مهما كان لهذه الاعتبارات من وزن وتأثير، وضغط شديد على الفرد والجماعة، في أي مكان أو زمان؛ ذلك أن الإسلام لا يقيم أي وزن لما تواضع عليه الناس من قيم المادة والقوة، والجنس واللون، والعصبية والثراء، وما إلى ذلك من القيم الأخرى، إذا تجردت هذه القيم عن الإيمان والتقوى..
إنه بذلك يرمي إلى أن ينطلق الإنسان -فكرًا وشعورًا وسلوكًا وواقعًا- من حدود القيم الباطلة المتوارثة، والتي تراكمت في عصور الجاهلية، وأصبحت بسبب البعد عن المنهج الحق أمورًا ذات وزن واعتبار في حياة الناس، ولا يجد الإسلام لبقائها أي مبرر، مهما اكتسبت من قوة السيطرة على النفوس وأوضاع المجتمع، بسبب عنصر الاستمرار التاريخي، أو الإلف والشيوع، أو الملابسات الاجتماعية، والضغط النفسي، أو الأثر التربوي أو غير ذلك. إن الإسلام الذي جاء ليضع معالم الطريق لخير الإنسان وسعادته وتقدمه وأمنه وفلاحه، لا يعرف المساومة والمهادنة في أمر الحق الذي جاء به، وما انبثق عن هذا الحق من قيم جديدة بلغت الذروة في الاحتفال بخير الإنسان والاهتمام بعزته، وتوفير كرامته..
ولقد تنوعت الوسائل والأساليب التي جاءت بها دعوة الإسلام لتقرير هذه القيم وتحقيقها، وجعلها روح سلوك الفرد، وطابع المجتمع، وسمة الحياة الإسلامية. وتعمل دعوة الإسلام على توجيه المؤمنين إلى أن يستمدوا موازينهم من هذه القيم، في تجرد كامل من الملابسات والمواصفات، التي أقامتها في نفوسهم ومجتمعهم الأعراف الخاصة، والمواريث المألوفة، التي لا تتلاءم مع حقيقة الدعوة ومبادئها وأهدافها. ويقتضي الارتفاع إلى مستوى هذه القيم انعتاق الفرد والجماعة -في إيمان وعزيمة وصبر- من جواذب كثيرة، ورواسب ثقيلة، وظروف وارتباطات وموروثات مختلفة إلى الحد الذي يصبح فيه المؤمنون صورة حية صادقة لهذه القيم، ونماذج طيبة صالحة لتطبيقاتها الإنسانية في واقع الحياة..
стр. 37
وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرته وحياة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أمثلة لا حصر لها من تربية المؤمنين على هذه القيم وتفاعلهم معها وصبغ حياتهم بها وتقريرها وإعلائها لدى الأمم والشعوب التي امتد إليها نور الإسلام، خلال أحقاب طويلة من التاريخ..
من هذه النماذج١:
أ- ما قرره القرآن الكريم في سورة "عبس" -في إطار التوجيه والعتاب لرسول الله ﷺ من أن "القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل"، هي قيمة الإيمان والتقوى، وهي منفصلة عن كل ما تعارف عليه الناس من موازين واعتبارات..
وقصة ذلك أن النبي ﷺ كان مشغولًا بأمر نفرٍ من سادة قريش، يدعوهم إلى الإسلام، ويرجو بدخولهم فيه خيرًا كثيرًا، لما لهم من قوة وجاه، ومال ونفوذ في قومهم -حين جاءه "ابن أم مكتوم" الرجل الفقير الأعمى- يقول: يا رسول الله. أقرئني وعلمني مما علمك الله. فيكره رسول الله ﷺ من ابن أم مكتوم قطعه لكلامه واهتمامه؛ فيعبس ويعرض.. فينزل القرآن يعاتب الرسول عتابًا شديدًا على موقفه هذا، ويوجهه بعد ذلك إلى "حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها واستغنائها عن كل أحد، وعن كل سند، وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها؛ كائنًا ما كان وضعه في موازين الدنيا" ... وفي ذلك يقول :
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ
стр. 38
عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ١.
وكان رسول الله ﷺ بعد أن نزلت هذه الآيات يَهشُّ لابن أم مكتوم ويقول له كلما لقيه: "أهلًا بمن عاتبني فيه ربي" وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة.
ب- آخى رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار أخوة إيمان وحب وإيثار؛ فربطت هذه الأخوة بين قلوب المؤمنين برباط لا ينفصم؛ لأنها فوق المنافع والمطامع، والعصبيات والأهواء؛ فوضع الإسلام بذلك القيم الجديدة والموازين الفاصلة، التي تتحدد بها علاقات القرب والبعد، ويتعين على أساسها موقف الولاء والعداء، دون أي اعتبار لما تواضع الناس في مجتمع الجاهلية من قيم العصبية أو الجنس أو اللون؛ تلك القيم الجاهلية التي كانت مدعاة إلى تمزيق الشمل، وإثارة الأحقاد، والتي صنفت الناس تصنيفًا يذكي بينهم نار العداوة والبغضاء، وفي ذلك يقول سبحانه -مذكرًا المؤمنين بهذه الأخوة الكريمة التي جمعتهم بعد تفرق، ووحدتهم بعد تمزق، وجعلت منهم إخوانًا متحابين بعد أن كانوا أعداء متناحرين:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.
إن هذه الأخوة التي مَنَّ الله بها على عباده المؤمنين آصرة برٍّ وتعاطف،
стр. 39
ودعامة تآزر وتناصر؛ كانت إحدى القيم الإسلامية الكبرى التي أنعم الله بها على هذه الأمة، وعمّقت في فكر المؤمن ووجدانه روح الاعتزاز بهذا الإسلام، وشدة الحرص على دعوته، والعمل على ما يقوي كيان المؤمنين بها المنضوين تحت لوائها١.
ج- كان زيد بن حارثة مولىً لرسول الله ﷺ فزوجه بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية، كما آخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب، وجعله الأمير الأول في غزوة "مؤتة" يليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري؛ فجعل بذلك قيمة العقيدة فوق أي قيمة أخرى من قيم النسب والعصبية..
ثم كان آخر عمل من أعماله ﷺ أن أمَّرَ أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار؛ فيهم أبو بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة والسابقين إلى الإسلام، وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث، وفي ذلك قال ابن عمر ﵄: بعث رسول الله ﷺ بعثًا أمّرَ عليهم أسامة بن زيد ﵄؛ فطعن بعض الناس في إمارته؛ فقال النبي ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته؛ فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ الناس إلي، وإن هذا لمن أحبِّ الناس إليّ" ٢.
وقد بادر أبو بكر ﵁ بعد توليه الخلافة إلى إنفاذ بعث أسامة، وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة، وكان أسامة راكبًا فاستحيا أن يشيعه الخليفة راجلًا فقال "يا خليفة رسول الله لتركبَنَّ أو لأنزلنَّ"؛ فقال أبو بكر: "والله لا تنزل ولا أركب. وما عليَّ أن أغبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعة" ثم
стр. 40
يضرب أبو بكر مثلًا رائعًا في أدب الإسلام ورعاية النظام حين يستأذن أسامة في أن يتخلف عمر بن الخطاب -وهو جندي في الجيش الذي يقوده أسامة- عن الخروج لحاجته إليه بعد أن ولي أعباء الخلافة فيقول لأسامة: "إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل" فيأذن أسامة أمير الجيش لعمر في عدم الخروج استجابة لطلب أبي بكر ﵃ جميعًا.
وتمتد هذه الروح حين يلي الخلافة عمر بن الخطاب بعد وفاة أبي بكر ﵄ فيفرض لأسامة نصيبًا أكبر مما يفرض لابنه عبد الله؛ فيسأله ابنه في ذلك فيقول: "يا بني، كان زيد ﵁ أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك؛ فآثرت حب رسول الله ﷺ على حبي"١.
стр. 41
الثَّقَافَة وَالحَضَارَة طبيعة العلاقة بين الثقافة والحضارة:
١- يعمد بعض الباحثين إلى إيجاد فواصل بين مدلولي كلمتي: "الثقافة" و "الحضارة" بحيث يجعل الأولى خاصة بالأمور المعنوية، والثانية بالأمور المادية. وقد يكون لهذا ما يبرره؛ غير أن الإلحاح على مثل هذه الفواصل في مدلول كل من الكلمتين إنما يعود -من حيث الأصل- إلى ما يحيط بهما من لَبْسٍِ وغموض في النطاق اللغوي، وجاءت الاستعمالات العامة الدارجة لهما عاملًا يزيد في هذه التفرقة، ويعمق هذه الفواصل.
٢- درجت الاستعمالات الشائعة لكلمة "ثقافة" على أنها: التعبير عن الدراسات الأدبية والنظرية والعقلية والفلسفية؛ فكأنها بهذا قد قصرت على ما يتعلق بالأمور المعنوية والروحية، أما كلمة "حضارة" فقد شاع استعمالها -بمختلف صور الاشتقاق- للدلالة على الوسائل والمخترعات والابتكارات التي وصل المجتمع الإنساني بها إلى آفاق بعيدة من الرقي والتنظيم المادي، والرفاه في الحياة، كما يعبر الاستعمال العام لكلمة "حضارة" عن النظم التي يضعها المجتمع لدعم كيانه الاجتماعي، وتحقيق أهدافه في سهولة ويسر.
стр. 42
٣- ولعل مما يخفِّفُ من قيمة الفواصل بين مدلولي هاتين الكلمتين: الحضارة والثقافة، محاولة تقصي أصل المعنى اللغوي لهما.
وقد أسلفنا القول في أصل معنى "الثقافة" من الناحية اللغوية في العربية وغيرها من اللغات الأجنبية، ثم ألمحنا إلى مدلولها في الدراسات الاجتماعية، وعلاقتها بالمثل الإنسانية للمجتمع.
أما أصل المعنى اللغوي للحضارة -بفتح الحاء وكسرها- فهي: الإقامة في الحضر، من مدن وقرى، بخلاف "البداوة" التي هي الإقامة المتنقلة في البوادي. وعلى هذا فأصل دلالتها على الاستقرار الناشئ عن زراعة الأرض.
وإذا كانت الزراعة هي سبيل أبناء المجتمع للتطور والتقدم في اكتساب العيش، ثم بناء المدن وتحصيل المعرفة، ثم هي سبب الانتظام الداخلي والتعامل الخارجي؛ فإن أصول المدنية الإنسانية بجوانبها المادية والمعنوية تكون إنما نشأت -كما يرى بعض الباحثين- مع حاجة الإنسان إلى تحصيل قُوتِهِ من الأرض التي سخرها الله له..
بهذا يكون معنى الحضارة -من حيث الأصل- أوسع دلالة من الثقافة؛ لأنه إذا كانت الثقافة هي نتاج المعرفة وتنمية العقول؛ فمن الواضح أنها لم تنشأ إلا بعد الاستقرار الذي تمثل في سكنى المدن والأمصار.
وفي هذا يقول ابن خلدون:
"إن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، والسبب في ذلك أن تعليم العلم -كما قدمناه- من جملة الصنائع، وقد كنا قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة؛ لأنه أمر زائد على المعاش؛ فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم؛ انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع، ومن تشوف بفطرته إلى
стр. 43
العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو -كما قدمنا- ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها"١.
٤- من الممكن أن توصف العلاقة بين الحضارة والثقافة بأنها علاقة تلازم، ولا حرج -بسبب هذه العلاقة- من تناوب الكلمتين بحيث يقال: إن حضارة أي مجتمع أو ثقافته؛ إنما تتمثل في القيم والمعاني والنظم التي تنطوي عليها حياته. ولنا -من ناحية أخرى- أن نقول: إن السمة التي تميز أي أمة إنما هي حضارتها أو ثقافتها.
стр. 44
دلالة الثقافة والحضارة على مفاهيم واحدة:
ومن هنا نرى أن التفرقة بين الحضارة والثقافة ليست أمرًا لا بد منه؛ وذلك لأن المظاهر الحضارية المادية والمعنوية تتضافر جميعًا في إنشاء النظم الاجتماعية التي تعد "الثقافة" قلبها النابض ولبناتها الأساسية، أضف إلى ذلك أن أحدًا لا يستطيع أن يتجاهل ذلك التجاوب الملحوظ والتفاعل الدائم بين الأمور المعنوية والمادية في المجتمع.
وإن مما يؤكد أيضًا علاقة التلازم بين الثقافة والحضارة، وتجاوب ما تدلان عليه من الناحيتين المادية والمعنوية -من غير إلحاح على الفواصل بينهما- أن الحضارة إذا كانت هي التطبيق المادي للتراث الثقافي؛ فهي -من ناحية أخرى- وليدة هذا التراث في البيئة التي تقوم فيها؛ ثم إنها كذلك المرآة التي تعكس لنا مقومات ثقافة المجتمع وخصائصها العامة.
من هذا كله ينبغي أن لا نوسع الهوة التي تفصل بين اللفظين، ولا ضير إذا أطلقنا كملتي: ثقافة أو حضارة على مفاهيم واحدة، بحيث نتحرر من الخط
стр. 45
النظري الذي يفصل بينهما، ولا يلزم من وصفنا الحضارة بأنها أعم من الثقافة الإلحاح على إيجاد فاصل في المدلول بينهما من حيث الاستعمال؛ فذلك هو ما وصفناه بالخط النظري الذي لا ينبغي أن يقيم من حيث الإطلاق العام حاجزًا بينهما. وإن كان يُقْبَلُ -في إطار البحث في المصطلحات- الإشارة إلى ما بين هاتين الكلمتين من فروق.
стр. 46
الربط بين الثقافة والحضارة:
ولعل هذا ما حدا ببعض الباحثين -بين يدي بحثه عن الإسلام والحضارة الغربية- إلى بيان المدلول الاصطلاحي لكلمة حضارة.
أ- فهي كما يقول: "يطلق الآن -اصطلاحًا- على كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتصل بمختلف جوانبه ونواحيه، عقلًا وخلقًا، مادةً وروحًا، دنيًا ودينًا؛ فهي -في إطلاقها وعمومها- قصة الإنسان في كل ما أنجزه على اختلاف العصور. وتقلب الأزمان، وما صورت به علائقه بالكون وما وراءه، وهي -في تخصيصها بجماعة من الجماعات أو أمة من الأمم- تراث هذه الأمة أو الجماعة على وجه الخصوص الذي يميزها عن غيرها من الجماعات والأمم. وهي بهذا المعنى الاصطلاحي نظير المدنية التي هي في أصل الاستعمال سكنى المدن، والتي تقابل الكلمة الأوربية Civilization والحضارة بهذا المعنى أعم من الثقافة التي تطلق على الجانب الروحي أو الفكري من الحضارة؛ بينما تشمل الحضارة الجانبين الروحي والمادي، أو الفكري والصناعي؛ وكأنما لوحظ فيها أن النشاط البشري في مختلف جوانبه ومواهبه يكون في أرقى حالاته في الحواضر والمدن"١.
стр. 47
ولسنا نرى أن الباحث هنا قد ألح على الخط النظري الفاصل بين الكلمتين، وإن كان قد أشار -في معرض تحديده للمدلول الاصطلاحي- إلى بعض الفروق، من حيث العموم والخصوص، وهذا أمر لا مندوحة عنه في إطار البحث العلمي في المصطلحات، وقد جرى على هذا عدد من الباحثين في الدراسات الحضارية. مما لا مجال هنا لاستعراض نماذج من دراستهم.
ب- لقد أسقط كثير من الباحثين -من ناحية أخرى- هذا الخط النظري الفاصل بين الحضارة والثقافة في معرض الكلام عن إحداهما من حيث الدراسة التطبيقية الهادفة، لا الدراسة النظرية في المصطلحات، وقد جاءت الأوصاف التي أطلقت على "الحضارة" لديهم صالحة لأن تصدق كذلك على الثقافة.
فقد عرف أحد الباحثين الحضارة الغربية بقوله:
"وكانت هذه الحضارة -بمعناها الواسع- مجموع عقائد ومناهج فكرية، وفلسفات ونظم سياسية واقتصادية، وعلوم طبيعية وعمرانية واجتماعية، وتجارب خاصة مرت بها الشعوب الأوربية التي تزعمت هذه الحضارة في رحلتها الطويلة، وكانت مظهر تقدم العلم البشري وعلوم الطبيعة، وعلم الآلات، والعلوم الرياضية، ومجموع نتائج جهود وعلماء وباحثين عبر القرون، فكانت مزيجًا غريبًا من أجزاء لا يكون الحكم عليها واحدا متشابهًا، وكانت مزيجًا من السليم والسقيم، والصواب والخطأ، في النتائج والأحكام"١.
جـ - وقد ألح باحث آخر كثيرًا على التمييز بين الثقافة والعلم. وحذر من الخلط الشائع في التصور والتعبير بينهما، ودعا إلى الربط الوثيق بين الثقافة
стр. 48
والحضارة؛ مؤكدًا على ضرورة تحديد أوضاعنا -في صدد بناء نهضتنا- بطريقين:
الأول: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.
الثانية: إيجابية تصلنا بمقتضيات المستقبل.
وساق على ذلك أمثلة تؤكد التلازم بين الثقافة والحضارة؛ بل لعل التناوب في التعبير بين الكلمتين كما ورد في معرض التدليل على ضرورة تحديد أوضاع النهضة بالطريقين السلبي والإيجابي، قد جاء تأكيدًا على ما ينبغي أن نتجه إليه من الحرص على الربط في المدلول بين الثقافة والحضارة.
فهو يقول:
"ولعل هذه النظرية -أي ضرورة تحديد الأوضاع بطريقتين سلبية وإيجابية- قد لوحظ أثرها في الثقافة الغربية في عهد نهضتها؛ إذ كان "توماس الإكويني" ينفيها -ولو عن غير قصد منه- لتكون الأساس الفكري للحضارة الغربية، وما كانت ثورته ضد ابن رشد، وضد القديس أوغسطين إلا مظهرًا للتحديد السلبي، حتى يستطيع تصفية ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية، أو ميراثًا ميتافيزيقيا "للكنيسة البيزنطية". وأتى بعده "ديكارت" بالتحديد الإيجابي الذي رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي، الذي يبنى على المنهج التجريبي؛ ذلك الطريق الذي هو في الواقع السبب المباشر لتقدم المدنية الحديثة تقدمها المادي.
والحضارة الإسلامية نفسها قامت بعملية التحديد هذه من ناحيتها السلبية والإيجابية؛ إلا أن الحضارة الإسلامية قد جاءت بهذين التحديدين مرةً واحدة، وصدرت فيها عن القرآن الكريم الذي نفى الأفكار الجاهلية البالية، ثم رسم طريق الفكرة الإسلامية الصافية، التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية، وهذا العمل نفسه لازم
стр. 49
اليوم للنهضة الإسلامية"١.
وفي ضوء الربط الوثيق بين الثقافة والحضارة -وهو ما يدعو إليه في بحثه- يرى أن الثقافة تصبح نظرية في السلوك، أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة؛ وبهذا الربط أيضًا يقاس الفرق الضروري بين الثقافة والعلم، وينتهي إلى ما يؤكد التلازم والربط بين الثقافة والحضارة فيقول:
"فالثقافة إذن تتعرف بصورة عملية على أنها: مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه؛ والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته.
وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها؛ فهو المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر؛ وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان، وفلسفة الجماعة، أي "معطيات" الإنسان و "معطيات" المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات؛ ولكن لا سبيل لعودة الثقافة إلى وظيفتها الحضارية إلا بعد تنظيف الموضوع من الحشو أو الانحراف، الذي أحدثه عدم فهمنا لمفهوم "ثقافة"٢.
وفي صدد التوجيه نحو حضارة إنسانية وبيان مقاييس الحضارة -وهو بحث تطبيقي هادف- يقول الباحث عن الحضارة بأنها:
"مجموع المعارف العلمية والتشاريع والنظم والعادات والآداب التي تمثل الحالة الفكرية والاقتصادية والخلقية والسياسية والفنية، وسائر مظاهر الحياة
стр. 50
المادية والمعنوية في مرحلة من مراحل التاريخ، وفي بقعة من بقاع الأرض سواء شملت شعبًا أم أكثر"١.
ويتضح احتواء الحضارة للجانب الثقافي لديه، وعدم إقامة أي حاجز بينهما في قوله:
"إن غاية الحضارة: الارتفاع بالحياة الإنسانية، والحياة الإنسانية معقدة كثيرة الجوانب؛ فإن فيها حياةً فكرية عقلية، وحياةً مادية عمليةً معاشية، وحياة نفسيةً خلقية، وحياةً اجتماعية، إلى جانب الحياة الفردية. والحضارة الصالحة الخيرة هي التي ترتفع بهذه الجوانب كلها وتعدل بينها؛ فلا يظلم جانب منها جانبًا آخر، ولا ينمو واحد ويضمر آخر"٢.
стр. 51
الفصل الثاني: في الثقافة الإسلامية
ركائز الثقافة الإسلامية
الحقائق اليقينية الهادية
...
ركائز الثقافة الإسلامية
١- الحقائق اليقينية الهادية:
إن للإسلام مفاهيم صحيحة سليمة كاملة في كل شأن من شئون الكون والإنسان والحياة، وإذا كانت المفاهيم عن هذه الشئون لدى العقائد المحرفة، ولدى كثير من الفلاسفة والمفكرين وواضعي النظم من البشر تتسم بالغموض والتعقيد تارة، أو يجانبها الصدق والعمق تارة أخرى، أو تصدر عن الفرض والتخمين حينًا، وعلى الأساطير والأوهام حينًا آخر؛ فإنها بذلك لا ترتكز على الحقائق الناصعة الثابتة، ولا تقوم على قواعد يقينية جازمة.
أما مفاهيم الإسلام؛ فهي مبرأة من هذه الآفات كلها؛ لأنها ليست منبعثة عن نظرة بشرية محدودة، لا تستوعب ذاتها فضلًا عن أن تستوعب غيرها، وهي تُسَفِّهُ المنطق السطحي، وتهدم الظن والوهم وتعده زرايةً بالعقل، واستهانة بكرامة الإنسان. أما الأساطير التي تصدر عنها تلك العقائد والتصورات فهي -في مفاهيم الإسلام- أشلاء ممزقة ميتة لا يصدقها أو يتعلق بها من أوتي حظًا من نظر وتفكير، وهي سذاجة ضالة مردية لا تليق بحقيقة هذا الإنسان الذي حباه الله العقل، وأرشده إلى دلائل المعرفة الصحيحة، وزوده بوسائل النظر السديد. إن مفاهيم الإسلام منبثقة عن عقيدة ربانية شاملة لا ترتكز إلا على
стр. 52
الحقائق الجلية الثابتة، ولا تقوم إلا على اليقين الجازم، وهي متسمة بالوضوح والصدق والعمق، وتقيم -من حيث الاعتقاد والتفكير- لدى البشر جميعًا.. التصور الصحيح الدقيق المتكامل للكون والإنسان والحياة.
إن منهج الإسلام -في ارتكازه على الحقائق اليقينية الهادية- يربط الحقائق المفردة في الكون والحياة ربطًا يصلها بأجل حقيقة وأكبرها وهي العقيدة..؛ وبذلك لا يدع هذه الحقائق المبثوثة أمام العقل الإنساني والشعور والضمير، ضروبًا من المعرفة الجامدة، والمعلومات المجردة، التي لا روح فيها ولا حياة لها -كما تحاول خرافة "المنهج العلمي" أن تصنع- بل يبث منهج الإسلام في هذه المعارف والمعلومات، والحقائق الظاهرة والمضمرة حياة تفتح البصائر، وروحًا توقظ الضمائر، ويزودها بالتأثير العجيب الذي يعمق أوثق أواصر الصلة بين الحقائق الهادية، والعقول المستنيرة، والقلوب المتفتحة للإيمان والخير.
"وهذه الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل.. هذه هي الوصلة التي تجعل للنظر في كتاب الكون والتعرف إليه أثرًا في القلب البشري، وقيمة في الحياة البشرية، هذه هي الوصلة التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم، وبين الإنسان الذي يعرف ويعلم، وهي التي تهملها مناهج البحث التي يسمونها "علمية" في هذا الزمان؛ فتقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه. فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون، وإلا حين تقوم الصلة وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير"١.
وإذا كنا نلح اليوم على هذه المفاهيم الإسلامية، ونلقي المزيد من النور على حقائقها الكبرى؛ فليست الغاية من ذلك توسيع آفاق المعرفة بها فحسب، وتثقيف العقول برصيدها الفكري الضخم.
стр. 53
إن المعرفة والثقافة وسيلتان لغاية أبعد، وهدف أكبر. وهل ثمة أجلّ وأسمى من أن تستحيل المعرفة إلى طاقة محركة، وقوة دافعة، تصبغ الواقع الإنساني في إطار الضمير والشعور والسلوك بصبغة هذه المفاهيم النقية الخيرة.. وتتمثل في حياة البشر نظامًا وخلقًا، وجهادًا وحكمًا، وقيادة صالحة، تحمل مشاعل الحق والنور لهذه الإنسانية التي وضعتها المفاهيم الضالة المنحرفة على حافة هاوية الدمار الرهيب ... ؛ فينبغي أن تنقلب هذه المفاهيم واقعًا بشريًّا حيًّا، ونماذج إنسانية فعالة حتى لا تكون كالماء المسفوح على قيعان لا تمسكه ولا تنتفع به. وقد أوضح رسول الله ﷺ العلاقة الوثيقة بين المعرفة والعمل، وضرورة توافر الأمرين معًا في هذا المثل الحي الجميل:
عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا؛ فكان منها نقيةً قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى؛ إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبتُ كلأً؛ فذلك مَثَلُ من فقهُ في دين الله ونَفَعهُ ما بعثني الله به فَعلِمه وعلَّمه، ومثل مَنْ لم يرفع بذلك رَأسًا، ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلتُ به" ١.
стр. 54
٢- المنهج الإلهي الشامل:
إن الثقافة الإسلامية -في حقيقتها- هي هذه المفاهيم الحية الخيرة، المستمدة من العقيدة بمعناها الشامل وآفاقها الواسعة؛ فهي عقيدة التوحيد، ومنهج الحق، وشرعة العدل، وقيم الخير ورسالة الهدى والاستقامة، وهي
стр. 55
أمانة الله ﵎، ودستوره الخالد للبشر، وسبيل السعادة الكاملة لهم في الدنيا والآخرة، وهي -بأصولها الكبرى وأهدافها المثلى- المنهج السوي القويم الذي لا تصلح الحياة الإنسانية إلا به، ولا يستقيم أمر البشر إلا بهداه، وهي حق في ذاتها ومصدرها، ووسائلها وغاياتها، عميقة في دلائلها وآثارها، متلائمة أوثق التلاؤم مع فطرة الإنسان وأشواقه وحاجاته.
وإن في حياة كل أمة مواقف حاسمة، حين تقف على مفترق طرق مختلفة، ينتهي أحدها بالأمة إلى العزة والمنعة والنصر، ويؤول بها إلى مدارج القوة والكرامة والمجد.. وتؤدي بها السبل الأخرى إلى الذل والضعف والهزيمة، وتقذف بها إلى مهاوي الضياع والتيه والدمار.. وعلى ضوء اتخاذ الموقف الملائم، وحسن الاختيار بسلوك الصراط السوي، تصنع الأمة تاريخها، وتحدد معالم مستقبلها، وتبني صروح أمجادها، أما إذا جانبت الصواب، وانحرفت عن الطريق المستقيم، واستهواها ما في الطرق الملتوية من مظاهر خادعة تميل إليها النفوس، ويغري بها حب الإنسان للدعة والراحة وخفض العيش، وعزوفه عن السير في الطرق الصعبة، واقتحام العقبات، واحتمال الأعباء؛ فإن إيثار السير في هذه السبل -على ما بها من مشوّقات- لا يصل بالأمة إلى ما ينبغي أن تطمح إليه من أهداف كبيرة، وأمجاد رفيعة، ووجود صحيح، إن لم تعرضها للانهيار والانحلال وذل الأبد وسوء المصير.
وفي المنهج الإلهي الذي يرسم للبشر خطة السير الصحيح، وسلوك السبيل الأقوم في الحياة؛ لتحقيق أسمى الغايات، وإدراك السعادة الكاملة للأفراد والجماعات بيان لهذه الحقيقة، وتصوير لما ينتظر المنحرفين عن سبيل الحق من تفرق وتمزق وهلاك محتم.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
стр. 56
هذا هو المنهج السوي الذي لا تعرج فيه ولا التواء؛ إنه صراط الله المستقيم الذي يجمع في إحكامٍ بالغ وتناسق رائع، بين العقيدة الحقة النيرة، والنظام الكامل للحياة الطيبة، وهو تناسق وإحكام يعمق هذه الصلة الوثيقة بين مقتضى العقيدة وطبيعة النظام؛ بحيث تقوم تشريعات النظام إيمانًا في القلب، ودفعًا في المشاعر، ويقينًا في البصائر، ويقظة في الضمائر.. قبل أن تقوم في أوضاع المجتمع وحياة الناس؛ وبهذا يمتاز المنهج الإسلامي -الذي تتحقق به هذه الصلة وهذا الانسجام بين الفكر والوجدان من جهة وشئون الحياة وأوضاعها من جهة أخرى- عن أي منهج آخر من المناهج الأرضية التي تظل مُسِفَّةً هابطةً مهما ادَّعَتْ من السمو والارتفاع، ما دامت تفقد هذه الصلة الاعتقادية، وحركتها الضخمة الواسعة في النفوس والحياة.
هنالك إذن منهج واحد، واضح مستقيم، مأمون العاقبة، مضمون السلامة نيِّر مشرق، لم تخططه في فكر الإنسان وضميره وسلوكه في الحياة فلسفة معقدة ملتوية، أو تجربة ناقصة شوهاء، أو نظرية ليس لها سند من علم ويقين، ولم تفرضه أزمة عارضة في حياة شعب، أو مرحلة عاجلة في تاريخ أمة، أو هدف موقوت لجماعة من البشر؛ فهذه كلها ليست سوى ضروب من النشاط الإنساني المحدود -فرديًا كان أو جماعيًا- لم تتحرر ولن تتحرر من الخضوع لقيود الزمان والمكان، ولم ترتفع -وليس بمقدورها أن ترتفع- عن مستوى التقاليد المألوفة، أو الأعراف الشائعة، أو التراث القومي أو التأثر بنزعة فردية، أو مشكلة اجتماعية، أو فكرة عنصرية أو غير ذلك مما ولَّدته في حياة الناس اعتبارات ضيقة، أو هزات اجتماعية، أو مراحل تاريخية.
قد يكون في شيءٍ من هذه وَهْمُ الصلاح بَعْضَ حين لبعض الناس، وفي بيئة دون أخرى؛ ولكنها لا تصلح أبدًا لكل الناس، في كل زمان ومكان وكيف تصلح لقيادة ما هي منقادة إليه، ومصفدة بأغلاله؟ كيف تصلح وهي -في أقل صورها سوءًا وأحسنها مظهرًا- ليست إلا خلاصة فكر قاصر بطبعه
стр. 57
ومصدره وعوامل تكوينه ومدى انطلاقه؛ فهل يسوغ في منطق طبائع الأشياء أن يهيمن نتاج فكر محدود مهما علا -وهو ظاهرة كونية مخلوقة- على الكيان البشري كله، ويرسم له خطة السير في الحياة وهو عاجز عن أن يستوعب بعض أجزاء الكون الواسع الكبير، أو يدرك أسراره العجيبة؛ فضلًا عن عجزه التام -الذي لم يبلغ به الغرور حَدَّ إنكاره- عن التأثير في سنن الكون ونظامه. ولا شك أن هذا المثل القرآني يطامن كبرياء هذا الفكر، وتعاليه الأجوف، ونزوعه إلى ممارسة ما ليس أهلًا له في تعنت وجحود، وجهالة واستكبار.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.
"وإن العقيدة في نظام الإسلام -كما يتجلى ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية- تتصل بجميع أجزاء هذا النظام؛ فهي الأساس التي تبنى عليه نظرته أو نظامه الخلقي، وهي التي تكون الأساس الفكري لعقلية المسلم، والأساس النفسي لسلوكه، ومنها كذلك تنبثق نظرته إلى الحياة الاقتصادية، والحياة السياسية وعلى أساس فلسفتها يبنى نظامها.
وخلاصة الأمر أن مضمون العقيدة له تأثير كبير في الحياة الإسلامية؛ سواء الفردية أم الاجتماعية. ويلاحظ أنها تتخلل جميع سور القرآن بلا استثناء، وأنها تتخلل جميع أحكامه الأخلاقية والتشريعية؛ فلا تستطيع أن تعزل قواعد التنظيم الحقوقي الاجتماعي الموجودة في القرآن عن هذا العنصر الإيماني الذي يتخللها ويحيط بها. نعم إنه يمكنك أن تجرد هذه القواعد الحقوقية؛ لكنك تكون قد عطلت الجهاز المتحرك عن حركته وأفقدته روحه وحيويته، وقطعت
стр. 58
شرايينه وأعصابه، وأصبح قطعة مفصولة عن أصلها للتحليل والتشريح، لا آلة فعالة من جهاز كبير يعمل.
على أساس هذه النظرية سنضع العقيدة في موضعها من نظام الإسلام، وهي اللبنة الأساسية في بنائه، وهي التي تمد ما في أجزائه بالحياة وتحدد اتجاهاتها ومعالمها، وتتضمن العقيدة الحقائق الكبرى التي دعا القرآن إلى الإيمان بها، أو التي وجه الإنسان وأرشده إليها وهي تصور الوجود، وجود الله الخالق، ووجود الكون والإنسان. والصلة بين الله والكون والإنسان، وكذلك الحياة وما وراءها من حياة أخرى أو المصير والجزاء. والنبوة التي هي طريق معرفة هذه الحقائق الكبرى١.
ترتكز الثقافة الإسلامية بهذا على المنهج الرباني وحده وتتجلى في الاعتقاد الحق، والتصور الصحيح، وقواعد الأخلاق والسلوك، والقيم والموازين التي تسود المجتمع، ونظم السياسة والاجتماع والاقتصاد.. كما تتمثل هذه الثقافة كذلك في المعرفة بكل جوانبها، وفي قواعد العمل الفكري، والنشاط العلمي، وكل ما شرعه الله ﵎ لتنظيم الحياة البشرية؛ "فالثقافة الإسلامية شاملة لكل حقوق النشاط الفكري، والواقعي والإنساني، وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائمًا"٢.
стр. 59
رصيد الفطرة الإنسانية الأصلية
...
٣- رصيد الفطرة الإنسانية الأصيلة:
وترتكز الثقافة الإسلامية على رصيد حي ضخم من الفطرة الإنسانية الأصيلة فهي بذلك تنفذ إلى أعماق النفس الإنسانية التي فطرها الله ﵎ على الخير؛ فتقيمها على قاعدة الإيمان بالله وحده، والإذعان والرجاء في فضله،
стр. 60
والاحتكام إليه، وبذلك ترتفع بالإنسان إلى أفق العبودية الخالصة التي تتسق مع حقيقته وكرامته، وتنقذه من مواريث الجاهلية، وأوضاعها الباطلة التي تشوه الفطرة، وتهدد الكرامة، ويفقد فيها الإنسان معنى الإنسانية الأصيل فيه.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ مولود يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يهوّدَانِه، أو يُنَصِّرانِهِ أو يمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ١.
ويقول رسول الله ﷺ : "يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء؛ فجاءتهم الشياطين فاجتالَتْهُمْ عن دينهم، وحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم" ٢.
وبهذا يتضح أن مفاهيم الإسلام -وهي ثقافته- تتفاعل في النفس الإنسانية مع الفطرة النقية التي لو تركت وأصالتها -من غير محاولة إفسادها وتشويهها- لما انحرفت عن عهد الله، أو زاغت عن هداه، أو ضلت عن سبيله، ولانطلقت في جو الحقائق الناصعة، والبراهين الناطقة، والعظات النافعة، التي تتحرر بها العقول من الأوهام والتعطل، وتطهر بها القلوب من جواذب الانحراف وضغط الأهواء.
فإذا كانت موجبات الهداية، وموحيات الإيمان، وأسباب الاستقامة ممتزجةً بكيان الإنسان منذ نشأته، وكان نور الحق مركوزًا في فطرته؛ فإن ثقافة الإسلام إنما ترتكز على هذا الرصيد الكبير النقي في إقامة الوجود الحق الكريم للإنسان، وهي تنفرد بذلك عن أي ثقافة أخرى لا تملك هذا الرصيد، فتهبط بالإنسان من الأفق الرفيع الوضيء، وينأى عن هذه الموجبات والموحيات، ويستغرق في الضلال، وينسلخ من دلائل الحق في نفسه، وفي الكون من
стр. 61
حوله، ويتيه في مسالك الشيطان، وهي مسالك العقيدة الباطلة والفكر المنحرف، والسلوك الفاسد.
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
فالفطرة البشرية -كما أنشأها الله محكومة بذلك الناموس الذي تصرفه المشيئة الإلهية، وهو ناموس التوحيد؛ فهي تدركه بطبيعتها؛ لأنه مستقر في صميمها، وهي تتجه وفق مقتضاه، وتتصرف بما يوحي إذا عَرِيَتْ عن التشويه والخلل، ولم تفسد بفعل الأهواء العارضة؛ فإذا سيطر الهوى على الفطرة فنالها بالتشويه والإفساد؛ كان من نتيجة ذلك أن ينحرف الإنسان عن الهدى، وتستغرق نزعات الشيطان، وينسلخ من آيات الله، ويضل سواء السبيل، وينزلق إلى حضيض الضعة، ويهبط إلى عالم الحيوان.
وإن من فضل الله ﵎ على هذا الإنسان أن زوده إلى جانب هذه الفطرة الصافية النقية، بالعقل الواعي الذي من شأنه أن يميز الحق من الباطل، والطيب من الخبيث، وبالعين المبصرة التي تشهد دلائل الهدى في الكون والحياة، وبالأذن المدركة التي تسمع ما يتلى عليها من عظات وتوجيهات.. فمن سلمت فطرته، وتيقظت بصيرته، واستخدم ما أنعم الله عليه من وسائل المشاهدة،
стр. 62
والمعرفة، فأيقن بالحق، وعرف طريق الاستقامة ومضى فيه؛ كان من المهتدين؛ وإلا كان من الضالين الغافلين الذين ينحدرون إلى درجة السوائم، بل هم أضل سبيلًا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
ذلك هو الفرق الجوهري بين ما ترتكز عليه ثقافة الإسلام من الفطرة التي تسمو بالإنسان، وتضعه على طريق الهدى والخير والاستقامة، وبين الثقافات الأخرى التي لا تقيم وزنًا لهذه الفطرة وموجباتها ومقتضاها، فتهبط بالإنسان ذلك الهبوط المزري بكرامته، المنسلخ عن الحق، المغرق في ظلمات الضلال والفساد، المتقلب في القلق والشقاء والضياع.
стр. 63
خصائص الثقافة الإسلامية
١- موضع الثقة الكاملة:
أ- إن الثقافة الإسلامية بارتكازها على العقيدة ليست من وضع بشر منساق بطبيعته البشرية إلى عوامل الضعف والنقص وضغط المنفعة والعصبية والطبقية؛ بل إن انبثاقها عن المنهج الإلهي يعطيها مطلق الثقة الكاملة بها، ويجعلها موضع الإيمان والتسليم، ويغنيها -من ناحية أخرى- عن الوسائل التي يُلْجَأ إليها لتزيين المفاهيم البشرية الناقصة المحدودة.
إن مناط تلك المفاهيم الضالة التمويه على الإنسان والتدليس عليه، وفي ذلك ما فيه من زراية بعقله، واستهانة بكرامته. "وقد اتسمت الحضارة المادية في العهد الأخير بالتدجيل في كل شيء، والتلبيس على الناس، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وتمويه الحقائق، وإطلاق الأسماء البراقة الخلابة للعقول على غير مسمياتها، وبكثرة الاختلاف بين الظاهر والباطن، والأول والآخر، والنظريات العلمية، والتجارب العملية. وهذا شأن الشعارات والفلسفات التي حلت محل الأديان. وسحرت النفوس والعقول، والكلمات التي أحاطت بها هالات التقديس والتمجيد وحل حبها واحترامها في قرارة النفوس، وحبات القلوب، وأصبح
стр. 64
الشك في قدسها، أو النقاش في كرامتها ومكانتها علامة للرجعية، وإنكارًا للبداهة، والمشهود المحسوس، وقد التبس الأمر بذلك على كبار الأذكياء، ونوابغ العلماء؛ فأصبحوا يتغنون بهذه الشعارات والفلسفات، ويدعون إليها في إيمان وحماسة من غير تمحيص لنية أصحابها وإخلاصهم، أو شجاعة في تحديد نجاحها أو إخفاقها في مجال العمل والتطبيق، والمقارنة الصحيحة المحايدة بين ما كسبته الإنسانية والأمم الضعيفة، وبين ما خسرته من سلطان هذه الشعارات وتحت رايتها من السعادة الحقيقية، والحقوق الفطرية، وهذا كله من قوة التدجيل وسحره الذي تفوق فيه "الدجال الأكبر" على جميع الدجالين والمدلسين والمموهين، الذين عرفهم التاريخ البشري. وقد سرت هذه الروحية "الدجلية المدلسة" في هذه الحضارة لسيرها على خط معارض لخط النبوة، والإيمان بالآخرة، والإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر الكون، وقدرته المطلقة، واحترام شريعته وتعاليمه، وللاعتماد الزائد على الحواس الظاهرة، والشغف الزائد بما يعود على الإنسان باللذة البدنية، والمنفعة العاجلة والغلبة الظاهرة"١.
وإن هذه الثقافات المرتكزة على النظرات البشرية والفلسفات المحدودة والمرتبطة بقيود الزمان والمكان والخاضعة لمؤثرات البيئات والظروف، والمتأثرة بالأزمات النفسية والهزات الاجتماعية، وما ينجم عنها من ردود الفعل التي يبعدها عن العمق والصدق والاتزان.. إن هذه الثقافات -وهذا حالها- إنما تعيش في الحقيقة خارج دائرة الوجدان الإنساني في أصالته ونقائه؛ فهي بعيدة كل البعد عن أي نزعة تحفظ للإنسان مكانته الرفيعة التي أكرمه الله بها، ولا تملك إلا أن تسوق الإنسان بنزعة القوة التي تسيطر بها عليه سيطرة تسلبه بها حريته، أو نزعة الخديعة التي تسلبه
стр. 65
بها كرامته، أو بهما معًا كما هو حال كثير من الأمم والشعوب في ظل هذه الفلسفات المادية المنحرفة التي استطاعت أن تتخذ من السلطة منطلقًا لممارسة نزعة القوة والخديعة في آن واحد..
ب- ولعل خير ما يجلي الصورة المقابلة لهذا الوضع المنحرف ما يبينه الإسلام من حقيقة "العبودية" في الإنسان، وهي العبودية التي تقوم على الثقة والطمأنينة واليقين الخالص وحب الله والخوف منه ورجائه..
وقد أوضح شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله تعالى- حقيقة جوانب ذلك في رسالته "العبودية" فهو "ينزع نزعة مثالية في نظريته، نزعة ترد على الإنسانية كرامتها، وتحتفظ للإنسان بمنزلته العليا فوق عالم الكائنات الحية التي لا تطاوله في منزلته، ولا تنازعه في قمته التي وضعه الله فيها بما وضع فيه من عنصر العقل والإدراك، وابتغاء الحق والخير وأهلية التكليف".
يقول ابن تيمية: "والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه؛ فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك؛ فإنها تفسد القلب، كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل" ص١٠٠ ويقول: "والقلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلة؛ فالقلب لا يصلح ولا يفلح، ولا ينعم ولا يسر، ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن، ولا يطمئن؛ إلا بعبادة ربه وحده، وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات؛ لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه بالفطرة من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه" ص١٠٨.
وهذه النزعة -في الوقت نفسه- ليست نزعة خيالية تهمل الواقع؛ ولكن ترتفع به عن طريق "التسامي" أو "الإبدال" مما لمحه علماء النفس والتربية، وما عرفوا الطريق الحق إليه. "والأنبياء -كما يقول ابن تيمية في كتاب
стр. 66
"النبوات"- قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديلها وتغييرها"١.
ج- إن هذه الثقافة التي تقوم على الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر.. تنشئ في النفس الإنسانية تلك الثقة المرتكزة على يقظة ذاتية، وحيوية داخلية، تكوّن تلك النزعة الفطرية إلى الاستقامة، وتدفع إلى حسن السلوك، وهي نزعة لا تحتاج إلى محرك خارجي، ولا إلى رقابة خارجية؛ إذ السلطان على الفرد عندئذ هو الاعتقاد الذي يحمله بين جنبيه.
والفرق بين المؤمن الذي يحمل في نفسه القوة الدافعة إلى العمل المستقيم، والتعاون مع الناس، وبين القانون الذي يضعه المجتمع ويفرضه بقوة الحراسة وهي القوة التنفيذية. إن الفرق هو أن سلطان القانون وما يصحبه من قوة تنفيذية خارج عن الإنسان، والإنسان في المجتمع الحديث -وهو المجتمع صاحب القانون الوضعي وصاحب السلطة التنفيذية- يعمل بدفع هذه القوة الخارجة عنه، ولو تهاون هذا المجتمع في تطبيق القانون يومًا ما، أو خفت رقابة السلطة التنفيذية؛ فإن الفرد يتهاون بدوره في أداء ما كان يحتم عليه القانون أداءه، وما كانت السلطة التنفيذية ترقبه منه.
إن الثقة الكاملة بين الإنسان وما يجب عليه من العمل والسلوك؛ لا بد أن تكون منبثقة من يقين الإنسان بصحة ما يجب عليه، وحُبٍّ صادق له، ورغبة قوية فيه، وحرص تام عليه، وسعادة في أدائه؛ ولكن هذه العناصر والبواعث لا يمكن أن تتحقق للإنسان بعامل الدفع الخارجي؛ بل لا بد لها من العقيدة التي تمزجها جميعًا مزجًا طرائعًا بكيان الإنسان الداخلي، وشعوره الوجداني.
من أجل هذا حاول بعض الفلاسفة الأخلاقيين المثاليين في -المجتمع
стр. 67
الأوربي في القرن الثاني عشر- أن يضع خلقية ذاتية تقوم على فكرة "أداء الواجب لذات الواجب" وشاعت هذه الخلقية المثالية في الشعب الألماني على الخصوص، وعرفت هذه الفكرة بفكرة "كانت" أو بالواجب الخلقي.
ومع أنها خلقية دافعة نحو العمل من ذات الإنسان، دون رعاية القانون الوضعي، وما يصحبه من سلطة تنفيذية؛ فإنها تفترق عن الخلقية الدينية التي يريدها الإسلام للمجتمع الإسلامي، والتي هي أساس لتماسك المجتمع الإسلامي، وتعاون أفراده؛ لأنه مهما كان الأمر فلا يغيب عن أذهاننا أن أساس القوة الخلقية هو الاعتقاد بالله، وإن أساس الخلقية المثالية هو تصور عمل الواجب من الإنسان للإنسانية. وشتان بين قوة تعتمد على الاعتقاد بالله، وأخرى تقوم على تصور الإنسان للإنسانية؛ فالاعتقاد بالله من شأنه أن يبقى ويدوم؛ بينما تطورات الإنسان -مهما كانت- فإنها تخضع للعوامل التي يتأثر بها الإنسان، ويسهل عندئذ أن يتغير تصور الإنسان من لونٍ إلى لونٍ آخر.
وإذا كان أي قانون من القوانين لا يستطيع أن يستقل بذاته في أي وقت من الأوقات؛ بل لا بد أن يقترن حتى ينفذ ويصان بثقة الإنسان به، فإن مرتكز هذه الثقة هو مرتكز وجداني أخلاقي، لا تنشئه إلا العقيدة الدينية وحدها، وفي هذا ما يؤكد أن الإيمان وحده هو الذي يستوفي كل هذه الأمور. وينشئ ذلك الشعور الذي يظل يعتمل في قرارة ضمير المؤمن؛ فيحمله على الخير ويردعه عن الشر، ويحدث ذلك التفاعل الإيجابي -الناجم عن الثقة- مع الاستقامة والفضائل، وذلك التفاعل السلبي مع الانحراف والرذائل١.
стр. 68
٢- كمال تصورها للإنسان والحياة:
أ- تتسم الثقافة الإسلامية من حيث إقامتها التصور الصحيح للإنسان وعلاقته بالحياة بالتوفيق التام بين الوجهتين الروحية والمادية فيه؛ بحيث ينتفي ذلك التناقض الذي أقامته التصورات المنحرفة بينهما، وهو تناقض زرعت بذوره الأولى في الحياة الإنسانية عقيدة الخطيئة الأولى التي جاءت بها النصرانية والتقت فيها من حيث خطأ التصور والاستنتاج مع عقائد أخرى زائفة؛ منها ما هو قديم كالبوذية والبرهمية، أو حديث كالروحية الحديثة.
"فالإنسان -حسب العقيدة النصرانية- يتعثر في الخطيئة الموروثة التي ارتكبها آدم وحواء، وعلى هذا تعتبر الحياة كلها -وفي نظر العقيدة على الأقل- واديًا مظلمًا للأحزان.. إنها الميدان الذي تعترك فيه قوتان: الشر المتمثل في الشيطان، والخير المتمثل في المسيح. إن الشيطان يحاول بواسطة التجارب الجسدية أن يسد طريق النفس الإنسانية نحو النور الأزلي، إن النفس ملك المسيح؛ ولكن الجسد ملعب للمؤثرات الشيطانية، وقد يمكن التعبير عن ذلك بوجه آخر: إن عالم المادة شيطاني في أساسه؛ بينما عالم الروح إلهي خير.
وإن كل ما في الطبيعة الإنسانية من المادة -أي الجسد كما يؤثر اللاهوت النصراني أن يدعوه- فإنما هو نتيجة مباشرة لزلة آدم، حينما سمع نصيحة الأمير الجهنمي للظلمة والمادة -يعني إبليس- من أجل ذلك كان حتمًا على الإنسان عندهم إذا شاء النجاة أن يلفت قلبه عن عالم اللحم إلى هذا العالم الروحي المقبل؛ حيث تحل الخطيئة البشرية بتضحية المسيح، أي بفداء المسيح"١.
стр. 69
ب- وليس التصور الفلسفي للإنسان -كما هو الحال في الفلسفات القديمة والحديثة- خيرًا من هذا التصور النصراني الذي جاءت به الكنيسة. إنه لدى كثير من هذه الفلسفات والنظريات تصور ناقص محدود يتناول الإنسان من بعض جوانبه ويهمل جوانبه الأخرى؛ فهو -مثلًا- يتناول الإنسان من جانب مزاياه العقلية فحسب دون النظر إلى المزايا الأخرى، وقد تعنى بعض التصورات بنواحيه الاجتماعية فقط، وتمهل ما عدا ذلك، كما أن بعض التصورات جاءت بافتراضات عجيبة حول ترتيب الإنسان بين أنواع الأحياء الأخرى وفق ما يسمى بمذهب النشوء والارتقاء؛ وبهذا نجد أن الإنسان لدى جل هذه الفلسفات والنظريات لا يعدو أن يكون حيوانًا ناطقًا تارة، وحيوانًا مدنيًا أو سياسيًا أخرى، أو حيوانًا راقيًا حينًا، أو إنسانًا مثقلًا بالخطيئة وارثًا للغواية حينًا آخر..
ج- "أما الإسلام فإنه لا يعرف الخطيئة الموروثة، ولا يعرف السقوط من طبيعة إلى ما دونها، فلا يحاسب أحدًا بذنب أبيه، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وليس مما يدين به المسلم أن يرتد النوع الإنساني إلى ما دون طبيعته؛ ولكنه مما يؤمن به أن ارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، وقوامه الحرية والتبعة؛ فهو بأمانة التكليف قابل للصعود إلى قمة الخليقة، وهو بالتكليف قابل للهبوط إلى أسفل سافلين، وهذه هي الأمانة التي رفعته مقامًا فوق مقام الملائكة، وهبطت به مقامًا إلى زمرة الشياطين"١.
إن الإسلام يبطل كل التصورات المنحرفة والمتطرفة والفاسدة عن الإنسان حين يضع الإنسان أمام حقيقته من حيث أصل الخلقة؛ حيث يقول الله تعالى:
стр. 70
﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ لصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ١.
ثم من حيث عناصر التكوين ومراحله، وما ينشأ عليه من الضعف والعجز، ثم ما يوهب من القوة والشباب، وما ينتهي إليه بعد ذلك من انحطاط القوى والعجز والضعف مرة أخرى، وأنه لا بد أن يوافيه الأجل ويسلب نعمة الحياة وفق قدرة الله وحكمته، وما اقتضته مشيئته. وفي ذلك يقول :
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ٢.
فليس لهذا الإنسان أن يتجاوز حقيقته، ويشمخ بأنفه، ويعتد بقوته، ويتباهى بسطوته، ويمتلئ غطرسة وكبرياء، ويغتر بما بين يديه من وسائل وأسباب، ومتع وثروات، وطاقات وأدوات؛ بل عليه أن يعلم أن هذا الكون قد سخره الله له من أجل فائدته ومتاعه، وعمارة هذا الأرض التي يعيش عليها، وفي هذا التسخير تكريم من الله لهذا الإنسان، وتكليف له وتشريف. وخليق بهذا الإنسان أن يعرف منزلته، ويدرك تبعته، ويؤدي وظيفته. وفي ذلك يقول :
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ
стр. 71
مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ١.
وإذا كان هذا الإنسان من حيث الأصل مخلوقًا حقيرًا ذليلًا؛ فإن ما أُسْبِغَ عليه -بفضل الله- من الكرامة والتشريف، منوط بتلك الروح التي أودعها الله فيه، وبتلك المكانة التي رفعه إليها حين جعله خليفة في الأرض، ومعنى هذا أن كرامته وفضيلته إنما تتوقفان على أن لا يُلَوِّثَ روحه باتباع الشيطان وسلوك طرقه، وعلى ألا ينحدر من مرتبة الخلافة المتلازمة مع الخضوع والطاعة إلى حضيض البغي والعصيان.
وفي ذلك يقول :
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ويقول سبحانه:
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
إن تفرد الإنسان في هذا الكون بطبيعته وتركيبه، وفي وظيفته وغاية وجوده، وفي مآله ومصيره؛ هو الذي يقرره التصور الإسلامي عن الإنسان في نصوصه الكثيرة؛ فكلها تقرر أن هذا الإنسان، خلق خلقة فذة خاصة مقصودة، وعينت له وظيفة، وجعلت لوجوده
стр. 72
غاية، وأنه كذلك مبتلى بالحياة مختبر فيها، محاسب في النهاية على سلوكه فيها؛ هذا السلوك الذي يقرر جزاءه ومصيره.
ومن الطبيعي أن تقتضي خصائص الإنسان منهجًا للحياة الإنسانية يرعى كل تلك الخصائص والاعتبارات؛ يرعى تفرد الإنسان في طبيعته وتركيبه وتفرده في وظيفته وغاية وجوده وتفرده في مآله ومصيره، كما يرعى تعقده الشديد، وتنوع أوجه نشاطه، وتعقد الارتباطات بينها، ثم يرعى فرديته هذه مع حياته الجماعية.
وبعد هذا كله يضمن له أن يزاول وجوه نشاطه كلها، وفق طاقاته كلها، بحيث لا يسحق ولا يكبت، كما لا يسرف ولا يفرط، وبحيث لا يدع طاقة تطغى على طاقة، ولا وظيفة تغطي على وظيفة، ثم في النهاية يسمح لكل فرد بمزاولة فرديته الأصلية مع كونه عضوًا في جماعة، وإن منهج الحياة الوحيد الذي راعى هذه الاعتبارات كلها كان هو المنهج الذي وضعه للإنسان خالقه العليم بتكوينه وفطرته، الخبير بطاقاته ووظائفه، القادر على أن يضع له المنهج الذي يحقق غاية وجوده، ويحقق التوازن في أوجه نشاطه، ويحقق فرديته وجماعيته كذلك.
ولقد جاء منهج الإسلام للحياة الإنسانية بتحديد واضح رائع للعلاقة بين الإنسان والحياة؛ فإذا كانت هذه الحياة الدنيا قد خلقت لهذا الإنسان لينتفع بها ويستمتع؛ فليس له أن يقف منها موقفًا سلبيًا ظنًا منه بأنها شيء يجب الاحتراز منه، كما ليس له أن يحرم على نفسه زينتها ونعيمها؛ بل من واجبه أن ينتفع بها ويستخدمها على قدر استطاعته، مع إدراك كامل منه وتمييز دقيق.. للصحيح والفاسد، والحق والباطل، والطيب والخبيث..
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا
стр. 73
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١.
وقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
ومع هذه الدعوى إلى الانتفاع بالحياة؛ يضع التصور الإسلامي أمام الإنسان صورة عن عاقبة هذه الحياة ومآلها، حتى لا تلهيه عن وظيفته، أو تشغله بمفاتنها ومباهجها عن الغاية الحقيقية من وجوده؛ فالحياة الدنيا ظل زائل وعرض حائل، وهي محدودة بأجل مسمّى، ونهايتها هو الموت المحتوم؛ وإنما الشيء الوحيد الذي له البقاء والخلود في هذا العالم الفاني هو الصلاح: صلاح القلب، وصلاح الروح، وصلاح الأعمال٣.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ٤.
وقال :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ
٣- وحدتها المترابطة المتناسقة:
أ- من خصائص الثقافة الإسلامية أنها كلٌّ متَّحد مترابط متناسق، يؤخذ جملة وتفصيلًا دون اصطفاء أو استهواء، أو اعتبار لما يوافق الهوى أو يصادمه؛ فالثقافة الإسلامية بمفاهيمها العامة الشاملة ليست أجزاء متفرقة لا رابطة بينها، تعرض كما تعرض السلع في المتاجر؛ ليختار الإنسان منها ما يلائمه، ويوافق مزاجه، ويدع ما لا يرغب فيه لعدم توافقه مع ذوقه أو لغلاء ثمنه.
"إن الاسلام كلٌّ لا يتجزأ؛ فإما أن يؤخذ جملة، وإما أن يترك جملة، أما أن يستفتى الإسلام في صغار الشئون، وأن يهمل في الأسس العامة التي تقوم عليها الحياة والمجتمع؛ فهذا هو الصَّغار الذي لا يجوز لمسلم أن يقبله للإسلام.