فأقول: لا سبيل إلى التقرب إلى الله ﵎ إلا بما شرع الله، ولكني أريد أن أُذكر بشيء وهو – في اعتقادي – مهم جدا لتأسيس ودعم هذه القاعدة "كل بدعة ضلالة"، لا مجال لاستحسان عقلي بتاتاً.
يقول بعض السلف: ما أُحدثت بدعة إلا وأُميتت سنةٌ.
وأنا ألمس هذه الحقيقة لمس اليد بسبب تتبعي للمحدثات من الأمور، وكيف أنها تخالف ما جاء عن الرسول ﵊ في كثير من الأحيان.
وأهل العلم والفضل حقاً إذا أخذ أحدهم المصحف ليقرأ فيه، لا تراهم يُقبلونه، وإنما يعملون بما فيه، وأما الناس – الذين ليس بلعواطفهم ضوابط – فيقولون: وماذا في ذلك؟! ولا يعلمون بما فيه! فنقول: ما أحدثت بدعة إلا وأميتت سنة.
ومثل هذه البدعة بدعة أخرى: نرى الناس – حتى الفُساق منهم الذين لا زال في قلوبهم بقية إيمان - إذا سمعوا المؤذن قاموا قياماً! وإذا سألتهم: ما هذا القيام؟! يقولون: تعظيما لله عزوجل! ولا يذهبون إلى المسجد، يظلون يلعبون بالنرد والشطرنج
стр. 37
ونحو ذلك، ولكنهم يعتقدون أنهم يعظمون ربنا بهذا القيام! من أين جاء هذا القيام؟! جاء طبعاً من حديث موضوع لا أصل له وهو "إذا سمعتم الأذان فقوموا"١.
هذا الحديث له أصل، لكنه حُرف من بعض الضعفاء أو الكذابين، فقال "قوموا" بدل "قولوا" واختصر الحديث الصحيح "إذا سمعتم الأذان، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي" ٢ الخ الحديث، فانظروا كيف أن الشيطان يُزين للإنسان بدعة، ويقنعه في نفسه بأنه مؤمن يُعظم شعائر الله، والدليل أنه إذا أخذ المصحف يُقبله، وإذا سمع الأذان يقوم له؟!!
لكن هل هو يعمل بالقران؟ لا يعمل بالقران! مثلاً قد يُصلي، لكن هل لا يأكل الحرام؟ هل لا يأكل الربا؟ هل لا يُطعم الربا؟ هل لا يُشيع بين الناس الوسائل التي يزدادون بها معصية لله؟ هل؟ هل؟ أسئلة لا نهاية لها، لذلك نحن نقف فيما شرع الله لنا من طاعات وعبادات، ولا نزيد عليها حرفاً واحداً، لأنه كما قال ﵊ "ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا
стр. 38
وقد أمرتكم به" ١، وهذا الشيء الذي أنت تعمله، هل تتقرب به إلى الله؟ وإذا كان الجواب: نعم. فهات النص عن الرسول ﵊. الجواب: ليس هناك نص. إذا هذه بدعة، ولكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ولا يُشْكلن على أحد فيقول: إن هذه المسألة بهذه الدرجة من البساطة، مع ذلك فهي ضلالة وصاحبها في النار؟!
أجاب عن هذه القضية الإمام الشاطبي بقوله "كل بدعة مهما كانت صغيرة فهي ضلالة".
ولا يُنظر في هذا الحكم – على أنها ضلالة – إلى ذات البدعة، وإنما يُنظر في هذا الحكم إلى المكان الذي وضعت فيه هذه البدعة، ما هو هذا المكان؟ إن هذا المكان هو شريعةُ الإسلام التي تمتْ وكملتْ، فلا مجال لأحد للاستدراك ببدعة صغيرة أو كبيرة، من هنا تأتي ضلالةُ البدعة، لا لمجرد إحداثه إياها، وإنما لأنه يعطي معنى للاستدراك على ربنا ﵎ وعلى نبينا ﷺ .
стр. 39
سؤال ٩: كيف يجب علينا أن نفسر القران الكريم؟
الجواب: أنزل الله ﵎ القران الكريم على قلب رسوله محمد ﷺ ، ليخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإسلام، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ] ابراهيم:١ [، وجعل رسوله ﷺ مُبيناً لما في القران، ومُفسراً ومُوضحاً له، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ] النحل:٤٤ [، فجاءتِ السنةُ مفسرةً ومبينةً لما في القران الكريم، وهي وحيٌ من عند الله، قال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ] النجم٣:و٤ [، وقال النبي ﷺ : "إلا إني أُوتيت القران ومِثلهُ معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانُ على أَريكته يقول: عليكم بهذا القران، فما وجدتم فيه من حلال فأَلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموهُ، وإن ما حرمَ رسول الله ﷺ كما حرمَ اللهُ" ١.
فأولُ ما يُفسرُ به القران الكريمُ هو القران مع السنة – وهي أقوال
стр. 40
وأفعال وتقريرات رسول الله ﷺ – ثم بعد ذلك بتفسير أهل العلم، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي مقدمتهم: عبد الله ابن مسعود ﵁، وذلك لقد صُحبته للنبي ﷺ من جهة، ولعنايته بسؤاله عن القران وفهمه وتفسيره من جهة أخرى، ثم عبد الله بن عباس ﵄ فقد قال ابن مسعود فيه "إنه تُرجمان القران"، ثم أي صحابي من بعدهم ثبت عنه تفسير آية – ولك يكن هناك خلاف بين الصحابة – نتقلى حين ذلك التفسير بالرضا والتسليم والقبول، وإن لم يوجد وجب علينا أن نأخذ من التابعين الذين عُنوا بتلقي التفسير من أصحاب رسول الله ﵊ كسعيد بن جبير، وطاووس ونحوهم ممن اشتهروا بتلقي تفسير القران عن بعض أصحاب الرسول ﵊، وبخاصة ابن عباس كما ذكرنا.
وهناك – للأسف - بعض الآيات تُفسر بالرأي والمذهب، ولم يأت في ذلك بيان عن النبي ﷺ مباشرة، فيستقل بعض المتأخرين في تفسيرها تطبيقاُ للآية على المذهب، وهذه مسألة خطيرة جداُ، حيث تُسفر الآيات تأييداُ للمذهب، وعلماء التفسير فسروها على غير ما فسرها أهل ذلك المذهب.
стр. 41
ويمكن أن نذكر مثالُ لذلك: قوله ﵎: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ] المزمل:٢٠ [، فسرته بعض المذاهب بالتلاوة نفسها، أي: الواجب من القران في الصلوات إنما هو آية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة! قالوا هذا مع ورود الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ١، وفي الحديث الاخر "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، هي خِداج، هي خِداج غيرُ تَمام" ٢.
فقد رُدت دلالة هذين الحديثين – بالتفسير المذكور للاية السابقة - بدعوى أنها أطلقت القراءة، ولا يجوز عندهم تفسير القران إلا بالسنة المتواترة، أي لا يجوز تفسير المتواتر إلا بالمتواتر، فردوا الحديثين السابقين اعتماداً منهم على تفسيرهم للاية بالرأي أو بالمذهب.
ما أن العلماء – كل علماء التفسير، لا فرق بين من تقدم منهم أو تأخر – بينوا أن المقصود بالآية الكريمة ﴿فَاقْرَءُوا﴾ ، أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، لأن الله عزوجل ذكر
стр. 42
هذه الاية بمناسبة قوله ﵎ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ] المزمل:٢٠ [، أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل بخاصة، وإنما يسر الله عزوجل للمسلمين أن يصلوا ما تيسر لهم من صلاة الليل، فلا يجب عليهم أن يُصلوا ما كان رسول الله ﷺ يُصلي – كما تعلمون – إحدى عشرة ركعة.
هذا هو معنى الاية، وهذا في الأسلوب العربي من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فقوله ﴿فَاقْرَءُوا﴾ ، أي فصلوا، فالصلاة هي الكل، والقراءة هي الجزء، وذلك لبيان أهمية هذا الجزء في ذلك الكل، وذلك لقوله ﵎ في الاية الأخرى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ] الإسراء:٧٨ [ومعنى ﴿قُرْآنَ الْفَجْر﴾ ، أي: صلاة الفجر، فأطلق أيضاً هنا الجزء وأراد الكل، هذا أسلوب في اللغة العربية معروف.
стр. 43
ولذلك، فهذه الاية بعد أن ظهر تفسيرها من علماء التفسير دون خلاف بين سلفهم وخلفهم، لم يجُزْ رد الحديث الأول والثاني بدعوى أنه حديث آحاد، ولا يجوز تفسير القران بحديث الآحاد! لأن الاية المذكورة فسرت بأقوال العلماء العارفين بلغة القران، هذا أولاً، ولأن حديث النبي ﷺ لا يخالف القران، بل يفسره ويوضحه، كما ذكرنا في مطلع هذه الكلمة، وهذا ثانياً، فكيف والاية ليس لها علاقة بموضوع ما يجب أن يقرأه المسلم في الصلاة، سواءً كانت فريضة أو نافلة؟!
أما الحديثان المذكوران آنفا، فموضوعهما صريح بأن صلاة المصلي لا تصحُ إلا بقراءة الفاتحة قال "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وفي الحديث الاخر "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، هي خِداج، هي خِداج غيرُ تَمام" ١، أي: هي ناقصة، ومن انصرف من صلاته وهي ناقصة فما صلى، وتكون صلاته حينئذٍ باطلة، كما هو ظاهر الحديث الأول.
إذا تبينت لنا هذه الحقيقة، فحينئذُ نطمئن إلى الأحاديث
стр. 44
التي جاءت عن النبي ﷺ مروية في كتب السنة أولاُ، ثم بالأسانيد الصحيحة ثانياً وولا نشك ولا نرتاب فيها بفلسفة الأحاديث التي نسمعها في هذا العصر الحاضر، وهي التي تقول: لا نعبأ بأحاديث الآحاد مادامت لم ترِدْ في الأحكام، وإنما هي في العقائد، والعقائد لا تقوم على أحاديث الآحاد.
هكذا زعموا! وقد علمنا أن النبي ﷺ أرسل معاذاً يدعو أهل الكتاب إلى عقيدة التوحيد١، وهو شخص واحد.
وفي هذا القدر كفاية بهذه الكلمة التي أردتُ بيانها، وهي تتعلق بـ: كيف يجب علينا أن نفسر القران الكريم؟
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد واله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.