← Фатава

Фатава · id 11379

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الثالث)

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (452 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الرسالة الثامنة والعشرون: [تكفير الترك للنجديين والتقاتل بينهم] وله أيضا -قدس الله روحه، ونور ضريحه- رسالة إلى الإخوان من بني تميم، يُعَزِّيهم في الشيخ عبد الملك -رحمه الله تعالى- ويخبرهم بالصلح الذي وقع بينه وبين سعود بن فيصل، لَمَّا خرج من الأحساء يريد نجدا، بعد وقعة جوده، ورجوع عبد الله إلى الرياض، وليس معه إذ ذاك إلا نَزْرٌ قليلٌ من البادية والحاضرة؛ ومع سعود خلقٌ كثيرٌ وجمٌّ غفيرٌ، فلما رأى ﵀ كثرةَ تلك البوادي، وشدة الحَنَق والغيظ من أولئك الأعادي، وخشي على البلد من الدمار وخراب الدين والدنيا وهتك الأستار، سعى في الصلح، ودافع عن الإسلام والمسلمين، وبذل الجهد وأخذ العهد على ضعفة المسلمين عن أولئك المعتدين، وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الإخوان من بني تميم -سلمهم الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعدُ: نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وعلى أقداره وحِكَمِهِ، ونسأل الله أن يحسن عزاءنا وعزاءكم في الشيخ عبد الملك بن حسين- غفر الله ذنبه، ورحمه ورفع في المقربين درجته- وما ذكرتم من جهة حالكم مع عبد الله وصدقكم معه صار معلوما- نسأل الله لنا ولكم التوفيق-. وقد بذلنا الاستطاعة في نصرته، حتى نزل بالمسلمين ما لا قِبَلَ لهم به، وخشينا على كافة المسلمين من أهل البلد من السبي وهتك الأستار وخراب الدين والدنيا والدمار، ونزلنا وسعينا بالصلح بإذن من عبد الله في الصلح وَأَلْجَأَتْنَا إليه الضرورةُ ودفعنا عن الإسلام والمسلمين ما لا قِبَلَ لهم به، فإن يكُ صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان.

стр. 177

وفي السِّيَر ما يؤيد ما فعلناه، وينصر ما انْتَحَلْنَاهُ؛ وقد صالح أهل الدِّرْعِيَّة وآل الشيخ وعلماؤهم وفقهاؤهم على الدرعية لما خيف السبي والاستئصال، وعبد الله ظهر بمرحلة البلد ونزل الحائر ولم يحصل منه نصر ولا دفاع،: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ثم بلغنا أن الدولة ومَنْ والاهم مِن النصارى وأشباههم نزلوا على القطيف يزعمون نصرة عبد الله وهم يريدون الإسلام وأهله، وحضينا سعودَ على جهادهم، وَرَغَّبْنَاهُ في قتالهم، وكتبنا لبلاد المسلمين بذلك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ٢، والعاقل يدور مع الحق أينما دار، وقتال الدولة والأتراك٣ والإفرنج وسائر الكفار من أعظم الذخائر المنجية من النار. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل والسلام. وصلى الله على محمد وصحبه وسلم

стр. 178

الرسالة التاسعة والعشرون: [شروط السفر إلى بلد الشرك وحكم الهجرة] وله أيضا رسالة إلى الإخوان محمد بن علي وإبراهيم بن راشد وإخوانهم، يحرِّضُهم فيها ويُذَكِّرهم ما سبق من المُكَاتَبات في شأن هذه الحوادث العُمْيِ العظائم التي قَلَعَتْ أصولَ الدين، والْتَبَسَ الأمرُ بسببها على مَن ينتسب إلى العلم، وخفي عليه المخرج والحكم. واتَّبعهم في ذلك جمهورُ أهل الأهواء، ولم يلتفتوا إلا إلى مَن منهجه الإهلاك والإغواء، وتركوا طريقة مَن يدعوهم إلى الحق والهدى، ويُبَصِّرُهم -بنور الله- أسباب النجاة والتقى، حتى أعضل فادح تلك الحوادث، وطغى على القلوب ما طغى من تلك الكوارث فما ارْعَوَى إلى الحق أكثرُهم وما استرشد، ولم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد. وقد سأله الإخوان عن حكم من يسافر إلى بلاد المشركين التي يعجز فيها عن إظهار ما وجب لله من التوحيد والدين، ويُعَلِّلُ بأنه لا يسلم عليهم، ولا يجالسهم، ولا يبحثون عن سره إلى غير ذلك من تعاليلُ الجاهلين، فأجاب بما ستقف عليه من التحقيق والسلوك إلى أقوم نهج وطريق، وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأولاد المكرمين محمد بن علي وإبراهيم بن راشد وإبراهيم بن مرشد وعثمان بن مرشد -سلَّمَهم الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعدُ: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، كثير الخير دائم المعروف، والخط وصل بما اشتمل عليه من الوصية -جعلنا الله وإياكم ممن يقبل النصائح، ويدرأ المقت والفضائح- وجاءكم مني مكاتبات في هذه الحوادث العُمْيِ. ولم يبلغني ما يسرني عنكم من القبول، والقيام لله، والحق على طالب العلم والمنتسب إلى الدين والفهم أكبر منه على غيره، والواجب عليه آكد، والعاقل لا يرضى لنفسه سبيل أهل المداهنة والبطالة، وقد دهم الإسلام من الحوادث ما تعجز عن حمله الجبالُ الراسياتُ،

стр. 179

وتصغر في جنبه كل المحن والمصيبات، فما مضت فتنة إلا إلى ما هو من أكبر الشرك والكُفْرِيَّات. ومع ذلك فكثير من الناس قد التبس عليه الأمر، وخفي عليه المخرجُ والحكمُ، وكثر الخوضُ والاعتراضُ من بعض مَن ينتسب إلى القراءة ويَدَّعِي الفهم والطلب، واتبع جمهور أولئك ما يَهْوَاه من غير بينة ولا سلطان، ولا يتهم أحد رأيه، ولم يرجع إلى المُحَاقَّة والفكرة، حتى انهدم بنيان الإسلام، ولم يستوحش الأكثرون من ولاية عباد الأوثان والأصنام. وما أحسن ما قال سهل بن حنيف فيما رواه البخاري قال: حدثنا الحسن بن إسحاق ثنا محمد بن سابق ثنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا حصين قال: قال ابن وائل: لما قدم سهل بن حنيف من صفين نَسْتَخْبِره فقال: اتهموا الرأي فقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله ﷺ لرددت، والله ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا عن عواتقنا إلا أسهل بنا إلى أمر لا نعرفه قبل هذا الأمر، وما نَسُدُّ منها خصمًا إلا انفجرَ خصمٌ ما ندري كيف نأتي له. وأما السؤال عمن يسافر إلى بلد المشركين التي يعجز فيها عن إظهار ما وجب لله من التوحيد والدين، ويعلل بأنه لا يُسَلِّمُ عليهم ولا يجالسهم، ولا يبحثونه عن سره، وأنه يقصد التوصل إلى غير بلاد المشركين، ونحو ذلك من تعاليل الجاهلين. فاعلم أن تحريم ذلك السفر قد اشتهر بين الأئمة، وأفتى به جماهيرهم، وما ورد من الرخصة محمول على مَن يقدر على إظهار دينه أو على ما كان قبل الهجرة. ثم إن الحكم قد أُنِيطَ بالمُجَامعة والمُسَاكنة، وإن لم يحصل سلام ولا مجالسة، ولا بحث عن سره، كما في حديث سمرة: " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " ١.فانظر ما علق به الحكم من

стр. 180

المساكنة والاجتماع، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلة، فإن وقع مع ذلك سلام ومجالسة، أو فتنة بالبحث عن عقيدته وسره، عظم الأمر واشتد البلاء، وهذه محرمات مستقلة يضاعف بها الإثم والعذاب. وكيف تروج عليكم هذه الشبهات، ولكم في طلب العلم سنوات، وخوف الفتنة أحد مقاصد الهجرة، وهو غير منتفٍ مع هذه التعاليل. ومن مقاصد الهجرة الانحياز إلى الله بعبادته، والإنابة إليه، والجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه وإلى رسوله بطاعته وتعزيره ونصره ولزوم جماعة المسلمين، ولذلك يقرن الهجرة بالإيمان في غير موضع من كتاب الله. وكل هذا غير حاصل، وإن فرض صدق القائل فيما علل به، والغالب كذب هذا الجنس، فإن الأعمال الظاهرة تنشأ عما في القلوب من الصدق والإخلاص أو عدمهما. وقد عرفتم أن العامي الذي لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، ولم يلتفت إلى العلم تسرع إليه الفتنة أسرع من السيل إلى مُنْحَدره، ولذلك غلب على كثير من الناس عدم النُّفْرَة فرحل إليهم مَن رحل، وقبلوا رسائلهم وأفشوها في الناس، وأعانهم بعض المفتونين عن دينهم وجالسهم وراسلهم بعضُ من يقول: الدين في القلوب، ولم يلتفتوا إلى الأعمال الإسلامية والشرائع الإيمانية، ولو صدق ما زعموه في قلوبهم لأطاعوا الله ورسوله واعتصموا به، أعاذنا الله وإياكم من مُضَلات الفتن. وحماية جَنَاب التوحيد وسدُّ الذرائع الشركية، من أكبر المقاصد الإسلامية، وقد ترجم شيخنا في كتاب التوحيد لهذه القاعدة، فرحمه الله من إمام، ما أفقهه في دين الله! وما أعظم غيرته لربه وتعظيمه لحرماته! وما أحسن أثره على الناس! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 181

الرسالة الثلاثون: [الحاجة إلى العلم في حال الفتن] وله أيضا ﵀ رسالة إلى من تقدم ذكرهم من إخوان وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الإخوان المكرمين محمد بن علي وإبراهيم بن مرشد وإبراهيم بن راشد وعثمان بن مرشد -سلمهم الله تعالى، وعافاهم، وأصلح بالهم، وتولاهم-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وعلى أقداره وحكمه، والخط وصل -وصلكم الله إلى ما يرضيه- وما ذكرتم صار معلوما، والله المسؤول أن يمن علينا وعليكم عند الوحشة بذكره والأنس بمجالسته، وعند ذهاب الإخوان بروح منه وسلطان. والذي أوصيكم به تقوى الله ومعرفة تفاصيل ذلك على القلوب والجوارح، ومعرفة الأحكام الشرعية الدينية عند تغير الزمان، وكثرة الفتن وظهور الهرج، وقد ورد أن الله يحب البصر الناقد عند ورود الفتن والشبهات، والعقل الراجح عند منازعة الشهوات. وذكر أبو داود وغيره من أهل السنن ما ينبغي مراجعته واستحضاره عند ذكر الفتن والملاحم، وذكر ابن رجب في رسالته "كشف الكربة في فضل الغربة" ما يسلي المؤمن ويعزيه. وذكر ابن القيم ﵀ في المَدَارج جملة صالحة، وفي الأثر: " العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ " ١، وفي حديث الغرباء: " للعامل منهم أجر خمسين من أصحاب

стр. 182

رسول الله ﷺ " ١. والذي أرى لكم في هذه الخلطة: الصبر على مقام الدعوة، والتلطف بالإبلاغ عن نبيكم، وهذا -مع القدرة وأمن الفتنة-، أفضل من العزلة. والإقلال من مخالطة الناس لمن أمكنه أسلم، وإني لأود أن أكون مثل أحدكم في هذا الزمان، ولكنني ابتليت بالناس وحِيلَ بيني وبين ذلك، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. الرسالة الحادية والثلاثون: [التمسك بالميراث النبوي والحث على مذاكرة العلم] وله أيضا ﵀ رسالة إلى مَن تقدم ذكرُهم إلا محمد بن علي، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الإخوان المكرمين إبراهيم بن راشد وإبراهيم بن مرشد وعثمان بن مرشد سلمهم الله تعالى، وتولاهم في الدنيا والآخرة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعدُ: فأحمد إليكم الله على سوابغ إنعامه ومزيد إحسانه وإكرامه، جعلنا الله وإياكم ممن عرف قدر نعمة الله عليه، واستعملها فيما يقرب إليه، والخط وصل -وصلكم الله بالرضى- والعذر مقبول. نسأل الله لنا ولكم العفو والقبول، ونوصيكم بما أوصيتمونا به، ونزيدكم الوصية بميراث نبيكم والرغبة فيه، والمُذاكرة في كل أوقاتكم، فإنكم في زمن قُبِضَ فيه العلم، وفَشَا الجهل، وعُدِمَتْ الحقائقُ الدينية، وإنما هي عادات ورسوم ينتحلها أكثرُ الخلق. أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها جعلنا الله وإياكم من الفائزين بالقبول والرضى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 183

الرسالة الثانية والثلاثون: [الغلظة على الكفار ومتى أمر النبي ﷺ بها] وله أيضا -قدس الله روحه، ونَوَّرَ ضريحه، وتجاوز عن ذنوبه- رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق ﵀ وقد راسله أعني: الشيخ حمد برسالة كأنه أساء فيها الأدب، ولم يراع فيها حق مَن يتزاحم العلماء عنده بالركب. بل جرى على عادته في المراسلات والمكاتبة، ولم يُمْعِن النظرَ فيما أوعز به من المخاطب، وكأنه في رسالته يحرض على التغليظ في الدعوة إلى الله من غير نظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد. فَبَيَّنَ له الشيخ ﵀ الخلق العظيم والرأي الرشيد الحليم الذي كان لسيد المرسلين وإمام المتقين، أنه يبدأ أولا بالتلطف واللين، ثم آخرا بالغلظة؛ وذلك مع قوة الإسلام والمسلمين، وأن الغلظة ليست ديدانا لرسول الله ﷺ ولا لأتباعه في الدعوة إلى الله. ويا لله كم في هذه الرسالة من الأصول الأصلية والمباحث الجليلة التي تطلع منها على بلاغة مبديها، وجلالة منشيها، وأن له في الميراث النبوي الحظَّ الوافرَ، وأن ينابيع علومه تتفجر من ذلك البحر الزاخر، وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الشيخ المكرم حمد بن عتيق، سلك الله بي وبه أهدى نهج وطريق، ومنحنا بِمَنِّهِ حُسْنَ الدعوة إليه بالتحقيق. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإني أحمد إليك الله –سبحانه- على نعمه، والخط وصل -وصلك الله بما يقربك إليه- وما أشرت إليه صار معلوما، لا سيما الإشارة الخفية والنكت الأدبية، التي منها تشبيه أخيك بالطير المُبَرْقَع، وإيراد المواعظ وأنت بمكان علو أرفع، وكنت حال وصوله قد قرأته بمرأى من أهل الأدب ومسمع، فمن قائل عند سماعه: هذا الرجل طبعه الغلظة والجمود، وآخر

стр. 184

يقول: كأنه لا يحسن الدعوة إلى ربنا المعبود. فقلت: كلا إنه ابن جلا، وله السبق في مضمار الديانة والعلى، لكن من عادته أن يتجاسر على أحبابه، ويزدري رتب أخدانه وأترابه، والمحب له الدلال، والمرء يشرف بالزلال. فاعلم -هُدِيتَ الطريق، وفزتَ بحظ من النظر والتحقيق- أن الله لما بعث نبيه ﷺ بهذا الدين الحنيفي ولم يكن أحد من أهل الأرض -عربيهم وعجميهم قرويهم وبدويهم- يعرف الحق ويعمل به إلا بقايا من أهل الكتاب. وأما الأكثرون فقد اجتالتهم الضلالات والعادات عن فطرة الله التي فطر الله الناس عليها، فأيد الله دينه مع غربة هذا الدين، ومخالفته لما عليه الأكثرون، بأعظم حجة وآية، كانت لأكثر مَن أسلم سبب وقاية، وتلك هي الخلق العظيم، والرأي الراشد الحليم، فمكث على ذلك يدعو ويُذَكِّر، ويعظ ويُنْذِر، مع غاية اللطف واللين. فتارة يُكَنِّي المخاطبين، وطورًا يأتي نادي المتقدمين أو المترئسين، وحينا يقول: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ١، ونَاهِيك بخُلُق مدحه القرآن، وأثنى على حلمه في الدعوة والبيان. ولا يرد على المعنى قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ الآية، كما ظنه بعض المتطوعة دَيْدَنًا لرسول الله ﵁، فإن هذا يُصَار إليه إذا تعينتْ الغلظةُ ولم يُجْدِ اللينُ، كما هو ظاهرٌ مستبينٌ، كما قيل: آخر الطب الكيُّ، وهو أيضا مع القدرة. ويشترط أن لا يترتب عليه مفسدة كما قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْر ِ﴾ ٣. وقد أخذ بعض الناس من هذا أن دَرْء المفاسد يُقَدَّم على جلب المصالح، كما هو مُقَرَّر في علم الأصول. ثم إن الآيةَ: آيةَ الغلظة مدنيةٌ بعد تمكن الرسول وأصحابه من الجهاد

стр. 185

باليد وظهور الاستمرار على الكفر من أعدائهم، فوقعت الغلظة في مركزها حيث لم ينفع اللين. وأسعد الناس بوراثة الرسول في دعوة الخلق أكملهم في متابعته له في هذا، وكان الصِّدِّيق أكمل الناس؛ ولذلك أسلم على يده وانتفع به أممٌ كثيرةٌ بخلاف غيره فقد قيل لبعضهم: إن منكم منفرين. والقصد من التشريع والأوامر: تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان، وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين، أو تفويت أدنى المصلحتين، واعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال: أصل كبير فمَنْ أهمله وضَيَّعه فجنايته على الناس وعلى الشرع أعظم جناية. وقد قرَّر العلماء هذه الكليات والجزئيات، وفصَّلُوا الآدابَ الشرعية، فمن أراد أن ينصب نفسه في مقام الدعوة، فليتعلم أولا؛ وليزاحم رُكَب العلماء قبل أن يرأس، فيدعو بحجة ودليل، ويدري كيف السير في ذلك السبيل، فإن الصبابة لا يعرفها إلا مَن يعانيها، والعلوم لا يدريها إلا مَن أخذها عن أهلها وصحب راويها: ما كل من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كل الرجال فحولا وهذا، وقد كنت أظن أنكم تحبون مَن هاجر إليكم، وتراعون حق أسلافه في المشيخة عليكم، ومكان العلم وتعليمه، وحق الشيخ وتكريمه غير معتبر لدى الجمهور، قبل قصدهم المناصب والظهور، قال الشيخ، وحدثنا، وجلس الأستاذ، ونبأنا، ن هو غاية قصد الأكثرين، إلا عباد الله المخلصين. والسلام عليك وعلى من حضر من المسلمين لديك، وما بسطت لك الكلام، إلا محبة وإعلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 186

الرسالة الثالثة والثلاثون: [مشروعية بر الكافر غير المحارب والقسط إليه] وله أيضا -رحمه الله تعالى- رسالة إلى عيسى بن إبراهيم جوابًا لأربع مسائل: (الأولى) : عن قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ١ الآية؟ (والثانية) : عن الفرق بين المرفوع والمُسْنَد والمتصل وأيها أصح؟ (الثالثة) : عن قول شارح الزاد غير تراب ونحوه؟ (الرابعة) : عن قول شارح الزاد أيضا نقلا عن النظم: وتحرم القراءة في الحش وسطحه وهو متوجه إلى حاجته، ثم إن الشيخ استشعر منه أنه يشير إلى رسم فائدة زائدة. فأجاب بما يشفي العليل، ويروي الغليل، ويهدي إلى أقوم نهج وسبيل، بأوضح عبارة وأبين دليل. فرحمه الله من إمام للسنة ما أعلمه، وبعلم التفسير ما أفهمه، وبالفقه وغيره من العلوم ما أحكمه، فلقد فاق بذلك على أقرانه، وكان وحيد عصره وفريد زمانه. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المحب عيسى بن إبراهيم -سلك الله بي وبه صراطه المستقيم-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل؛ فسرني نبأه عن سلامة تلك الأحوال والذوات، لا زالت سالمة من الآفات، وما أشرت إليه قد علم. وجواب مسألتك ها هو ذا قد رسم –نسأل الله التوفيق والإصابة، وحسن القصد والإثابة- فأما قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٢ الآية. فالذي يظهر أن هذا إخبارٌ من الله –جل ذكره- لعباده المؤمنين بأنه لم يَنْهَهُمْ عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل، إذا لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من

стр. 187

ديارهم؛ إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوبٌ محبوبٌ شرعا ولذا علل هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١. وأما قوله ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ ٢ فقد قال بعض المُعْرِبِينَ: إنه بدل من الموصول بدل اشتمال، و"أن" وما دخلت عليه: في تأويل مصدر، والتقدير: لا ينهاكم الله عن بِرِّ مَن لم يقاتل في الدين، ولو قال هذا البعض: إنه بدل٣ بُدَاءً: لكان أظهر؛ إذ لا يظهر الاشتمال بأنواعه هنا؛ والأظهر عندي أنْ لا بدلَ مطلقا؛ وأن الموصول معمولٌ للمصدر المتأخر المأخوذ من "أن" وما دخلت عليه؛ فالموصول إذًا في محل نصب بالمصدر المسبوك؛ وتَأَخُّرُ العاملِ لا يضر، وأما على البدلية فهو في محل جر. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٤، أكد الجملة هنا لمناسبة مقتضى الحال؛ إذ المقام مظنة لغلط الأكثر؛ ولتوهم خلاف المراد فاقتضى التأكيد والتوفية بالأداة؛ كما يعلم من فن المعاني؛ وقوله: ﴿فِي الدِّينِ﴾ الفاء سببية كما في قوله: "دخلت النار امرأة في هرة" ٥ الحديث. وسبب النّزول ما رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي ﷺ فقلت يا رسول الله: " إن أمي قدمتْ وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك" ٦، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وفي بعض الطرق: أنها جاءت لابنتها بهدية ضباب وأقط وسمن، فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخل البيت حتى سألت رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية. وأما قول ابن زيد وقتادة: إنها منسوخة، فلا يظهر؛ لوجوه: منها: أن الجمع بينها وبين آية القتال ممكنٌ غيرُ متعذرٍ، ودعوى النسخ يصار إليها

стр. 188

عند التعذر وعدم إمكان الجمع إن دل عليه دليل. (ومنها) : أن السُّنَّة متظاهرةٌ بطلب الإحسان والعدل مطلقا، ولا قائل بالنسخ، لكن قد يجاب عن ابن زيد وقتادة بأن النسخ في كلامهما بمعنى التخصيص؛ وهو مُتَّجِهٌ على اصطلاح بعض السلف؛ ولا شك أن القتال بالسيف وتوابعه من العقوبات والغلظة في محلها مخصوص من هذا العموم. ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي: أنه لما ذكر –تعالى- نهيه عبادَه المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة؛ ثم ذكر حال خليله، ومن آمن معه في قولهم، وبراءتهم من قومهم المشركين حتى يؤمنوا. وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة خيف أن يتولاهم، ويظن أن البر والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة، وأمر به أن يدفع هذا ١ بقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ﴾ ٢ الآية. [اصطلاحات حديثية] الحديث المرفوع والمسند والمتصل وأما المسألة الثانية في الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل: فاعلم أن المرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا، أو فعلا، أو حكما. واشترط الخطيب البغدادي كون المضيف صحابيا، والجمهورُ على خلافه. والمسند: هو المرفوع، فهو مرادفٌ له، وقد يكون متصلا كمالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وقد يكون منقطعا كمالك

стр. 189

عن الزهري عن ابن عباس عن النبي ﷺ إذ الزهري لم يسمع من ابن عباس، فهو بسند منقطع. وقد صرح ابن عبد البر –﵀ بترادفهما؛ والانقطاع يدخل عليهما جميعا وقيل: إن المسند ما وصل إسناده (إلى الصحابي) ولو موقوفا عليه؛ فالمسند والمتصل سواء؛ إذ هذا بعينه هو تعريف المتصل فعلى هذا يفارق المرفوع بقولنا: ولو موقوفا؛ فبينه وبين المرفوع على هذا القول عمومٌ وخصوصٌ وجهي يجتمعان فيما اتصل سنده ورفع إلى النبي ﷺ . وينفرد المرفوع في المنقطع المرفوع، وينفرد المسند في الموقوف والأكثر على التعريف الأول، والعموم والخصوص الوجهي، كذلك يجري أيضا بين المرفوع والمتصل كما يعلم مما تقدم. وأما قولك: أيهما أصح؟ فاعلم أن الصحة غير راجحة لهذه الأوصاف باعتبار حقيقتها، وإنما الصحة والحُسن والضعف أوصاف تدخل على كل مِنَ المرفوع والمسند والمتصل، فمتى وُجِدَتْ حُكِمَ بمُقتضاها لموصوفها. لكن المرفوع أولى من المتصل إذا لم يرفع؛ ومن المسند على القول الثاني إذا لم يرفع أيضا، لا من حيث الصحة بل من حيث رفعه إلى النبي صلى الله وسلم وأما الصحة فقد ينفرد بها بعض هذه الأقسام لا من حيث ذاته؛ والمرفوع إذا لم يبلغ درجة الصحة احتج به في الشواهد والمتابعات كما عليه جَمْعٌ. [مصطلحات فقهية] اصطلاحات فقهية: وأما الجواب عن قول شارح الزاد: "غير تراب ونحوه": فاعلم أن نحو التراب هنا: كل ما كان من الأجزاء الأرضية كالرمل والنورة، أو من المائعات الطاهرة، وكذا كل ما لا يدفع النجاسة عن نفسه فإنه لو أضيف

стр. 190

أحد هذه الأشياء إلى الماء الكثير المتنجس لم يطهر بإضافته إليه؛ لكون المضاف لا يدفع عن نفسه فعن غيره أولى، ولو زال به التغير على أظهر الوجهين. وأما نحو التراب في باب التيمم، فهو كل ما كان له غبار يعلق باليد؛ وفي باب إزالة النجاسة هو كل جامد مُنَقٍّ كالأشنان والصابون والسدر، فيفسر النحو في كُلٍّ بما يناسبه. [القراءة في الحش وسطحه وهو متوجه إلى حاجته] وأما المسألة الرابعة في قول شارح الزاد نقلا عن النظم: "وتحرم القراءة في الحش وسطحه، وهو متوجه على حاجته". فاعلم أن قوله: "وهو متوجه" من كلام صاحب الفروع، ومعناه أن التحريم يتوجه إذا كان المتخلي جالسا على حاجته بهذا القيد؛ فافهم ذلك وتفطن؛ والكلام في التحريم والكراهة وبيان المختار يستدعي طولا لا يليق باختصار هذه الأسطار. [نصيحة عامة للمسلمين] (نصيحة في إيثار الآخرة والعلم والعمل) : ثم إنك تشير إلى رسم فائدة زائدة، وقد وقع نظري عند إملائي هذا على عبارة ابن الجوزي في "السر المصون" ونصها: من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت المرتبة في دار الجزاء، انْتَهَبَ الزمانَ ولم يُضَيِّع لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حَصَّلَهَا. مَنْ وُفِّقَ لهذا، فليبكر زمانه بالعلم، وليصابر كلَّ محنة وفقر، إلى أن يحصل له ما يريد؛ وليكن مخلصا في طلب العلم عاملا به حافظا له، فإما أن يفوته الإخلاص، فذلك تضييع زمان وخسران الجزاء، وإما أن يفوته العمل به فذاك يقوي الحجة عليه والعقاب له. وأما جمعه من غير حفظه، فإن العلم ما كان في الصدر لا في القمطر، ومتى أخلص في طلبه دله على الله ، فليبعد عن مخالطة الخلق مهما أمكن، خصوصا العوام، وليصرف نفسه عن

стр. 191

المشي في الأسواق فربما وقع البصر على فتنة؛ وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس، ومن علم أنه مَاٌّر إلى الله اعز وجل وإلى العيش معه وعنده، وأن الدنيا أيام سفر، صبر على تفث السفر ووسخه، إن الراحة لا تُنَال بالراحة ١؛ فمن زرع حصد، ومن جدَّ وجد. خاضوا من أمر الهوى في فنون ... فزادهم في اسم هواهم حرف نون أحسن الله لي ولك العواقب، ووفقنا لنيل أرفع الدرجات والمراتب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ومَن لدينا الوالد -حفظه الله- ٢. الرسالة الرابعة والثلاثون: [الأمر بالاعتصام والنهي عن التفرق والاختلاف] وله أيضا، تغمده الله بإحسانه، وصب عليه من شآبيب بره وامتنانه، ونفعنا بعلومه الداعية إلى الرشاد، ورسائله المرشدة إلى هدي خير العباد، ونصائحه المؤذنة بحسن الدعوة إلى الله، ورد العباد إلى عبادة من لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، رسالة إلى من وصلت إليه من المسلمين يحرِّضهم فيها على الجهاد في سبيل الله والتزام أصول الدين، والاعتصام بحبل الله المتين. ويذَكِّرهم نعمة الله التي امتنَّ بها عليهم على يد شيخ الإسلام، وقدوة العلماء الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ إذ كانوا قبله على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء وبدعة صماء، لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، لا شعور لهم بدين الله الذي بعث به رسوله، ولا يعرفون منه على التحقيق لا فروعه ولا أصوله، فأنقذهم الله بدعوته من الغواية، وسلك بهم طريق أهل السعادة والهداية، وكثَّرَهم الله به بعد القلة، وأعزهم به بعد الذلة. وصاروا بهذا الدين للعباد قادة، وانتهت إليهم به الرياسة والسيادة، ثم سار أبناؤه بعده على منهاج الدعوة إلى الله، والحضّ على الجهاد في سبيل الله، ورد العباد إلى ما يحبه الله ويرضاه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، وبَوَّأَهُمْ بفضله ورحمته الدرجات العلى، وهذا نص الرسالة:

стр. 192

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى من وصل إليه من المسلمين -وفقهم الله للبر والتقوى، وسلك بهم سبيل الرشد والهدى-. سلام عيكم ورحمة الله وبركاته. وبعدُ: فقد سبق إليكم من النصائح والتذكير بآيات الله، والحث على لزوم جماعة المسلمين ما فيه كفاية وهداية لمن أحيا الله قلبه وأراد هدايته، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " الدين النصيحة، قالها ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ١. فجعل الدين محصورا في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه وقواعده المهمة، فيدخل الإيمان بالله ومحبته وخشيته، والخضوع له وتعظيم أمره ونهيه، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته من تعطيل وإلحاد وشرك وتكذيب؛ لأن النصيحة لله: خلوص الباطن والسر من الغش والريب والحقد والتكذيب، وكل ما يضاد كمال الإيمان ويعارضه. وكذلك النصيحة لكتابه تتضمن العمل بِمُحْكَمِهِ، والإيمان بمتشابهه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والاعتبار بأمثاله، والوقوف عند عجائبه، ورد مسائل النزاع إليه، وترك الإلحاد في ألفاظه ومعانيه. والنصح لرسوله يقتضي الإيمان به وتصديقه ومحبته وتوقيره، وتعزيره ومتابعته، والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره، وتقديمه على كل ما عارضه وخالفه من هوى أو بدعة أو قول، والنصح لأئمة المسلمين أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله، وترك مُشَاقَّتهم ومنازعتهم. والنصح لعامة المسلمين هو: تعليمهم وإرشادهم لما فيه

стр. 193

صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهم، وكفُّهُم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم وذهاب دينهم ودنياهم من معصية الله ورسوله، ومخالفة أمره، ومشابهة الجاهلين فيما كانوا عليه من التفرق والاختلاف وترك الحقوق الإسلامية. وفي الحديث: " ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص الدين لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم "، فأفاد أن هذه الثلاث لا يدعها المسلم إلا لِغِلٍّ في قلبه، بل المسلم الصادق في إسلامه لا يكون إلا: مُخْلِصًا دينَه لله، مُنَاصِحًا لإمامه، مُلازِمًا لجماعة المسلمين. وقد دل القرآن على هذا في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١. فابتدأ الآية بالأمر بأن يُتَّقَى حَقَّ التُّقَاة، وأمر بالتزام الإسلام، والعض عليه بالنواجذ حتى الممات، لأن قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢ تحضيضٌ وحَثُّ على التزامه في جميع أوقات العمر والساعات، ومن عاش على شيء مات عليه ٣

стр. 194

وقد أمر بالاعتصام بحبله وهو دينه وكتابه أمرًا عامًّا لجميع المكلفين وسائر المخاطبين، لأن التقوى والتزام الإسلام يتوقف على ذلك؛ ولا يحصل المقصود منه إلا بالاعتصام بحبل الله وترك التفرق والاختلاف؛ لما فيهما من فساد الدين وهدم أصوله وقواعده. ثم ذَكَّرَهم بنعمته عليهم بتأليف قلوبهم واجتماعها بعد العداوة والبغضاء، فإن التفرق والاختلاف عذاب وهلاك وشقوة في العاجل والآجل، والجماعة والائتلاف رحمة وسعادة ونعيم في العاجل والآجل. وأخبرهم أنهم كانوا على شفا حفرة من النار بما كانوا عليه من الضلالة والجاهلية، فامتَنَّ عليهم وأنقذهم واجتباهم وهداهم، وجمع قلوبهم وشملهم بعد الفرقة والشتات، وأعزهم وأغناهم بعد الفقر والحاجات، فيا لها من نعم ما أجلّها! ومواهب ما أعظمها وأبرها، لمن عقلها وشكرها! ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١: فيه بيان الحكمة المقتضية لبيان الآيات والتذكير بالنعم، وأن المراد بها حصول الاهتداء، وترك أسباب الشقاء والردى.

стр. 195

[تذكير أهل نجد بمشابهة حالهم لحال الأنصار ﵃] وقد عرفتم ما كنتم عليه قبل هذه الدعوة الإسلامية التي امتُنَّ بها على يد شيخنا ﵀: كنتم على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبدعة صماء، لا شعور لكم بدينه الذي ارتضاه لنفسه، ولا دراية لكم بما يجب له من صفات كماله وجلال قُدْسِه، ولا معرفة لديكم بما شرعه من أمره ونهيه. كنتم على غاية من التفرق والاختلاف، فَبَصَّرَكم الله بهذه الدعوة المباركة من العَمَى، وسلك بكم سبيل السعادة والهدى، وعَلَّمَكم من دينه وشرعه ما اصطفاكم به واختاركم على مَن ضَلَّ وغوى، وجمعكم بعد الفُرْقَة، وألف بين قلوبكم بعد العداوة والمُشَاقَّة، وأعزكم على من عاداكم بعد المسكنة والذلة، فاشكروه على هذه النعم العظيمة بالتزام طاعته، والمسارعة إلى مرضاته ومغفرته، ولا تكونوا كالذين: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار ِ﴾ ١، واشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا السعادة بالشقاء، وتركوا البصيرة واختاروا العمى. وقد عرفتم أن الله افترض عليكم الجهاد في سبيله وابتلاكم بأعداء دينه، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٢، وما أجرى الله وابتلى به من الزعازع والمحن من أكبر أسبابه. وأعظم موجباته: مخالفة الأمر الشرعي وترك طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ ولهذا يسلط العدو، وتنزع المهابة من صدور أعدائكم، وتضربون بسوط الذلة والمهانة كما جاءت به الآثار، وصحت به الأخبار، وشهد له النظر والاعتبار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ

стр. 196

الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿ظَاهِرِينَ﴾ . وفي الحديث: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو: مات على شعبة من النفاق" ٢، وصح عنه ﷺ أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة: أعلاها للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" ٣. فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٤. جعلنا الله وإياكم ممن يقبل المواعظ والنصائح، ويدرأ أسباب المقت والفضائح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. الرسالة الخامسة والثلاثون: [تفسير قوله عزوجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ] وله أيضا -قدس الله روحه، ونور ضريحه- رسالة إلى الشيخ عبد الله بن نصير، وقد ذكر الشيخ عبد الله في رسالة كلام أبي بكر بن العربي المالكي في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥. فأجاب ﵀ بهذا الجواب الباهر الفائق، وأرخى عنان قلمه بميدان المعارف والحقائق، وكشف له القناع عن مدارك أحكام أهل التحقيق، ورفع له الأعلام إلى المَهْيَع والطريق، وبَيَّنَ له ﵀ غلطَ أبي بكر بن العربي فيما زعمه وقرره، من أن معناه لبعض أهل السنة، وليس كما زعمه وحرره. بل إن ما اعتمده وعول عليه في معنى هذه الآية هو: كلام القدرية المجبرة، فإما أن يكون جهلا منه بأنه مخالف لقول أهل السنة، أو تقليدا منه لمن كان يحسن فيه ظنه، هذا إن لم يكن موافقا لهم في أصل الجبر والقول به، فقد يدخل عليه كلامهم وكلام نظرائهم، فلا ينكره، بل يقرره، ويأخذ به، وهذا نص الرسالة:

стр. 197

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المحب الشيخ عبد الله بن نصير -سلمه الله تعالى-: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط الذي ذكرت فيه كلام أبي بكر بن العربي المالكي في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. قد وصل وتأملته فوجدته قد اعتمد وعول في معنى هذه الآية على كلام القدرية المجبرة، وغلط في زعمه أن معناه لبعض أهل السنة، وابن العربي إن لم يكن موافقا لهم في أصل الجبر والقول به، فقد يدخل عليه كلامهم وكلام نظرائهم ولا ينكره، بل يأخذ به ويقرره، إما جهلا منه بأنه مخالف لقول أهل السنة، أو تقليدا لمن يحسن به الظن، أو لأسباب أخر، وليس هذا خاصا به. بل قد وقع فيه كثير من أتباع الأئمة المنتسبين إلى السنة، فإن قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ أي: إلا لتجري أفعالهم على مقتضى قضائي، فيكون فعل العبد على مقتضى حكم المولى، وإنما يخرج فعل العبد عن حكم المولى إذا كان مغلوبا، والغالب لا يخرج شيء عن فعله، وهو الله وحده. انتهى. وهذا الكلام بعينه هو: كلام القدرية المجبرة، فيما حكاه عنهم غير واحد، وهذا التعليل هو تعليلهم بعينه، وهذا القول يقتضي أنه سبحانه خلق الشاكر ليشكر، والفاجر ليفجر، والكافر ليكفر، فما خرج أحد عما خلق له على هذا القول، لأن القدر جَارٍ بذلك كله، والقدرية المجبرة دعاهم

стр. 198

لهذا فيما يزعمون إبطال قول القدرية النفاة، ومصادمتهم في قولهم: إن الإرادة هي الأمر، يأمر بها الطائفتين، فهؤلاء عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم، وهؤلاء عصوه بأن أحدثوا إرادتهم ومعصيتهم. وحاصل قولهم: إنكار القدر وأن الأمر أُنُف١، فقابلهم أولئك بالقول بالجبر، وأنهم لا يخرجون عن قدره وقضائه، نظرا منهم إلى أن الأمر كائن بمشيئة الله وقدره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه -تعالى- خالق كل شيء وربه ومليكه، ولا يكون في ملكه شيء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته. كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢،: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣،: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٤،: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ ٥، ونحو ذلك من الآيات. ولا ريب أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان، لا بد منه في حصول الإيمان، وبإنكاره ضلت القدرية النفاة وخالفوا جميع الصحابة وأئمة الإسلام، لكن لا بد معه من الإيمان بالإرادة الشرعية الدينية، التي نزلت بها الكتب السماوية، ودلّت عليها النصوص النبوية. [تفسير العبادة لغة وشرعا] وأئمة المسلمين قد أثبتوا هذه وهذه، وذكروا الجمع بينهما، وآمنوا بكلا الأصلين، وفرقوا بين لام العلة الباعثة الفاعلة، وبين لام الغاية والصيرورة والعاقبة، والقرآن قد جاء ببيان اللامين، فالأولى في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٦،: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٧،: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ٨. والثانية في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ ٩،: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ ١٠،: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ١١ على أحد القولين. فمن نفى الإرادة

стр. 199

الأمرية فهو جبري ضال مبتدع، ومن نفى الإرادة الكونية القدرية فهو قدري ضال مبتدع. ومن قال: إن العبادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ بمعنى: إلا لتجري أفعالهم على مقتضى إرادتي الكونية، فقد أدخل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم في هذه العبادة، وجعل عابد الأصنام والشيطان، والأوثان عابدا للرحمن، قائما بما خلق الله له الإنس والجان، لكن بمعنى جريان الإرادة القدرية الكونية عليهم، لا بمعنى الاتحاد والحلول الذي قاله صاحب الفصوص، وطائفة الاتحاد الكفار. وقال قائلون بالجبر: لا شك أن الخلق معبدون بجريان الأقدار عليهم. يريدون أن ذلك هو المقصود بالآية، كما سيأتي حكاية هذا عن غيرهم، والعبادة وإن كانت لغة أقصى غاية الذل والخضوع مطلقا، كما في قوله: تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد فهي في الشرع أخص من ذلك، لأنها اسم للطاعة والانقياد للأوامر الشرعية الدينية التي دعت إليها الرسل، ودلت عليها الكتب السماوية، كما فسر ابن عباس ﵁ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ ٢ بتوحيده وإخلاص العبادة له، نظرا منه إلى الحقيقة الشرعية لا إلى أصل الأوضاع اللغوية. وقد اعترض ابن جرير هنا بأصل الوضع واللغة، والحق ما قاله ابن عباس خلافا لابن جرير، بدليل قوله تعالى: ﴿لا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٣، وتعليلهم ما قالوه، بأن العبد لا يخرج عن فعل المولى إلا إذا كان المولى مغلوبا، والله -تعالى- هو الغالب وحده، أو نحو هذا التعليل. فهذا قد احتجوا به على القدرية النفاة، وهو احتجاج صحيح على من نفى القدر، وزعم أن العبد يخلق أفعال نفسه لأن الله -تعالى- لا يعصى عنوة، بل علمه

стр. 200

وقدرته وعزته وحكمته وربوبيته العامة، وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر مانعة ومبطلة لقول القدرية النفاة. فإن الصحابة قاطبة، وسائر أهل السنة والجماعة متفقون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ويؤمنون بأن الله ﵎ عالم بجميع الكائنات قبل أن تكون كيف تكون؛ وغلاة منكري القدر قد أنكروا هذا العلم، فكفرهم بذلك الأئمة أحمد وغيره. وأما من قال بإثبات القدر، خيره وشره، حلوه ومره، فلا يلزمه ولا يرد عليه ما ورد على القدرية النفاة من لزوم خروج العبد عن فعل المولى. وإن قال: إن العبد قد يخرج عن الإرادة الدينية الشرعية إلى ما يضادها من المعاصي والكفر والفسوق، فيكون بذلك مخالفا للأوامر الشرعية، وإن كان داخلا تحت المشيئة الكونية القدرية. فالخروج عن القدر والمشيئة نوع، والخروج عن الأوامر الشرعية نوع آخر. فالأول غير ممكن لجميع المخلوقات لجريان الأقدار عليهم طوعا وكرها. أما الثاني فيقع من الأكثر: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١، ولله – في خروج الأكثر عن أمره حكمة، يحبها ويرضاها، لائقة بعلمه وحكمته وعدله وربوبيته، يستحق أن يُحمد عليها. [الأقوال في قوله ﴿إلا ليعبدون﴾ ] وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كلاما حسنا في معنى قوله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢، ذكر فيه ستة أقوال: (أحدها) : قول نفاة الحكم كالأشاعرة ومن وافقهم، كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني والجويني والباجي، وهو قول جهم بن صفوان، ومن اتبعه من المجبرة، قائلين بنفي الحكمة، وأنها تفضي إلى الحاجة. فنفوا أن يكون في القرآن لام كي، وقالوا: يفعل ما يشاء لا لحكمة، فأثبتوا القدرة والمشيئة

стр. 201

وهذا تعظيم، ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة. (الثاني) قول المعتزلة ومن وافقهم: وهو أنه -تعالى- يخلق ويأمر لحكمة تعود إلى العباد، وهي نفعهم والإحسان إليهم، فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك، لكن قالوا بأنه يخلق من يتضرر بالخلق، فتناقضوا بذلك. ثم افترقوا على قولين: من أنكر القدر، ووضع لربه شرعا بالتجويز والتعديل، وهذا هو قول القدرية، ومنهم من أقر بالقدر، وقال: حكمته حقت علينا، وهذا قول ابن عقيل وغيره من المثبتين للقدر، فهم يوافقون المعتزلة على إثبات الحكم، وأنها ترجع إلى المخلوق، ويقرون بالقدر. (الثالث) : قول من أثبت حكمة تعود إلى الرب، لكن بحسب علمه فقال: خلقهم ليعبدوه ويحمدوه. فمن وجد منه ذلك فهو مخلوق له وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس بمخلوق له. وهذه حكمة مقصودة، وهي واقعة، بخلاف الحكمة التي أثبتتها المعتزلة، فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد؛ ثم قالوا: خلق من علم أنه لا ينتفع بالخلق، بل يتضرر، فتناقضوا كما تقدم. ونحن أثبتنا حكمة علم أنها تقع فوقعت، وقد يخلق من يتضرر بالخلق لنفع الآخرين، وفعل الشر القليل لأجل الخير الكثير حكمة، كإنزال المطر لأجل نفع العباد، وإن تضرر البعض. قالوا: وفي خلق الكفار وتعذيبهم اعتبار للمؤمنين، وجهادهم ومصالحهم، وهذا اختيار القاضي أبي حازم ابن القاضي أبي يعلى، قالوا: فقوله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ هو مخصوص بمن وقعت منه العبادة. وهذا قول طائفة من السلف والخلف، وهو قول الكرامية. وعن سعيد بن المسيب في معنى الآية قال: ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني، كذلك قال الضحاك والفراء وابن قتيبة، هذا خاص بأهل طاعته. قال الضحاك: هي للمؤمنين. وهذا اختيار أبي بكر بن

стр. 202

الطيب، وأبي يعلى، وغيرهما ممن يقول: لا يفعل لعلة، قالوا: واللفظ لأبي يعلى هذا بمعنى الخصوص، لأن البُله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وإن كانوا من الإنس، وكذلك الكفار، بدليل قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ ١، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة. (قلت) : قوله: وهذا قول طائفة من السلف والخلف، يعني بالتخصيص في الآية، لا أصل القول الثالث، ثم قال شيخ الإسلام: قلت: قول الكرامية ومن وافقهم، وإن كان أرجح من قول المعتزلة، لما أثبتوه من حكمة الله، وقولهم في تفسير الآية، وإن وافقوا فيه بعض السلف، فهو قول ضعيف، مخالف لقول الجمهور. (والقول الرابع) : إنه على العموم، لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم، وقهرهم ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم، وأنه أصارهم إلى ما خلقوا له من السعادة والشقاوة، وفسروا العبادة بالتعبيد القدري، وهذا يشبه قول من يقول من المتأخرين: أنا كافر برب يعصى. فإنه جعل كل ما يقع من العباد طاعة، كما قال قائلهم: أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعا وأما هؤلاء فجعلوا عبادة الله كون العباد تحت المشيئة، وكان بعض شيوخهم يقول عن إبليس: إن كان قد عصى الأمر فقد أطاع القدر والمشيئة. وما رواه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ قال: جبلهم على الشقاوة والسعادة. وقال وهب: جبلهم على الطاعة، وجبلهم على المعصية. وقد روي أيضا عن طائفة نحوه، وهؤلاء، وإن وافقوا من قبلهم في معنى الآية فهم -أعني زيد بن أسلم ووهب بن منبه- من أعظم الناس

стр. 203

تعظيما للأمر والنهي والوعد والوعيد، وأما من قبلهم فهم إباحية يسقطون الأمر والنهي. (والقول الخامس) : قول من يقول: إلا ليخضعوا لي، ويذلوا لي، قالوا: ومعنى العبادة في اللغة: الذل والانقياد. وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، ومتذلل لمشيئته، لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له. وقد ذكر أبو الفرج عن ابن عباس: إلا ليقروا بالعبادة طوعا وكرها، قال: وبيان هذا قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، وهذه الآية توافق قول من قال: إلا ليعرفوني -كما سيأتي- وهؤلاء الذين أقروا بأن الله خالقهم، لم يقروا بذلك كرها، بخلاف إسلامهم وخضوعهم له، فإنه يكون كرها، وأما نفس الإقرار فهو فطري فطروا عليه وبذلوه طوعا. وقال السدي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ قال: خلقهم للعبادة، ولكن من العبادة عبادة تنفع، ومن العبادة عبادة لا تنفع: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ٣ الآية هذا منهم عبادة، وليس تنفعهم مع شركهم. وهذا المعنى صحيح؛ ولكن المشرك يعبد الشيطان، وما عدل به الله، وهذا ليس مراد الآية، فإن مجرد الإقرار بالصانع لا يسمى عبادة لله مع الشرك به، ولكن يقال كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤. هذا آخر ما وجدت من هذه الرسالة، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 204

الرسالة السادسة والثلاثون: [بيع دَيْن السَّلَم قبل قبضه] وله أيضا جواب مسائل سُئل عنها، وهذا نصها: (المسألة الأولى) : رجل أعطى رجلا دراهم مضاربة يسلمها في الثمرة، فأسلمها في طعام إلى الحصاد. وبعد ذلك احتاج صاحب الدراهم، وقال لصاحبه: رد علي الدراهم، ويصير لك الطعام المؤجل. (الجواب) : الحمد لله، إن هذا بيع لدَيْن السَّلَم قبل قبضه، وفي الحديث الذي رواه الجماعة: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" ١. [الجنب إذا أصابه المطر] (المسألة الثانية) : في الجنب إذا أصابه المطر حتى غسل بدنه وأنقاه، هل يرفع حدثه؟ (الجواب) : الحمد لله، نعم يرتفع إذا نوى رفع الحدث عند إصابة المطر لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" ٢. [ما ذبح إلى غير القبلة عمدا وسهوا] (المسألة الثالثة) : فيما ذبح إلى غير القبلة عمدا وسهوا. (فالجواب) : إن استقبال القبلة عند الذبح ليس بشرط، ولا واجب، وإنما استحبه بعضهم، ومن تركه فلا حرج عليه. [اختلاج الأعضاء] (المسألة الرابعة) : فيمن يقول إذا أكلته يده، أو شهق: إنه يأكل كذا وكذا، وإذا أكله عقب قدمه قال: إنه يحكي فيه أهل هذا شرك أو لا؟ (فالجواب) : إن الاستدلال بأكل اليد والشهيق، وأكلة العقب على ما ذكر جهل وضلال، من أوضاع الجهلة الضالين، وبعض الرافضة يزعم أن اختلاج الأعضاء يدل على الحوادث، وينسبونه إلى جعفر الباقر؛ وقد ذكر أهل العلم: أنه كذب على جعفر، وأنه من أوضاع الرافضة المشركين

стр. 205

الغالين في أهل البيت، سلام الله على أهل بيت رسوله. [أبقى عند صاحبه سلعة، فقال: بعها بعشرة، فباعها بزيادة على العشرة] (المسألة الخامسة) : رجل أبقى عند صاحبه سلعة، فقال: بعها بعشرة، فباعها بزيادة على العشرة، هل يحل للبائع أخذ الزيادة. (فالجواب) : لا يحل له ذلك، والزيادة لصاحب السلعة، والمودع أمين ليست من ضمانه، ولا يستحق شيئا من الزيادة. [التقويم بسعر الوقت] (المسألة السادسة) : رجل له مائة صاع دين سلم، وارتهن نخلا وأرضا، وغير ذلك، فلما مضى أكثر الأجل اتفق الطالب والمطلوب على تقويم ذلك الرهن بثمن حاضر، وحسبوا الطعام المؤجل بسعر وقته بدراهم على صاحب الرهن. (الجواب) : هذا لا يجوز، لأنه اعتياض دراهم زائدة على رأس ماله، فهذا عين الربا، وليس له إلا ما أسلم فيه، ورأس ماله إن اتفقا على فسخ العقد، وأما الربح، والتقويم بسعر الوقت فهذا لا يصح. [قول: يا سيد، ومولاي] (المسألة السابعة) : قول: يا سيد، ومولاي. (فالجواب) : هذه الألفاظ تستعملها العرب على معان، كسادة الرياسة والشرف، والمولى يطلق على السيد والحليف والمعتق والموالي بالنصرة، والمحبة والعشق، وأطلق على الزوج، كما قال -تعالى-: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ١، فإطلاق هذه الألفاظ على هذا الوجه معروف لا ينكر، وفي السنة من ذلك كثير. وأما إطلاق ذلك في المعاني المحدثة، كمن يدعي أن السيد هو الذي يدعى ويعظم، والولي هو الذي يبغى منه النصر والشفاعة، ونحو ذلك من المقاصد الخبيثة، فهذا لا يجوز، بل هو من أقسام الشرك. [قول: طعامك أو شرابك أو مالك علي حرام] (المسألة الثامنة) : قول الرجل لولده أو غيره: طعامك أو شرابك أو مالك علي حرام.

стр. 206

(فالجواب) : إن تحريم ما أحل الله لا يحرم بنص القرآن كما في سورة التحريم. واختلفوا هل عليه كفارة يمين أو لا؟ وكثير من أهل العلم يرى أن عليه كفارة يمين. [تقبيل اليد والرِّجل] (المسألة التاسعة) : قُبلة اليد والرِّجل هل هي جائزة أو لا؟ (فالجواب) : إن بعض أهل العلم منعها، وشدد فيها، وبعضهم أجازها لمثل الوالد، وإمام العدل على سبيل التكرمة، ولا يتخذ ذلك ديدنا دائما١ بل في بعض الأحوال على ما ورد. [الرقية بالقرآن إذا كان الراقي يبصق بريقه] (المسألة العاشرة) : في الرقية بالقرآن، إذا كان الراقي يبصق بريقه. (الجواب) : هذا جائز لا بأس به، وريق الراقي على هذه الصفة لا بأس به، بل يستحب الاستشفاء به، كما في حديث الرقية بالفاتحة. وأما ما يفعله بعض الناس مع من يقدم من المدينة، من الاستشفاء بريقهم على الجراح، فهذا لا أصل له، ولم يجئ فيمن أتى من المدينة خصوصية توجب هذا، والحاج أفضل منه. ولا يعرف أن أحدا من أهل العلم فعل هذا مع الحاج، وإنما الوارد الاستشفاء بريق المسلم مع تربة الأرض، إذا سمى الله في ذلك، كما في حديث: "بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" ٢ فهذه الرقية من المسلم الموحد، على هذا الوجه، قد جاءت بها الأحاديث. [حملت وصار الحمل سقطا يرتفع وينْزل] (وأما مسألة) المرأة التي حملت، وصار الحمل سقطا، يرتفع وينزل، وأخذ ثلاثة عشر سنة، إلى آخر السؤال.

стр. 207

(فاعلم) أنه لا حمل بعد أربع سنين على المشهور عند العلماء، وهذه الحركة عرضت بعد الموت، وإذا مات الحمل في بطنها لم يثبت لها أحكام الحمل، فتعتد عدة المتوفى عنها، ولا تلتفت لهذا الحمل، فإنه لا حكم له. [خبر الكاهن] (وأما مسألة) : الكاهن إذا سأله عن دواء مباح، والسائل والمريض مسلمان. (فالجواب) : إن كان خبر الكاهن بالدواء ومنافعه من طريق الكهانة فلا يحل تصديقه، وهو داخل في الوعيد،، وإن كان من جهة الطب، ومعرفة منافع الأدوية فلا يدخل في مسألة الكاهن. وأما من قال لصاحب السلعة: إن خليت عني من قيمة ما يشتري به رفاقتي، أو حصل منك ثمن قهوة، جبرتهم على الشراء منك، فهذا لا يحل، وجبرهم لا يجوز، ولا يستحق هذا شيئا، إلا أن يكون سمسارا يمشي بينهما على العادة المعروفة، فيستحق به العادة للدلال. [إضافة أشياء إلى النجوم] وأما مسألة من يقول في الرياح: هذه هبوب الثريا، هذه هبوب التويبع، هذه هبوب الجوزاء، فهذا لا يجوز، شدد في المنع منه مالك وغيره؛ ولا يجوز إضافة هذه الأشياء إلى النجوم. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة السماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. [صلى وعلى رأسه عمامة حرير] وأما من صلى وعلى رأسه عمامة حرير، فالمشهور من مذهب الحنابلة صحة الصلاة، بخلاف ستر العورة بحرير، فإنها لا تصح، وقال بعض أهل العلم بعدم الصحة. [أهل البدع] وأما أهل البدع: فمنهم الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقاتلوه واستباحوا دماء المسلمين، وأموالهم متأولين في ذلك، وأشهر أقوالهم تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب،

стр. 208

فهم يكفرون أهل الكبائر، والمذنبين من هذه الأمة. وقد قاتلهم علي بن أبي طالب، ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ ، وصحت فيهم الأحاديث. روى مسلم منها عشرة أحاديث، وفيها الأمر بقتالهم، وأنهم شر قتلى تحت أديم السماء، وخير القتلى من قتلوه، وأنهم يقاتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان. وفي الأحاديث: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله" ١. ومن أهل البدع: الرافضة الذين يتبرؤون من أبي بكر وعمر، ويدعون موالاة أهل البيت؛ وهم أكذب الخلق وأضلهم، وأبعدهم عن موالاة أهل البيت، وعباد الله الصالحين. وزادوا في رفضهم حتى سبوا أم المؤمنين ﵂ وأكرمها-، واستباحوا شتم أصحاب رسول الله ﷺ عليه وسلمإلا نفرا يسيرا. وأضافوا إلى هذا المذهب الغالية الذين عبدوا المشايخ والأئمة وعظموهم بعبادتهم، وصرفوا لهم ما يستحقه –سبحانه- من التأله والتعظيم، والإنابة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات. وغلاتهم يرون أن عليًّا ينزل في آخر الزمان. ومنهم من يقول غلط الأمين، وكانت النبوة لعلي. وهم جهمية في باب صفات الله، زنادقة منافقون في باب أمره وشرعه. ومن أهل البدع: القدرية الذين يكذبون بالقدر، وبما سبق في أم الكتاب، وجرى به القلم، ومنهم القدرية المجبرة الذين يقولون: إن العبد مجبور، لا فعل له ولا اختيار. ومن أهل البدع: المرجئة الذين يقولون: إن

стр. 209

الإيمان هو التصديق، وإنه شيء واحد يتفاضل١.ومن أهل البدع وأكفرهم: الجهمية الذين ينكرون صفات الله التي جاء بها الكتاب والسنة، ويؤولون ذلك، كالاستواء والكلام والمجيء والنّزول والغضب والرضى، والحب والكراهة، وغير ذلك من الصفات الذاتية والفعلية. ومن أهل البدع الضالين: أصحاب الطرائق المحدثة، كالرفاعية والقادرية والبيومية، وأمثالهم كالنقشبندية، وكل من أحدث بدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة. [فاتته الجمعة وقد صلاها الإمام قبل الزوال] ومن فاتته الجمعة وقد صلاها الإمام قبل الزوال فيصليها ظهرا بعد الزوال. [صلاة الفذ ركعة خلف الصف] وأما صلاة الفذ ركعة خلف الصف فمقتضى كلام الفقهاء أنه يستأنف الصلاة، ولا يبني، ويدخل في ذلك تكبيرة الإحرام، والله أعلم.

стр. 210

الرسالة السابعة والثلاثون: [الرهن وشروطه] وله أيضا -قدس الله روحه، ونور ضريحه- في مسألة الرهن ما نصه: (حاصل ما ذكره العلماء في صحة الرهن وفساده ولزومه وعدمه) اتفقوا على أن من شرطه أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن، وذهب مالك إلى أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع البياعات إلا الصرف، ورأس مال السلم المتعلق بالذمة؛ وعنده يجوز الرهن في السلم، وفي القرض، وفي الغصب، وفي قيم المتلفات، وأرش الجنايات في الأموال، وفي الجراح التي لا قود فيها، ولا يجوز في الحدود، ولا في القصاص، ولا في الكتابة. واشترط الشافعية في الرهن ثلاثة شروط: (أحدها) : أن لا يكون دينا؛ فإن الدين لا يرهن بعين. (الثاني) : أن يكون واجبا، فلا يرهن قبل الوجوب، مثل أن يسترهنه فيما يستقرضه، ويجوز عند مالك. (الثالث) : أن لا يكون لزومه متوقعا. وأما شروط الرهن، فالمنطوق بها في الشرع ضربان: شروط الصحة، وشروط الفساد. فأما شروط الصحة فشرطان: (أحدهما) : متفق عليه في الجملة. (والثاني) مختلف في اشتراطه، أما القبض فاتفقوا في الجملة على أنه شرط في الرهن، لقول الله: ﴿فَرِهَانٌ

стр. 211

مَقْبُوضَةٌ﴾ ١، واختلفوا: هل هو شرط للتمام أو شرط للصحة؟ وفائدة الفرق أن من قال: هو شرط للصحة قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن. وقال مالك: القبض شرط لتمام الرهن، وقال: يلزم بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر إلى أنه من شروط الصحة، وعمدتهم قوله -تعالى-: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ٢.وعند مالك أن من شرط صحة الرهن: استدامة القبض، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية، أو وديعة، أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم. وقال الشافعي: ليس استدامة القبض من شرط الصحة، فمالك عمم الشرط على ظاهر ما لزم من قوله -تعالى-: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ٣، وشرط وجوب القبض: استدامته. والشافعي يقول: إذا وجد القبض فقد صح الرهن والعقد، فلا يحل ذلك بإعارته، ولا غير ذلك من التصرف؛ وقد كان الأولى بمن يشترط القبض في صحة العقد أن يشترط الاستدامة، ومن لم يشترطه في الصحة لا يشترط الاستدامة. وأما الشرط المحرم الممنوع بالنص فهو: أن يرهن الرجل رهنا على أنه إن جاءه بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له، فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ، وأنه معنى قوله ﷺ : "ولا يغلق الرهن" ٤. ومن مسائل هذا الباب المشهورة: اختلافهم في نماء الرهن المنفصل، مثل الثمرة في الشجر المرهون، ومثل الغلة، هل يدخل في الرهن أو لا؟ فذهب قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل لا يدخل شيء منه في الرهن، أعني: الذي يحدث منه في يد المرتهن، وهذا قول الشافعي. وذهب آخرون إلى أن جميع ذلك يدخل، وبه قال أبو حنيفة والثوري. وأما مالك ففرق فقال: ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقة المرهون وصورته، فإنه داخل في الرهن، كولد الجارية، وأما ما لم يكن على خلقته، فإنه لا يدخل في الرهن متولدا عنه، كثمرة النخل، أو غير متولد ككراء الدار، وخراج الغلام. انتهى ما لخصته. فتبين من هذا أن ما اعتمده القاضي حسين لنفسه من دعواه أنه أحق

стр. 212

بالثمرة من سائر الغرماء، لكونها أو أصلها رهنا له، فلا يتمشى على قول أحد من العلماء، فإن الشافعي يشترط لصحة الرهن ولزومه: القبض حال العقد، وفي واقعة القاضي المذكور لا قبض، فلا يصح الرهن ولا يلزم. وأما مالك فيصحح الرهن بالعقد، لكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض والاستدامة عنده، وهذا هو الصحيح المعتمد في مذاهب أحمد. ومذهب مالك: أن الثمرة الحادثة في يد المرتهن لا تتبع، وفي هذه القضية التي وقعت من قاضي الحريق، إنما حدثت الثمرة فيما لم يقبض، فتكون الثمرة لا يصح رهنها على قول مالك، وعلى قوله، وقول الجمهور ليس صحيحا في الأصل، ولا في الثمرة. وعلى كل حال، فهذا الرهن إما صحيح غير لازم، فيكون أسوة الغرماء، أو يكون فاسدا؛ وعلى كلا الحالين فلا يختص بشيء من ثمرة المدين، أعاذه الله من التدحمل والتدعثر، آخرها والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 213

الرسالة الثامنة والثلاثون: [رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول] وله أيضا -قدس الله روحه- رسالة إلى إبراهيم بن عبد الله بن عمار جوابا لسبع مسائل: (الأولى) : رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول. (الثانية) : عن صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون منظره غيم أو قتر. (الثالثة) : عن الرهن، هل القبض والاستدامة شرط للزوم صحته أو لا؟ (الرابعة) : عن الحكم في قطع يد السارق. (الخامسة) : عن الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه. (السادسة) : عن الوقف على الضعيف. (السابعة) : عن عاق والديه، هل عليه حد مقدر؟ فأجاب ﵀ عن مسائله بأصح عبارة، وأوجزها، وقرر في مسألة صيام يوم الشك ما عليه المحققون، وما تضمنته الأحاديث الصحيحة، بخلاف ما اعتمده المقلدون، وإن من صامه من السلف لم يوجبه، ولم يأمر به الناس، ولم يوقع بمن تركه العقوبات، كما فعله أهل الجهل والإفلاس، فإنهم في هذه الأزمان يوجبونه، ويأمرون الناس بالتزامه. ومنهم من ضرب وأجلى من نهى عن صيامه، فياليت شعري، أين وجدوا ذلك؟ وأي الكتب اعتمده أولئك؟ نعم، قد وجد في بعض الروايات الوجوب عن الأصحاب، فأين وجدوا الضرب والجلاء والسباب؟ وإذا قيل لأحدكم: قال رسول الله ﷺ قال: قال المذهب كذا، وبه قال الإمام المعظم. فيا ليت شعري كيف ساغ لهم تقليده في هذه، وغيرها من المسائل، ولم يسغ لهم تقليده ﵀ في قوله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله -تعالى- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض شيء من قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. فإذا عرفت هذا، فقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بذلك كما رواه البخاري في صحيحه، أن رسول الله لى الله عليه وسلم ال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ٢. والمقصود من هذا الكلام: إيقاع بعضهم بمن نهى عن صيامه أنواع العقوبات، وردهم أحاديث رسول الله ﷺ لبعض هذه الروايات، وهذا نص الرسالة:

стр. 214

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: إبراهيم بن عبد الله بن عمار -سلمه الله، وصرف عنا وعنه عذاب النار-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد. فوصل خط السائل، والجواب عن مسألة رفع اليدين إذا قام في التشهد الأول، فهو في هذا الموضع ثابت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر، وثابت أيضا من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عند الإمام أحمد، خرجه في المسند، وكذلك في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، وهو أصح الروايتين عند أصحاب الإمام أحمد. [صيام يوم الثلاثين من شعبان] وأما مسألة: السنة لمن صام يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال -ليلة الثلاثين- دون الهلال غم أو قتر. فالقائلون بصومه -وجوبا أو استحبابا- يجزيه عندهم إذا نواه من رمضان، والصحيح الذي عليه المحققون: أنه لا يجب صومه، ولا يؤمر به، ومن صامه من السلف لم يوجبه. والحُجَّة لمن منع صومه –مطلقا- ما في صحيح البخاري، أنه قال ﷺ "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ١ انتهى، وليس لأحد بلغته سنة رسول الله ﷺ وصح عنده الحديث أن يعدل إلى غيره لرأي أحد من الناس، كائنا من كان. أقول: وله في هذه المسألة كلام مبسوط، رد على عثمان بن منصور، أوضح فيه كلام الأئمة، وجلى غياهب الشُّبه فيه عن الأمة، فأبصروا بنور الله حقائق التحقيق ومدارك الأحكام، وانجلى عن بصائرهم ذلك القتر

стр. 215

والقتام، وذكر فيه عن الإمام أحمد سبع روايات أوردها بعض الأصحاب والصحيح منها: الاستحباب من غير شك ولا ارتياب. فراجعه إن كنت مشتاقا إلى ذلك التحقيق، واسمُ بهمتك إلى معالم ذلك المهيع والطريق. [هل القبض والاستدامة شرط للزوم صحة الرهن؟] ثم قال ﵀: وأما مسألة الرهن، فاعلم أن القبض والاستدامة شرط للزومه لا لصحته؛ فيصح ولو لم يحصل قبض ولا استدامة، لكن لو تصرف الراهن ببيع أو هبة صح ذلك، بخلاف المقبوض المستدام فلا يتصرف فيه إلا بإذن المرتهن، ولمصلحة وفائه. [قطع يد السارق] وأما السارق فلا تقطع يده إلا بإذن الإمام أو نائبه في الحكم. [الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه] وأما مسألة الطلاق في الحيض، وفي الطهر الذي جامعها فيه، فمسألة معروفة مشهورة، وجمهور أهل العلم يوقعون الطلاق فيها، ويرون أنه طلاق بدعة محرم، فاعله مستهزئ بآيات الله. [الوقف على الضعيف] وأما الوقف على الضعيف، فكثير من الناس يستعمل الضعيف بمعنى الفقير، والفقير عندهم من لا يجد كفاية، ولو بالقدرة على الكسب، والفقراء متفاوتون بعضهم أحوج من بعض، فيلزم الناظر أن يعطي كلا بحسبه. [عاق والديه هل عليه حد مقدر؟] وأما عاق والديه فليس عليه حد مقدر، لكن يعزر بقدر ما يردعه، ويردع أمثاله. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
следующие страницы →