لا يذكر الأسانيد، ومنها أن كتابه –في عناوين أبوابه- يشبه الجوامع والمسانيد من كتب الحديث من جهة، ومن جهة أخرى يشبه كتب الأدب والأخبار، وأما السنن فليست إلا جزءاً من كتابه. ثم كتاب أبي عدنان لم يكن كبيراً، أما كتاب بيان الحق فهو كتاب حافل كبير.
وقد افتتح بيان الحق كل باب بخطبة تشير إلى فوائده، أنشأها بأسلوبه الأدبي. وأورد هنا خطبة قصيرة منها لتكون نموذجاً لسائرها. وهي التي استهل بها كتاب زواجر الجنايات:
"الحمد لله المحمود في أوصافه وأسمائه، المعبود في أرضه وسمائه. دل بانتهاء كل شيء على ابتدائه، وخبّر بتغير كل أمر عن انقضائه. يدعو رجاؤه إلى الحسنات، ويكف خوفه عن السيئات. ويؤدي مراقبته إلى العفو والنجاة، وتبعث ألطافه على البر والتقاة. وتفيء فروضه إلى أوفى الفلاح، وتفيض
стр. 41
حدوده بأوفر الصلاح. له الحكم المبين، والكيد المتين. يهلك المعتدين، وينشئ بعدهم قرناً آخرين. يخشى سطوه على المسيئين، ويرجى عفوه للمنيبين. لايني لطفه في اصطفاء الأخيار، ولا ينثني بأسه عن إرداء الفجار. يحاسب في اليسير والكثير، ويجازي بالكثير على اليسير. تعنو لعزة وجهه الوجوه، ولا يحمد غيره على المكروه. لا يعذب قبل التحذير وتقدمة النذير، ولا يعزب عن علمه عظيم ولا حقير، ولا يخلو عن فضله صغير ولا كبير. لا يفارق حمده بالنا وفكرنا، ولا يزايل شكره مقالنا وذكرنا. شاهدين بأنه بادئ الأديان وخاتمها، وفارض الأحكام وحاتمها. ورادع أهل الزيغ بعقوباته عن جهالتهم، ووازع أولي الضلال بحدوده عن ضلالتهم، وجاعل محمد سراج هذا العلم، وسيد ولد آدم، وباعثه بالقول الصادق، والوعظ الصادع، والهدي الساطع، والسيف القاطع. فجاهد في ذاته حتى لان الأبي، ودان العصي، وهان القوي، واستكان الغوي، فصلى الله عليه وعلى آله الذين ما غيروا ولا بدلوا، الذين قضوا بالحق وبه عدلوا".
стр. 42
(٤) منهجه في تفسير الحديث
لما ذكر بيان الحق في مقدمته موارده من غرائب الأصمعي وغيره قال: "وانتخبت من فوائدهم، واستعذبت من مواردهم، ما حقه أن يكتب بالتبر على الأحداق، لا بالحبر على الأوراق. وتصرفت في التأويلات بين الإيجاز والإعجاز".
فدل من منهجه في كتابه على أمرين: اختيار الفوائد من الموارد المذكورة. ثم اختصارها بغاية الإيجاز. ولعل قوله "بين الإيجاز والإعجاز" هو
стр. 43
الذي قرأه ياقوت فقال في ترجمته: "وقد ادعى الإعجاز في بعض تصانيفه" (١) . وهو يقصد كتاب جمل الغرائب هذا، فإنه لم يذكر من مؤلفاته إلا كتاب إيجاز البيان وخلق الإنسان وهذا الكتاب.
وأرى أن في قول النيسابوري "بين الإيجاز والإعجاز" تلميحاً إلى كتاب لبلديه الشهير أبي منصور الثعالبي النيسابوري (٤٢٩هـ) سماه " الإعجاز والإيجاز"ويسمى أيضاً "إعجاز الإيجاز"، ولم يخرج كلامه مخرج الادعاء بأن كتابه معجز، وإنما غرضه أنه اختصر الكلام بأقصى ما يستطاع، وهذا أيضاً غير مسلم له، ولكن بعض المصنفين –غفر الله لهم- جروا على إطراء كتبهم.
على كل حال، فإن طريقته التي سار عليها في هذا الكتاب: أنه ينص أولاً على المصدر الذي ينقل منه مشيراً إليه برمزه، ثم يثبت الحديث من غير سنده، ويتبعه تفسير ما جاء فيه من الألفاظ الغريبة ملخصاً إياه من المصدر نفسه. وإليكم أنموذجاً لهذا التلخيص والاختصار:
نقل أبو عبيد حديث حكيم بن حزام أنه قال: "بايعت النبي ﷺ ألا أخرّ إلا قائماً"، ثم ذكر سنده، ثم قال: "وقد أكثر الناس في معنى هذا الحديث، وماله عندي وجه إلا أنه أراد بقوله (لا أخرّ) أي لا أموت؛ لأنه إذا مات فقد خرّ وسقط. وقوله (إلا قائماً) يعني: إلا ثابتاً على الإسلام. وكل من ثبت على شيء وتمسك به، فهو قائم عليه. قال الله ﵎: ﴿ليْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ
стр. 44
يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] . وإنما هذا من المواظبة على الدين والقيام به. وقال الله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [آل عمران: ٧٥] ."
ثم نقل أبو عبيد بسنده عن مجاهد تفسير "قائماً" في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ قال: مواكظاً أي مداوماً. ثم قال: ومنه قيل في الكلام للخليفة: هو القائم بالأمر، وكذلك: فلان قائم بكذا وكذا، إذا كان حافظاً له متمسكاً به. وفي بعض الحديث أنه لما قال للنبي ﷺ : أبايعك ألا أخر إلا قائماً، فقال:" أما من قبلنا فلن تخرّ إلا قائما". أي لسنا ندعوك ولا نبايعك إلا قائماً، أي على الحق" (١) .
هذا الحديث وشرحه المستفيض اختصره بيان الحق على هذا الوجه:
"ع: حكيم بن حزام: "بايعت رسول الله ﷺ ألا أخرّ إلا قائماً" أي لا أموت إلا ثابتاً على الإسلام، وهو قوله ﵎: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٣] " (٢) .
فنرى أن النيسابوري أثبت أولاً "ع" وهو رمزه لكتاب أبي عبيد، ثم ذكر اسم الصحابي صاحب الحديث، ثم أورد الحديث بعدما حذف سنده. ثم
стр. 45
اختصر تفسير الحديث، واكتفى بآية واحدة من الآيتين اللتين استشهد بهما أبو عبيد وحذف سائر الكلام.
وإذا كان تفسير أبي عبيد مما أنكره أبو سعيد الضرير أورد بيان الحق التفسير والتعقيب كليهما. ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيد فسر ما جاء في نعت النبي ﷺ أنه كان شبح الذراعين، فقال: "يعني عبلهما، عريضهما" (١) .
نقل بيان الحق تفسير أبي عبيد وأضاف: "وأنكره أبو سعيد وقال: العبولة في أذرع النساء، وصفة الرجال أن يكون شبح الذراعين معرقاً لحمهما، وإنما هو عصب وعظام في طول كأيدي السباع" (٢) .
وكذلك ينقل نقد ابن قتيبة لتفسير أبي عبيد، وردّ ابن الأنباري –إن كان له رد- على ابن قتيبة أيضاً. كما فعل في تفسير حديث: ((ما سقي بعلاً أو كان عثرياً ففيه العشر)) (٣) .
ولكن لا يقتصر المؤلف دائماً على تلخيص ما جاء في موارده بل كثيراً ما يزيد في الشرح. ومن ذلك ما نقله من كتاب أعلام الحديث للخطابي في تفسير حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي
стр. 46
كافر بالكوكب، وأما من قال بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
قال الخطابي في تفسير الحديث: "قوله: "على أثر سماء" يريد على أثر مطر، وسمي المطر سماء لنزوله من السماء على مذهبهم في استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاوراً له أو بسبب منه، و"النوء": الكوكب، ولذلك سموا منازل القمر "الأنواء"، وإنما سمي النجم نوءاً، لأنه ينوء طالعاً عند مغيب رقيبه من ناحية المغرب، وكان من عادتهم في الجاهلية أن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، فيضيفون النعمة في ذلك إلى غير الله وينسون الشكر له على ذلك، وهو المنعم عليهم بالغيث والسقيا، فزجرهم عن هذا القول، فسماه كفراً، إذ كان ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر إذا اعتقد أن الفعل للكوكب، وهو فعل الله لا شريك له" (١) .
أثبت النيسابوري الحديث من قوله "صلى الصبح" إلى آخره، إلا أن لفظه: "فقال: ألم تسمعوا ما قال ربكم قالوا: لا، قال: ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح بها كافر ومؤمن، فأما من قال..".
ثم اختصر شرح الخطابي هكذا: "سمى المطر سماء لنزوله من السماء، والنجم نوءاً، لأنه ينوء طالعاً عند مغيب رقيبه من ناحية الغرب". وحذف ما قاله الخطابي: "وكان من عادتهم" إلى آخره. ثم أضاف:
"وقيل على عكس هذا، فإن النوء غيبوبة الكوكب في المغرب وطلوع رقيبه المسمى البارح في المشرق غدوة. وقال الخليل (٢) : النوء اسم المطر الذي
стр. 47
يكون مع سقوط النجم؛ لأن المطر ينهض مع سقوطه. وأصل النوء: النهوض، كما جاء في حديث آخر: "مالها، خطأ الله نوءها"، أي نهوضها إلى كل شيء تنهض له وتطلبه. وتأويل الحديث ما قاله الزجاج (١) : أن العرب كانت تزعم أن ذلك المطر الذي جاء عند سقوط النجم هو فعل النجم ولا يجعلونه سقياً من الله عند سقوط النجم، فجاء هذا النوع من التغليظ، فأما من نسب ذلك إلى الله وجعل سقوط الكوكب وقتاً كمواقيت الليل والنهار كان ذلك حسناً. واستدل على جواز هذا أن عمر ﵁ حين استسقى بعباس في المصلى نادى العباس: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعاً بعد وقوعها، فوالله ما تمت السبع حتى غيث الناس" (٢) .
ويصلح هذا المثال أيضاً لما جاء في هذا الكتاب من تفسير بعض الأحاديث المشكلة لما يتوهم فيها من التعارض والاختلاف. وقد جمع بيان الحق في كتاب النبوة أحاديث من هذا النوع مما يتصل بالنبي ﷺ بعنوان "ومن الأحاديث التي فيها الجواب عن مطاعن ممن يلحد في النبوة لجهله ويدعي التناقض لخبث اعتقاده".
وكان النيسابوري من حفاظ دواوين الشعر، وله عناية خاصة بديوان هذيل كما يظهر من كثرة استشهاده بشعرهم. وكثيراً ما يستشهد على المعاني، وتنهال الشواهد على لسانه، ولكن شرط الاختصار يكفه. فأنشد في موضع الأبيات الآتية على أن الثياب بمعنى الأخلاق:
стр. 48
قال أبو الأسود:
ألم تر أني والتكرمُ عادتي ... وما المرء إلا لازمٌ ما تعودا
أُطَهِّر أثوابي عن الغدر والخنا ... وأنحو الذي قد كان أولى وأعودا
وقال شريك بن بشر الباهلي:
لقد رُزِئت بنو سهم بن عمرو ... بلا نكس ولا دنس الثياب
بأبيض يملأ الشِّيزى إذا ما ... رأيت الضر في وجه الكعاب
وقال آخر:
فلا بعدي يغيّر حال ودي ... عن العهد القديم ولا اقترابي
ولا عند الرخاء بطرت يوماً ... ولا في فاقة دنست ثيابي
ثم قال: "وأمثال هذا كثيرة، ولولا سبق الضمان بالاختصار لسالت على كل حديث شعاب من الشعر والمعاني" (١) .
سبق في ترجمة بيان الحق أنه كان حنفي المذهب، ولكنه تجنب ذكر مذاهب الفقهاء في هذا الكتاب. فلما فسر حديث المصراة قال في آخر كلامه: "وهذا تفسير غريب هذا الحديث، وأما تأويله على مذهبنا فقد استقصيناه في كتبنا الفقهية" (٢) . وقد رأيته في بعض المواضع -من القسم الذي بين يدي من نص الكتاب- ذكر مذهب الأحناف. ومنها أنه نقل من غريب القتبي تفسير الحديث: "من قتل فعميا فهو خطأ" أن يترامى القوم فيوجد بينهم قتيل لا يدرى من قتله، ويعمى أمره. ثم قال: "وديته عند أبي حنيفة
стр. 49
رحمه الله على عاقلة القبيلة التي وجد معهم إذا لم يدع أولياء القتيل على غيرهم، وعند أبي يوسف ﵀ على عاقلة الفريقين الذين اقتتلوا معاً" (١) .
стр. 50
(٥) مآخذ على الكتاب
ظهرت لي من خلال تصفح الكتاب ثلاثة مآخذ، أحدها يرجع إلى مذهبه في العقيدة، والآخران إلى منهجه في التلخيص والتفسير.
١- أما الأول فهو أنه حينما يفسر أحاديث الصفات يؤولها على طريقة الأشاعرة والماتريدية. ومن ذلك ما نقله عن كتاب أعلام الحديث للخطابي في شرح قول النبي ﷺ "إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته"، قال الخطابي: قوله "لا تضامون" يروى على وجهين: أحدهما تضامون - مفتوحة التاء مشدودة الميم - وأصلها تتضامون فحذفت إحدى التاءين، أي لا يضام بعضكم بعضاً، كما يفعله الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عند ذلك ينظرون إلى جهته. فيضامّ بعضهم بعضاً، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه لا ينازعه رؤيته أحد. والوجه الآخر: لا تضامون من الضيم، أي لا يضيم بعضكم بعضاً في رؤيته" (١) .
لخص بيان الحق كلام الخطابي هكذا: "لا تضامون في رؤيته أي لا يضام بعضكم بعضاً كما يفعله الناس في تبصر الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عنده، فبين ﷺ أنكم ترون ربكم لا رؤية الأشخاص للأشخاص، ولا في جهة، ولا من جهة واحدة بل كل واحد منكم وادع في مكانه لا
стр. 51
ينازعه في رؤيته أحد".
فنرى أن بيان الحق زاد في كلام الخطابي قوله: "لا رؤية الأشخاص للأشخاص، ولا في جهة، ولا من جهة واحدة بل...". ثم قال في آخر شرحه: "وقد تكون الرؤية بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ وكقول حطائط:
أريني جواداً مات هزلاً لعلني ... أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّدا
وما أحق ما قال علي ﵁: "إذا حدثتم عن رسول الله فظنوا به الذي هو أتقى، والذي هو أهيا، والذي هو أهدى" وحدث الدوري عن أبي عبيد: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نُرَيِّغ لها المعاني" (١) .
هذا، وما ذكره من احتمال أن يكون الرؤية في الحديث المذكور بمعنى العلم، فلا وجه له، وهو باطل قطعاً، ويرده سياق الحديث نفسه. ولا يصح أيضاً قوله "ولا في جهة"، فإن ذلك يفضي إلى إنكار الرؤية، لأنه لا يتصور رؤية شيء لا يكون في جهة. ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة وبعدما يدخلون الجنة. يرونه بالأبصار عياناً كما يرى القمر ليلة البدر صحواً (٢) .
وكذلك لما نقل عن أبي عبيد حديث أبي رزين العقيلي "قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ فقال: كان في عماء تحته هواء
стр. 52
وفوقه هواء" فسره بقوله: "العماء: السحاب الرقيق. فأراد: أين كان عرش ربنا فحذف المضاف. قال الله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧] ، والسحاب يقلّ الماء فكنى عنه بالماء". ثم نقل رواية "في عمى" مقصوراً وفسرها ثم قال: "وأبو عبيد ﵀ لم يزد في الحديث على أنه لا يدري كيف ذلك العماء وما مبلغه، والله أعلم بذلك" (١) .
الذي في كتاب أبي عبيد أن العماء في كلام العرب: السحاب الأبيض، قاله الأصمعي وغيره وهو ممدود ثم أنشد بيتين وفسرهما، ثم قال: "وإنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عندهم ولا ندري كيف كان ذلك العماء ... " (٢) .
وما كان أحرى المؤلف بأن يقتفي أثر أبي عبيد فيقول بقوله (٣) .
المأخذ الثاني وهو مما يتعلق بمنهجه أنه لا يميز بين ما يلخصه من مصدره وما يضيفه إليه. ولا شك أن مراجعة المصادر التي وصلت إلينا تعين على الفصل والتمييز، ولكن لا سبيل إلى ذلك في المصادر التي ضاعت، فإذا أراد أحد أن يجمع نصوص كتاب ضائع من موارد جمل الغرائب - ولو كانت مختصرة من الأصل - لم يتأت له ذلك. فلو فصل بيان الحق بين الأصل
стр. 53
والزيادة بلفظ "قلت" مثلاً لازدادت قيمة الكتاب.
٢- لاحظت في بعض المواضع أن بيان الحق لم يحسن تلخيص ما في مصدره، فأصابه شيء من الخلل. ومن ذلك ما جاء في غريب أبي عبيد في تفسير قول أبي بكر ﵁: "طوبى لمن مات في النأنأة" قال أبو عبيد بعد ذكر سند الحديث: "أما المحدثون فلا يهمزونه. قال الأصمعي: هي النأنأة - مهموزةً - ومعناها: أول الإسلام، وإنما سمي بذلك، لأنه كان قبل أن يقوى الإسلام ويكثر أهله وناصره، فهو عند الناس ضعيف. وأصل النأنأة: الضعف، ومنه قيل: رجل نأنأ، إذا كان ضعيفاً. قال امرؤ القيس يمدح رجلاً:
لعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنأٍ عند الحفاظ ولا حصر
قال أبو عبيد: "ومن ذلك قول علي ﵁ لسليمان بن صرد. وكان تخلف يوم الجمل ثم أتاه بعده، فقال له علي: تنأنأت وتربعت وتراخيت فكيف رأيت الله صنع".
وبعدما ذكر سنده قال: "قوله (تنأنأت) يريد: ضعفت واسترخيت. قال الأموي عبد الله بن سعيد: يقال: نأنأت الرجل إذا نهيته عما يريد وتعففه عنه، فكأنه يعني: أني حملته على أن ضعف عما أراد وتراخى. وقال غير هؤلاء من أهل العلم: إنما سمي أول الإسلام النأنأة، لأنه كان والناس ساكنون هادئون، لم تهج بينهم فتنة، ولم تشتت كلمتهم. وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول، يقول: لم يقو التشتت والاختلاف والفتن فهو ضعيف لذاك" (١) .
ويمكن تلخيص كلام أبي عبيد بأن نقول: "أي في أول الإسلام قبل أن يقوى ويكثر أهله وناصره. وأصل النأنأة: الضعف. وقيل إنما سمي بذلك لأن
стр. 54
الناس كانوا حينئذ ساكنين هادئين. وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول، أي لم يقو التشتت والاختلاف بينهم".
فلننظر كيف لخص بيان الحق: نقل الحديث بلفظ "طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام" ثم قال: "أي أول الإسلام قبل أن يقوى الإسلام. وأصل النأنأة: الضعف، ورجل نأنأ ضعيف. وإنما قال لأول الإسلام: النأنأة لأنه كان والناس ساكنون هادئون، لم تهج بينهم الفتن، ولم تشتت كلمتهم، فكأنه لم يقو التشتت والاختلاف" (١) .
المأخذ الأول هنا: أن بيان الحق نقل الحديث بلفظ "نأنأة الإسلام" والذي ورد في كتاب أبي عبيد: "النأنأة" بدون إضافة، وكذا في كتب الغريب الأخرى (٢) . ثم خلط بين قولين، وجعل تأويل القول الثاني وهو "لم يقو التشتت.." علة للقول الأول وهو "قبل أن يقوى الإسلام" مع أنهما في كلام أبي عبيد قولان مختلفان، والقول الأول موافق لمعنى الكلمة في اللغة واضح لا يحتاج إلى تأويل، أما القول الثاني فتلطف أبو عبيد لتأويله إلى معنى القول الأول، ولذلك قال: "وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول"، فاستعمل "قد" ومن هنا قال بيان الحق: "فكأنه"، ولكن غفل بعد ذلك عن عدم ملاءمة تعليله هذا لما قال في أول الكلام "قبل أن يقوى الإسلام".
والجدير بالذكر أن الأزهري حينما نقل الحديث المذكور وكلام أبي عبيد في تفسيره لم يلتفت إلى القول الثاني. وكذلك صاحب الغريبين. وإنما أشار
стр. 55
إليه الزمخشري بقوله: "ويجوز أن..." (١) .
مع هذه المآخذ التي ذكرناها آنفاً، لا يخفى ما لهذا الكتاب من قيمة علمية وتاريخية، من وجوه عديدة قد أبانت عنها المباحث السابقة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 56
مصادر ومراجع
...
مراجع البحث (١)
- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي، تحقيق د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤٠٩ هـ= ١٩٨٨م.
- إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة ١٤٠٦هـ.
- بحوث وتحقيقات، عبد العزيز الميمني، إعداد محمد عزير شمس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٥م.
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ١٣٩٩هـ.
- تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين، المجلد الثامن، جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، بالرياض، ١٤٠٨هـ
- تاريخ بغداد للخطيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧هـ.
- تفسير الفخر الرازي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ.
- التكملة والذيل والصلة للصغاني، تحقيق عبد العليم الطحاوي، دار الكتب، القاهرة، ١٩٧٠م.
- التهذيب في اللغة للأزهري، الجزء ١٥، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكاتب العربي، القاهرة، ١٩٦٧م.
стр. 57
- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم، تحقيق يوسف علي بديوي، دار ابن كثير، بدمشق، ١٤١٣هـ.
- دليل الرسائل الجامعية في المملكة العربية السعودية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، ١٤١٥هـ.
- ذخائر التراث العربي الإسلامي، عبد الجبار عبد الرحمن، مطبعة جامعة البصرة، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م.
- سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق لفيف من الباحثين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٠هـ.
- طبقات المفسرين للداودي، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، ١٣٩٢هـ.
- علوم الحديث لابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦م.
- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، شمس الدين السخاوي، تحقيق على حسين علي، دار الإمام الطبري، ١٤١٢هـ.
- فهرس المصورات الميكروفيلمية الموجودة بمكتبة مركز البحث العلمي. جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤٠٦هـ.
- الفهرست لابن النديم، تحقيق رضا تجدد، طهران، ١٩٧١م.
- في اللغة والأدب – دراسات وبحوث للدكتور محمود محمد الطناحي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ٢٠٠٢م.
- كتاب الدلائل في غريب الحديث، الدكتور شاكر الفحام، مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٩٧٦م.
стр. 58
- كتاب العين للخليل بن أحمد، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، الجزء الثامن، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، ١٩٨٥م.
- كشف الظنون، حاجي خليفة، طبعة محمد شرف الدين يالتقايا وزميله، مكتبة المثنى، بغداد.
- مجلة آفاق الثقافة والتراث، مركز جمعة ماجد للثقافة والتراث، دبي.
- مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق.
- مجلة معهد المخطوطات العربية، الكويت.
- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤١٢هـ.
- مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار الفكر العربي، الطبعة الثانية ١٣٩٤هـ = ١٩٧٤م.
- المزهر للسيوطي، تحقيق البجاوي ورفيقيه، دار التراث، القاهرة.
- معالم السنن للخطابي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٦هـ.
- معجم الأدباء، لياقوت الحموي، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٣م.
- المعجم العربي – نشأته وتطوره، الدكتور حسين نصار، مكتبة مصر، ١٩٨٨م.
- معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية الباكستانية منذ دخول المطبعة إليها حتى عام ١٩٨٠م. للدكتور أحمد خان. مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ١٤٢١هـ = ٢٠٠٠م.
стр. 59
- معجم المعاجم، أحمد الشرقاوي إقبال، دار الغرب الإسلامي بيروت، ١٩٩٣م.
- معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري، تصحيح السيد معظم حسين، تصوير طبعة دائرة المعارف العثمانية، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.
- نزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات ابن الأنباري، تحقيق إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار، الأردن، ١٤٠٥هـ.
- هدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي، طبعة يالتقايا وزميله، مكتبة المثنى، بيروت.
- الوافي بالوفيات، للصفدي، الجزء ١٨باعتناء أيمن فؤاد سيد، فرانز شتايز، شتوتغارت، ١٤١١هـ.
- الوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦هـ.
- وفيات الأعيان لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.