وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ١.
وحيثما قلَّب الإنسان نظره في القرآن وجد أسرارًا من الإعجاز اللغوي.
يجد ذلك في نظامه الصوتي البديع بجرس حروفه، حين يسمع حركاتها وسكناتها، ومدَّاتها وغُنَّائها، وفواصلها ومقاطعها، فلا تمل أذنه السماع، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
ويجد ذلك في ألفاظه التي تفي بحق كل معنى في موضعه، لا ينبو منها لفظ يقال إنه زائد، ولا يعثر الباحث على موضع يقول إنه يحتاج إلى إثبات لفظ ناقص.
ويجد ذلك في ضروب الخطاب التي يتقارب فيها أصناف الناس في الفهم بما تطيقه عقولهم، فيراها كل واحد منهم مقدرة على مقياس عقله ووفق حاجته، من العامة والخاصة ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٢.
ويجد ذلك في إقناع العقل وإمتاع العاطفة، بما يفي بحاجة النفس البشرية تفكيرًا ووجدانًا في تكافؤ واتزان، فلا تطغى قوة التفكير على قوة الوجدان، ولا قوة الوجدان على قوة التفكير.
وهكذا حيثما قلَّب النظر قامت أمامه حجة القرآن في التحدي والإعجاز٣.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني٤: "والذي يشتمل عليه بديع نظمه
стр. 352
المتضمن للإعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالًا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه البديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلًا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل يتصنع له، وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق، فليس من باب السجع، وليس من قبيل الشعر، وتبين بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة. وأنه مُعجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميز حاصل في جميعه..
وليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع, والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحِكَم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة على هذا الطول - وعلى هذا القدر، وإنما تُنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها الاختلال والاختلاف، والتكلف والتعسف، وقد جاء القرآن على كثرته وطوله متناسبًا في الفصاحة على ما وصفه الله عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢. فأخبر أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال.
стр. 353
الإعجاز العلمي
...
وعجيب نظم القرآن وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها - من ذكر قصص ومواعظ، واحتجاج وحِكَم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسِيَر مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح, ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يقرب في وصف الإبل والخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتداوله الكلام. ولذلك ضُرِبَ المثل بامرئ القيس إذا ركب. والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام..
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النَّظْم، وبديع التأليف والوصف، لا تفارت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا.. فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر"١.
وإذا عجز المتناهون في الفصاحة، ومعرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، وفنون القول، وقامت الحجة عليهم، فقد لزمت الحجة من دونهم من العرب، ولزمت غيرهم من الأعاجم؛ لأن تحقق عجز من استكمل معرفة تصاريف الخطاب، ووجوه الكلام، وأساليب البيان؛ يقطع بعجز من دونه من باب أولى.
стр. 354
بحال من الأحوال، وقد تقدمت العلوم وكثرت مسائلها ولم يتعارض شيء ثابت منها مع آية من آيات القرآن، وهذا وحده إعجاز.
والقرآن الكريم يجعل التفكير السديد والنظر الصائب في الكون وما فيه أعظم وسيلة من وسائل الإيمان بالله.
إنه يحث المسلم على التفكير في مخلوقات الله في السماء والأرض: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١.
ويحثه على التفكير في نفسه، وفي الأرض التي يعمرها، وفي الطبيعة التي تحيط به: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ٢.
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣.
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ٤.
ويثير فيه الحس العلمي للتفكير والفهم والتعقل: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥.
﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٦.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٧.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٨.
стр. 355
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ٣.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ٤.
ويرفع القرآن مكانة المسلم بفضيلة العلم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٥.
ولا يسوِّي بين عالم وجاهل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦.
ويأمر المسلم أن يسأل ربه نعمة العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ٧.
ويجمع الله علوم الفلك والنبات وطبقات الأرض والحيوان ويجعل ذلك من بواعث خشيته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٨.
وهكذا فإن إعجاز القرآن العلمي في أنه يحث المسلمين على التفكير، ويفتح لهم أبواب المعرفة، ويدعوهم إلى ولوجها، والتقدم فيها، وقبول كل جديد راسخ من العلوم.
وفي القرآن مع هذا إشارات علمية سيقت مساق الهداية، فالتلقيح في النبات: ذاتي وخلطي، والذاتي: ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث، والخلطي: هو ما كان عضو التذكير فيه منفصلًا عن عضو التأنيث
стр. 356
كالنخيل، فيكون التلقيح بالنقل. ومن وسائل ذلك الرياح، وجاء في هذا قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ١.
"والأوكسجين" ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو العليا, فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بضيق الصدر وصعوبة التنفس، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٢.
وقد ساد الاعتقاد بأن الذرة هي الجزء الذي لا يقبل التجزئة، وفي القرآن: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣, ولا أصغر من الذرة سوى تحطيم الذرة.
وفي علم الأجنة جاء قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٤.
وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ٥.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ ٦.
وفي وحدة الكون وحاجة الحياة إلى عنصر الماء يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ٧.
تلك الإشارات العلمية ونظائرها في القرآن جاءت في سياق الهداية الإلهية، وللعقل البشري أن يبحث فيها ويتدبر.
стр. 357
يقول الأستاذ سيد قطب في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ١: "اتجه الجواب إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد العلم النظري، وحدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم ولم يحدثهم عن الدورة الفلكية للقمر، وكيف تتم؟ وهي داخلة في مدلول السؤال.. إن القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية، ولم يجئ ليكون كتاب علم فلكي، أو كيماوي أو طبي.. كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يلتمسوا مخالفاته لهذه العلوم.
إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله. إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية، وإن وظيفته أن ينشئ تصورًا عامًّا للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه، وأن يقيم على أساس هذا التصور نظامًا للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته ومن بينها طاقته العقلية، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة، وإطلاق المجال لها لتعمل –بالبحث العلمي- في الحدود المتاحة للإنسان، وبالتجريب والتطبيق، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج، ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال..
وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها.. كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه..
إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة.. أما ما يصل إليه البحث الإنساني – أيًّا كانت الأدوات المتاحة له– فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها، فمن الخطأ المنهجي –بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته- أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري.
стр. 358
هذا بالقياس إلى الحقائق العلمية، والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى "علمية".. فهي قابلة دائمًا للتغيير والتعديل والنقص والإضافة، بل قابلة لأن تنقلب رأسًا على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة.
وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة –أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا- تحتوي أولًًا على خطأ منهجي أساسي، كما أنها تنطوي على معان ثلاثة، كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم.
الأولى: هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس، أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه، والعلم لا يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق؛ لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تُعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.
والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته. وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق -بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه من خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة.
والثالثة: هي التأويل المستمر -مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد"١.
стр. 359
الإعجاز التشريعي:
أودع الله في الإنسان كثيرًا من الغرائز التي تعتمل في النفس وتؤثر عليها في اتجاهات الحياة، ولئن كان العقل الرشيد يعصم صاحبه من الزلل فإن النزعات النفسية المنحرفة تطغى على سلطان العقل، ولا يستطيع العقل أن يكبح جماحها في كل حال. لهذا كان لا بد لاستقامة الإنسان من تربية خاصة لغرائزه، تهذبها وتنميها، وتقودها إلى الخير والفلاح.
والإنسان مدني بالطبع، فهو في حاجة إلى غيره، وغيره في حاجة إليه، وتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان ضرورة اجتماعية يفرضها العمران البشري. وكثيرًا ما يظلم الإنسان أخاه بدافع الأثرة وحب السيطرة، فلو تُرِك أمر الناس دون ضابط يحدد علاقاتهم، وينظم أحوال معاشهم، ويصون حقوقهم، ويحفظ حرماتهم لصار أمرهم فوضى، ولذا كان لا بد لأي مجتمع بشري من نظام يحكم زمامه، ويحقق العدل بين أفراده.
وبين تربية الفرد وصلاح الجماعة وشائج قوية لا تنفصم عراها، فإن هذا يقوم على تلك، فصلاح الفرد من صلاح الجماعة، وصلاح الجماعة بصلاح الفرد..
وقد عرفت البشرية في عصور التاريخ ألوانًا مختلفة من المذاهب والنظريات والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفرد في مجتمع فاضل، ولكن واحدًا منها لم يبلغ من الروعة والإجلال مبلغ القرآن في إعجازه التشريعي.
إن القرآن يبدأ بتربية الفرد؛ لأنه لبنة المجتمع ويقيم تربيته على تحرير وجدانه، وتحمله التبعة.
يحرر القرآن وجدان المسلم بعقيدة التوحيد الذي تُخَلِّصه من سلطان الخرافة والوهم، وتفك أسره من عبودية الأهواء والشهوات، حتى يكون عبدًا خالصًا لله، يتجرد للإله الخالق المعبود، ويستعلي بنفسه عما سواه، فلا حاجة للمخلوق إلا لدى خالقه، الذي له الكمال المطلق، ومنه يمنح الخير للخلائق كلها.
стр. 360
إنه خالق واحد وإله واحد. لا أول له ولا آخر، قدير على كل شيء، عليم بكل شيء, محيط بكل شيء، وليس كمثله شيء.
عالَم مخلوق خلقه الله، ويرجع إلى الله، ويفنى كما يوجد بمشيئة الله، وهذه أكمل عقيدة في العقل وأكمل عقيدة في الدين.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ١.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ٤.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ٥.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ٦.
﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٧.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٨.
﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٩.
ويؤكد القرآن الكريم وحدانية الله بالحجج القاطعة التي تقوم على المنطق العقلي السليم. فلا تقبل الجدال والمراء: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١٠.
стр. 361
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ١.
وإذا صحت عقيدة المسلم كان عليه أن يأخذ بشرائع القرآن في الفرائض والعبادات، وكل عبادة مفروضة يراد بها صلاح الفرد ولكنها مع ذلك ذات علاقة بصلاح الجماعة.
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والجماعة واجبة على الرأي الراجح إلا لعذر، وهي شرط في الجمعة والعيدين، والذي يُصلِّى منفردًا لا يغيب عن شعوره آصرة القربى بينه وبين الجماعة الإسلامية في أقطار الأرض، من شمال إلى جنوب، ومن مشرق إلى مغرب؛ لأنه يعلم أنه في تلك اللحظة يتجه وجهة واحدة مع كل مسلم على ظهر الأرض، يؤدي فريضة الصلاة، ويستقبل معه قِبلة واحدة، ويدعو بدعاء واحد، وإن تباعدت بينهم الديار.
وحسب المسلم في تربيته أن يقف بين يدي الله خمس مرات في اليوم الواحد تمتزج حياته بشرع الله، ويتمثل الوازع الأعلى نصب عينيه ما بين كل صلاة وصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٢.
والزكاة تقتلع من النفس جذور الشح، وعبادة المال، والحرص على الدنيا، وهي مصلحة للجماعة، فتقيم دعائم التعاون بين المجدودين والمحرومين، وتشعر النفس بتكامل الجماعة شعورًا يخرجها من ضيق الأثرة والانفراد.
والحج سياحة تروِّض النفس على المشقة، وتفتح بصيرتها على أسرار الله في خلقه، وهو مؤتمر عالمي يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد، فيتعارفون ويتشاورون.
والصيام ضبط للنفس، وشحذ لعزيمتها، وتقوية للإرادة، وحبس للشهوات، وهو مظهر اجتماعي يعيش فيه المسلمون شهرًا كاملًا على نظام واحد في طعامهم. كما تعيش الأسرة في البيت الواحد.
стр. 362
والقيام بهذه العبادات المفروضة يربي المسلم على الشعور بالتبعية الفردية التي يقررها القرآن وينوط بها كل تكليف من تكاليف الدين، وكل فضيلة من فضائل الأخلاق: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ١.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ٢.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٣.
وحض القرآن على الفضائل المثلى التي تروض النفس على الوازع الديني، كالصبر والصدق والعدل والإحسان والحلم والعفو والتواضع.
ومن تربية الفرد ينتقل الإسلام إلى بناء الأسرة؛ لأنها نواة المجتمع، فشرع القرآن الزواج استجابة لغريزة الجنس وإبقاء على النوع الإنساني في تناسل طاهر نظيف.
ويقوم رباط الأسرة في الزواج على الود والرحمة والسكن النفسي والعِشْرة بالمعروف، ومراعاة خصائص الرجل وخصائص المرأة، والوظيفة الملائمة لكل منهما: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٤.
﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٥.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ٦.
ثم يأتي نظام الحكم الذي يسود المجتمع المسلم، وقد قرَّر القرآن قواعد الحكومة الإسلامية في أصلح أوضاعها.
стр. 363
فهي حكومة الشورى والمساواة ومنع السيطرة الفردية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ١.
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٣.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤.
وهي حكومة تقوم على العدل المطلق الذي لا يتأثر بحب الذات، أو عاطفة القرابة، أو العوامل الاجتماعية في الغِنَى والفقر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ٥.
كما لا تؤثر في هذا العدل شهوة الانتقام من الأعداء المبغوضين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٦.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٧.
والتشريع في الحكومة الإسلامية ليس متروكًا للناس، فقد قرره القرآن، والخروج عنه كفر وظلم وفسق: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٨.
стр. 364
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣.
وقرر القرآن صيانة الكليات الخمسة الضرورية للحياة الإنسانية: النفس، والدين، والعِرض، والمال، والعقل, ورتب عليها العقوبات المنصوصة، التي تُعرف في الفقه الإسلامي بالجنايات والحدود: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٤.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ ٦.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٧.
وقرر القرآن العلاقات الدولية في الحرب والسلم بين المسلمين وجيرانهم أو معاهديهم، وهي أرفع معاملة عرفت في عصور الحضارة الإنسانية.
وخلاصة القول: إن القرآن دستور تشريعي كامل يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل إعجازه التشريعي قرينًا لإعجازه العلمي وإعجازه اللغوي إلى الأبد. ولا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحدث في العالَم أثرًا غيَّر وجه التاريخ.
стр. 365
أمثال القرآن
مدخل
...
١٨- أمثال القرآن:
الحقائق السامية في معانيها وأهدافها تأخذ صورتها الرائعة إذا صيغت في قالب حسي يقربها إلى الأفهام بقياسها على المعلوم اليقيني, والتمثيل هو القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الأذهان، بتشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس. وقياس النظير على النظير، وكم من معنى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالًا، فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له، واقتناع العقل به، وهو من أساليب القرآن الكريم في ضروب بيانه ونواحي إعجازه.
ومن العلماء من أفرد الأمثال في القرآن بالتأليف، ومنهم من عقد لها بابًا في كتاب من كتبه، فأفردها بالتأليف أبو الحسن الماوردي١، وعقد لها بابًا السيوطي في الإتقان٢ وابن القيم في كتاب أعلام الموقعين. حيث تتبع أمثال القرآن التي تضمنت تشبيه الشيء بنظيره, والتسوية بينهما في الحكم – فبلغت بضعة وأربعين مثلًا.
وذكر الله في كتابه العزيز أنه يضرب الأمثال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ٤، ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥, وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أنزل القرآن آمرًا وزاجرًا، وسُنة خالية، ومثلًا مضروبًا" ٦.
стр. 366
وكما عُني العلماء بأمثال القرآن فإنهم عنوا كذلك بالأمثال النبوية. وعقد لها أبو عيسى الترمذي بابًا في جامعه أورد فيه أربعين حديثًا. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "لم أر من أهل الحديث من صنف فأفرد للأمثال بابًا غير أبي عيسى، ولله دره، لقد فتح بابًا، وبنى قصرًا أو دارًا، ولكنه اختط خطًّا صغيرًا. فنحن نقنع به، ونشكره عليه".
стр. 367
تعريف المثل:
والأمثال: جمع مثل، والمَثل والمِثل١ والمثيل: كالشَّبه والشِّبه والشبيه لفظًا ومعنى.
والمثل في الأدب: قول محكي سائر يقصد به تشبيه حال الذي حُكِي فيه بحال الذي قيل لأجله، أي يشبه مضربه بمورده، مثل: "رُب رمية من غير رام" أي رُب رمية مصيبة حصلت من رام شأنه أن يخطئ، وأول من قال هذا الحكم بن يغوث النقري، يضرب للمخطئ يصيب أحيانًا، وعلى هذا فلا بد له من مورد يشبه مضربه به.
ويطلق المثل على الحال والقصة العجيبة الشأن. وبهذا المعنى فُسر لفظ المثل في كثير من آيات. كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ ٢: أي قصتها وصفتها التي يُتعجب منها.
وأشار الزمخشري إلى هذه المعاني الثلاثة في كشافه فقال: "والمثل في أصل كلامهم بمعنى المِثل والنظير، ثم قيل للقول السائر الممثَّل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلًَا ولا رأوه أهلًا للتسيير ولا جديرًا بالتداول والقبول إلا قولًا فيه غرابة من بعض الوجوه". ثم قال: "وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة".
стр. 368
وهناك معنى رابع ذهب إليه علماء البيان في تعريف المثل فهو عندهم: المجاز المركب الذي تكون علاقته المتشابهة متى فشا استعماله. وأصله الاستعارة التمثيلية. كقولك للمتردد في فعل أمر: "ما لي أراك تُقدِّم رجلًا وتؤخر أخرى".
وقيل في ضابط المثل كذلك: إنه إبراز المعنى في صورة حسية تكسبه روعة وجمالًا. والمثل بهذا المعنى لا يشترط أن يكون له مورد، كما لا يُشترط أن يكون مجازًا مركبًا.
وإذا نظرنا إلى أمثال القرآن التي يذكرها المؤلفون وجدنا أنهم يوردون الآيات المشتملة على تمثيل حال أمر بحال أمر آخر، سواء أورد هذا التمثيل بطريق الاستعارة، أم بطريق التشبيه الصريح، أو الآيات الدالة على معنى رائع بإيجاز، أو التي يصح استعمالها فيما يشبه ما وردت فيه، فإن الله تعالى ابتدأها دون أن يكون لها مورد من قبل.
فأمثال القرآن لا يستقيم حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو الشبيه والنظير، ولا يستقيم حملها على ما يذكر في كتب اللغة لدى من ألَّفوا في الأمثال، إذ ليست أمثال القرآن أقوالًا استعملت على وجه تشبيه مضربها بموردها، ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند علماء البيان فمن أمثال القرآن ما ليس باستعارة وما لم يفش استعماله. ولذا كان الضابط الأخير أليق بتعريف المثل في القرآن: فهو إبراز المعنى في صورة رائعة موجزة لها وقعها في النفس، سواء أكانت تشبيهًا أو قولًا مرسلًا.
فابن القيم يقول في أمثال القرآن: تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر. ويسوق الأمثلة: فتجد أكثرها على طريقة التشبيه الصريح كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ١، ومنها ما يجيء على
стр. 369
طريقة التشبيه الضمني، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ١, إذ ليس فيه تشبيه صريح. ومنها ما لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شيئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢, فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ .. قد سماه الله مثلًا وليس فيه استعارة ولا تشبيه.
стр. 370
أنواع الأمثال في القرآن:
الأمثال في القرآن ثلاثة أنواع:
١- الأمثال المصرحة.
٢- والأمثال الكامنة.
٣- والأمثال المرسلة.
النوع الأول: الأمثال المصرَّحة: وهي ما صرح فيها بلفظ المثل، أو ما يدل على التشبيه، وهي كثيرة في القرآن نورد منها ما يأتي:
أ- قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ١ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات ضرب الله للمنافقين مثلين: مثلًا ناريًّا في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ لما في النار من مادة النور، ومثلًا مائيًّا في قوله:
стр. 371
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ .. لما في الماء من مادة الحياة، وقد نزل الوحي من السماء متضمنًا لاستنارة القلوب وحياتها. وذكر الله حظ المنافقين في الحالين. فهم بمنزلة من استوقد نارًا للإضاءة والنفع حيث انتفعوا ماديًّا بالدخول في الإسلام, ولكن لم يكن له أثر نوري في قلوبهم، فذهب الله به في النار من الإضاءة: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وأبقى ما فيها من الإحراق، وهذا مثلهم الناري.
وذكر مثلهم المائي فشبههم بحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فخارت قواه ووضع أصبعيه في أذنيه وأغمض عينيه خوفًا من صاعقة تصيبه؛ لأن القرآن بزواجره وأوامره ونواهيه وخطابه نزل عليهم نزول الصواعق.
ب- وذكر الله المثلين: المائي والناري - في سورة الرعد للحق والباطل. فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ ١.
شبه الوحي الذي أنزله من السماء لحياة القلوب بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية, والسيل إذا جرى في الأودية احتمل زبدًا وغثاء، فكذلك الهُدى والعلم إذا سرى في القلوب أثار ما فيها من الشهوات ليذهب بها، وهذا هو المثل المائي في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهكذا يضرب الله الحق والباطل.
وذكر المثل الناري في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ .. فالمعادن من ذهب أو فضة أو نحاس أو حديد عند سبكها تخرج النار ما فيها من الخبث وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيذهب جفاء. فكذلك الشهوات يطرحها قلب المؤمن ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد وهذا الخبث.
стр. 372
النوع الثاني من الأمثال: الأمثال الكامنة - وهي التي لم يصرح فيها بلفظ التمثيل، ولكنها تدل على معان رائعة في إيجاز: يكون لها وقعها إذا نقلت إلى ما يشبهها، ويمثلون لهذا النوع بأمثلة منها:
١- ما في معنى قولهم: "خير الأمور الوسط":
أ- قوله تعالى في البقرة: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ١.
ب- قوله تعالى في النفقة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ٢.
جـ- قوله تعالى في الصلاة: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ ٣.
د- قوله تعالى في الإنفاق: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٤.
٢- ما في معنى قولهم: "ليس الخبر كالمعاينة":
قوله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٥.
٣- ما في معنى قولهم: "كما تدين تُدان":
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ٦.
٤- ما في معنى: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين":
قوله تعالى على لسان يعقوب: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْل﴾ ٧.
١٤- ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ ١.
١٥- ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢.
١٦- ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ٣.
واختلفوا في هذا النوع من الآيات الذي يسمونه إرسال المثل، ما حكم استعماله استعمال الأمثال؟
فرآه بعض أهل العلم خروجًا عن أدب القرآن، قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٤: "جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل يتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه".
ورأى آخرون أنه لا حرج فيما يظهر أن يتمثل الرجل بالقرآن في مقام الجد، كأن يأسف أسفًا شديدًا لنزول كارثة قد تقطعت أسباب كشفها عن الناس فيقول: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ٥، أو يحاوره صاحب مذهب فاسد يحاول استهواءه إلى باطله فيقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ والإثم الكبير في أن يقصد الرجل إلى التظاهر بالبراعة فيتمثل بالقرآن حتى في مقام الهزل والمزاح٦.
стр. 375
فوائد الأمثال:
١- الأمثال تبرز المعقول في صورة المحسوس الذي يلمسه الناس، فيتقبله العقل؛ لأن المعانى المعقولة لا تستقر في الذهن إلا إذا صيغت في صورة حسية قريبة الفهم، كما ضرب الله مثلًا لحال المنفق رياء، حيث لا يحصل من إنفاقه
стр. 376
على شيء من الثواب, فقال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ١.
٢- وتكشف الأمثال عن الحقائق، وتعرض الغائب في معرض الحاضر كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٢.
٣- وتجمع الأمثال المعنى الرائع في عبارة موجزة كالأمثال الكامنة والأمثال المرسلة في الآيات الآنفة الذكر.
٤- ويضرب المثل للترغيب في الممثَّل حيث يكون الممثَّل به مما ترغب فيه النفوس، كما ضرب الله مثلًا لحال المنفق في سبيل الله حيث يعود عليه الإنفاق بخير كثير، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
٥- ويضرب المثل للتنكير حيث يكون الممثَّل به مما تكرهه النفوس، كقوله تعالى في النهي عن الغيبة: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ٤.
٦- ويضرب المثل لمدح الممثَّل كقوله تعالى في الصحابة: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٥. وكذلك حال الصحابة فإنهم كانوا في بدء الأمر قليلًا. ثم أخذوا في النمو حتى استحكم أمرهم. وامتلأت القلوب إعجابًا بعظمتهم.
٧- ويضرب المثل حيث يكون للمثَّل به صفة يستقبحها الناس، كما ضرب الله مثلًا لحال من آتاه الله كتابه، فتنكب الطريق عن العمل به، وانحدر في
стр. 377
الدنايا منغمسًا. فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ ١.
٨- والأمثال أوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع، وقد أكثر الله تعالى الأمثال في القرآن للتذكرة والعبرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ٣، وضربها النبي ﷺ في حديثه، واستعان بها الداعون إلى الله في كل عصر لنصرة الحق وإقامة الحجة، ويستعين بها المربون ويتخذونها من وسائل الإيضاح والتشويق، ووسائل التربية في الترغيب أو التنفير، في المدح أو الذم.
стр. 378
ضرب الأمثال بالقرآن:
جرت عادة أهل الأدب أن يسوقوا الأمثلة في مواطن تشبه الأحوال التي قيلت فيها، وإذا صح هذا في أقوال الناس التي جرت مجرى المثل، فإن العلماء يكرهون ضرب الأمثال بالقرآن، ولا يرون أن يتلو الإنسان آية من آيات الأمثال في كتاب الله عند شيء يعرض من أمور الدنيا، حفاظًا على روعة القرآن، ومكانته في نفوس المؤمنين، قال أبو عبيد: "وكذلك الرجل يريد لقاء صاحبه أو يهم بحاجته، فيأتيه من غير طلب فيقول كالمازح: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ ١, فهذا من الاستخفاف بالقرآن"، ومنه قول ابن شهاب الزهري: "لا تناظر بكتاب الله ولا بسُنة رسول الله, ﷺ "، قال أبو عبيد: "يقول: لا تجعل لها نظيرًا من القول ولا الفعل".
стр. 379
أقسام القرآن
مدخل
...
١٩- أقسام القرآن: ١
يختلف الاستعداد النفسي عند الفرد في تقبله للحق وانقياده لنوره، فالنفس الصافية التي لم تدنس فطرتها بالرجس تستجيب للهدى، وتفتح قلبها لإشعاعه، ويكفيها في الانصياع إليه اللمحة والإشارة. أما النفس التي رانت عليها سحابة الجهل، وغشيتها ظلمة الباطل فلا يهتز قلبها إلا بمطارق الزجر، وصيغ التأكيد، حتى يتزعزع نكيرها، والقسم في الخطاب من أساليب التأكيد التي يتخللها البرهان المفحم، والاستدراج بالخصم إلى الاعتراف بما يجحد.
стр. 380
تعريف القَسَم وصيغته:
والأقسام: جمع قَسَم - بفتح السين- بمعنى الحلف واليمين, والصيغة الأصلية للقسم أن يؤتى بالفعل "أقسم" أو "أحلف" متعديًا بالباء إلى المُقسم به. ثم يأتي المُقسم عليه، وهو المسمى بجواب القسم، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ١.
فأجزاء صيغة القسم ثلاثة:
١- الفعل الذي يتعدى بالباء.
٢- والمُقسم به.
٣- والمُقسم عليه.
стр. 381
ولما كان القسم يكثر في الكلام، اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء١ ثم عُوِّض عن الباء بالواو في الأسماء الظاهرة كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ٢, وبالتاء في لفظ الجلالة كقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ٣, وهذا قليل، أما الواو فكثيرة.
والقسم واليمين واحد: ويعرف بأنه: ربط النفس، بالامتناع عن شيء أو الإقدام عليه، بمعنى معظم عند الحالف حقيقة أو اعتقادًا. وسُمي الحلف يمينًا؛ لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف.
стр. 382
فائدة القسم في القرآن:
تمتاز اللغة العربية بدقة التعبير واختلاف الأساليب بتنوع الأغراض، وللمخاطب حالات مختلفة، هي المسماة في المعاني بأضرب الخبر الثلاثة: الابتدائي، والطلبي، والإنكاري.
فقد يكون المخاطَب خالي الذهن من الحكم فيُلقى إليه الكلام غفلًا من التأكيد، ويُسمى هذا الضرب: ابتدائيًّا.
وقد يكون مترددًا في ثبوت الحكم وعدمه، فيحسن تقوية الحكم له بمؤكد ليزيل تردده، ويُسمى هذا الضرب: طلبيًّا.
وقد يكون منكرًا للحكم، فيجب أن يؤكد له الكلام بقدر إنكاره قوة وضعفًا، ويُسمى هذا الضرب: إنكاريًّا.
والقسم من المؤكدات المشهورة التي تمكن الشيء في النفس وتقويه، وقد نزل القرآن الكريم للناس كافة، ووقف الناس منه مواقف متباينة، فمنهم الشاك،
стр. 383
ومنهم المنكر، ومنهم الخصم الألد. فالقسم في كلام الله يزيل الشكوك، ويحبط الشبهات، ويقيم الحجة، ويؤكد الأخبار، ويقرر الحكم في أكمل صورة.
стр. 384
المُقسم به في القرآن:
يقسم الله تعالى بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنه من عظيم آياته. وقد أقسم الله تعالى بنفسه في القرآن في سبعة مواضع:
١- في قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ١.
٢- وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ٢.
٣- وقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ٣.
وفي هذه الثلاثة أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم به.
٤- وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ ٤.
٥- وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٥.
٦- وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٦.
٧- وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ٧.
стр. 385
وسائر القسم في القرآن بمخلوقاته سبحانه، كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ ١.
وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْر﴾ ٣.
وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ﴾ ٥. وهذا هو الكثير في القرآن.
ولله أن يحلف بماء شاء، أما حلف العباد بغير الله فهو ضرب من الشرك، فعن عمر بن الخطاب, ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر - أو أشرك" ٦. وإنما أقسم الله بمخلوقاته؛ لأنها تدل على بارئها، وهو الله تعالى، وللإشارة إلى فضيلتها ومنفعتها ليعتبر الناس بها وعن الحسن قال: "إن الله يقسم بما شاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله"٧.
стр. 386
أنواع القسم:
القسم إما ظاهر، وإما مضمر.
١- فالظاهر: هو ما صُرح فيه بفعل القسم, وصرح فيه بالمُقسم به، ومنه ما حذف فيه فعل القسم كما هو الغائب اكتفاء بالجار من الياء أو الواو أو التاء.
стр. 387
وقد أدخلت "لا" النافية على فعل القسم في بعض المواضع. كقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ، الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ١, فقيل: "لا" في الموضعين نافية لمحذوف يناسب المقام، والتقدير مثلًا: لا صحة لما تزعمون أنه لا حساب ولا عقاب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوامة، أنكم ستبعثون. وقيل: "لا" لنفي القسم كأنه قال: لا أقسم عليك بذلك اليوم وتلك النفس، ولكني أسألك غير مقسِم، أتحسب أنَّا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت؟ إن الأمر من الظهور بحيث لا يحتاج إلى قسم. وقيل: "لا" زائدة - وجواب القسم في الآية المذكورة محذوف دل عليه قوله بعد: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ ... إلخ، والتقدير: لتبعثن ولتحاسبن.
٢- والقسم المضمر هو ما لم يصرِّح فيه بفعل القسم، ولا بالمقسَم به، وإنما تدل عليه اللام المؤكدة التي تدخل على جواب القسم كقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ٢, أي والله لتبلون.
стр. 388
أحوال المقسَم عليه:
١- المقسَم عليه يُراد بالقسم توكيده وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك، كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها.
٢- وجواب القسم يُذكر تارة -وهو الغالب- وتارة يحذف، كما يحذف جواب "لو" كثيرًا، كقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ ١, وحذف مثل هذا من أحسن الأساليب؛ لأنه يدل على التفخيم والتعظيم، فالتقدير مثلًا: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين لفعلتم ما لا يوصف من الخير، فحذف جواب القسم كقوله: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ٢, فالمراد بالقسم أن
стр. 389
الزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسِم الرب به. فلا يحتاج إلى جواب، وقيل: الجواب محذوف، أي: لتعذبن يا كفار مكة، وقيل: مذكور، وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد﴾ ١, والصحيح المناسب أنه لا يحتاج إلى جواب.
وقد يحذف الجواب لدلالة المذكور عليه، كقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ٢, فجواب القسم محذوف دل عليه قوله بعد: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ٣ ... إلخ، والتقدير، لتبعثن ولتحاسبن.
٣- والماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابًا للقسم تلزمه اللام و"قد"، ولا يجوز الاقتصار على إحداهما إلا عند طول الكلام. كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ٤, فجواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ حذفت من اللام لطول الكلام.
ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ ٥: إن الأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيًا عن الجواب؛ لأن القصد التنبيه على المقسَم به، وأنه من آيات الرب العظيمة، وقيل: الجواب محذوف دل عليه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ أي إنهم ملعونون، يعني كفار مكة كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل: حذف صدره، وتقديره: لقد قتل؛ لأن الفعل الماضي إذا وقع جوابًا للقسم تلزمه اللام و"قد"، ولا يجوز الاقتصار على إحداهما إلا عند طول الكلام، كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ .
стр. 390
٤- ويقسم الله على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها فتارة يقسم على التوحيد كقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ١.
وتارة يقسم على أن القرآن حق كقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ٢.
وتارة على أن الرسول حق كقوله: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.
وتارة على الجزاء والوعد والوعيد: كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ٤.
وتارة على حال الإنسان، كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٥.
والمتتبع لأقسام القرآن يستخلص الفنون الكثيرة.
٥- والقسم إما على جملة خبرية -وهو الغالب- كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ٦، وإما على جملة طلبية في المعنى كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٧.. لأن المراد التهديد والوعيد.