← Акыда

Акыда · id 1136

أثر الشك والوسواس في وجود الله عز وجل على عقيدة المسلم

نهار العتيبي

Полный текст (49 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين؛ أما بعد يعاني الكثير من المسلمين من كثرة الشكوك والوساوس في وجود الله ، مع كثرة المشككين في وجود الله ، وانتشارهم في وسائل الإعلام المختلفة؛ لا سيما في الشبكة العنكبوتية، ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يعني ضرورة بيان حكم الشك والوسواس في وجود الله ، فإن ذلك يتعلق بالله ، وشرف العلم بشرف المعلوم، ولا سيما هذا العلم المتعلق بأعظم أصول الإيمان، وهو الإيمان بالله . فإن البحث في مسألة وجود الله هو أهم البحوث وأعلاها فإن الإيمان بوجوده بالنسبة لبقية الأصول والفروع؛ كأصل الشجرة بالنسبة للسوق والفروع، فهو أصل الأصول، وقاعدة الدين، وكلما كان حظ المرء من الإيمان بالله عظيما كان حظه في الإسلام كبيراً، وإن تشكيك المسلم في وجود الله جعل كفر النّاس أعظم، حتى قال أحد المتخصصين في العقيدة " كان حريّاً بنا ألا نقف عند أدلة وجود الله كثيراً، لأنّ الفطرة الإنسانية تشهد بذلك، ولا يكاد يعرف منكر لوجود الخالق في الماضي إلا النزر اليسير، وهم لا يمثلون في البشرية نسبة تذكر. إلا أن الانحراف اليوم وصل الدّرك الأسفل، فأصبحنا نرى أقواماً يزعمون أن لا خالق، ويجعلون هذه المقولة مذهباً يقيمون عليه حياتهم، وقد قامت دول على هذا المذهب تعدّ بمئات الملايين من البشر. وانتشرت هذه المقولة في كل مكان، وألفت فيها كتب، وأصبح لها فلسفة تدرس، وحاول أصحابها أن يسموها بالمنهج العلمي، ويدللوا عليها ". (١) ومع انتشار الوسوسة عند كثير من الناس كان هناك ضرورة كبيرة لبيان حكم الوسوسة في وجود الله ، ومعرفة مدى تأثيرها على عقيدة المسلم، وماهي الأحكام التي تترتب على تلك الوسوسة، وكيف يتعامل المسلم معها.

стр. 2

التعريف بالمصطلحات العلمية: ١ - أولاً: تعريف الأثر لغة واصطلاحاً: أ - الأثر لغة: يطلق على عدة معني. قال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ): (أثر) له ثلاثة أصول: تقديم الشيء. ذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي. (١) وقال ابن منظور (ت ٧١١ هـ): الأثر بالتحريك - ما بقي من رسم الشيء، والتأثر إبقاء الأثر في الشيء، وأثر في الشيء ترك فيه أثرا. (٢) ب - الأثر اصطلاحا: لا يخرج استعمال لفظ ال (أثر) عن المعاني اللغوية، ويستعمل للدلالة على ثلاث معاني: الأول بمعنى النتيجة، وهو الحاصل من الشيء، والثاني العلامة، والثالث بمعنى الجزء، أو ما يترتب على الشيء. (٣) ولذلك فإن السلف ﵏ يرون أن الأثر يراد به العلم، أو خاصة العلم، أو علم يستخرج، أو نتيجة للشيء. قال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] أي: " البقية من علم لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ". (٤)

стр. 3

ثانياً: تعريف الشك لغة واصطلاحاً الشك لغة: يطلق الشك ويراد به عدة أمور من أهمها: ١ - التداخل فيقال: شككته بالرمح أي طعنته به؛ فدخل سنانه في جسمه. (١) ٢ - الشك بمعنى عدم اليقين؛ فقوله: شككت في الأمر أو تشككت فيه أي ذهب يقيني، لأن الشاك كأنه شُك له الأمران في مشك واحد؛ وهو لا يتيقن واحد منهما، ولذلك يقال: شككت بين ورقتين، أذا أنت غرزت العود فيهما فاجتمعا. (٢) ٣ - التردد: أي التردد بين شيئين؛ دون ترجيح لأحدهما. (٣) ومنه قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [يونس: ٩٤].

стр. 4

الشك اصطلاحاً تعريف الشك في الاصطلاح لا يبعد عن التعريف اللغوي، فيعرف الشك بأنه: "ما يناقض اليقين، ويتردد صاحبه بين شيئين " (١)، وعلى هذا يدل أحد تفسيري قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: " أفي وجوده شك، فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده; ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه (فاطر السماوات والأرض) الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه و مليكه ". (٢) فالشك في وجود الله هو التردد في وجوده سبحانه؛ وعدم اليقين في وجوده . (٣)

стр. 5

ثالثاً: تعريف الوسواس لغة واصطلاحاً الوسواس لغة الوسواس: " الشيطان، وهمس الصائد والكلاب، وصوت الحَلْي، والوسوسة؛ حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه:. (١) الوسواس اصطلاحاً الوسواس والوسوسة هي: ما يلقى في القلب، ويخفى على الخلق فلا يطلعون عليه، إما حديث النفس أو بفعل الشيطان، وهي مجرد خاطر لم يساكن القلب فضلاً عن أن يعقد القلب عليه، بل يكرهه. (٢) وقيل الوسوسة هي: "الخواطر التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، ولا أصل لها " (٣) الفرق بين الشك والوسواس نظراً لوجود خلط لدى كثير من المسلمين بين الشك والوسواس؛ فلا بد من بيان الفرق بينهما، فإن الفرق بينهما له أثر على حكم كل منهما كما سيتبين في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى، فإن السلف ﵏ يرون أن الشك يناقض اليقين؛ ولا يجتمع شك ويقين، وأما الوسواس فهو الخواطر والأفكار فقط إما بما توسوس به النفس أو بما يوسوس به الشيطان؛ مع بقاء اليقين في القلب بوجود الله ، (٤) بدليل قول الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. فهو ليس له تسلط على المؤمنين لاطمئنان قلوبهم بالإيمان.

стр. 6

وقد يأتي الشك بمعنى الوسواس، ويتضح ذلك من السياق؛ كما في قول النبي ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم) (١)، قال ابن عباس ﵄: " هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى ". (٢) " فالمراد بالشك هنا الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما عن الآخر؛ فهو منفي عن الخليل قطعاً لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ مرتبة النبوة ". (٣)

стр. 7

رابعاً: تعريف العقيدة لغة واصطلاحاً أ - العقيدة لغة: مأخوذة من العقد وعَقَدَ الحبلَ يَعقِده أي شدًّه (١)، والعَقْد الرَبْط بشدّة ومنه الإحكام، والإبرام، والتماسك، والمُراصّة، والإثبات، والتَّوثّق، (٢) وتطلق على مافي القلب فيقال اعتقد كذا بقلبه (٣). قال الله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. "وهي: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، فالعقيدة في الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل؛ كعقيدة وجود الله وبعث الرسل. والجمع: عقائد وخلاصة ما عقد الإنسان عليه قلبه جازماً به؛ فهو عقيدة، سواء كان حقاً، أم باطلاً " (٤). ب - العقيدة اصطلاحاً: العقيدة في الاصطلاح العام هي: "الأمور التي يجب أن يصدق بها القلب، وتطمئن إليها النفس؛ حتى تكون يقيناً ثابتاً لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده، ويجب أن يكون مطابقاً للواقع، لا يقبل شكاً ولا ظنا؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة ". (٥) العقيدة الإسلامية: هي " الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين، وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف، والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر، والقدر والشرع، ولرسوله ﷺ بالطاعة والتحكيم والاتباع ". (٦) والعقيدة من حيث كونها علماً بمفهوم أهل السنة والجماعة فإنها تشمل الموضوعات التالية: التوحيد - توحيد الألوهية؛ وتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الأسماء والصفات -، والإيمان، والإسلام، والغيبيات، والنبوات، والقدر، والأخبار، وأصول الأحكام القطعية، وسائر أصول الدين والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع وسائر الملل والنحل الضالة، والموقف منهم (٧)

стр. 8

المبحث الأول: حقيقة وجود الله حقيقة وجود الله هي حقيقة ثابتة عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فالأصل عندهم اليقين بوجود الله بخلاف الفرق المنحرفة من أهل الكلام؛ ومن وافقهم قديما؛ وفي عصرنا الحاضر، فإن الأصل عندهم الشك وليس اليقين، خلافاً للسلف الصالح أهل السنة والجماعة " وقد وجد الانحراف في تقرير وجود الله تعالى عند الجهمية والمبتدعة، نتيجة عن التأثر بالزنادقة والهنود السمنية، اتسع انحراف المتكلمين من المعتزلة (١) وغيرهم، فاشترطوا النظر والاستدلال، والشك لحصول العلم بالصانع بزعمهم، وقد فند شيخ الإسلام

стр. 9

هذا الزعم الباطل، فقال: ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول المتكلمين، ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام، ابتدعه متكلمو المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة، والشيعة، وغيرهم، وقالوا: بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي، لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال؛ بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله، والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل النظر" (١)، فالمعتزلة ومن وافقهم يرون أن أول واجب على المكلف هو النظر المؤدي للمعرفة ولذلك قالوا بوجوب الشك بينما أول واجب عند السلف هو التوحيد لأن الله تعالى أمر به، فالمعرفة تؤدي إلى التوحيد، وقد فطر الله تعالى الناس على معرفته، ونص على ذلك رسول الله ﷺ في وصيته لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن، فقال: (وليكن أول ما تدعوهم له أن يوحدوا الله) وفي رواية: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ (٢). (٣)

стр. 10

ولذلك يعبر عنه السلف بالمعرفة أي معرفة الله ولهذا يقول السفاريني (١) في الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية: أول واجب على العبيد معرفة الإله بالتسديد (٢) قال الشيخ محمد العثيمين ﵀ معلقاً على ذلك: " فالصحيح ما قاله المؤلف ﵀ أن أول واجب معرفة الله، أما النظر فلا نقول إنه واجب، ولكن لو فرض أن الإنسان احتاج للنظر فحينئذ يجب عليه النظر ". (٣) ولقد دلت الأدلة الكثيرة جداً على ما ذهب إليه السلف وأن الله تعالى موجود، سواء كان الدليل من الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، أو كان الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه ﵊، أو كان الدليل دليلاً عقلياً، أو كان دليلاً حسياً، والأصل في ذلك عند السلف رحمهم الله تعالى هو الدليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، ثم تأتي بقية الأدلة للاستئناس بها، ويمكن إيضاح ذلك فيما يلي:

стр. 11

أولاً: دليل الفطرة أهل الفطر كلهم متفقون على الإقرار بالله . (١) "فإن الإقرار بالخالق سبحانه، وكماله، أمر فطري ضروري في حق من سلمت فطرته " (٢)، "فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله من غير دليل:، ولم يُطل القرآن في الاستدلال على وجود الله تعالى، لأنّ القرآن يقرّر أنّ الفطر السليمة، والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك، مفطورة على الاقرار بوجوده سبحانه وتعالي، بل إنّ توحيده - سبحانه - أمر فطري بدهي؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. وقد نصّ الرسول ﷺ على فطرة الإقرار بالخالق، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء) ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم (فطرة الله التي فطر الناس عليها) (٣). ولم يقل ﷺ في الحديث ويُسلمانِه، لأنّ الإسلام مُوافقٌ للفطرة ". (٤) ولذلك لم يكثر السلف ﵏ الخوض في إثبات وجود الله تعالى، وحشد الأدلة لتقريره، لأنه من القضايا المسلمة المستقرة في الفطرة البشرية ". (٥)

стр. 12

ثانياً: دلالة الشرع عند النظر في الأدلة الشرعية من الوحي المعصوم نجد أنها تدل على وجود الله من خلال إثبات صفاته التي تدل على حياته وقيوميّته وعلوه وعلمه وسائر صفاته الدالة على وجوده ، سواء كان ذلك في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه ﷺ ، ففي كتاب الله تعالى يقول جل وعلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ .. الآية﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: " ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً القيم لغيره ". (١) ويقول النبي الكريم ﵊ مبيناً أن الله موجود، وأنه الخالق لجميع المخلوقات، بما فيها السماوات والأرض: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء). (٢) وفي رواية: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض). (٣) ولذلك فالسلف ﵏ يرون أن الإيمان بالله تعالى لا يكون إلا بالإيمان بوجوده، وربوبيته، وأسمائه وصفاته ، وأن العبد لا يكون مؤمناً حتى يؤمن بأركان الإيمان الستة؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره" (٤)، "وأن الإيمان بالله تعالى هو التصديق بما قال به وأمر به وافترضه ونهى عنه؛ من كل ماجاءت به الرسل ونزلت فيه الكتب " (٥).

стр. 13

ثالثاً: دلالة العقل على وجود الله دل العقل السليم عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، ووافق نصوص الشرع في ذلك ويتضح ذلك جلياً فيما يلي: ١ - دليل الخلق والإيجاد: إن هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ سَابِقُهَا وَلَاحِقُهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ خَالِقٍ أَوْجَدَهَا؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدَ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً. فَهِيَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدَ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ وُجُودِهِ كَانَ عَدَمًا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ خَالِقًا؟! وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَلِأَنَّ وُجُودَهَا عَلَى هَذَا النِّظَامِ الْبَدِيعِ المُحْكَمِ، وَالتَّنَاسُقِ الْمُتَآلِفِ، وَالِارْتِبَاطِ الْمُلْتَحِمِ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، وَبَيْنَ الْكَائِنَاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ يَمْنَعُ مَنْعًا بَاتًّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا صُدْفَةً. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تُوجِدَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا أَنْ تُوجَدَ صُدْفَةً، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُوجِدٌ؛ وَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ وَالْبُرْهَانَ الْقَطْعِيَّ فِي سُورَةِ الطُّورِ؛ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]؛ يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، وَلَا هُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ خَالِقُهُمْ هُوَ اللهُ ﵎؛ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ سُورَةَ الطُّورِ فَبَلَغَ هَذِهِ

стр. 14

الْآيَاتِ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، وَكَانَ جُبَيْرٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، قَال: (كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ، وَذَلِكَ أَوْلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي) (١). (٢) فالله خلق المخلوقات، ومن أهمها الإنسان، الذي أوجده الله تعالى من العدم، يقول الله جل وعلا مبينا ذلك: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] " والاستدلال على الخالق بخلق الانسان في غاية الحسن والاستقامة، وهو طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية؛ دل القرآن عليها وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها " (٣). ولذلك دل القرآن الكريم على خلق الخلق وأن الله تعالى هو خالقهم في آيات كَثِيرَة؛ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]. ويقول مبيناً أنه الخالق وما سواه مخلوق، ومادام أنه خالق سبحانه لكل شيء فإنه موجود جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣].

стр. 15

٢ - دليل العناية والاتقان: عناية الله تعالى بعباده بإرسال الرسل دليل على وجوده سبحانه، فإن ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق يدل على أن الذي أرسلهم بها رب رحيم حكيم، ولا سيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله. (١) يقول الله مبيناً إرساله الرسل إلى عباده: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: ٢٤]. قال ابن كثير ﵀: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل ". (٢) ولا شك أن النظر والتدبر في السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، وما فيها من فعل معجز وتدبير محكم وعناية واتقان؛ يدل بوضوح على وجود الرب الخالق الحكيم؛ الذي أتقن كل شيء خلقه، يقول الله جل وعلا مبيناً هذا الاتقان: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. وقد وردت آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى؛ ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٦ - ٨]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ([الغاشية: ١٧ - ١٩]. " وهذه الآيات تدل على الحث على التفكر في مخلوقات الله تعالى الدالة على توحيده سبحانه، فإذا تم توحيده، لزم الإقرار بوجوده سبحانه. (٣)

стр. 16

رابعاً: دلالة الحس على وجود الله دل الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسية، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين. وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا، أن الله استجاب لهم. فالأعرابي الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال أنس: والله، ما في السماء من سحاب ولا قزعة (أي: قطعة سحاب) وما بيننا وبين سلع (جبل في المدينة تأتي من جهته السحب) من بيت ولا دار. وبعد دعاء الرسول ﷺ فوراً خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت، وبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊. (١) وهذا أمر واقع يدل على وجود الخالق دلالة حسية. وفي القرآن الكثير من الأدلة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَه .. ا﴾ لآية [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. (٢) ومن الادلة الحسية كذلك على وجود الله هو مشاهدة معجزات الأنبياء، فإنها تدل على أن مرسلهم موجود ، وفي القرآن الكريم ما يؤيد دلالة المعجزة على إثبات وجود الخالق ، وذلك في المحاورة التي وقعت بين موسى ﵇ وفرعون الجاحد لرب العالمين حيث قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ*قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ*قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ*قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ*قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ*قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ*قَالَ فَأْتِ بِهِ

стр. 17

إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ*فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ*وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين ([الشعراء: ٢٣ - ٣٣]. فهذه الآيات تبين أن فرعون أنكر الرب تعالى، وأن موسى ﵇ أقام عليه الحجة التي تعتبر دليلاً على صدق كونه رسولاً من رب العالمين، والآيات هي اليد والعصى، كما أن هناك آيات أخرى وهي، نقض الثمرات، والسنين والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وهي تسع آيات بينات (١). وأما معجزات عيسى ﵇ فكانت متعددة يبينها قول الله تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [ال عمران: ٤٩] (٢). وأما معجزات النبي الكريم محمد ﷺ فكثيرة؛ ولكن أعظمها معجزة القرآن الكريم. وذلك لأنها معجزة باقية على مر الزمن، ناطقة بنبوته ﵊ في كل زمان ومكان، بينما سائر المعجزات الأخرى التي أيد الله تعالى بها سائر أنبيائه قد انتهت وذهبت وأصبحت تاريخاً يُذكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما الذين سلكوا طريق الحكمة، فلهم أيضاً مسالك؛ مثل أن يقال: إن الله إذا بعث رسولاً أمر الناس بتصديقه وطاعته، فلا بد أن ينصب لهم دليلاً يدل على صدقه، فإن إرسال رسولاً بدون علامة وآية تعرف المرسل إليهم أنه رسول: قبحٌ، وسفه في صرائح العقول، وهو نقص في جميع الفطر ". (٣)

стр. 18

المبحث الثاني: أثر الشك في وجود الله على عقيدة المسلم الإيمان بالله تعالى هو أحد أركان الإيمان، ويدخل في الإيمان بالله تعالى الإيمان بوجوده ؛ وهو أمر من أمور الغيب الواجب الإيمان بها، ومن أنكر شيئاً من أمور الغيب فهو خارج من الإسلام، فإن من اركان الإيمان: الإيمان بالله تعالى بمعرفته والتيقن بوجوده والإيمان بربويته وأسمائه وصفاته (١)، ويرى السلف ﵏ أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، ويقولون: هو قول وعمل ومعرفة، أي: اعتقاد ونية (٢). والشك في وجود الله تعالى مخالف للفطر السليمة كما تقدم؛ لكن نظراً لانتشاره في السنوات الأخيرة بشكل مخيف في البلاد الإسلامية (٣)، كان لزاماً بيان أثره على عقيدة المسلم، فإن الشك في وجود الله هو في الحقيقة شك في ربوبيته ، فمن شك أنه لا يوجد رب خالق مالك متصرف في هذا الكون فقد وقع في الكفر، ومن أنكر ربوبية الله فإنه سينكر ألوهيته من باب أولى؛ إذ لا يمكن أن يتعبد الإنسان معدوماً؛ ونظراً لأن الشك في ربوبية الله تعالى يؤدي إلى الكفر؛ لتعلقه بالاعتقاد الذي يجب على المسلم اعتقاده (٤)؛ فسأبين في هذا المبحث؛ حكم الشك في وجود الله تعالى، وما يترتب على الشك في وجوده ؛ فيما يلي:

стр. 19

أولاً: حكم الشك في وجود الله تعالى لكي يتضح حكم الشك في وجود الله تعالى؛ فلا بد من بيان اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى، وإيضاح الرد على من احتج بشك الأنبياء، وأن الشك في وجود الله تعالى يؤدي إلى الكفر فيما يلي: ١ - اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى يعتقد السلف ﵏ أن الله تعالى موجود؛ وأنه رب العباد وخالقهم ومُوجدهم من العدم، وأنه خالق كل شيء (١)، وأن الله تعالى ممستوي على عرشه بائن من خلقه أحاط بكل شيء علماً ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٢). ولهذا يقول السلف ﵏: " إثبات الله إثبات وجود لا إثبات كيفية " (٣). ويعتقد السلف بأن الإيمان بالله تعالى هو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: (الإِيمَان أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٤). وبناء على ذلك فإن أول أركان من ركن الإيمان هو الإيمان بالله ، ويتضمن الإيمان بالله الإيمان بما يلي (٥):

стр. 20

أ - الإيمان بوجوده، أي: أنه موجود . ب - الإيمان بربوبيته، أي: أنه سبحانه هو الرب لا شريك له ولا معين. ت - الإيمان بألوهيته، أي: أنه الإله الحق لا شريك له. ث - الإيمان بأسمائه وصفاته، أي: إثبات ما أثبتع الله تعالى في كتابه، أو أثبته رسوله ﷺ في سنته من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. وأما الشك في وجود الله تعالى فيرى السلف أنه كفر بالله ، وهو ما يسمونه كفر الشك، (١) وهو التردد، وعدم الجزم بصدق الرسل، ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم

стр. 21

واليقين. وقد يعبر عنه السلف بالنية؛ قال ابن مندة ﵀ (١): " ذكر وجوب النية للإسلام والإيمان بالله وحده لا شريك له " (٢). والدليل على كفر الشك قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ الساعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَواكَ رَجُلًا لَكِنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨]. قال ابن جرير الطبري ﵀: " ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه، وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ يقول جلّ ثناؤه: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكاً في المعاد إلى الله: ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تَخْرب، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها

стр. 22

تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي) فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه " (١) ومن الأدلة الواضحة كذلك على كفر من شك في وجود الله قول الله : ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]، قال ابن كثير: أفي الله شك؟ وهذا يحتمل شيئين؛ أحدهما؛ أفي وجوده شك، إن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده; ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه (فاطر السماوات والأرض) الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه. والمعنى الثاني في قولهم: (أفي الله شك) أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له; فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى " (٢). والسلف ﵏ لا يفرقون بين من شك في الله، أو في الملائكة، أو في الرسل، أو في البعث، أو في الجنة، أو في النار، أو في شيء مما بلغه عن خبر الله وخبر رسوله ﷺ : فيقولون هو كافر، ويستدلون على ذلك بما رواه أبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ

стр. 23

فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ (١). وبما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه ِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) (٢). فسبب الكفر هنا هو الشك فالحديث الأول دل على أن من شروط لا إله إلا الله؛ اليقين المنافي للشك (٣)، وأما الحديث الثاني فيدل على يقين المؤمن بشهادة أن محمداً رسول الله، إذا يقال له: (قد علمنا إن كنت لموقناً به، وأما المنافق فهو شاك محتار؛ ولذلك يقول: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته). ويدل على ذلك أيضاً حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ عن الميت: (وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ، فَزِعًا مَشْعُوفًا، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا، فَقُلْتُهُ، … إلى أن قال ﵊: فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). (٤) ومن الأدلة كذلك على كفر من شك بالله تعالى، هو عدم اليقين بما جاء في كتاب الله تعالى، فإن ذلك تكذيب للقرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى، ومن كذب الله تعالى فلا شك في كفره. (٥) والنبي ﷺ هو المبلغ عن ربه فمن شك في

стр. 24

صدقه؛ فهو مكذب به، قال القاضي عياض ﵀ بعد أن ذكر بعض المكفرات -: " وكذلك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه، فهو كافر بإجماع " (١). ولذلك يرى السلف ﵏ أن من قال: لا إله إلا الله لا يدخل الجنة إلا إذا قالها غير شاك بها، وإنما متيقناً معتقداً بقلبه. (٢) والشك في وجود الله من المسلم ردة عن الإسلام، فإن "الردة قد تكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، فمن اعتقد عدم وجود الله أو شك في ذلك فإنه مرتد خارج من الإسلام" (٣). ٢ - جواب السلف على من احتج بشك الأنبياء فيما تقدم تبين اعتقاد السلف في حكم من شك في وجود الله تعالى، ونظراً لأن هناك من يحتج بما حصل من بعض الأنبياء من شك كما ذكره الله تعالى عنهم كإبراهيم، ولوط، ويوسف ﵈ (٤)، فإن هذه الحجة ليست صحيحة وهي داحضة ولا يلتفت إليها، وذلك لأن جميع الأنبياء قد زكاهم الله تعالى في كتابه الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [٥٨]، وأما قول إبراهيم ﵇ كما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فقد ذكر أهل

стр. 25

العلم أن ذلك من الوساوس التي تأتي الإنسان وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لا يؤثر على اليقين، وعلى هذا بوب ابن مندة ﵀ في كتاب الإيمان بقوله: ذكر درجات الأنبياء في الوساوس مع اليقين، قال ابن حجر ﵀: " واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم على ظاهره وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت. عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية، قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى. وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، قال " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا استأذنه ملك الموت أن يبشره فأذن له " فذكر قصة معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال " فقام إبراهيم يدعو ربه: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك " وفي رواية قال " ليطمئن قلبي بالخلة " وعن سعيد بن جبير قال: ليطمئن قلبي أني خليلك " وعن ابن عباس " لأعلم أنك أجبت دعائي، ثم اختلفوا في معنى قوله ﷺ نحن أحق بالشك فقال بعضهم: معناه نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم، وقيل معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك. وإنما قال ذلك تواضعا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وقيل: معناه هذا الذي ترون أنه شك أنا أولى به لأنه ليس بشك إنما هو طلب لمزيد البيان، وله: (قال أولم تؤمن) الاستفهام للتقرير، ووجهه أنه طلب الكيفية وهو مشعر بالتصديق بالإحياء. قوله: (بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي ليزيد سكونا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب، لأن

стр. 26

تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال أنا مصدق، ولكن للعيان لطيف معنى. وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته، ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين والله أعلم. " (١). وأما ما قيل عن شك لوط ﵇ في قدرة الله ؛ فقال ابن حجر ﵀ مفنداً ذلك: "قوله: (يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد) (٢) أي إلى الله ، ويشير ﷺ إلى قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ويقال إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه لأنهم من سدوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط، فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني" (٣). قال ﵀: " وله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث، يوسف لأجبت الداعي) (٤) أي أسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج وإنما قاله ﷺ تواضعا، والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالا، وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع ". (٥)

стр. 27

ثانياً: ما يترتب على الشك في وجود الله تبين لنا فيما سبق أن من شك في وجود الله فقد كفر بالله وخرج من الإسلام، وبالتالي فيحكم بردته ويترتب على ذلك ما يترتب على الردة من أحكام، ويمكن بيان ذلك فيما يلي: ١ - يستتاب إذا أظهر ما يدل على ذلك فإن تاب وإلا قتل: فإن المرتد لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ، وَلا تَزُولُ فِي الْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا، وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ " (١). وقد دلت السنة الصحيحة على وجوب قتل المرتد، فعن ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (٢). وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (٣). ٢ - حبوط عمله لردته: لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. (٤)

стр. 28

٣ - خروجه من الإسلام لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦]. (١) والخروج من الإسلام هنا هو ردة كما تقدم، قال الحافظ ابن كثير ﵀: " قوله تعالى هاهنا: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) أي: يرجع عن الحق إلى الباطل ". (٢) ٤ - ينفسخ نكاحه، ويفرق بينه وبين زوجته. (٣) وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وهذا عام لا تخصيص فيه، سواء كان كافراً كفراً أصلياً، أو مرتداً عن الإسلام. (٤) ٥ - لا يغسل، ولا يكفن، ولا يرث ولا يورث، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. (٥) لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فحبوط العمل هنا لفقد شرط الإسلام؛ واستمرار المرتد على ردته. (٦) ٦ - يُمنَع من التصرُّف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلَم فهو له، وإلا صار لبيت المال، من حين قتله، أو موتِه على الردة، وقيل: من حين ارتداده يُصرَف في مصالح المسلمين. (٧)

стр. 29

المبحث الثالث: أثر الوسواس في وجود الله على عقيدة المسلم يعرض للمسلم وسواس في وجود الله ، وقد يقع المسلم في حرج من هذه الوسواس، لا سيما وهذه الوسواس يتعلق بالله ، وفيما يلي بيان لهذا الوسواس وحكمه: ١ - الوسواس في وجود الله هناك فرق واضح بين الشك والوسواس؛ فالشك كما سبق بيانه هو عدم اليقين، ولا يجتمع الشك مع اليقين مطلقاً، بينما الوسواس هو أمر طارئ مع وجود اليقين في القلب، والشك يكون باختيار الإنسان؛ أما الوسوسة فبغير اختياره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ " هناك فرق بين الشك والوسوسة، فالوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان " (١). ويعتقد السلف أن الله سبحانه خلق الشياطين؛ وأنهم يوسوسون للآدميين، ويقصدون استزلالهم، والترصد لهم، لقول الله : ﴿إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأن الله تعالى يسلطهم على من يشاء ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ

стр. 30

لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨، ١٠٠]. (١) وقد أعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً) أو قال: (شيئاً) (٢). والقرآن وصف الشيطان المطلوب الاستعاذة منه بأنّه ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، وقد صح أيضاً أنّ لكل إنسان قريناً من الجنّ يأمره بالشرّ، ويحثه عليه، وفي القرآن (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [ق: ٢٧]. ولا يتخلص المرء من هذا إلا بالالتجاء إلى الله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *) [الناس: ١ - ٦]. وشياطين الجنّ يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فكان مما جاء في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كلّ مال نحلته عبادي حَلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) (٣) (٤). والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)

стр. 31

(١). (٢) وهذا يجعل خطورته أشد؛ حتى يصل بالمسلم إلى تشكيكه في خالقه قائلاً من خلق الله، ففي الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ : يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك؟، وفي رواية أخرى: قال: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: فمن خلق الله؟) (٣). وقد أخبرنا ربنا في كتابه أن للشيطان خطوات؛ لا يرضى ولا يتوقف حتى يوقع الإنسان في الكفر؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. قال ابن جرير ﵀: " اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته. (٤) وكما أن الشيطان يوسوس فكذلك، فإن النفس توسوس بالسوء، والنفس أمّارة بالسوء إلا من رحم الله كما قال الله سبحانه في سورة يوسف ﵇: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [يوسف: ٥٣]. قال السعدي ﵀: " ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يُدْخَلُ على الإنسان ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ فنجَّاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصِيّةٌ عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. (٥)

стр. 32

٢ - تأثير الوسواس على عقيدة المسلم قد يخشى كثير من المسلمين من أن الوسواس له تأثير على عقيدة المسلم، ولكن يرى علماء السلف أن الوسواس ليس له تأثير فيما إذا عالجه المسلم ولم يسترسل معه ويفعل بسببه ما يؤثر من مؤثرات أخرى تقدح في عقيدته (١)، وقد بين لنا رسول الله ﷺ عدم تأثير الوسواس على العقيدة فقال: (الحمد لله الذي رد كيده للوسوسة) (٢)، وقال: (فإذا عرض لأحدكم فلينته) (٣) عن ابي هريرة "فإذا بلغه فاليستعذ بالله ولينتهي ". فدل الحديث الأول على أن الوسواس من فعل الشيطان؛ الذي من طبيعته الوسوسة، ولذلك أمرنا الله تعالى بالاستعاذة منه فقال سبحانه في سورة الناس: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) ثم ذكر المستعاذ منه فقال: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) [الناس: ١ - ٦]. وأما الحديث الثاني فيدل على الأمر بعدم الاسترسال حتى لا يؤدي بالمسترسل إلى أمور محرمة، وهذا يدل على عدم تأثير الوسوسة على العقيدة؛ ما دام القلب مطمئن بالإيمان، قال ابن القيم ﵀: " وهذه الوسوسة قوة للقلب الحي ". (٤) وعندما اشتكى الصحابة ﵃ للنبي صلى الله عليه و وسلم ما كانوا يجدونه من الوسوسة؛ فقالوا: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) قال: أوجدتموه؟ قالوا: نعم. قال لهم) ذاك صريح الإيمان) وفي رواية: محض

стр. 33

الإيمان (١). وفي رواية: (سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خرّ من السماء؛ فتخطفه الطير كان أحب إليه مما يتكلم به؛ قال: ذاك محض الإيمان، أو صريح الإيمان). (٢) قال النووي ﵀: " (ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفت عنه الريبة والشكوك ". (٣) وقال ابن القيم ﵀: " فهذا دليل صريح على الإيمان، بل هذا عمل قلبي قد زاد إيمان العبد ". (٤) " وقال البيضاوي (٥) قوله صلى الله الله عليه وسلم: (ذاك) إشارة إلى ما دل عليه قولهم (يتعاظم) أي: يتعاظم علمكم بفساد تلك الوساوس، وامتناع نفوسكم والتجافي عن التفوه به؛ صريح الإيمان ". (٦) ومما يدل على أن الوسواس لا أثر له عند أهل السنة والجماعة؛ مالم يعمل العبد أو يتكلم (٧)؛ هو قول النبي الكريم ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها؛ مالم يتكلموا أو يعملوا به) (٨).

стр. 34

المبحث الرابع: علاج الشك في وجود الله الأصل أن المسلم لا يتعرض لما يشككه في دينه، سواء كان ذلك بالاطلاع على مؤلفات الكفّار، أو بمن تأثر بالفلاسفة، أو بعقيدة المعتزلة ومن وافقهم في دعوتهم لإثبات وجود الله تعالى بالشك كما تقدم، أو بالإلحاد المعاصر ودعاته الذين يستهدفون به المسلمين (١)، أو بما يبثه العصرانيون في كتبهم وأطروحاتهم (٢)، أو بما يعرض في وسائل التواصل المختلفة، حفاظاً على إيمانه، وذلك من أجل أن تسلم عقيدته، وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه

стр. 35

وسلم على عمر ﵁ عندما وجد في يديه ورقات من التوراة وقال ﵊: (أمتهوكون (١) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) (٢). وأما علاج الشك في وجود الله عندما يوجد لدى المسلم فيكون بالتوبة إلى الله سبحانه؛ والإيمان به، واليقين التام بوجوده، والإقرار بأنه هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، وهذا هو توحيد الربوبية، ولا يقتصر المكلف على هذا النوع من التوحيد؛ بل لا بد من توحيد الألوهية؛ وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسيره لقوله تعالى " و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " [البقرة: ٢٣]. "دليل على ان الذي يرجى له الهداية من الضلالة هو الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلالة. فهذا الذي إذا بين له الحق حري باتباعه؛ ان كان صادقاً في طلب الحق، و أما المعاند الذي يعرف الحق و يتركه فهذا لا يمكن رجوعه؛ لأنه ترك الحق بعد ما تبين له، و لم يتركه عن جهل فلا حيلة فيه، و كذلك الشاك الذي ليس بصادق في طلب الحق بل هو معرض غير مجتهد بطلبه؛ فهذا في الغالب لا يوفق. ". (٣) ولذلك نجد السلف يرون أن الشك والريب في العقائد بمعنى واحد، ومنهم من يفرق بينهما ويرى أن الشك أخص من الريب (٤)، والتوبة منهما جميعاً واجبة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك، فإنه لا

стр. 36

يكون إلا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علماً وعملاً ". (١) وبذلك يكون الشك أخص من الريب، ويكون الشاك كافراً بسبب الإخلال بشرط العلم؛ الذي هو أصل قول القلب". (٢) ولذلك فمن تاب من الشك، وآمن بوجود الله ، وأتبع ذلك بتوحيد الله تعالى توحيد العبادة تاب الله تعالى عليه، قال القاضي عياض ﵀: "أما مفتري الكذب عليه ﵎ بادعاء الإلهية أو الرسالة أو النافي أن يكون الله خالقه أو ربه أو قال ليس لي رب أو المتكلم بما لا يعقل من ذلك في سكره أو غمرة جنونه فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه مع سلامة عقله كما قدمناه لكنه تقبل توبته على المشهور وتنفعه إنابته وتنجيه من القتل ". (٣) وقد أو ضح أهل العلم أن من تاب إلى الله ؛ تاب الله تعالى عليه حتى وإن كانت معصيته شركاً بالله ، فباب التوبة مفتوح لكل من عصى الله إذا توفرت شروطها، قال تعالى:﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿[النساء: ١١٠]. وقال تعالى:﴾ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿[المائدة: ٣٩]. قال السعدي ﵀: " فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب، وذلك أن لله ملك السماوات والأرض، يتصرف فيها بما يشاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته، رحمته الواسعة ". (٤)

стр. 37

وذكر العلماء للتوبة أربعة شروط في أي ذنب يقترفه المسلم وهي كما يلي (١): ١ - ان تكون التوبة خالصة لله تعالى. ٢ - أن يقلع عن الذنب. ٣ - وأن يندم على ما قد مضى. ٤ - وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه. ٥ - وإذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم، أو أعراضهم، أو أبدانهم، فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها. قال ابن القيم: (والظلم عند الله يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها) (٢). فإن أخف الدوواين يمحى بالتوبة والاستغفار والله تعالى يغفر الذنوب جميعاً بدون استثناء اذا تاب العبد وأناب

стр. 38

المبحث الخامس: علاج الوسواس في وجود الله الوسواس يعرض للمسلم في كل أحيانه، لا سيما في عقيدته، فتوسوس له نفسه او يوسوس له الشيطان، و لا يزال الشيطان بالإنسان يوسوس له، ويحاول إضلاله كما قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: ٢١]. وهذا يدل على أن الشيطان لا يزال يحاول بالمسلم حتى يصل به إلى محاولة التشكيك في وجود الله ، إضافة إلى وسوسة النفس الأمارة بالسوء، مما يوقع المسلم في الحرج والقلق؛ لا سيما في هذا الأمر العظيم؛ مما يستدعي البحث عن علاج لهذا الوسواس الذي لا يكاد يسلم منه أحد، ويمكن علاج الوسواس في وجود الله ؛ من خلال فعل الأمور التالية: ١ - الانتهاء وقطع الوسوسة: " فإن الله تعالى جعل للأفكار والعقول حدا تنتهي إليه، ولا تتجاوزه. ويستحيل لو حاولت مجاوزته أن تستطيع، لأنه محال، ومحاولة المحال

стр. 39

من الباطل والسفه، ومن أمحل المحال التسلسل في المؤثرين والفاعلين، فإن المخلوقات لها ابتداء، ولها انتهاء. وقد تتسلسل في كثير من أمورها حتى تنتهي إلى الله الذي أوجدها وأوجد ما فيها من الصفات والمواد والعناصر ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] فإذا وصلت العقول إلى الله تعالى وقفت وانتهت، فإنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. فأوليته تعالى لا مبتدأ لها مهما فرضت " (١). وكذلك إذا حصلت له الوسوسة، فليقطعها ويتوقف ولا يسترسل لقول النبي ﷺ : (فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته). (٢) قال ابن حجر: " فليستعذ بالله ولينته أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر، الحكمة في ذلك ان العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة فإن وقع شيء من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورض بحجة يجد مسلكاً آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت إن سلم من فتنته فلا تدبير في دفعه أقوى من الإلجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به. (٣) ٢ - أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله، فيقول المسلم: آمنت بالله، أو يقول: الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد، لقول النبي الكريم ﷺ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: (آمنت بالله)، وفي رواية: (آمنت بالله ورسله) (٤)، وقال ﵊: فإذا قال ذلك،

стр. 40

فقولوا: الله أحد. الله الصمد لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد) (١). فإن الله ورسله الكرام؛ أخبروا بأنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه تعالى المتفرد بالوحدانية، وبالخلق والإيجاد للموجودات السابقة و اللاحقة. فهذا الإيمان الصحيح الصادق اليقيني يدفع جميع ما يضاده من الشبه المنافية له، فإن الحق يدفع الباطل، والشكوك لا تعارض اليقين. (٢) ٣ - أن يتفل المسلم عن يساره، ويستعيذ من الشيطان، فقد أخبرنا نبينا ﷺ بهذا العلاج فقال: (ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ من الشيطان). (٣) فاستعاذته بالله من الشيطان، لإن هذا من وساوسه وإلقائه في القلوب; ليشكك الناس في الإيمان بربهم. فعلى العبد إذا وجد ذلك: أن يستعيذ بالله منه، فمن تعوذ بالله بصدق وقوة أعاذه الله وطرد عنه الشيطان، واضمحلت وساوسه الباطلة (٤). وأن يكون المسلم مطمئناً على إيمانه، ولا يترك العمل لوجود الوسوسة، لأنها لا أثر لها على الإيمان كما تقدم. وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم أمراً الاستعاذة به سبحانه من الشيطان ومبيناً لعباده أنه ليس له سلطان على المؤمنين وأن سلطانه على الذين يتولونه فإذا قرأت القرآن
следующие страницы →