Полный текст (360 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مجلس في فضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ .
خرج الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا في الدنيا وكنا من أهل الآخرة فإذا خرجنا من عندك فآنسنا أهلنا وشممنا أولادنا أنكرنا أنفسنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "لو أنكم إذا خرجتم من عندي على حالكم ذلكم لزارتكم الملائكة في بيوتكم ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد حتى يذنبوا فيغفر لهم" قلت يا رسول الله مم خلق الخلق؟ قال: " من الماء" قلت: الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها الؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم".
كانت مجالس النبي ﷺ مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة وتعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر ويعظ ويقص وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يبشر وينذر وسماه الله ﴿مُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥, ٤٦] والتبشير والإنذار: هو الترغيب والترهيب فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه ـ كما ذكره أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث ـ رقة القلب والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.
فأما رقة القلوب فتنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب بالغفلة عنه قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقال الله : ﴿إِنَّمَا
стр. 2
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤, ٣٥] وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .
وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وقال ابن مسعود: نعم المجالس المجلس الذي تنشر فيه الحكمة وترجى فيه الرحمة هي مجالس الذكر وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: أدنه من الذكر وقال: مجلس الذكر محياة العلم ويحدث في القلب الخشوع القلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر:
"بذكر الله ترتاح القلوب ... ودنيانا بذكراه تطيب".
وأما الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة فبما يحصل في مجالس الذكر من ذكر عيوب الدنيا وذمها والتزهيد فيها وذكر فضل الجنة ومدحها والترغيب فيها وذكر النار وأهوالها والترهيب منها.
وفي مجالس الذكر تنزل الرحمة وتغشى السكينة وتحف الملائكة ويذكر الله أهلها فيمن عنده وهم قوم لا يشقى بهم جليسهم فربما رحم معهم من جلس إليهم وإن كان مذنبا وربما بكى فيهم باك من خشية الله فوهب أهل المجلس كلهم له وهي رياض الجنة قال النبي ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر".
فإذا انقضى مجلس الذكر فأهله بعد ذلك على أقسام:
فمنهم من يرجع إلى هواه فلا يتعلق بشيء مما سمعه في مجلس الذكر ولا يزداد هدى ولا يرتدع عن ردىء وهؤلاء أشر الأقسام ويكون ما سمعوه حجة عليهم فتزداد به عقوبتهم وهؤلاء الظالمين لأنفسهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل:١٠٨] .
ومنهم من ينتفع بما سمعه وهم على أقسام: فمنهم من يرده ما سمعه عن
стр. 3
المحرمات ويوجب له التزام الواجبات "وهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين" ومنهم من يرتقي عن ذلك إلى التشمير في نوافل الطاعات والتورع عن دقائق المكروهات ويشتاق إلى إتباع آثار من سلف من السادات "وهؤلاء السابقون المقربون".
وينقسم المنتفعون بسماع مجلس الذكر في استحضار ما سمعوه في المجلس والغفلة عنه إلى ثلاثة أقسام: فقسم يرجعون إلى مصالح دنياهم المباحة فيشتغلون بها فتذهل بذلك قلوبهم عما كانوا يجدونه في مجلس الذكر من استحضار عظمة الله وجلاله وكبريائه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وهذا هو الذي شكاه الصحابة إلى النبي ﷺ وخشوا لكمال معرفتهم وشدة خوفهم أن يكون نفاقا فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس نفاق.
وفي صحيح مسلم عن حنظلة أنه قال: يا رسول الله نافق حنظلة قال: "وما ذاك" قال: نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأنها رأي عين فإذا رجعنا من عندك عافسنا الأزواج والضيعة ونسينا كثيرا فقال: "لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" وفي رواية له أيضا: "لو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق" ومعنى هذا: أن استحضار ذكر الآخرة بالقلب في جميع الأحوال عزيز جدا ولا يقدر كثير من الناس أو أكثرهم عليه فيكتفي منهم بذكر ذلك أحيانا وإن وقعت الغفلة عنه في حال التلبس بمصالح الدنيا المباحة ولكن المؤمن لا يرضى من نفسه بذلك بل يلوم نفسه عليه ويحزنه ذلك من نفسه العارف يتأسف في وقت الكدر على زمن الصفا ويحن إلى زمان القرب والوصال في حال الجفاء وأنشدوا:
"ما أكدر عيشنا الذي قد سلفا ... إلا وجف القلب وكم قد جفا"
"واها لزماننا الذي كان صفا ... هل يرجع بعد فوته وا أسفا"
وقسم آخرون يستمرون على استحضار حال مجلس سماع الذكر فلا يزال تذكر ذلك بقلوبهم ملازما لهم وهؤلاء على قسمين:
أحدهما: من يشغله ذلك عن مصالح دنياه المباحة فينقطع عن الخلق فلا يقوى على مخالطتهم ولا القيام بوفاء حقوقهم وكان كثير من السلف على هذه
стр. 4
الحال فمنهم من كان لا يضحك أبدا ومنهم من كان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد.
والثاني: من يستحضر ذكر الله وعظمته وثوابه وعقابه بقلبه ويدخل ببدنه في مصالح دنياه من اكتساب الحلال والقيام على العيال ويخالط الخلق فيما يوصل إليهم به النفع مما هو عبادة في نفسه كتعلم العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهؤلاء أشرف القسمين وهم خلفاء الرسل وهم الذين قال فيهم علي ﵁: صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمجل الأعلى.
وقد كان حال النبي ﷺ عند الذكر يتغير ثم يرجع بعد انقضائه إلى مخالطة الناس والقيام بحقوقهم.
ففي مسند البزار ومعجم الطبراني عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي قلت: نذير قوم فإذا سري عنه فأكثر الناس ضحكا وأحسنهم خلقا وفي مسند الإمام أحمد عن علي أو الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا فيذكرنا بأيام الله حتى نعرف ذلك في وجهه وكأنه نذير جيش يصحبهم الأمر غدوة وكان إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع عنه.
وفي صحيح مسلم عن جابر: أن النبي ﷺ كان إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: "اتقوا النار" قال: وأشاح ثم قال: "اتقوا النار" ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى ظننا أنه ينظر إليها ثم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة" وسئلت عائشة كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا مع نسائه؟ قالت: كان كرجل من رجالكم إلا أنه: كان أكرم الناس وأحسن الناس خلقا وكان ضحاكا بساما فهذه الطبقة خلفاء الرسل عاملوا الله بقلوبهم وعاشروا الخلق بأبدانهم كما قالت رابعة:
"ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
المواعظ سياط تضرب القلوب فتؤثر في القلوب كتأثير السياط في البدن والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثر في حال وجوده لكن يبقى أثر التأليم بحسب قوته وضعفه فكلما قوي الضرب كانت مدة بقاء الألم أكثر.
كان كثير من السلف إذا خرجوا من مجلس سماع الذكر خرجوا وعليهم.
стр. 5
السكينة والوقار فمنهم من كان لا يستطيع أن يأكل طعاما عقب ذلك ومنهم من كان يعمل بمقتضى ما سمعه مدة أفضل الصدقة: تعليم جاهل أو إيقاظ غافل ما وصل المستثقل في نوم الغفلة بأفضل من ضربه بسياط الوعظة ليستيقظ المواعظ كالسياط تقع على نياط القلوب فمن آلمته فصاح فلا جناح ومن زاد ألمه فمات فدمه مباح.
قضى الله في القتلى قصاص دمائهم ... ولكن دماء العاشقين جبار
وعظ عبد الواحد بن زيد يوما فصاح به رجل: يا أبا عبيدة كف فقد كشفت بالموعظة قناع قلبي فأتم عبد الواحد موعظته فمات الرجل.
صاح رجل في حلقة الشبلي فمات فاستعدى أهله على الشبلي إلى الخليفة فقال الشبلي: نفس رقت فحنت فدعيت فأجابت فما ذنب الشبلي.
فكر في أفعاله ثم صاح ... لا خير في الحب بغير افتضاح
قد جئتكم مستأمنا فارحموا ... لا تقتلوني قد رميت السلاح
إنما يصلح التأديب بالسوط من صحيح البدن ثابت القلب قوي الذراعين فيؤلم ضربه فيردع فأما من هو سقيم البدن لا قوة له فماذا ينقع تأديبه بالضرب.
كان الحسن إذا خرج إلى الناس كأنه رجل عاين الآخرة ثم جاء يخبر عنها وكانوا إذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدون الدنيا شيئا وكان سفيان الثوري يتعزى بمجالسه عن الدنيا وكان أحمد لا تذكر الدنيا في مجلسه ولا تذكر عنده قال بعضهم: لا تنفع الموعظة إلا إذا خرجت من القلب فإنها تصل إلى القلب فأما إذا خرجت من اللسان فإنها تدخل من الأذن ثم تخرج من الأخرى قال بعض السلف: إن العالم إذا لم يرد بموعظة وجه الله زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا كان يحيى بن معاذ ينشد في مجالسه:
مواعظ الواعظ لن تقبلا ... حتى يعيها قلبه أولا
يا قوم من أظلم من واعظ ... قد خالف ما قاله في الملا
أظهر بين الناس إحسانه ... وبارز الرحمن لما خلا
العالم الذي لا يعمل بعلمه كمثل المصباح يضيء للناس ويحرق نفسه قال أبو العتاهية:
стр. 6
وبخت غيرك بالعمى فأفدته ... بصرا وأنت محسن لعماك
وفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضيء للأعشى وأنت كذاك
المواعظ ذرياق الذنوب: فلا ينبغي أن يسقي الذرياق إلا طبيب حاذق معافى فأما لذيع الهوى فهو إلى شرب الذرياق أحوج من أن يسقيه لغيره
في بعض الكتب السالفة: إذا أردت أن تعظ الناس فعظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو سقيم
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
لما جلس عبد الواحد بن زيد للوعظ أتته امرأة من الصالحات فأنشدته:
يا واعظا قام لاحتساب ... يزجر قوما عن الذنوب
تنهى وأنت المريب حقا ... هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا ... عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي ... موقع صدق من القلوب
تنهى عن الغي والتمادي ... وأنت في النهي كالمريب
لما حاسب المتقون أنفسهم خافوا من عاقبة الوعظ والتذكير قال رجل لابن عباس: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فقال له ابن عباس: إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات الثلاث فافعل وإلا فابدأ بنفسك ثم تلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢, ٣] قوله تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] .
قال النخعي كانوا يكرهون القصص لهذه الآيات الثلاث قيل لمطرف: ألا تعظ أصحابك؟ قال: أكره أن أقول ما لا أفعل تقدم بعض التابعين ليصلي بالناس إماما فالتفت إلى المأمومين يعدل الصفوف وقال: استووا فغشي
стр. 7
عليه فسئل عن سبب ذلك فقال: لما قلت لهم استقيموا فكرت في نفسي فقلت لها فأنت هل استقمت مع الله طرفة عين.
ما كل من وصف الدوا يستعمله ... ولا كل من وصف التقى ذو تقى
وصفت التقى حتى كأني ذو تقى ... وريح الخطايا من ثيابي تعبق
ومع هذا كله فلا بد للإنسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والتذكير ولو لم يعظ إلا معصوم من الزلل لم يعظ الناس بعد رسول الله ﷺ أحد لأنه لا عصمة لأحد بعده:
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب ... فمن يعظ العاصين بعد محمد
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تتناهوا عنه كله" وقيل للحسن: إن فلانا لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول مالا أفعل فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول ود الشيطان أنه ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك: وصدق ومن ذا الذي ليس فيه شيء:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ يوما فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي فاستغفر الله وأتوب إليه وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتابا يعظه فيه وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذا لتواكل الخير وإذا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا لاستحلت المحارم وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض والشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر وإذا أمرهم أحد أو نهاهم عابوه بما فيه وبما ليس فيه كما قيل:
وأعلنت الفواحش في البوادي ... وصار الناس أعوان المريب
إذا ما عبتهم عابوا مقالي ... لما في القوم من تلك العيوب
стр. 8
وودوا لو كففنا فاستوينا ... فصار الناس كالشيء المشوب
وكنا نستطب إذا مرضنا ... فصار هلاكنا بيد الطبيب
وكان بعض العلماء المشهورين له مجلس للوعظ فجلس يوما فنظر إلى من حوله وهم خلق كثير وما منهم إلا من قد رق قلبه أو دمعت عينه فقال لنفسه فيما بينه وبينها: كيف بك إن نجا هؤلاء وهلكت أنت ثم قال في نفسه: اللهم إن قضيت علي غدا بالعذاب فلا تعلم هؤلاء بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي لئلا يقال: عذب من كان في الدنيا يدل عليه إلهي قد قيل لنبيك ﷺ : اقتل ابن أبي المنافق فقال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" فامتنع من عقابه لما كان في الظاهر ينسب إليه وأنا على كل حال فإليك أنسب.
زور رجل شفاعة إلى بعض الملوك على لسان بعض أكابر الدولة فاطلع المزور عليه على الحال فسعى عند الملك في قضاء تلك الحاجة واجتهد حتى قضيت ثم قال للمزور عليه: ما كنا نخيب من علق أمله بنا ورجى النفع من جهتنا إلهي فأنت أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فلا تخيب من علق أمله ورجاءه بك وانتسب إليك ودعا عبادك إلى بابك وإن كان متطفلا على كرمك ولم يكن أهلا للسمسرة بينك وبين عبادك لكنه طمع في سعة جودك وكرمك فأنت أهل الجود والكرم وربما استحيا الكريم من رد من تطفل على سماط كرمه.
إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنكم صفح عن الذنب
وقوله ﷺ : "لو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد حتى يذنبوا فيغفر لهم" وخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم لجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم" وفي حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون ثم يغفر لهم" وفي رواية له أيضا: " لو لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لجاء الله بقوم لهم ذنوب فيغفر لهم".
والمراد بهذا: أن لله تعالى حكمة في إلقاء الغفلة على قلوب عباده أحيانا حتى تقع منهم بعض الذنوب فإنه لو استمرت لهم اليقظة التي يكونون عليها في حال سماع الذكر لما وقع منهم ذنب وفي إيقاعهم في الذنوب أحيانا فائدتان عظيمتان:
أحدهما: اعتراف المذنبين بذنوبهم وتقصيرهم في حق مولاهم وتنكيس رؤوس عجبهم وهذا أحب إلى الله من فعل كثير من الطاعات فإن دوام الطاعات قد توجب لصاحبها العجب وفي الحديث: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو
стр. 9
أشد من ذلك العجب" قال الحسن: لو أن ابن آدم كلما قال أصاب وكلما عمل أحسن أوشك أن يجن من العجب قال بعضهم: ذنب أفتقر به أحب إلي من طاعة أدل بها عليه أنين المذنبين أحب إليه من زجل المسبحين لأن زجل المسبحين ربما شابه الإفتخار وأنين المذنبين يزينه الإنكسار والإفتقار.
في حديث: "إن الله لينفع العبد بالذنب يذنبه" قال الحسن: إن العبد ليعمل الذنب فلا ينساه ولا يزال متخوفا منه حتى يدخل الجنة المقصود من زلل المؤمن ندمه ومن تفريط أسفه ومن اعوجاجه تقويمه ومن تأخره تقديمه ومن زلقه في هوة الهوى أن يؤخذ بيده فينجى إلى نجوة النجاة كما قيل:
قرة عيني لا بد لي منك وإن ... أوحش بيني وبينك الزلل
قرة عيني أنا الغريق فخذ ... كف غريق عليك يتكل
الفائدة الثانية: حصول المغفرة والعفو من الله لعبده فإن الله يحب أن يعفو ويغفر ومن أسمائه الغفار والعفو والتواب فلو عصم الخلق فلمن كان العفو والمغفرة.
قال بعض السلف: أول ما خلق الله القلم فكتب: إني أنا التواب أتوب على من تاب قال أبو الجلد: قال رجل من العاملين لله بالطاعة: اللهم أصلحني صلاحا لا فساد علي بعده فأوحى الله تعالى إليه: إن عبادي المؤمنين كلهم يسألوني مثل ما سألت فإذا أصلحت عبادي كلهم فعلى من أتفضل وعلى من أعود بمغفرتي كان بعض السلف يقول: لو أعلم أحب الأعمال إلى الله لأجهدت نفسي فيها فرأى في منامه قائلا يقول له إنك تريد مالا يكون إن الله يحب أن يغفره قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الخلق عليه.
يا رب أنت رجائي ... وفيك حسنت ظني
يارب فاغفر ذنوبي ... وعافني واعف عني
العفو منك إلهي ... والذنب قد جاء مني
والظن فيك جميل ... حقق بحقك ظني
وقوله ﷺ لأبي هريرة لما سأله: مم خلق الخلق فقال له: "من الماء" يدل على أن الماء أصل جميع المخلوقات ومادتها وجميع المخلوقات خلقت منه.
стр. 10
وفي المسند من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء؟ فقال: "كل شيء خلق من ماء" وقد حكى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود وطائفة من السلف أن أول المخلوقات الماء.
وروى الجوزجاني بإسناده عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن بدء الخلق؟ فقال: من تراب وماء وطين ومن نار وظلمة فقيل له: فما بدء الخلق الذي ذكرت؟ قال: من ماء من ينبوع.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الماء كان موجودا قبل خلق السموات والأرض فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] .
وفي صحيح البخاريعن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله" وفي رواية: "معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض".
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء".
وروى ابن جرير وغيره عن ابن عباس: أن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسمى عليه فسمى سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين ثم استوى إلى السماء وهي دخان وكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس ثم جعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات.
وعن وهب: أن العرش كان قبل أن تخلق السموات والأرض على الماء فلما أراد الله أن يخلق السموات والأرض قبض من صفات الماء قبضة ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا ثم قضاهن سبع سموات في يومين ثم أخذ طينة من الماء فوضعها في مكان البيت ثم دحا الأرض منها وقال بعضهم: خلق الله الأرض أولا ثم خلق السماء ثم دحا الأرض بعد أن خلق السماء وقيل: خلق الله تعالى زمردة خضراء كغلظ السموات والأرض ثم نظر إليها نظر العظمة فانماعت ـ يعني ذابت ـ فصارت ماء فمن ثم يرى الماء دائما يتحرك من تلك الهيبة ثم إن الله تعالى رفع.
стр. 11
من البحر بخارا وهو الدخان الذي ذكره في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فخلق السماء من الدخان وخلق الأرض من الماء والجبال من موج الماء وقال وهب: أول ما خلق الله تعالى مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فأضاءت ذلك المكان ثم نظر إلى الجوهرة نظرة الهيبة فصارت ماء فارتفع بخارها وزبدها فخلق من البخار السموات ومن الزبد الأرضين وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله خلق خلقه من ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل".
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأ الله تعالى من خلقه؟ قال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه قلم ولا دواة أي مداد كتابه الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إنني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي وأن محمدا عبدي ورسولي سبقت رحمتي غضبي قال كعب: فإذا كان يوم القيامة أخرج الله ذلك الكتاب فيخرج من النار مثلي عدد أهل الجنة فيدخلهم الجنة.
وقال سلمان وعبد الله بن عمرو: إن لله تعالى مائة رحمة كما بين السماء والأرض فأنزل منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الجن والإنس وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء ودواب الأرض وهوامها وادخر عنده تسعة وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة أنزل تلك الرحمة إلى ما عنده فيرحم بها عباده والآثار في هذا الباب كثيرة.
وهذا كله يبين أن السموات والأرض خلقت من الماء والخلاف في أن الماء هل هو أول المخلوقات أم لا؟ مشهور وحديث أبي هريرة يدل على أن الماء مادة جميع المخلوقات وقد دل القرآن على أن الماء مادة جميع الحيوانات قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الانبياء: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] وقول من قال: أن المراد بالماء النطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد لوجهين:
أحدهما: أن النطفة لا تسمى ماء مطلقا بل مقيدا لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦, ٧] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠] .
والثاني: أن من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة ونحو ذلك فليس كل حيوان مخلوقا من نطفة والقرآن دل على خلق جميع ما يدب وما فيه حياة من ماء فعلم بذلك أن أصل جميعها الماء المطلق ولا ينافي هذا قوله.
стр. 12
تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧] وقول النبي ﷺ : "خلقت الملائكة من نور" فإن حديث أبي هريرة دل على أن أصل النور والنار الماء كما أن أصل التراب الذي خلق منه آدم الماء فإن آدم خلق من طين والطين تراب مختلط بماء أو التراب خلق من الماء كما تقدم عن ابن عباس وغيره وزعم مقاتل: أن الماء خلق من النور وهو مردود بحديث أبي هريرة هذا وغيره ولا يستنكر خلق النار من الماء فإن الله جمع بقدرته بين الماء والنار في الشجر الأخضر وجعل ذلك من أدلة القدرة على البعث وذكر الطبائعيون أن الماء بانحداره يصير بخارا والبخار ينقلب هواء والهواء ينقلب نارا والله أعلم.
وقوله ﷺ لأبي هريرة حين سأله عن بناء الجنة فقال: "لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران" وقد روي هذا عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر مرفوعا أخرجه الطبراني فهذه أربعة أشياء:
أحدها: بناء الجنة: ويحتمل أن المراد بنيان قصورها ودورها ويحتمل أن يراد بناء حائطها وسورها المحيط بها وهو أشبه وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا وهو أشبه: "حائط الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب ودرجها الياقوت واللؤلؤ قال: وكنا نتحدث: أن رضراض أنهارها اللؤلؤ وترابها الزعفران" وفي مسند البزار عن أبي سعيد مرفوعا: "خلق الله الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك فقال لها: تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك".
ومما يبين أن المراد ببناء الجنة في هذه الأحاديث بناء سورها المحيط بها ما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "جنتان من ذهب وآنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة وآنيتهما وما فيهما".
وقد روي عن أبي موسى مرفوعا: "جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين" وفي الصحيح أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: "إنها جنان كثيرة" وقد روي: "أن بناء بعضها من در وياقوت" خرج ابن لأبي الدنيا من حديث أنس مرفوعا: "خلق الله جنة عدن بيده لبنة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجد خضراء ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران ثم قال لها: انطقي قالت: قد أفلح المؤمنون قال وعزتي لا يجاورني فيك بخيل".
стр. 13
وروى عطية عن أبي سعيد قال: إن الله خلق جنة عدن من ياقوتة حمراء ثم قال لها: تزيني فتزينت ثم قال لها: تكلمي فقالت: طوبى لمن رضيت عنه ثم أطبقها وعلقها بالعرش فهي تفتح في كل سحر فذلك برد السحر وعن ابن عباس قال: كان عرش الله على الماء ثم اتخذ دونها أخرى وطبقهما بلؤلؤة واحدة لا تعلم الخلائق ما فيهما وهما اللتان ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وذكر صفوان بن عمرو عن بعض مشايخه قال: الجنة مائة درجة.
أولها: درجة فضة أرضها فضة ومساكنها فضة وترابها المسك.
والثانية: ذهب وأرضها ذهب وآنيتها ذهب وترابها المسك.
والثالثة: لؤلؤ وأرضها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها المسك وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم تلا ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] .
وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه: "سأل موسى ربه قال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة فيقول: يا رب كيف وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت يا رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول: رضيت يا رب قال: فأعلاهم منزلة قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال: ومصداقه في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] ".
الثاني: ملاط الجنة: وأنه المسك الأذفر وقد تقدم مثل ذلك في غير حديث والملاط: هو الطين ويقال: الطين الذي يبنى منه البنيان والأذفر الخالص.
стр. 14
ففي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" والجنابذ: مثل القباب وقد قيل: إنه أراد بترابها ما خالطه الماء وهو طينها كما في صحيح البخاري عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال في الكوثر: "طينه المسك الأذفر" وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] : إن المراد بالختام: ما يبقى في سفل الشراب من التفل وهذا يدل على أن أنهارها تجري على المسك ولذلك يرسب منه في الإناء في آخر الشراب كما يرسب الطين في آنية الماء في الدنيا.
الثالث: حصباء الجنة: وأنه اللؤلؤ والياقوت والحصباء: الحصي الصغار وهو الرضراض وفي المسند عن أنس عن النبي ﷺ في ذكر الكوثر: أن "رضراضه اللؤلؤ" وفي رواية: "حصباؤه اللؤلؤ" وفي الترمذي من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : أن "مجراه على الدر والياقوت" وفي الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "حاله المسك الأبيض ورضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ" وفي المسند من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "حاله المسك ورضراضه التوم" والتوم: الجوهر والحال: الطين قال أبو العالية: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الربانيين من أمة محمد انتدبوا لدار أرضها زبرجد أخضر تجري عليها أنهار الجنة فيها الدر واللؤلؤ والياقوت وسورها زبرجد أخضر متدليا عليها أشجار الجنة بثمارها.
الرابع: تراب الجنة: وأنه الزعفران وقد سبق في رواية أخرى: "الزعفران والورس" وقد قيل: إن المراد بالتراب ههنا: تربة الأرض التي لا ماء عليها فأما ما كان عليه ماء فإنه مسك كما سبق وسبق أيضا في بعض الروايات حشيشها الزعفران وهو نبات أرضها وترابها فأما حديث ترابها المسك: فقد قيل: إنه محمول على تراب يخالطه الماء كما تقدم وقيل: إن المراد: أن ريح ترابها ريح مسك ولونه لون الزعفران ويشهد لهذا حديث الكوثر: "إن حاله المسك الأبيض" فريحه ريح المسك ولونه مشرق لا يشبه لون مسك الدنيا بل هو أبيض وقد يكون منه أبيض ومنه أصفر والله أعلم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ سأل ابن الصياد عن تربة الجنة: فقال: درمكة بيضاء مسك خالص فصدقه النبي ﷺ ورواية: أن ابن صياد سأل النبي ﷺ وصدقه وفي المسند والترمذي عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: تربة الجنة درمكة ثم سأل اليهود؟ فقالوا: خبزة فقال: "الخبز من الدرمك".
стр. 15
والتي تجتمع به هذه الأحاديث كلها أن تربة الجنة في لونها بيضاء ومنها ما يشبه لون الزعفران في بهجته وإشراقه وريحها ريح المسك الأذفر الخالص وطعمها طعم الخبز الحواري الخالص وقد يختص هذا بالأبيض منها فقد اجتمعت لها الفضائل كلها لا حرمنا الله ذلك برحمته وكرمه.
وقوله ﷺ : "من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم" إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم وإن صفات أهلها الكاملة من الشباب لا تتغير أبدا وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدا وقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة كقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء: ٥٧] في مواضع كثيرة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه".
وفيه أيضا عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم أن تنعموا ولا تبأسوا أبدا وأن لكم أن تصحوا وتسقموا أبدا وأن لكم أن تشبوا ولا تهرموا أبدا ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] " وفي رواية لغيره زيادة: "وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا" وفي الترمذي مرفوعا: "أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم" وعن أبي سعيد مرفوعا: "يدخل أهل الجنة أبناء ثلاثين لا يزيدون عليها أبدا".
ومن حديث علي مرفوعا: "إن في الجنة مجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له" وخرج الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا: "إن مما يتغنين به الحور العين: نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه".
ومن حديث أم سلمة مرفوعا: "أن نساء أهل الجنة يقلن: نحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا" وفيما ذكره ﷺ في صفة من يدخل الجنة تعريض بذم الدنيا الفانية فإنه من يدخلها وإن نعم فيها فإنه يبأس ومن أقام فيها فإنه يموت ولا يخلد ويفنى شبابهم وتبلى ثيابهم وتبلى أجسامهم.
стр. 16
وفي القرآن نظير هذا وهذا التعريض بذم الدنيا وفنائها مع مدح الآخرة وذكر كمالها وبقائها كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ*قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤, ١٥] .
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] الآية ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥, ٢٦] الآية.
وقال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٥, ٤٦] .
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] .
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] إلى قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] وقال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦, ١٧] وقال الله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها فتتبدل صحتها بالسقم ووجودها بالعدم وشبيبتها بالهرم ونعيمها بالبؤس وحياتها بالموت فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب.
قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل
стр. 17
ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد ﵁ يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك وفي الحديث: "عجبا لمن رأى الدنيا وسرعة تقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها" قال الحسن: إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لب بها فرحا وقال مطرف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا نعيما لا موت فيه وقال يونس بن عبيد: ما ترك ذكر الموت لنا قرة عين في أهل ولا مال وقال يزيد الهاشمي: أمن أهل الجنة الموت فطاب لهم العيش وأمنوا الاسقام فهنيئا لهم في جوار الله طول المقام عيوب الدنيا بادية وهي تغيرها ومواعظها منادية لكن حبها يعمي ويصم فلا يسمع محبها نداءها ولا يرى كشفها للغير وإيذاءها.
قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمر أفنيته ... وجامع بددت ما يجمع
كم قد تبدل نعيمها بالضر والبؤس كم أصبح من هو واثق بملكها وأمسى وهو منها قنوط بؤوس قالت بعض بنات ملوك العرب الذين نكبوا: أصبحنا وما في الأرض أحد إلا وهو يحسدنا ويخشانا وأمسينا وما في العرب أحد إلا وهو يرحمنا ثم قالت:
وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
فأف لدار لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنار تصرف
دخلت أم جعفر بن يحيى البرمكي على قوم في عيد أضحى تطلب جلد كبش تلبسه وقالت: هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة قائمة وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي.
كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السرف في إنفاق المال حتى أنها زوجت بعض لعبها فأنفقت على وليمة عرسها مائة ألف دينار فما مضى إلا قليل حتى رؤيت في سوق من أسواق بغداد وهي تسأل الناس.
اجتاز بعض الصالحين بدار فيها فرح وقائلة تقول في غنائها:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يزري بصاحبك الزمان
стр. 18
ثم اجتاز بها عن قريب وإذا الباب مسود وفي الدار بكاء وصراخ فسأل عنهم؟ فقيل: مات رب الدار فطرق الباب وقال: سمعت من هذه الدار قائلة تقول: كذا وكذا فبكت امرأة وقالت: يا عبد الله إن الله يغير ولا يتغير والموت غاية كل مخلوق فانصرف من عندهم باكيا.
بعث أبو بكر الصديق ﵁ في خلافته وفدا إلى اليمن فاجتازوا في طريقهم بماء من مياه العرب عنده قصور مشيدة وهناك مواش عظيمة ورقيق كثير ورأى نسوة كثيرة مجتمعات في عرس لهن وجارية بيدها دف تقول:
معاشر الحساد موتوا كمدا ... كذا نكون ما بقينا أبدا
فنزلوا بقربهم فأكرمهم سيد الماء واعتذر إليهم باشتغاله بالعرس فدعوا له وارتحلوا.
ثم إن بعض أولئك الوفد أرسلهم معاوية إلى اليمن فمروا بالقرب من ذلك الماء فعدلوا إليه لينزلوا فيه فإذا القصور المشيدة قد خربت كلها وليس هناك ماء ولا أنيس ولم يبق من تلك الآثار إلا تل خراب فذهبوا إليه فإذا عجوز عمياء تأوي إلى نقب في ذلك التل فسألوها عن أهل ذلك الماء فقالت: هلكوا كلهم فسألوها عن ذلك العرس المتقدم فقالت: كانت العروس أختي وأنا كنت صاحبة الدف فطلبوا أن يحملوها معهم فأبت وقالت: عزيز علي أن أفارق هذه العظام البالية حتى أصير إلى ما صارت إليه فبينما هي تحدثهم إذ مالت فنزعت نزعا يسيرا ثم ماتت فدفنوها وانطلقوا.
حمل إلى سليمان بن عبد الملك في خلافته من خراسان ستة أحمال مسك إلى الشام فأدخلت على ابنه أيوب وهو ولي عهده فدخل عليه الرسول بها في داره فدخل إلى دار بيضاء وفيها غلمان عليهم ثياب بياض وحليتهم فضة ثم دخل إلى دار صفراء فيها غلمان عليهم ثياب صفر وحليتهم الذهب ثم دخل إلى دار خضراء فيها غلمان عليهم ثياب خضر وحليتهم الزمرد ثم دخل على أيوب وهو وجاريته على سرير فلم يعرف أحدهما من الآخر لقرب شبههما فوضع المسك بين يديه فانتهبه كله الغلمان ثم خرج الرسول فغاب بضعة عشر يوما ثم رجع فمر بدار أيوب وهي بلاقع فسأل عنهم؟ فقيل له: أصابهم الطاعون فماتوا.
стр. 19
كان يزيد بن عبد الملك ـ وهو الذي انتهت إليه الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز ـ له جارية تسمى حبابة وكان شديد الشغف بها ولم يقدر على تحصيلها إلا بعد جهد شديد فلما وصلت إليه خلى بها يوما في بستان وقد طار عقله فرحا بها فبينما هو يلاعبها ويضاحكها إذ رماها بحبة رمان أو حبة عنب وهي تضحك فدخلت في فيها فشرقت بها فماتت فما سمحت نفسه بدفنها حتى أراحت فعوتب على ذلك فدفنها ويقال: إنه نبشها بعد دفنها ويروى: إنه دخل بعد موتها إلى خزائنها ومقاصيرها ومعها جارية لها فتمثلت الجارية ببيت:
كفى حزنا بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا
فصاح وخر مغشيا عليه فلم يفق إلى أن مضى هوي من الليل ثم أفاق فبكى بقية ليلته ومن الغد فدخلوا عليه فوجدوه ميتا قال بعض السلف: ما من حبرة إلا يتبعها عبرة, وما كان ضحك في الدنيا إلا كان بعده بكاء. من عرف الدنيا حق معرفتها حقرها وأبغضها كما قيل:
أما لو بيعت الدنيا بفلس ... أنفت لعاقل أن يشتريها
ومن عرف الآخرة وعظمتها ورغب فيها
عباد الله هلموا إلى دار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولايهرم شبابها ولا يتغير حسنها وإحسانها هواؤها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠] قال عون بن عبد الله بن عتبة: بنى ملك ممن كان قبلنا مدينة فتنوق في بنائها ثم صنع طعاما ودعا الناس إليه وأقعد على أبوابها ناسا يسألون كل من خرج هل رأيتم عيبا؟ فيقولون لا حتى جاء في آخر الناس قوم عليهم أكسية فسألوهم: هل رأيتم عيبا؟ فقالوا: عيبين فأدخلوهم على الملك فقال: هل رأيتم عيبا؟ فقالوا عيبين قال: وما هما؟ قالوا: تخرب ويموت صاحبها قال: فتعلمون دار لا تخرب ولا يموت صاحبها؟ قالوا نعم فدعوه فاستجاب لهم وانخلع من ملكه وتعبد معهم فحدث عون بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فوقع منه موقعا حتى هم أن يخلع نفسه من الملك فأتاه ابن عمه مسلمة فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين في أمة محمد فوالله لئن فعلت ليقتتلن بأسيافهم،
стр. 20
قال: ويحك يا مسلمة حملت ما لا أطيق وجعل يرددها ومسلمة يناشده حتى سكن.
بنى بعض ملوك العرب الخورنق والسدير فنظر إلى ملكه يوما فقال: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فقالوا: لا ورجل منهم ساكت فقال: أيها الملك إن أذنت لي تكلمت فقال تكلم قال: أرأيت ما جمعت أشيء هو لك لم يزل ولا يزول أم هو شيء كان لمن قبلك وزال عنه وصار إليك وكذلك يزول عنك؟ قال: بل كان لمن قبلي وصار لي ويزول عني قال فسررت بشيء تزول عنك لذاته وتبقى تبعته عليك تكون فيه قليلا وترتهن به طويلا فبكى وقال: أين المهرب؟ قال: إما أن تقيم وتعمل بطاعة ربك وإما أن تخلع من ملكك وتقيم وحدك وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت وشباب لا يهرم وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى فقال: فأي خير فيما يفني والله عيشا لا يزول أبدا فانخلع من ملكه وسار في الأرض وفيه يقول عدي بن زيد أبياته المشهورة السائرة:
أيها الشامت المعير بالدهـ ... ـر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من ... الأيام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون أخلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ ... ـلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلـ ... ـسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الـ ... ـملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أشـ ... ـرف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يمـ ... ـلك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غبـ ... ـطة حي إلى الممات يصير
ثم أضحوا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور
ثم بعد الفلاح والملك ... والإمة وارتهم هناك القبور
стр. 21
وظائف شهر الله المحرم
المجلس الأول: في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول
الفصل الأول: في أفضل التطوع بالصيام
...
وظائف شهر الله المحرم.
ويشتمل على مجالس:
المجلس الأول في فضل شهر الله المحرم وعشره الأول.
خرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل" الكلام على هذا الحديث في فصلين في أفضل التطوع: بالصيام وأفضل التطوع: بالقيام.
الفصل الأول: أفضل التطوع بالصيام.
وهذا الحديث صريح في أن أفضل ما تطوع به من الصيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرم وقد يحتمل أن يراد: أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا بعد رمضان فأما بعض التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام يوم عرفه أو عشر ذي الحجة أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي من حديث علي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بشهر أصومه بعد شهر رمضان؟ قال رسول الله ﷺ : " إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله وفيه يوم تاب الله فيه على قوم ويتوب على آخرين" وفي اسناده مقال.
ولكن يقال: أن النبي ﷺ كان يصوم شهر شعبان ولم ينقل أنه كان يصوم المحرم إنما كان يصوم عاشوراء وقوله في آخر سنة: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع" يدل على أنه كان لا يصوم التاسع قبل ذلك وقد أجاب الناس عن هذا السؤال بأجوبة فيها ضعف والذي ظهر لي والله أعلم أن التطوع بالصيام نوعان:
стр. 22
أحدهما: التطوع المطلق بالصوم فهذا أفضله المحرم كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل.
والثاني: ما صيامه تبع لصيام رمضان قبله وبعده فهذا ليس من التطوع المطلق بل صيامه تبع لصيام رمضان وهو ملتحق بصيام رمضان ولهذا قيل: إن صيام ستة أيام من شهر شوال يلتحق بصيام رمضان ويكتب بذلك لمن صامها مع رمضان صيام الدهر فرضا وقد روي أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم فأمره النبي ﷺ بصيام شوال فترك الأشهر الحرم وصام شوالا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
فهذا النوع من الصيام ملتحق برمضان وصيامه أفضل التطوع مطلقا فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم وقد روي عن النبي ﷺ أنه أمر رجلا أن يصوم الحرم وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى وأفضل صيام الأشهر الحرم شهر الله المحرم ويشهد لهذا أنه ﷺ قال في هذا الحديث: "وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل" ومراده بعد المكتوبة: ولواحقها من سننها الرواتب فإن الرواتب قبل الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء لالتحاقها بالفرائض وإنما خالف في ذلك بعض الشافعية فكذلك الصيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان وصيامه أفضل من صيام الأشهر الحرم وأفضل التطوع المطلق بالصيام صيام المحرم.
وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل فقال الحسن وغيره.
أفضلها شهر الله المحرم ورجحه طائفة من المتأخرين وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه وقد روي عنه مرفوعا ومرسلا قال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو الهلال الراسي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة في جوف الليل الأوسط وأفضل الشهور بعد شهر رمضان المحرم وهو شهر الله الأصم".
وخرج النسائي من حديث أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ : أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: "خير الليل جوفه وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم" واطلاقه في هذا الحديث "أفضل الأشهر" محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة وقال سعيد بن جبير وغيره: أفضل الأشهر الحرم.
стр. 23
ذو القعدة أو ذو الحجة بل قد قيل: إنه أفضل الأشهر مطلقا وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وزعم بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب وهو قول مردود وأفضل شهر الله المحرم عشره الأول وقد زعم يمان بن رآب: أنه العشر الذي أقسم الله به في كتابه ولكن الصحيح أن العشر المقسم به عشر ذي الحجة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عثمان النهدي: كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأخير من رمضان والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأول من محرم وقد وقع هذا في بعض نسخ كتاب فضائل العشر لابن أبي الدنيا عن أبي عثمان عن أبي ذر عن النبي ﷺ : أنه "كان يعظم هذه العشرات الثلاث" وليس ذلك بمحفوظ وقد قيل: إن العشر الذي أتم الله به ميقات موسى ﵇ أربعين ليلة وإن التكلم وقع في عاشره.
وروي عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن مر قومك أن يتوبوا إلي في أول عشر المحرم فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم.
وعن قتادة أن الفجر الذي أقسم الله به في أول سورة الفجر هو فجر أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة ولما كانت الأشهر الحرم أفضل الأشهر بعد رمضان أو مطلقا وكان صيامها كلها مندوبا إليه كما أمر به النبي ﷺ وكان بعضها ختام السنة الهلالية وبعضها مفتاحا لها فمن صام شهر ذي الحجة سوى الأيام المحرم صيامها منه وصام المحرم فقد ختم السنة بالطاعة وافتتحها بالطاعة فيرجى أن تكتب له سنته كلها طاعة فإن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
وفي حديث مرفوع: "ما من حافظين يرفعان إلى الله صحيفة فيرى في أولها وفي آخرها خيرا إلا قال الله لملائكته أشهدكم أني غفرت لعبدي ما بين طرفيها" خرجه الطبراني وغيره وهو موجود في بعض نسخ كتاب الترمذي وفي حديث آخر مرفوع: "ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخر النهار ساعة أغفر لك مابين ذلك إلا الكبائر أو تتوب منها" وقال ابن مبارك: من ختم نهاره بذكر كتب نهاره كله ذكرا يشير إلى أن الأعمال بالخواتيم فإذا كان البداءة والختام ذكرا فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملا.
стр. 24
للجميع ويتعين افتتاح العام بتوبة نصوح تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.
قطعت شهور العام لهوا وغفلة ... ولم تحترم فيما أتيت المحرما
فلا رجبا وافيت فيه بحقه ... ولا صمت شهر الصوم صوما متمما
ولا في ليالي عشر ذي الحجة الذي ... مضى كنت قواما ولا كنت محرما
فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة ... وتبكي عليها حسرة وتندما
وتستقبل العام الجديد بتوبة ... لعلك أن تمحو بها ما تقدما
وقد سمى النبي ﷺ المحرم شهر الله واضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته كما نسب محمدا وإبرهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته ونسب إليه بيته وناقته
ولما كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى الله تعالى كان الصيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى فإنه له من بين الأعمال ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله : إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرا فأشار إلى شهر الله الذي حرمه فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره:
شهر الحرام مبارك ميمون ... والصوم فيه مضاعف مسنون
وثواب صائمه لوجه إلهه ... في الخلد عند مليكه مخزون
الصيام سر بين العبد وبين ربه ولهذا يقول الله ﵎: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به إنه ترك شهواته وطعامه وشرابه من أجلي" وفي الجنة باب يقال له: الريان لا يدخل منه إلا الصائمون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه غيرهم وهو جنة للعبد من النار كجنة أحدكم من القتال.
وفي المسند عن النبي ﷺ قال: "من صام يوما ابتغاء وجه الله تعالى بعده الله من نار جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما" وفيه أن أبا أمامة قال للنبي ﷺ : أوصني؟ قال: "عليك بالصوم فإنه لا عدل له" فكان أبو أمامة وأهله يصومون فإذا رؤي في بيتهم دخان بالنهار علم أنه قد نزل بهم ضيف وممن سرد
стр. 25
الصوم عمر وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة وخلق كثير من السلف وممن صام الأشهر الحرم كلها ابن عمر والحسن البصري وغيرهما قال بعضهم: إنما هو غداء وعشاء فإن أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" إذا وجد ثواب صيامه مدخورا سمع بعضهم مناديا ينادي على السحور في رمضان ياما خبأنا للصوم فانتبه لذلك وسرد الصوم وروي: أن الصائمين توضع لهم مائدة تحت العرش فيأكلون والناس في الحساب فيقول الناس ما بال هؤلاء يأكلون ونحن نحاسب؟ فيقال: كانوا يصومون وأنتم تفطرون وروي: أنهم يحكمون في ثمار الجنة والناس في الحساب روى ذلك ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع.
قال الله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوم: من ترك لله طعامه وشرابه وشهواته عوضه الله خيرا من ذلك طعاما وشرابا لا ينفذ وأزواجا لا تموت في التوراة: طوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر طوبى لمن ظمأ نفسه اليوم ليوم الري الأكبر طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره طوبى لمن ترك طعاما ينفذ في دار لدار ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] .
من يرد ملك الجنان ... فليذر عنه التواني
وليقم في ظلمة الليـ ... ـل إلى نور القرآن
وليصل صوما بصوم ... إن هذا العيش فإني
إنما العيش جوار ... الله في دار الأمان
كان بعض الصالحين يكثر الصوم فرأى في منامه كأنه دخل الجنة فنودي من ورائه يا فلان تذكر أنك صمت لله يوما قط؟ قال: إي والله يوم ويوم ويوم فإذا صواني النار قد أخذته يمنة ويسرة كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات فرأى بعض أصحابه في المنام فسئل عن حاله فقال:
قد كسي حلة البهاء وطا ... فت بالأباريق حوله الخدام
ثم حلى وقيل يا قارئي أرقه ... فلعمري لقد براك الصيام
стр. 26
صام بعض التابعين حتى أسود من طول صيامه وصام الأسود بن يزيد حتى اخضر جسمه واصفر فكان إذا عوتب في رفقه بجسده يقول: كرامة هذا الجسد أريد وصام بعضهم حتى وجد طعم دماغه في حلقه كان بعضهم يسرد الصوم فمرض وهو صائم فقالوا له: افطر فقال: ليس هذا وقت ترك وقيل لآخر منهم وهو مريض: افطر فقال: كيف وأنا أسير لا أدري ما يفعل بي مات عامر بن عبد الله بن الزبير وهو صائم ما أفطر ودخلوا على أبي بكر بن أبي مريم وهو في النزع وهو صائم فعرضوا عليه ماء ليفطر فقال: أغربت الشمس؟ قالوا: لا فأبى أن يفطر ثم أتوه بماء وقد اشتد نزعه فأومأ إليهم أغربت الشمس؟ قالوا: نعم فقطروا في فيه قطرة من ماء ثم مات واحتضر إبراهيم بن هانيء صاحب الإمام أحمد وهو صائم وطلب وسأل أغربت الشمس؟ فقالوا: لا وقالوا له: قد رخص لك في الفرض وأنت متطوع قال: أمهل ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ثم خرجت نفسه وما أفطر الدنيا كلها شهر صيام المتقين وعيد فطرهم يوم لقاء ربهم ومعظم نهار الصيام قد ذهب وعيد اللقاء قد اقترب.
وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
ولما كان الصيام سرا بين العبد وبين ربه اجتهد المخلصون في إخفائه بكل طريق حتى لا يطلع عليه أحد قال بعض الصالحين: بلغنا عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فيظن أنه ليس بصائم وعن ابن مسعود ﵁ قال: إذا أصبح أحدكم صائما فليترجل ـ يعني يسرح شعره ـ ويدهنه وإذا تصدق بصدقة عن يمينه فليخفها عن شماله وإذا صلى تطوعا فليصل داخل بيته وقال أبو التياح: أدركت أبي وشيخة الحي إذا صام أحدهم ادهن ولبس صالح ثيابه.
صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد كان له دكان فكان كل يوم يأخذ من بيته رغيفين ويخرج إلى دكانه فيتصدق بهما في طريقه فيظن أهله أنه يأكلهما في السوق ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته قبل أن يجيء اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصيام فكان يقوم يوم الجمعة في مسجد الجامع فيأخذ إبريق الماء فيضع بلبلته في فيه ويمتصها والناس ينظرون إليه ولا يدخل حلقه منه شيء لينفي عن نفسه ما اشتهر به من الصوم كم يستر الصادقون أحوالهم وريح الصدق.
стр. 27
ينم عليهم ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية.
كم اكتم حبكم عن الأغيار ... والدمع يذيع في الهوى أسرارى
كم أستركم هتكتمو أسرارى ... من يخفي في الهوى لهيب النار
ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فكلما اجتهد صاحبه على إخفائه فاح ريحه للقلوب فتستنشقه الأرواح وربما ظهر بعد الموت ويوم القيامة.
فكاتم الحب يوم البين منهتك ... وصاحب الوجد لا تخفى سرائره
ولما دفن عبد الله بن غالب كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك فرؤى في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ وجاء في حديث مرفوع: يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح صيامهم أفواههم أطيب من ريح المسك.
وهبني كتمت السر أو قلت غيره ... أتخفى على أهل القلوب السرائر
أبى ذاك إن السر في الوجه ناطق ... وإن ضمير القلب في العين ظاهر
стр. 28
الفصل الثاني: في فضل قيام الليل .
وقد دل حديث أبي هريرة ﵁ هذا على أنه أفضل الصلاة بعد المكتوبة وهل هو أفضل من السنن الراتبة فيه خلاف سبق ذكره وقال ابن مسعود ﵁: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية وخرجه الطبراني عنه مرفوعا والمحفوظ وقفه وقال عمرو بن العاص: ركعة بالليل خير من عشر بالنهار خرجه ابن أبي الدنيا وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص.
كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زواره فيقوم من الليل يصلي لا يعلم به زواره وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكي طول ليلته وهي لا تشعر وكان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله ويأمر.
стр. 29
حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه وكان بعضهم يقوم من وسط الليل ولا يدري به فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة ولأن صلاة الليل أشق على النفوس فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر فإنه تنقطع الشواغل بالليل ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا ولهذا كانت صلاة الليل تنهاه عن الإثم كما يأتي في حديث خرجه الترمذي وفي المسند عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: إن فلانا يصلين الليل فإذا أصبح سرق؟ فقال: "سينهاه ما تقول" ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطول بالصلاة وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين.
وقد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته فقال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦, ١٧] وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] وقال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذريات: ١٧, ١٨] وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وقال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الاسراء:٧٩] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ [الانسان:٢٦] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١, ٤] قالت عائشة ﵂ لرجل: "لا تدع قيام الليل فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه وكان إذا مرض أو قالت: كسل صلى قاعدا" وفي رواية أخرى عنها قالت: بلغني عن قوم يقولون: إن أدينا الفرائض لم نبال أن لا نزداد ولعمري لا يسألهم الله إلا عما افترض عليهم ولكنهم قوم يخطئون بالليل والنهار وما أنتم إلا من نبيكم وما نبيكم إلا
стр. 30
منكم والله ما ترك رسول الله ﷺ قيام الليل ونزعت كل آية فيها قيام الليل فأشارت عائشة ﵂ إلى قيام الليل فيه فائدتان عظيمتان: الإقتداء بسنة رسول الله ﷺ والتأسي به وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وتكفير الذنوب والخطايا فإن بني آدم يخطئون بالليل والنهار فيحتاجون إلى الإستكثار من مكفرات الخطايا وقيام الليل من أعظم المكفرات كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "قيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة" ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] الآية خرجه الإمام أحمد وغيره.
وقد روي أن المتهجدين يدخلون الجنة بغير حساب وروي عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع فينادي: أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل ثم يحاسب سائر الناس" خرجه ابن أبي الدنيا وغيره ويروى عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄ من قوله ويروى أيضا من حديث أبي اسحاق عن عبد الله بن عطاء عن قبة بن عامر مرفوعا وموقوفا ويروى نحوه أيضا عن عبادة بن الصامت وربيعة الجرشي والحسن وكعب من قولهم قال بعض السلف: قيام الليل يهون طول القيام يوم القيامة وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الموقف للحساب.
وفي حديث أبي أمامة وبلال المرفوع: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى وتكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد" خرجه الترمذي ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد ويطرد عنه الداء وكذلك صيام النهار ففي الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا: "صوموا تصحوا" وكما أن قيام الليل يكفر السيئات فهو يرفع الدرجات وقد ذكرنا أن أهله من السابقين إلى الجنة بغير حساب.
وفي حديث المنام المشهور الذي خرجه الإمام أحمد والترمذي: "إن الملأ الأعلى يختصمون في الدرجات والكفارات" وفيه "إن الدرجات إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام" وفي المسند والترمذي وغيرهما عن
стр. 31
النبي ﷺ من وجوه: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها من ظاهرها وإنها لأهل هذه الخصال الثلاثة" وفي حديث عبد الله بن سلام المشهور المخرج في السنن: أنه أول ما سمع النبي ﷺ يقول عند قدومه المدينة: "يا أيها الناس اطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".
ومن فضائل التهجد: أن الله تعالى يحب أهله ويباهي بهم الملائكة ويستجيب دعائهم روى الطبراني وغيره من حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ـ فذكر منهم الذي له له امرأة حسناء وفراش حسن فيقوم من الليل فيقول الله تعالى: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا قام من السحر في سراء وضراء" وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يحبهم الله ـ فذكر منهم ـ وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي" وصححه الترمذي.
وفي المسند عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته فيقول ربنا ﵎: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي ورجل غزا في سبيل الله وانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع فرجع حتى إهريق دمه فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى إهريق دمه" رواه أحمد وذكر بقية الحديث وقوله ثار فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم.
ويروى من حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور فصلى ورجل نام وهو ساجد ورجل في كتيبة منهزمة فهو على فرس جواد لو شاء أن يذهب لذهب" وخرجه ابن ماجة من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إن الله ليضحك إلى ثلاثة: الصف في الصلاة والرجل يصلي في جوف الليل والرجل يقاتل أراه قال: خلف الكتيبة" وروينا من حديث أبان عن أنس عن ربيعة بن وقاص عن النبي ﷺ قال: "ثلاث مواطن لا ترد فيها دعوة رجل يكون
стр. 32
في برية حيث لا يراه أحد فيقوم فيصلي فيقول الله لملائكته: أرى عبدي هذا يعلم أن له ربا يغفر الذنب فانظروا ما يطلب؟ فتقول الملائكة: إي رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له ورجل يقوم من الليل فيقول الله : أليس قد جعلت الليل سكنا والنوم سباتا فقام عبدي هذا يصلي ويعلم أن له ربا فيقول الله لملائكته: انظروا ما يطلب عبدي هذا؟ فتقول الملائكة: يا رب رضاك ومغفرتك فيقول: اشهدوا أني قد غفرت له" وذكر الثالث: الذي يكون في فئة فيفر أصحابه ويثبت هو وهو مذكور أيضا في كل الأحاديث المتقدمة.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة عن عامر عن النبي ﷺ قال: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ فإذا وضأ يديه انحلت عقدة وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة وإذا مسح رأسه انحلت عقدة وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة فيقول الرب للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له" وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "نعم الرجل عبد الله ـ يعني ابن عمر ـ لو كان يصلي من الليل" فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا.
كان أبو ذر ﵁ يقول للناس: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى قال: فسفر طريق القيامة أبعد فخذوا له ما يصلحكم حجوا حجة لعظائم الأمور صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير أين رجال الليل أين الحسن وسفيان قال:
يارجل الليل جدوا ... رب داع لا يرد
ما يقوم الليل إلا ... من له عزم وجد
ليس شيء كصلاة ... الليل للقبر يعد
صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة ومنهم من صلى كذلك أربعين سنة قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة أخرى.
أفضل قيام الليل وسطه قال النبي ﷺ : "أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" وكان رسول الله ﷺ إذا سمع الصارخ يقوم
стр. 33
للصلاة والصارخ: الديك وهو يصيح وسط الليل وخرج النسائي عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ : أي الليل خير؟ قال: "جوفه" وخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ : أي قيام الليل أفضل؟ قال: " جوف الليل الغابر أو نصف الليل وقليل فاعله" وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ قال: "جوف الليل الأوسط" قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: "دبر المكتوبات" وخرجه الترمذي والنسائي ولفظهما: أنه سأله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات" وخرج الترمذي من حديث عمرو بن عنبسة سمع النبي ﷺ يقول: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن".
ويروى أن داود ﵇ قال: يا رب أي وقت أقوم لك؟ قال: لا تقم أول الليل ولا آخره ولكن قم وسط الليل حتى تخلوا بي وأخلو بك وارفع إلي حوائجك وفي الأثر المشهور: كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب خلوة حبيبه فها أنا ذا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري غدا أقر أعين أحبابي في جناني.
الليل لي ولأحبابي أحادثهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا
"لهم قلوب بأسراري بها ملئت ... على ودادي وإرشادي لهم طبعوا
سروا فما وهنوا عجزا ولا ضعفوا ... وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا
ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم.
كتمت اسم الحبيب من العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي
فيا شوقا إلى بلد خلي ... لعلى اسم من أهوى أنادي
كان داود الطائي يقول في الليل: همك عطل علي الهموم وحالف بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات وكان عتبة الغلام يقول في مناجاته بالليل: إن تعذبني فإني لك محب وإن ترحمني فإني لك محب.
стр. 34
لو أنك أبصرت أهل الهوى ... إذا غارت الأنجم الطلع
فهذا ينوح على ذنبه ... وهذا يصلي وذا يركع
من لم يشاركهم في هواهم ويذوق حلاوة نجواهم لم يدر ما الذي أبكاهم من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب.
من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد
كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم والسحر للمذنبين للإستغفار من ذنوبهم فوسط الليل خاص لخلوة الخواص والسحر عام لرفع قصص الجميع وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم صحائف التائبين خدودهم ومدادهم دموعهم قال بعضهم: إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم رسائل الأسحار تحمل ولا يدري بها الفلك وأجوبتها ترد إلى الأسرار ولا يعلم بها الملك.
صحائفنا إشارتنا ... وأكثر رسلنا الحرق
لأن الكتب قد تقرأ ... بغير الدمع لا تثق
لا تزال القصص تستعرض ويوقع بقضاء حوائج أهلها إلى أن يطلع الفجر ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له هل من داع فأجيب دعوته إلى أن ينفجر الفجر فلذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله.
نحن الذين إذا أتانا سائل ... نوليه إحسانا وحسن تكرم
ونقول في الأسحار هل من تائب ... مستغفر لينال خير المغنم
الغنيمة تقسم على كل من حضر الوقعة فيعطي منها الرجالة والأجراء والغلمان مع الأمراء والأبطال والشجعان والفرسان فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة وفازوا بالفخر وحمدوا عند الصباح السرى وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى.
كان بعض الصالحين يقوم الليل فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته يا أيها الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون ألا تقومون فترحلون فإذا سمع الناس.
стр. 35
صوته وثبوا من فرشهم فيسمع من هنا باك ومن هنا داع ومن هنا نال ومن هنا متوضىء فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى.
يا نفس قومي فقد نام الورى ... إن تصنعي الخير فذو العرش يرى
وأنت يا عين دعي عنك الكرى ... عند الصباح يحمد القوم السرى
يا قوام الليل اشفعوا في النوام يا أحياء القلوب ترحموا على الأموات قيل لابن مسعود ﵁: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم وقيل للحسن: قد أعجزنا قيام الليل؟ قال: قيدتكم خطاياكم وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك قال الحسن: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل قال بعض السلف: أذنبت ذنبا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر ما يؤهل الملوك للخلوة بهم إلا من أخلص في ودهم ومعاملتهم فأما من كان من أهل المخالفة فلا يؤهلونه في بعض الآثار: إن جبريل ﵇ ينادي كل ليلة أقم فلانا وأنم فلانا قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب رثة فضربه البرد فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم ثم تبكي علينا.
يا حسنهم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب في الترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القسم
الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم ويختلفون فيما يردون ويريدون ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه والراجي يلح في سؤال مطلوبه والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: "لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل".
مرضت رابعة مرة فصارت تصلي وردها بالنهار فعوفيت وقد ألفت ذلك وانقطع عنها قيام الليل فرأت ذات ليلة في نومها كأنها أدخلت إلى روضة خضراء عظيمة وفتح لها فيها باب دار فسطع منها نور حتى كاد يخطف بصرها فخرج منها وصفاء كأن وجوههم اللؤلؤ بأيديهم مجامر فقالت لهم امرأة كانت مع.
стр. 36
رابعة: أين تريدون؟ قالوا: نريد فلانا قتل شهيدا في البحر فنجمره فقالت لهم: أفلا تجمرون هذه المرأة ـ تعني رابعة ـ فنظروا إليها وقالوا: قد كان لها حظ في ذلك فتركته فالتفتت تلك المرأة إلى رابعة وأنشدت:
صلاتك نور والعباد رقود ... ونومك ضد للصلاة عنيد
كان بعض العلماء يقوم السحر فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفا عليه وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك يا من كان له قلب فانقلب يا من كان له وقت مع الله فذهب قيام السحر يستوجبن لك صيام النهار يسائل عنك الوصال تعاتبك على الجهر.
تغيرتمو عنا بصحبة غيرنا ... وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا
وأقسمتمو أن لا تحولوا عن الهوى ... فحلتم عن العهد القديم وما حلنا
ليالي كنا نستقي من وصالكم ... وقلبي إلى تلك الليالي قد حنا
قيل للنبي ﷺ : إن فلانا نام حتى أصبح؟ فقال: "بال الشيطان في أذنه" كان سري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل ماذا فات من فاته خير الليل لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل كان بعض السلف يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال له: قم فصل ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها هم خزانها وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال: ما لك قصرت في الخطبة أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته.
ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك قالت: اخطبني إلى ربي وأمهرني قال: ما مهرك؟ قالت: طول التهجد نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان تنام وأنا أربي لك في الخدور من خمسمائة عام واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:
أتخطب مثلي وعني تنام ... ونوم المحبين عني حرام
لأنا خلقنا لكل امرىء ... كثير الصلاة براه الصيام
كان النبي ﷺ يطرق باب فاطمة وعلي ويقول: "ألا تصليان" وفي الحديث: " إذا استيقظ الرجل وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات".
стр. 37
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزادنا قليل وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.
يا راقد الليل كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته ... وردا إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لأولي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد
стр. 38
المجلس الثاني في يوم عاشوراء .
في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن يوم عاشوراء فقال: ما رأيت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ ـ يعني رمضان يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء ﵈ وقد صامه نوح وموسى ﵉ كما سنذكره إن شاء الله تعالى وروي عن إبراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم" خرجه بقي بن مخلد في مسنده وقد كان أهل الكتاب يصومونه وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم فسألوا ما توبتهم؟ قيل: صوم عاشوراء يوم العاشر من المحرم.
وكان للنبي ﷺ في صيامه أربع حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء أفطره وفي رواية للبخاري وقال رسول الله ﷺ : "من شاء فليصمه ومن شاء أفطر".
стр. 39
الحالة الثانية: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله ﷺ : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه.
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: مر النبي ﷺ بأناس من اليهود قد صاموا عاشوراء فقال: "ما هذا من الصوم"؟! قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى ﵇ وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى ﵉ شكرا لله فقال النبي ﷺ : "أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم" فأمر أصحابه بالصوم وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلا من أسلم: أن أذن في الناس: من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء وفيهما أيضا عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه" فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار وفي رواية فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة نلهيهم حتى يتموا صومهم وفي الباب أحاديث كثيرة جدا.
وخرج الطبراني بإسناد فيه جهالة أن النبي ﷺ كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: "لا ترضعوهم إلى الليل" وكان ريقه ﷺ يجزئهم.
وقد اختلف العلماء ﵃ هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم كان سنة متأكدة؟ على قولين مشهورين ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجبا حينئذ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وأبي بكر الأثرم وقال الشافعي ﵀ بل كان متأكد الاستحباب فقط وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
стр. 40
الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي ﷺ أمر الصحابة بصيام عاشوراء وتأكيده فيه وقد سبق حديث عائشة في ذلك وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك ذلك وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه وفي رواية لمسلم: إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان فلما فرض رمضان قال رسول الله ﷺ : "إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه" وفي رواية له أيضا: " فمن أحب منكم أن يومه فليصمه ومن كره فليدعه".
وفي الصحيحين أيضا عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" وفي رواية لمسلم التصريح برفع آخره وفي رواية للنسائي أن آخره مدرج من قول معاوية وليس بمرفوع.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك وفي رواية أنه تركه وفيه أيضا عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث قيس بن سعد قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا وفي رواية: ونحن نفعله.
فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه فإن كان أمره ﷺ بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الإستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء ﵃ وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: إنه زال التوكيد وبقي أصل الإستحباب ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ ما يدل على أن أصل استحباب صيامه زال وقال سعيد بن المسيب: لم يصم رسول الله ﷺ عاشوراء وروي عنه عن سعد بن أبي وقاص والمرسل أصح قال الدارقطني.
وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد وممن روي عنه صيامه من.
следующие страницы →