المقدمة
مقدمة الطبعة الخامسة
...
مقدمة الطبعة الخامسة:
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، حمدًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الذي بنعمته تتم الصالحات، وتعم الخيرات، سبحانك ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله خير من اصطفى من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه هي الطبعة الخامسة لكتاب لمحات في المكتبة والبحث والمصادر، أقدمها إلى أعزائي القراء من العلماء والباحثين والطلاب، والعاملين في رحاب العلم، الذين تعنيهم دراسة نشأة المكتبات وتطورها، ومعرفة أشهرها وأهمها، وطرق تنظيم فهارسها والاستفادة مها، ويهمهم الوقوف على طرائق البحث ومراحله، ومصادره ومراجعه، وحسن ترتيبه وإخراجه، في مختلف ميادين علوم الإسلام والعربية، أصولها وفروعها، والاطلاع على حركة التأليف فيها، ومعرفة عظيم ثمراتها، مما قدمه العلماء والباحثون، خلال قرون مديدة - زهت فيها أمتنا، وتسنمت قيادة العالم وريادته؛ فأشرقت الدنيا بنور الإيمان والمعرفة، وازدهرت الحضارة، وكان لنا قصب السبق في بنائها؛ فخلد أسلافنا مجدًا عظيمًا لا تغيب عنه الشمس - وكذلك الاطلاع على بعض ما قدمه العلماء في نهضتنا العلمية الحديثة في مختلف ميادين العلم وحقوله.
стр. 2
لقد كانت نواة هذا الكتاب مذكرات وضعتها لطلاب كلية الشريعة بالرياض ١٣٨٩-١٣٩٠هـ / ١٩٦٩-١٩٧٠م لتكون لهم عونًا في أبحاثهم العلمية، وما إن ظهر الكتاب في الأسواق حتى عم انتشاره بين أهل العلم وطلابه، بفضل ونعمة من الله العلي العظيم؛ مما شجعني على متابعة موضوعاته بالعناية والاهتمام بكل ما يجد فيها، أو يطرأ عليها؛ فأضفت إليه زيادات بينة في طبعته الرابعة، تناولت أكثر فصوله ومباحثه، فاتسع انتشاره، وكثرت الكليات والمعاهد العلمية التي اعتمدته رجعًا أساسيًّا لمقرر "البحث والمكتبة"، ولمقرر "المصادر" في كثير من البلاد العربية والإسلامية، ونفدت تلك الطبعة خلال فترة قصيرة، وكثر طلب الكتاب؛ فكان لزامًا عليَّ أن أسدَّ حاجة القراء؛ بإعادة طبعه بعد أن أضفت على بعض أبحاثه أهم ما جد من نتاج المفكرين والعلماء؛ مما صدر بعد عام ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م -تاريخ الطبعة السابقة- وما أحدث في ميادين حفظ التراث وإحيائه، مما بلغني أو وقفت عليه؛ هذا إلى جانب إضافات بينة واضحة في بعض أبحاث الكتاب وموضوعاته، وكنت أتمنى أن تستوعب هذه الطبعة كل جديد مما له صلة بمادة هذا الكتاب، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه؛ فهذا جهد المقل - على كثرة واجباتي - سائلًا الله أن أوفق إلى استدراك ما فاتني في طبعة قادمة إن شاء الله، مستلهمًا العون منه، مبتهلًا إليه أن يعصمني من الزلل، وأن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه، وأن يحقق الغاية المرجوة من هذا الكتاب، وينفع به، إنه خير مسئول، وبالإجابة جدير، وهو ولي التوفيق والسداد.
دمشق: ٥ / ١ / ١٤٠٠هـ
٢٤ / ١١ / ١٩٧٩م
محمد عجاج الخطيب
стр. 3
مقدمة الطبعة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المرسل هدى ورحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فقد أسندت إليَّ عمادة كلية الشريعة بالرياض تدريس مادة البحث والمكتبة سنة ١٣٨٩هـ-١٩٦٩م؛ ليتمرن الطالب على البحث العلمي، وينطبع على المنهجية التي اتسمت بها أبحاث أسلافنا العلماء، ويطلع على أمهات المصادر والمراجع في علوم الإسلام والعربية، وما يلحق بها ... ويحسن الاستفادة منها، والرجوع إليها، والانتفاع بها؛ فتتفتح المدارك، ويكشف عن الميول، وتنمى القدرات، وتشجع المواهب، وتتكون الشخصيات العلمية من خلال البحث والعرض والتحليل والاستنباط والمناقشة ... وبهذا تتمازج الآراء وتتميز، ويسمو التفكير، ويحسن التعبير؛ فينطلق الطالب من الميدان النظري إلى الميدان العملي، ومن حيز المعقد والمحاضرة إلى عالم المكتبات والمصادر وطرائق البحث؛ حيث تتسع الآفاق، وتمتد ساحات الرؤية أمام ناظريه ... فيحسن الاختيار والمحاكمة والربط، ورد الفروع إلي الأصول وغير ذلك مما يحتاج إليه في حياته العلمية والعملية.
стр. 4
وبدأت التجربة من بابها العملي؛ فكنت أحمل بعض كنوز مكتبتنا الإسلامية إلى الفصول، قاعات المحاضرات- أضعها بين يدي الطلاب، ندرسها دراسة عامة، ونحلل بعض ما جاء فيها، وأبين منزلة كل كتاب بين كتب العلم التي صنف فيها ذلك الكتاب، كما كنا نرتاد مكتبة الكلية أحيانا نعيش بين أمهات المصادر والمراجع، تمر الساعات العديدة من غير أن نشعر بها، ونحن نستطلع وندرس، ونوازن ونناقش، ونقارن ونعارض، وكثيرًا ما كنت أوزع الطلاب في مجموعات، أضع بين يدي كل مجموعة ما ينوبها من المصادر، ونشرع في التطبيق العملي بعد بيان خطة البحث ... ؛ باستخراج ترجمة عالم تارة، أو الوقوف على مواضع حديث تارة أخرى، أو معرفة مواطن موضوع ... وغير هذا ... فانتقل الطلاب من التلقي والسلبية، إلى المشاركة والإيجابية؛ فكنتَ ترى الحياة والنشاط ينبعثان من تلك المجموعات، والبشر يعلو صفحات الوجوه حين تدرك مجموعة بغيتها قبل غيرها، وتعم السعادة النفوس، وتثلج الصدور للمحاولات والمناقشات العلمية الرفيعة المنظمة، التي كانت تدور بين براعم العلماء ... وإلى جانب هذا كان يقوم بعض الطلاب بإعداد دراسات وافية تتناول بعض الكتب، أو فصولًا أو فصلًا من كتاب، أو موضوعًا ذا أهمية علمية.. ثم يلقونها على زملائهم، ويجيبون عن أسئلتهم ويتبادلون النقاش فيها..
لقد عشنا أيامًا علمية طيبة؛ فكان الطلاب يتعطشون إلى حصص هذه المادة، كما كنت أرتقبها من بين الحصص لأطالع طلابي بكل جديد، لقد كانت حصصًا حية عملية تجتذب الحريص على العلم بسحرها وكنوزها، وتنوع فنونها، وتعدد موضوعاتها ...
وكان لا بد من منهاج يحدد الطريق، ومن غاية واضحة نقطف ثمارها، عاجلًا أو آجلًا؛ فالتزمت منهجًا لهذا المقرر يدور بين
стр. 5
المحاضرات النظرية والأبحاث العلمية، والدراسات التطبيقية يشمل أصول البحث والمكتبة ونظامها والمصادر بأنواعها..؛ فاستحسن المسئولون في كليتي الشريعة واللغة العربية بالرياض هذا المنهاج؛ مما شجعني على المضي في تنفيذ تلك الخطة، والتزمت بوضع المادة العلمية بين يدي الطلاب؛ ليتضح السبيل أمامهم، وتسهل المذاكرة عليهم، واجتهدت ما وسعني الاجتهاد في وضع أصول هذا الكتاب بين يدي الطلاب خلال الشهور الأولى من ذلك العام الدراسي؛ فتم ذلك بفضل الله وعونه، وما إن ظهرت تلك الأصول حتى تلقفها الطلاب من مختلف الكليات، وانصرم العام الدراسي، وانصرم العام الدراسي، وطالعنا عام ١٣٩٠هـ-١٩٧٠م؛ فلم تتح لي فرصة لتنقيحها والزيادة عليها؛ فنشرت تلك الأصول ثانية على حالتها الأولى، وما إن أطل صيف عام ١٣٩١هـ - ١٩٧١م حتى أعطيت هذا الكتاب وقتي، ووقفت له نفسي؛ ليخرج بهذا الثوب، وقد جعلته في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: المكتبة: عرضت فيه لمكانة العلم في الإسلام وأثره، فبينت ابتداء تدوين العلم، ووضحت أهداف المكتبة وآثارها التربوية، وتحدثت عن نشأة المكتبات الإسلامية، وعن أشهرها فيما مضى، ثم عرجت على ذكر أشهر المكتبات وأهمها في العالم في العصر الحاضر، وبينت كنوز المخطوطات العربية في المكتبات العربية والأجنبية، وتحدثت عن نظام المكتبة قديمًا وحديثًا، وعن القائمين عليها، والمسئولين عنها، كما فصلت القول في فهارسها وطرق الاستفادة منها بكل يسر وسهولة.
وفصلت القول في الفصل الثاني: "البحث وأصوله" في أهمية البحث العلمي وأصوله، ومقومات الباحث، وأهم ما يأخذ بيده إلى التقدم والنجاح، ووضحت أثر المنهجية العلمية في نجاح البحث، كما فصلت القول في مراحل البحث منذ اختيار الموضوع إلى استوائه وتكامله
стр. 6
وإخراجه، بما ينير السبيل للباحثين ويساعدهم في إعداد أبحاثهم، ويوفر لهم وقتهم وطاقتهم.
وأما الفصل الثالث فقد خصصته لأهم المصادر والمراجع في علوم الإسلام والعربية ... ؛ فتتبعت حركة التأليف عند علماء المسلمين، في أمهات العلوم الإسلامية وفروعها، وآداب العربية وفنونها، وعلوم اللغة وصنوفها، وحرصت على أن أعرض لأهم المصادر القديمة في كل علم، وأن أربط الحديث بالقديم، واللاحق بالسابق؛ لأن المتأخر طريق إلى المتقدم ومفتاح له، ومثل هذا التتبع التاريخي يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل؛ فتتبع ما تنتجه قرائح العلماء والمفكرين ليس بالأمر السهل، وإن كثرت وسائل النشر والإعلام؛ فإن بين ما ينشر وبين ما يطلع عليه مفاوز كثيرة كبعد الآفاق، وعدم كفاية التوزيع، وبطء إدخال المطبوع في فهارس المكتبات العامة، وغير ذلك من الصعاب التي تحول دون الاطلاع على كل جديد، ولا يستطيع الكاتب أن يخط كلمة حول كتاب ما لم يطلع عليه، ويوازنه بما سبقه ولحقه؛ حتى يحسن الحكم عليه، والقول فيه. وهذه أمانة تفوق الأمانة في المال والمتاع. وقد رأيت أني في عملي هذا رسول القراء إلى كل جديد، ومن حقهم علي أن أتتبع كل حديث في بابه. لكل هذا لم أدخر وسعًا في سبيل هذه الغاية، ومن ثم اضطررت إلى ذكر بعض الكتب التي تأكد لي وجودها تحت الطبع في أكثر من بلد عربي.
ومع هذا فإني لم أقصد استيعاب جميع المصادر؛ بل اخترت من كل علم عدة كتب؛ فعرضتها عرضا علميا تاريخيا دقيقا، وعرفت بها، ولم أتجاوز ذكر الكتاب ومؤلفه وعصره، وأهم مزاياه، ومنزلته بين كتب العلم الذي صنف فيه، واكتفيت بذكر بعض الكتب مع مؤلفيها، من غير أي تعليق عليها؛ تاركًا للطلاب تقويمها والرجوع إليها. وقد
стр. 7
وجدت نفسي أمام ثروة عظيمة تنطق بجهود السابقين، وتحكي على مر الزمان قصة ذلك المجد التليد الذي بناه علماؤنا بالعلم والدأب المستمر؛ فأسهموا في تشييد صرح الحضارة الإنسانية إسهاما لا يدانيه إسهام أمة من الأمم، في مختلف الميادين العلمية، وبهذا فتحوا عيون العالم على المعرفة، وشقوا أمام الأجيال طريق الخير والسعادة. إنها ثورة علمية ضخمة يعجز البيان عن وصفها، وإن ما ذكرته من مصنفات لا يعدو غيضًا من فيض، وقليلًا من كثير. ولو أني أعطيت كل كتاب حقه من منى النفس، وتركت للقلم عنانه؛ لأضحى هذا المؤلف أضعاف حجمه، وقد جعلت هذا الفصل في ثلاثة عشر مبحثًا هي:
١- القرآن والتفسير وعلوم القرآن والدراسات القرآنية.
٢- الحديث وعلومه.
٣- السيرة النبوية.
٤- العقيدة والفرق.
٥- الفقه.
٦- أصول الفقه وتاريخ التشريع.
٧- التاريخ الإسلامي والتراجم.
٨- حضارة الإسلام.
٩- حاضر العالم الإسلامي.
١٠- اللغة والأدب.
١١- كتب جامعة، وكتب في دراسات إسلامية.
١٢- معاجم البلدان.
١٣- مراجع المراجع.
وجعلت كل مبحث في عدة فقرات ليسهل العرض والتصنيف، وألحقت بالكتاب عدة فهارس تيسر الاستفادة منه.
стр. 8
ولربما فاتني أمر يرى غيري وجوب ذكره، فلا بأس بأن يذكرني به لأستدركه في طبعة قادمة إن شاء الله، وله مني الشكر والتقدير؛ فهذا تراث أمتنا يجب أن نتعاون في الحفاظ عليه، والكشف عنه. وإذا كتب لي بيان جانب من العلوم الإنسانية من هذا التراث الخالد؛ فإن جانب العلوم العملية منه بحر واسع لا يدرك غوره ومنتهاه، وقد شق عبابه أكابر علمائنا السابقين في الطب والكيمياء والفيزياء والصيدلة والفلك والرياضيات والهندسة وغيرها، وقد حازوا قصب السبق في هذا الميدان، وتربعوا أساتذة للغرب عدة قرون، وبقيت مؤلفاتهم مصادر أصيلة في أمهات جامعات أوربا حتى مطلع القرن الماضي، وكانت أبحاثهم ونظرياتهم أساسًا للأبحاث العلمية الحديثة، وقد اعترف بهذا المنصفون من العلماء المعاصرين في الشرق والغرب؛ لكن بريق الحضارة في هذا العصر خطف أبصار بعض الناشئين فظن أن أمته منبتة لا جذور لها في ميادين العلم والتقدم، وأن الحضارة والعلم إنما هو صنيعة رجال هذا العصر؛ فتنكر لأمته ولماضيها، وظن أن واقعة المتخلف إنما هو نتيجة لماضيه، ولبَّس عليه هذا دس أعدائنا، وتشويههم لماضينا العظيم المشرق، وفاته أن أمتنا قادت مركب الإنسانية إلى الخير والسعادة والسلام قرونًا طويلة؛ يوم كان غيرها من الأمم في عصور الجهل والظلام، وأن أكابر علماء تلك الأمم قد تربعوا بين يدي أجداده العلماء، يعبون من معينهم، وينهلون من مشاربهم.. وأنه لولا ما قدمه علماؤنا السابقون في الميادين العلمية المختلفة لما أدرك أبناء هذا القرن عشر معشار ما أدركوه إلا بعد فترة من عمر الزمن؛ فما على هؤلاء الذين عميت عليهم حقيقة تاريخهم وأمجادهم إلا أن يعرفوها معرفة واضحة لتكون لهم رائدًا ومنارًا، في طريق بناء المستقبل، كما أهيب بكل عالم
стр. 9
ممن يستطيع الكشف عن عظيم تراثنا، ومجيد إنتاجنا أن يدلي بدلوه، ويضرب بسهمه خدمة لحضارتنا، ولأجيالنا الصاعدة قبل أن يضرب التيه على القلوب، وتنقطع بهم الدروب بين حاضرهم وماضيهم؛ فلا يحسنون تثبيت الأقدام في طريق مستقبلهم.
وأخيرًا أرجو أن يكون عملي هذا خالصًا لوجه الله، داعيًا المولى أن يحقق الغاية المرجوة من هذه الكتاب، وينفع به طلاب العلم وأهله، إنه خير مسئول، وهو ولي التوفيق والسداد.
٢ رجب ١٣٩١هـ
٢٢ آب ١٩٧١م
محمد عجاج الخطيب
стр. 10
الفصل الأول: المكتبة
تمهيد
الاسلام والعلم
...
الفصل الأول: المكتبة.
أولا: تمهيد.
١- الإسلام والعلم:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١، كانت هذه أول آيات بينات نزلت على سيدنا محمد الرسول الأمين، تنبئه بالرسالة، وتحمله مسئولياتها، تصدع أول كلماتها بالقراءة وهي مفتاح التعلم، وتنطق آياتها بتعليم الله لعباده ما لم يعلموا، وتذكر القلم وسيلة الكتابة وحفظ العلم ونقله، وآلة التعبير عما يجول في الخواطر. لقد استرعى الله انتباهنا إلى أهمية العلم في أولى آيات القرآن الكريم لأنه سبيل التحرر من العبودية لغير الله، والطريق القويمة إلى معرفة الله ، ومعرفة شرعه وحسن تطبيقه والعمل به.
وحسبنا أن تنوه الآيات الأولى من دستور الإسلام بالعلم؛ لندرك اهتمام هذا الدين الحنيف به. ولو أنا تأملنا فيما ورد في القرآن الكريم من آيات تتناول العلم وفضله وسبله وما يلحق به، وما ورد في السنة في هذا الباب؛ فوقفنا على مكانة العلم في الإسلام، وأدركنا اهتمامه الكبير به من خلال الآيات التي تحث على التعلم، وتشجع طلاب العلم، وترفع من شأن العلماء، وتحارب الجهل وتطارده كما يطارد النور الظلام، تريد للإنسانية نور العلم والمعرفة بدلا من ظلام الجهل والغفلة، ومن ثم خاطب الإسلام العقول
стр. 11
والقلوب. وأناط التكليف الشرعي بالعقل والبلوغ، وجعل العقل مدار التكليف؛ لأنه وسيلة فهم خطاب الشارع الكريم، وبه ميز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته؛ ولهذا نرى كثيرًا من الآيات تهيب بالإنسان أن يستعمل عقله ويتدبر ويتفكر، من هذا قوله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥.
وإنا لنجد دعوة القرآن الكريم إلى العلم والرفع من شأنه مبثوثة في كثير من آياته، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧.
ورفع مكانة العلماء في قوله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 12
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ١. وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٢، ونرى من خلال آيات القرآن الكريم ما للعلم والعلماء من أهمية كبيرة في الدعوة إلى الله، والتحرر من عبدوية ما سواه، من هذا جل قصص الأنبياء، والمحاورة الدقيقة الرائعة "بين مؤمن آل فرعون وفرعون وأعوانه" من قوله : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ... ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٣، ومثلها المحاورة المنطقية والإقناع العميق في قوله : ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ٤.
ونرى ما للعلم من منزلة عظيمة في قصة سليمان ﵇، وفي طلبه عرش بلقيس: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ
стр. 13
من مقامك وإني عليه لقوي أمين، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ١.
ونرى من ركب هواه عقله في الدنيا ينطق بالحق حين يرى مصيره يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢.
وقال عز من قائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٣. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤، وقال : ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنَ وَاقٍ﴾ ٥.
خاطب الإسلام في الإنسان عقله وحواسه وجوارحه التي تنفذ به إلى المعرفة والتعلم؛ فاسترعى انتباهه إلى مفاتيح العلوم بالنظر والمشاهدة والتأمل والاعتبار، وغير ذلك مما يدفع به إلى ذروة المعرفة والوقوف على الحقيقة الكبرى لهذا الكون، ومن ثم لن نستغرب اهتمام الإسلام بالعلم هذا الاهتمام الكبير الذي لم نعهد له مثيلًا في الأديان السابقة والأنظمة القديمة والحديثة حتى في أرقى بلاد العالم
стр. 14
في عصرنا الحاضر، ولا غرابة في هذه الحقيقة الواضحة في دين الإنسانية والخلود.
ولسنا هنا بصدد إحصاء وعرض آيات العلم والتعليم والعلماء التي وردت في القرآن الكريم؛ فإن المقام لا يتسع لذلك؛ وإنما الغاية أن نعرف مقام العلم في الإسلام معرفة سريعة موجزة، ولعل خير ما يبرز لنا هذا الجانب هو الرسول ﷺ ، الذي كان الرائد الأول في تطبيق الإسلام.
١- فقد حض الرسول ﵊ على طلب العلم، وبين منزلة العلماء فقال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" ١.
وجعل طلب العلم الشرعي الذي يحتاج إليه كل مسلم ليقيم أمور دينه فريضة على كل مسلم بنص قوله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٢. وغير ذلك من الأحاديث التي تحض على طلب العلم، ولم يقتصر حضه ﷺ على طلب العلم الشرعي من خلال القرآن والسنة؛ بل دعا إلى تعلم كل ما يعود على المسلمين بالخير، أو يدفع عنهم الشر٣.
٢- وكما حض ﵊ على طلب العلم حض على
стр. 15
تبليغه؛ فحدث الرسول ﷺ في مواقف كثيرة، وكان يقول: "ليبلغ الشاهد الغائب، رب مبلغ أوعى من سامع" ١، "ونضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه؛ فرب مبلغ أحفظ له من سامع" ٢. وفي رواية أنس ﵁ عن الرسول ﷺ : "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وكان يأمر الوفود التي تفد إليه بأن يحملوا الإسلام إلى من خلفهم ويعلموهم كما تعلموا من الرسول صلى الله عليه وسلم٣. ومن الناحية التطبيقية لم يترك الرسول ﷺ طريقة من طرق التعليم والتبليغ والإعلام في ذلك العصر إلا سلكها في سبيل نشر الإسلام وتبليغه؛ فكان يعقد مجالس العلم بنفسه٤، ويبعث الرسل ويرسل الكتب، ويوجه
стр. 16
الأمراء والقضاة والمعلمين؛ ليفقهوا الناس بالدين، فكان ﷺ خير مبلغ١.
٣- ومنزلة العلماء المعلمين من أرفع المنازل في الإسلام بنص قول الرسول ﵊: "العلماء ورثة الأنبياء" ٢ ولم يرفعهم إلى هذه المنزلة الرفيعة إلا علمهم وعملهم به وتعليمهم وإرشادهم الأمة..٣
стр. 17
من هنا حث الإسلام على احترام أهل العلم، على لسان محمد ﷺ فقال: "ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم
стр. 18
صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه" ١. وأكد ﵊ ما للعالم من أجر عند الله بقوله: "العالم والمتعلم شريكان في الخير" ٢.
٤- وكما أن للعلماء أجرا في الغسلام لتعليمهم وتوجيههم، وحرصهم على بيان الحق؛ فإن لطلاب العلم أجرًا لتوطين نفوسهم على طلب العلم، وهذا واضح في قوله ﷺ : "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا، أو يعلمه؛ كان له كأجر حاج تامًا حجته" ٣ وفي قوله ﷺ : "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى لجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ٤.
٥ - ولم يكتف الرسول ﷺ بالحض على طلب العلم، وعلى تبليغه، ولم يكتف ببيان منزلة العلماء وطلاب العلم؛ بل
стр. 19
أوصى بطلاب العلم خيرًا، ورغب في تعليمهم والإحسان إليهم؛ من هذا ما رواه أبو هارون العبدي قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ . قال: قلنا: وما وصية رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنه سيأتي بعدي قوم يسألونكم الحديث عني؛ فإذا جاؤوكم فألطفوا بهم، وحدثوهم" ١. وفي رواية "إنهم -أي طلاب العلم- سيأتونكم من أقطار الأرض، يتفقهون في الدين؛ فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا". ٢
هكذا تبين لنا حرص الشريعة على العلم والتعليم، وقد مارس الرسول ﷺ ذلك بنفسه، وشجع على طلب العلم، وأوصى بطلابهن وبين ما للمشاركة فيه من أجر، حتى بلغ التشجيع العلمي أوجه، وفتح باب العلم للجميع ليس بينه وبين أحد حاجز أو مانع. وأبلغ من هذا كله، أن الرسول ﷺ حذر العلماء من أن يتساهلوا في أداء واجبهم وتعليم الجاهلين وأنذرهم بالعقاب، وحذر الجاهلين من البقاء على جهلهم، وحثهم على طلب العلم، وعلى تحطيم ربقة الجهل وعدم المعرفة، وحضهم على قرع ابواب العلماء، ويتجلى هذا بوضوح فيما رواه عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب النبي ﷺ ذات مرة فأثنى على طوائف من المسلمين خيرًا، ثم قال: "ما بال أقوام لا يفقهون
стр. 20
جيرانهم ولا يلعمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون، والله ليعلمن قوم جيرانهم، ويفقهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة"، ثم نزل. فقال قوم: من ترونه عني بهؤلاء؟ قال: الأشعرين: هم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه١ والأعراب؛ فبلغ ذلك الأشعرين، فأتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا يا رسول الله ذكرت قومًا بخير وذكرتنا بشر فما بالنا؟ فقال: "ليعلمن قوم جيرانهم، وليثقفنهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا" فقالوا: يا رسول الله أنفطن٢ غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم؛ فأعادوا قولهم أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك أيضا؛ فقالوا أمهلنا سنة فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم، ثم قرأ ﷺ هذه الآية: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ ٣.
لقد بين هذا الحديث مسؤولية العلماء، كما بين واجب من لا يعلم.
стр. 21
وحث الفريقين على أداء واجبهما، أهل العلم ينشرون العلم ويبينونه، والجاهل يسعى إليهم ويتعلم ... ورتب على إخلال أحد الفريقين أو كليهما بواجبه- عقوبة زاجرة رادعة ... من خلال هذا الحديث يظهر لنا المستوى العلمي الذي أراده الإلسام للمسلمين؛ فبعد أن حارب الجهل في جميع الميادين بمختلف الوسائل، وبعد أن فتح أبواب المعرفة وهيأ لها أهلها -رتب العقوبة الزاجرة على الجهل؛ ذلك لأن الجهل عدو الفكر، يحول بين المرء والمعرفة؛ فيبقى الإنسان أسير جهله سجين أوهامه بعيدًا عن الحق والحقيقة، ولو أن هذا الحديث طبق في الأعصر الأخيرة في المجتمع الإسلامي لما رأيت مكانًا لجاهل، ولا درجة رفيعة لعالم لا يعمل بلعمه؛ بل لما وجد الجهل إلى المسلمين سبيلًا.. والحق أن أرقى الدول في هذا القرن تتبنى التعليم وترعاه وتسهل كل ما يتعلق به. أما أن دولة تعاقب عالما لا يعلم أو لا يعمل أو جاهلًا لا يتعلم- فهذا أمر لم تصل إليه امة من الأمم بعد؛ في حين أن الإسلام قرر ذلك قبل أربعة عشر قرنًا.
كل ما ذكرناه آنفًا من التشجيع العلمي والتزام الدولة الإسلامية بأداء واجبها في هذا الميدان، وإقبال الأمة على العلم، وتفتح القلوب للإسلام: عقدية وعبادة وشريعة وأخلاقا، كل ذلك ولد نشاطًا علميًا واسعًا في مختلف ميادين العلم والمعرفة في الدولة الإسلامية- في القرون التسعة الأولى - نشاطًا لم يعهد التاريخ مثله؛ فحقق الازدهار الحضاري العظيم الذي خلد أعمال العلماء المسلمين، وأمد التراث الإنساني بذخيرة علمية قيمة لا يزال العالم مدينًا لها حتى هذا العصر١.
стр. 22
تدوين العلم
مدخل
...
ب- تدوين العلم:
إن أعلى ما يعبر به الإنسان عن فكره وأحاسيسه هو الكلام بمجموع ألفاظ مفرداته وجمله، وهو الوسيله الأولى للخطاب ونشر العلم وكسب المعرفة، والإنسان في خطابه وعباراته المنطوقة أقوى على التعبير عما يريد وأفصح من محاولته ذلك بأي وسيلة أخرى. ويلي العبارة المنطوقة في الإفصاح عن الفكر العبارة المكتوبة١، ومن ثم كان للكتابة عند الأمم جميعًا أثر بعيدًا وكان لها الفضل الكبير في حفظ تراث الأمم السابقة دي دواوين العلم، وقد ازدادت أهمية الكتابة وآثارها في العصر الحاضر، وتطورت وسائل الطباعة تطورًا سريعًا يناسب روح العصر ويفي بحاجته.
ولا يهمنا في هذا المقام أن نستعرض نشأة الكتابة وتدرجها، من حالتها البدائية إلى أرقى صورها؛ وإنما يهمنا أن نعرف الكتابة عند العرب قبيل الإسلام وبعده. وسنوجز هذا فيما يلي:-
стр. 23
الكتابة عند العرب قبل الإسلام
...
١- الكتابة عند العرب قبيل الإسلام:
تدل الدراسات العلمية على أن العرب كانوا يعرفون الكتابة قبل الإسلام؛ فكانوا يؤرخون أهم أحداثهم على الحجارة، وقد أثبتت الأبحاث الأثرية بأدلة قاطعة، تعود إلى القرن الثالث الميلادي، وأكثر الآثار التي تحمل كتابات العرب كانت في الأطراف الشمالية للجزيرة
стр. 24
العربية١؛ حيث كان الاتصال وثيقًا بالحضارة الفارسية والرومية، ومما يذكر أن عدي بن زيد البادي المتوفى سنة ٣٥ ق هـ حين نما وأيفع طرحه أبوه في الكتاب حتى حذق العربية، ثم دخل ديوان كسرى، وهو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى٢، وهذا يدل لى وجود بعض الكتاتيب في الجاهلية، يتعلم فيها الصبيان الكتابة والشعر وأيام العرب، ويشرف على الكتاتيب معلمون ذوو مكانة رفيعة أمثال أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وبشر عبد الملك السكوني، وأبي قيس بن عبد مناف، وعمر بن زرارة الكاتب وغيرهم٣.
وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية. وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول؛ فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون٤.
стр. 25
٢- الكتابة في العصر النبوي وصدر الإسلام:
مما لا شك فيه أن الكتابة انتشرت في عهد النبي صلى الله عليه
стр. 26
وسلم على نطاق أوسع مما كانت عليه في الجاهلية؛ فقد حث القرآن الكريم على التعلم، وحض الرسول ﷺ على ذلك أيضًا، واقتضت طبيعة الرسالة أن يكثر المتعلمون: القارئون، الكاتبون؛ فالوحي يحتاج إلى كتاب، وأمور الدولة من مراسلات وعهود ومواثيق تحتاج إلى كتاب أيضًا، وقد كثر الكاتبون بعد الإسلام فعلًا ليسدوا حاجات الدولة الجديدة؛ فكان للرسول ﷺ كتاب للوحي بلغ عددهم أربعين كاتبًا١ وكتاب للصدقة. وكتاب للمداينات والمعاملات، وكتاب للرسائل يكتبو باللغات المختلفة٢.
وقد كثر الكاتبون بعد الهجرة عندما استقرت الدولة الإسلامية،
стр. 27
وأرست قواعدها القوية في المدينة؛ فكانت مساجد المدينة التسعة إلى جانب مسجد الرسول ﷺ محط أنظار المسلمين، يتعلمون فيها القرآن الكريم، وتعليم الإسلام والقراءة والكتابة، وقد تبرع المسلمون الذين يعرفون القراءة والكتابة بتعليم إخوانهم١، ولا يفوتنا أن نذكر أثر غزوة بدر في تعليم صبيان المدينة حينما أذن الرسول ﷺ لأسرى بدر أن يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة٢.
ثم اتسع نطاق التعليم، وانتشر في الآفاق الإسلامية بانتشار الصحابة رضوان الله عليهم، وكثرت حلقاتهم وانتظمت في المساجد وكثر المعلمون، وانتشرت الكتاتيب في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية وغصت بروادها٣.
وقد كان لانتشار الكتابة واتقانها أثر بعيد في تديون العلم وحفظه، وأول ما دون في عهد الرسول ﷺ ما كان يتنزل به الوحي من القرآن الكريم، والوثائق والمعاهدات، والكتب إلى الولاة وغير ذلك مما تحتاج إليه الدولة، كما دون جانب من الحديث النبوي في عهد الرسول ﷺ على يد من سمح له بكتابته كعبد الله بن عمرو بن العاص، ثم ما لبث أن اعتمد أهل
стр. 28
العلم على تدوين كل ما له صلة بعلوم الشريعة، وما كاد القرن الهجري الثالث يأفل نجمه حتى كثرت المؤلفات في مختلف العلوم١. قال ابن خلدون: "وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها، وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له."٢
وقد آن لنا - بعد هذا التمهيد الموجز - أن ننتقل إلى أهداف المكتبة وآثارها التربوية.
стр. 29
ثانياً: أهداف المكتبة وأثرها التربوي .
نحاول أن نوجز هذه الأهداف والآثار فيما يلي:
١- الغاية من المكتبة المدرسية في المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية تشجيع الطلاب على المطالعة، وتنمية ميولهم نحو القراءة حتى تصبح المطالعة عادة أصيلة عندهم تستفرغ بعض طاقاتهم في أوقات الفراغ. والمكتبة في الكلية أو الجامعة تفي بحاجة الطلاب وتشبع تلك الميول والعادات التي نشأت قبل المرحلة الجامعية.
٢- والهدف الثاني من أهداف المكتبة هو تنمية قدرات الطلاب في الاعتماد على أنفسهم في كسب المعرفة والتعلم، والتدرج في البحث، وحسن استيفاء المعلومات من المصادر والمراجع المطبوعة والمخطوطة١،
стр. 30
وعدم الاعتماد على المدرس في كل شيء، حتى يصل الطالب إلى مرحلة الاستقلال في أبحاثه.
٣- إذا سلك النظام التدريسي طريقة الفصول والمحاضرات والفصل بين المقررات؛ إنما سلك هذا السبيل لتسهيل عرض العلوم على الطلاب وتنسيق الأعمال التدريسية، ولم يقصد من وراء ذلك الفصل بين المواد والمقررات العلمية حقيقة؛ فإن العلوم يتمم بعضها بعضًا، كما يكمل كل مقرر غيره وهنا يأتي دور المكتبة فتهدم الحواجز التي تفصل بين المعارف البشرية -شكلًا لا حقيقة- بعضها عن بعض تلافيًا لما يحدث في تدريس كل موضوع بمفرده في قاعات المحاضرات. وبهذا تظهر المعارف الإنسانية مجموعة متكاملة.
٤- تساهم المكتبة مساهمة فعالة في بناء المواطن الصالح، بما تهيؤه من الغذاء العقلي والزاد الروحي لأبناء الأمة؛ فتوسع المدارك، وتقضي على الجهل قضاء النور على الظلام، وفي هذا الخير العمسم للفرد والجماعة. هذا إلى جانب ما تغرسه المطالعة في دور الكتب من عادات اجتماعية فاضلة في نفوس روادها؛ كالأمانة والتعاون الجماعي والتوجيه والمساعدة والمحافظة على الأنظمة، والحرص على الكتب من التلف أو سوء الاستعمال؛ لأنها من ذخائر الأمة وتراثها. هذا إلى جانب احترام آراء الآخرين وحرياتهم.
٥- تساعد المكتبة في تطبيق جميع موضوعات المناهج النظرية والعملية المقررة بما توفره للباحث من مواد تعليمية تساعده على الوصول إلى بغيته.
٦- المكتبة عامل هام في الكشف عن الميول الفردية والمهارات والقابليات الشخصية، وليس هذا العامل خاصًا بالمدرسين الذين
стр. 31
يشرفون على أبحاث الطلاب، ويراجعونها، ويضعون الملاحظات عليها، ويوجهون أصحابها الوجهات السليمة؛ بل تتعداهم إلى أولياء الأمور وإلى الطلاب أنفسهم؛ فكثيرًا ما يكشف الطالب ميله بنفسه بالمطالعة والممارسة، فيشعر بالارتياح والتجاوب مع موضوعات دون غيرها، كما يلمس في نفسه بعد ذلك القدرة على ماكاة أديب أو مضاهاة كاتب؛ فيرتقي من مرحلة التقليد إلى مرحلة الاستقلال بشخصيته الأدبية أو العلمية ومن ثم يتضح دور المكتبة الهام في الكشف عن المواهب وتنميتها وصقلها.
стр. 32
ثالثاً: نشأة المكتبات .
لا نستطيع أن نحدد أول من أنشأ مكتبة في العصور القديمة، كما لا نستطيع أن نقطع في أقدم مكان أنشئت فيه أولى المكتبات؛ إلا أن الحفريات والتنقيب عن الآثار تدل على أنه لعل من أولى المكتبات ما قد ظهر قديمًا في منطقة ما بين النهرين في العراق وفي وادي النيل؛ حيث وجد ما يدل على ذلك، وتعود المكتبات إلى ما قبل الميلاد١.
وقد حفظ العرب قبل الإسلام بعض آثارهم الفكرية ووقائعهم
стр. 33
ينقشها على الحجارة خشية اندثارها. كما اشتهرت المعلقات التي تحمل خيرة قصائد فحول الشعراء.
ولا نغالي إذا قلنا أن المكتبات في الإسلام قد نشأت مع نشأة المساجد؛ إذ لم يكن المسجد مكانًا خاصًا للعبادة فحسب؛ بل كان مركز الحياة الاجتماعية والسياسية، ومركز إدارة الدولة وتسيير أمورها، كما كان محط أنظار المسلمين، ومعقد حلقات العلم، واجتماع العلماء وتعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم والتفسير والحديث وأصول العربية وغير ذلك، ومن ثم فلا عجب من اهتمام الرسول ﷺ ببناء مسجد قباء بعد الهجرة مباشرة، ثم تأسيس مسجده ﷺ في المدينة المنورة في الأيام الأولى من وصوله إليها، ثم كثرت المساجد فيها وفي البلاد الإسلامية، ولما كان المسجد أولى المعاهد في صدر الإسلام، كان لا يخلو من صحف القرآن الكريم وتفسيره، وصحف الحديث وغيره. ويسعنا أن نقول: إن أولى المكتبات كانت بيت رسول الله ﷺ ؛ حيث كان يجمع فيه ما يدونه كتاب الوحي من التنزيل الحكيم، ثم نقلت الحصف من بيت الرسول ﷺ ومن عند الصحابة إلى بيت أبي بكر، بعد أن جمعت في محصف في عهد الصديق على يد زيد بن ثابت ﵁ أحد كبار كتاب الوحي وحفاظه، ثم حفظت هذه الصحف عند عمر بن الخطاب أيام خلافته، وبقيت عند حفصة ﵁ إلى أن استعارها عثمان ابن عفان ﵁ منها ونسخ عنها المصاحف وأرسلها إلى الأقطار الإسلامية، ثم ردها إليها.
إلى جانب هذا كان لبعض الصحابة ولتابعين كتب في بيوتهم بمنزلة المكتبات الخاصة التي عرفت فيما بعد؛ فقد كان عند سعد بن
стр. 34
عبادة الأنصاري ١٥هـ١ كتاب أو كتب فيها طائفة من أحاديث رسول الله، وعند عبد الله بن مسعود مصحفه المشهور وصحف أخرى بخطه٢، وعند أسماء بنت عميس ٣٨هـ٣ كتاب جمعت فيه بعض أحاديث الرسول ﷺ . وقد اشتهرت صحيفة أمير المؤمنين على بن أبي طالب ٤٠هـ التي كان يعلقها في سيفه فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وحرم المدينة ولا يقتل مسلم بكافر٤.
وكان عند أبي هريرة ﵁ ٥٩هـ كتب كثيرة فيها حديث النبي عليه الصلاة والسلام٥. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ٦٥هـ يحفظ كتبه وصحفه في صندوق له حلق، كما كان لابن عباس ٦٨هـ كتب كثيرة بلغت حمل بعير، وكان عند عبد الله بن عمر ٧٣هـ كتب كان إذا خرج إلى السوق نظر فيها٦.
وكان عند عروة بن الزبير ٢٢-٩٣هـ كتب احترقت يوم الحرة؛ فحزن عليها وكان يقول وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي٧.
وأوصى أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ١٠٤هـ أحد كبار التابعين بكتبه لأيوب السختياني ٦٨-١٣١هـ فجيئ بها في عدل راحلة٨. وقال الحسن البصري ٢١-١١٠هـ أن لنا كتبًا تتعاهدها٩.
стр. 35
وأخبار الكتب والمكتبات كثيرة جدًا؛ وإنما سقنا ما سلف لنبين اهتمام المسلمين بالعلم أفرادا ومسؤولين، رعاة ورعية، وقد كثرت المكتبات العامة منذ أواخر القرن الهجري الثاني، وأمدها الخلفاء والأمراء والمسؤولون بما تحتاج إليه من الموظفين والمواد الكتابية، وما يلزم لتجليد الكتب وغير ذلك١، وزودوها بأمهات الكتب في مختلف العلوم، وتبارى الخلفاء والأمراء في مشرق الدولة الإسلامية ومغربها وفي الأندلس في الحصول على أنفس الكتب٢ وأندرها، حتى زخرت خزائن المكتبات العامة بآلاف المجلدات، وقد روى أن خزانة قرطبة ضمت أربعمائة ألف مجلد٣ أبان ازدهار الخلافة في الأندلس؛ في حين أن شارل الخامس ملك فرنسا في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي لم يستطع أن يجمع في مكتبة فرنسا الرئيسية أكثر من ٩٠٠ تسعمائة مجلد خمسها في اللاهوت٤.
стр. 36
رابعاً: أشهر المكتبات في الإسلام .
وإن المقام لا يتسع لذكر جميع المكتبات في البلاد الإسلامية عبر العصور. وسنكتفي بذكر أشهر المكتبات في البلاد الإسلامية فيما مضى، ثم نتبع بهذا أشهرها في العصر الحاضر:
١- دار الحكمة: أو بيت الحكمة، وقد رجح المؤرخون أن أول من أسس هذه الدار الجامعة لمختلف المؤلفات هو الخليفة هارون الرشيد ١٤٩-١٩٣هـ، ثم أمدها ابنه المأمون من بعده بالمؤلفات الكثيرة والدواوين الضخمة؛ حتى صارت هذه المكتبة من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي، وظلت هذه الخزانة١ قائمة يستفيد منها الرواد والعلماء وطلاب العلم إلى أن استولى المغول على بغداد سنة ٦٥٦هـ٢.
١- دار الحكمة:
أو بيت الحكمة، وقد رجع المؤرخون أن أول من أسس هذه الدار الجامعة لمختلف المؤلفات هو الخليفة هارون الرشيد ١٤٩ - ١٩٣هـ، ثم أمدها ابنه المأمون من بعده بالمؤلفات الكثيرة والدواوين الضخمة، حتى صارت هذه المكتبة من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي، وظلت هذه الخزانة٣ قائمة يستفيد منها الرواد والعلماء وطلاب العلم إلى أن استولى المغول على بغداد سنة ٦٥٦هـ٤.
стр. 37
٢- دار العلم:
وهي خزانة العبيديين بمصر، ألحقها الحاكم العبيدي صاحب مصر بدار الحكمة، التي أنشأها على غرار جامعات بغداد وقرطبة، وقد جمع في دار العلم كتبا كثيرة، وأقام فيها المسؤولين وخصص لهم الجرايات، وجعل في المكتبة ما يحتاج إليه المطالفعون والنساخ من الحبر والمحابر والأقلام والورق. وقد كانت هذه الدار من أعظم الخزائن التي عرفها العالم الإسلامي فيما مضى، وأكثرها جمعا للكتب النفيسة من جميع العلوم، وبقيت على ذلك إلى أن انقرضت دولة الفاطميين بموت العاضد ٥٦٧هـ آخر خلفائهم١.
٣ مكتبة قرطبة:
كثرت المكتبات في الأندلس وبلغت نحو سبعين مكتبة أيام الخلافة سوى المكتبات الخاصة، وأعظم تلك المكتبات وأشهرها مكتبة قرطبة التي أنشأها الأموريون ورعاها الخلفاء، وقد بلغت أوج ازدهارها في عهد المستنصر ٣٥٠ - ٣٦٦هـ الذي كان له وكلاء في البلاد الإسلامية الكثيرة، يزودونه بكل ما ينتجه العلماء المسلمون من مؤلفات، وبهذا أثرى المستنصر مكتبة قرطبة بما لا يحد ولا يعد ولا يوصف من الكتب، وقد روي أنها جمعت أربعمائة ألف مجلد١.
وتلى هذه المكتبات في الشهرة مكتبات أخرى لها مكانتها وأثرها في العالم الإسلامي، وأشهر هذه المكتبات:
стр. 38
لا يحد ولا يعد ولا يوصف من الكتب، وقد روي أنها جمعت أربعمائة ألف مجلد١.
وتلى هذه المكتبات في الشهرة مكتبات أخرى لها مكانتها وأثرها في العالم الإسلامي، وأشهر هذه المكتبات:
٤- المكتبة الحيدرية بالنجف في العراق
ولا تزال هذه المكتبة قائمة حتى هذا الوقت، وسميت الحديرية نسبة إلى حيدر وهو اسم الإمام علىي بن أبي طالب ﵁، عند عامة الشيعة، والمكتبة الحيدرية هي خزانة المشهد الشريف الذي فيه قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، - كما تقول الشيعة، فقد اختلف المؤرخون في موضع قبره ﵁ وترجع هذه المكتبة إلى عهد بعيد جدا، وقد اهتم بها الأمرءا والوزراء وأعيان الشيعة، ومن أشهر من اهتم بها قديما عضد الدولة البويهي ٣٧٢هـ ولعل الحاقها بالمشهد كان سببا قويا في بقائها حتى هذا العصر. ولكن الاستفادة منها في هذه الأيام قليلة لأنها لا تفتح للجمهور٢.
٥- مكتبة ابن سوار بالبصرة
أسس هذه المكتبة أبو علي بن سوار الكاتب، أحد رجال عضد الدولة البويهي، فيها كتب كثيرة، وكان فيها شيخ يدرس عليه مذهب الاعتزال٣.
стр. 39
٦- خزانة سابور:
أنشأ هذه الخزانة سابور بن أردشير ٤١٦هـ سنة ٣٨٣خ بالكرخ وسماها دار العلم وزودها بكتب كثيرة زادت على عشرة آلاف كتاب في مختلف العلوم وكانت هذه المكتبة مركزا ثقافيا هاما يلتقي فيه العلماء والباحثون للقراءة والمطالفة والمناظرة، وكان أبو العلاء المعري يكثر التردد إليها عندما كان في بغداد١.
٧- خزانة كتب الوقف بمسجد الزيدي ببغداد:
أنشأها أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي ٥٧٥هـ وزودها بالكتب الكثيرة، كما ساهم غيره بتزويدها١.
٨- مكتبة رامهرمز:
أنشأها ابن سوار في مدينة رام هرمز على غرار مكتبة بالبصرة١. ولا بد لنا في هذا المقام من أن نذكر مكتبات المدارس التي ألقحت بهذه المؤسسات العلمية التي كثرت في شرق الدولة الإسلامية ومغربها، فقلما خلت مدرسة من المدارس من مكتبة كبيرة تتبعها، تزود بالنتاج الفكري الإسلامي الذي تفتح
стр. 40
ونضج في تلك العصور، كمكتبة المدرسة النظامية١، والمدرسة المستنصرية٢، ومكتبات مدارس دمشق٣ ومكتبة المدرسة الفاضلية بالقاهرة٤ وغيرها من المكتبات. هذا إلى جانب الخزائن النفيسة الملحقة بأكثر المساجد في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية.
وإلى جانب هذه المكتبات ألحق الخلفاء والأمراء وبعض الوزراء بقصورهم وبيوتهم مكتبات ضخمة، فقد كان للفتح بن حاقان ٢٤٧هـ وزير المتوكل الخليفة العباسي مكتبة جامعة، وللمبشرين