صرفت القبلة، فنزلت هذه الآية وقال مجاهد والحسن: نزلت في الداعي يستقبل أي جهة كان، لأنهم قالوا لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١: أين ندعوه؟ قال الكلبي: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٢: فثم الله يعلم ويرى، والوجه صلة، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ﴾ ٣ أي: إلا هو. وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: فثم قبلة الله، والوجه والوجهة والجهة: القبلة، وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤، ختم هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين يشعر بما قاله الكلبي من أنه يعلم ويرى. ومن كان له أدنى شعور بعظمة الله وجلاله عرف صغر المخلوقات بأجمعها في جنب ما له -تعالى- من الصفات المقدسة، ولم يختلج في قلبه ريب ولا شك في الإيمان بهذه النصوص كلها، وعرف الجمع بينها وبين ما تقدم. فسبحان من جلت صفاته، عظمت أن يحاط بشيء منها.
[معنى قرب الله تعالى من خلقه]
وأما قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٥، فهذا القرب لا ينافي علوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وفي الحديث: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" ٦. ولا يعرف هذا من ضاق نطاقه عن الإيمان بما جاءت به الرسل، وإنما يعرفه رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين. ومن أسمائه: العلي الأعلى، ومن أسمائه: القريب المجيب، ومن أسمائه: الظاهر الباطن. وكذلك قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٧ وقد حرّف السائل هذه الآية وقال: إنه قريب، وهذا قرب خاص يدعيه، وفي الحديث: " أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد" ٨، حال السجود غاية في العبودية والخضوع، ولذلك صار له قرب خاص لا يشبهه سواه، وهذا مما يبين لك بطلان قول الجهمي: "إنه بذاته في كل مكان". ولو كان الأمر كما قال الضال لم يكن للمصلي والداعي خصوصية بالقرب، ولكان المصلي وعابد
стр. 247
الصنم سواء في القرب إليه -تعالى- الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
[معية الله لعباده وقربه منهم]
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى--: المعية نوعان: عامة، وهي: معية العلم والإحاطة، كقوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ٢، وخاصة وهي معية القرب، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٣، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥. فهذه معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ. وكلا المعيتين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة. فمع في لغة العرب للصحبة اللائقة لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة، فمن ظن شيئا من هذا فمن سوء فهمه أُتِيَ. وأما القرب: فلم يقع في القرآن إلا خاصا، وهو نوعان: قربه من داعِيهِ بالإجابة، وقربه من عابده بالإثابة، فالأول كقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٦، ولهذا نزلت جوابا للصحابة ﵃ وقد سألوا رسول الله ﷺ أربُّنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية، والثاني كقول النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل" ٧: فهذا قربه من أهل طاعته. وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁ قال: " كنا مع النبي ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: يا أيها الناس اربَعُوا على أنفسكم! فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٨ فهذا خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد.
стр. 248
وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه، واستوائه على عرشه، بل يجامعه ويلازمه؛ فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض تعالى الله علوا كبيرا، ولكنه نوع آخر. والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ويجده أقرب إليه من جليسه كما قيل:
ألا رب من يدنو ويزعم أنه ... يحبك والنائي أحب وأقرب
وأهل السنة أولياء رسول الله ﷺ وورثته وأحباؤه الذي هو عندهم أولى بهم من أنفسهم، وأحب إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه، وهم في الأقطار النائية عنه، من جيران حجرته في المدينة، والمحبون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها، هذا مع عدم تأتي القرب منها. فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء وهو مستو على عرشه؟ وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة مبطل بعيد من الله خلي من محبته ومعرفته. والقصد أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة، وكلما ازداد حبا ازداد قربا؛ فالمحبة بين قربين: قرب قبلها وقرب بعدها، وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها، ودعت إليها، ودلت عليها، ومعرفة بعدها هي من نتائجها وآثارها.
[مسألة الاشتقاق]
وأما مسألة الاشتقاق فينبغي أن يسأل هذا أولا ما معنى الاشتقاق، وما يراد به عند المحققين؟ وأنه زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها، وأن المصادر متقدمة، فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم، ومجرد القول بهذا لا يرتضى عند المحققين من أئمة الهدى. فإن عرف ذلك وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو هل مشتق من السمو أو من
стр. 249
السمة؟ ذهب البصريون إلى الأول، والكوفيون إلى الثاني. وأصله عند البصريين سمو على وزن فعل فحذفت لام الكلمة وهي الواو، ثم سكن أوله تخفيفا، ثم أتي بهمزة الوصل توصلا بالنطق بالساكن فصار "اسم"؛ وعليه فوزنه افع، ففيه إعلالات ثلاثة وهي: الحذف، ثم الإسكان، والإتيان بهمزة الوصل. وأما على مذهب الكوفيين فأصله وسم على وزن فعل حذفت فاء الكلمة، وهي الواو اعتباطا، ثم عوض عنها همزة الوصل، وعلى هذا فوزنه اعل. ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله، وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير، وعن معنى الاشتقاق في الأكبر مع المباينة في أكثر الحروف ما معناه، فإذا أجابك عن هذا فأجبه عن سؤاله، وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل؟
[الفرق بين القدر والقضاء]
وأما سؤاله عن الفرق بين القدر والقضاء، فإن القدر في الأصل مصدر قدر، ثم استعمل في التقدير الذي هو التفصيل والتبيين، واستعمل أيضا بعد الغلبة في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها. وأما القضاء فقد استعمل في الحكم الكوني بجريان الأقدار وما كتب في الكتب الأولى. وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز، ويطلق القدر أيضا على القضاء الذي هو الحكم الكوني بوقوع المقدرات، ويطلق القضاء على الحكم الديني الشرعي، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ١. ويطلق القضاء على الفراغ والتمام ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ ٢. ويطلق على نفس الفعل، قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٣. ويطلق على الإعلام والتقدم بالخبر قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيل َ﴾ ٤. ويطلق على الموت ومنه قوله: قضى فلان أي مات، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا
стр. 250
رَبُّكَ﴾ ١. ويطلق على وجود العذاب قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه كقوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ٢. ويطلق على الفصل والحكم كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٣. ويطلق على الخلق كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ٤. ويطلق على الحتم كقوله: ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ ٥. ويطلق على الأمر الديني كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٦. ويطلق على بلوغ الحاجة، ومنه: قضيت وطري، ويطلق على إلزام الخصمين بالحكم. ويطلق بمعنى الأداء كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ٧. والقضاء في الكل مصدر، واقتضى الأمر الوجوب دل عليه، والاقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة، وقولهم: لا أقضي منه العجب. قال الأصمعي: يبقى ولا ينقضي. وقال السائل: ما معنى قوله ﷺ : "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ٨، وأي شيء حقيقة البدعة، وهل يؤول الكلام أم لا؟ فإذا قلت: لا فأكثر ما تستعملونه في شرب القهوة ولبس المحارم وغيرها بدعة لا تثبت من الرسول ﷺ ولا ممن يعتبر بهم. فجوابه أن يقال: هذا السؤال دليل على جهل السائل بالرواية والدراية وباللسان العربي، فكلام هذا الضرب من الناس يكفي من هداه الله، وفي هذا بيان جهلهم وضلالهم، أما جهله بالدراية فمن وجوه: أحدها: قوله: هل يؤول الكلام أم لا؟ والتأويل في عرف هؤلاء صرف الكلام عن ظاهره، وعن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، ومن سلك هذه الطريقة في أخبار الرسول ونصوص القرآن فقد فتح على نفسه باب الإلحاد والزندقة، وليس في كلام الله وكلام رسوله ما ظاهره ومعناه الراجح
стр. 251
غير المراد، لأن الظاهر هو اللائق بحال الموصوف وبلغة المتكلم وعرفه، لا ما يظنه الأغبياء الجهال مما لا يصح نسبته إلى الله وإلى رسوله. وكذلك قوله: أكثر ما تستعملونه من شرب القهوة ولبس المحارم بدعة، وهذا من أدلة جهله وعدم معرفته للأحكام الشرعية والمقاصد النبوية، فإن الكلام في العبادات لا في العادات، والمباحث الدينية نوع، والعادات الطبيعية نوع آخر، فما اقتضته العادة من أكل وشرب ولبس ومركب ونحو ذلك ليس الكلام فيه، والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي، ولم تكن من هديه – ﷺ وهدي أصحابه. وأما ما له أصل كإرث ذوي الأرحام وجمع المصحف والزيادة في حد الشارب وقتل الزنديق ونحو ذلك، فهذا -وإن لم يفعل في وقته ﷺ فقد دل عليه الدليل الشرعي، وبهذا التعريف تنحل إشكالات طالما عرضت في المقام. وأما ما فيه من جهة اللسان العربي، فإن هل لا تقابل بأم، لأن ما يقابل بأم همزة الاستفهام كما يعلم من محله، ومنها قوله: لا تثبت من الرسول، فإن الإثبات يتعدى بعن لا بمن، وكذلك قوله: ولا ممن يعتبر بهم، فإن الاعتبار نوع والاعتداد نوع آخر فيعتد بالصالحين، وأهل العلم، والاعتبار لا يختص بهم، بل لما ذكر تعالى فعل بني النضير بأنفسهم وديارهم قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١. وذكر السائل سؤالا عن الترشيح والإطلاق أيهما أبلغ؟ وكذلك الإطلاق والتجريد، فينبغي أن يسأل عن الترشيح والإطلاق والتجريد ما يراد بهن عند أهل الفن؟ فإن عبارته تفيد عدم معرفته، إذ لا مقابلة بين الترشيح والإطلاق والتجريد في الأبلغية، فسؤاله نص ظاهر في جهله، فإن الترشيح يراد به تقوية الشبه بين المشبه والمشبه به بأن يذكر
стр. 252
ما هو من خواص المشبه به كقوله: أنشبت المنية أظفارها، فإن هذا من ذكر التقوية بما هو من خواص المشبه به وهي الأظفار، فالترشيح قوى المعنى المراد. وأما الإطلاق في الاستعارة فيقابله التقييد، والتجريد معناه أن يجرد المتكلم من نفسه مخاطبا كقول الشاعر:
[اختلاف البلاغة باختلاف الأحوال]
وأيضا فالبلاغة تختلف باختلاف الأحوال فتوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم، وحقيقتها مطابقة الكلام مقتضى الحال، فإن كان الحال يقتضي الترشيح فهو أبلغ، وإلا فلكل مقام مقال. وأما الإخبار عن الاسم بالذي فهو كثير في القرآن وغيره قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ١ فأخبر بالذي عن اسمه الشريف الذي هو أعرف المعارف، و (الذي) اسم أيضا بخلاف ما يفيده السؤال. وأما الإخبار عن اسم بأل فكقول الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته
وكذا كل فعل مضارع دخلت عليه أل. وأما الإخبار عن اسم من الأسماء بالذين فكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. وأما الإخبار بالذين فكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ٤. وأما الكل والكلي، فالكل يراد به الجميع كقوله: كل المؤمنين يدخلون الجنة، والكلي ما يقع على الأكثر والغالب كقولك: كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة. يقول جامع الرسائل: هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 253
الرسالة الحادية والأربعون: [ما جرى من مفاسد العساكر التركية]
وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي، وما حصل قبل ذلك من ظهور الإسلام وسوابغ الأيادي، بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بغير حساب ولا عذاب- فانتشرت بدعوته الملة الإسلامية، والطريقة المحمدية، واستقام الإسلام وانتشرت أعلام الجهاد، وانمحت آثار الضلالة والفساد. ولما كانت هذه المنظومة من جملة الرسائل والأجوبة على المسائل، وكانت من غرر القصائد، وبدائع الفوائد، وأشد ما يكون على الأعداء وثباتها، تعين بل وجب إثباتها. وقد أنشأها ﵀ وهو إذ ذاك في شدة مقاساة أهوال تلك الفتن، ومعاناة أثقال تلك الحوادث والمحن، وقلة من المساعد، وكثرة من المعاند والمكايد، تغدو عليه الأراجيف وتروح، وتظهر أنياب النفاق إذ ذاك وتلوح، وثم من يقود المشركين، ويؤزهم على عباد الله الموحدين. وقد ابتلي الناس مع ذلك بجور الأئمة والولاة، واستباح الأموال والدماء طغاة الحضر والبوادي العتاة، وأصبح أهل الحق ما بين معاقب مكبل في الحديد، وما بين شريد في القبائل طريد. فاشتد البلاء وأعضل البأس، وكثر الجهل وعظم الالتباس، وقلت الديانة في كثير من الناس، وساروا إلى البلاد التي هجمت عليها العساكر، وظهرت بها أنواع الفسوق والمناكر. وصار لأهل الرفض والشرك بها الصولة، وكان لهم في تلك الجهات الغلبة والدولة، وضيعت بها أحكام الشريعة المطهرة، وظهرت بها أحكام الكفرة الفجرة، فبذل الجد والاجتهاد بإرسال الرسائل والنصائح، وحذرهم أسباب الندم والفضائح، كما قد مر عليك، ويأتي -إن شاء الله- من الرسائل في التغليظ في السفر والركون إليهم بأوضح البراهين والدلائل. والمنظومة جواب أبيات وردت عليه نحوا من عشرين بيتا فقال ﵀ وعفا عنه-: ورد من بعض الأدباء ما صورته:
رسائل شوق دائم متواتره ... إلى فرع شمس الدين بدر المنابر
سلالة مجد من كرام عشائره ... يعيد بديعا من كنوز المحابر
стр. 254
ويبدي لك التوحيد شمسا منيرة ... ولكن أهل الزيغ عما لبصائر
سقيا لعهدكمو١عهد الشريعة والتقى ... وتعظيم دين الله أزكى الشعائر
مدارس وحي شرفت بأكابر ... على ملة بيضاء تبدو لسائر
فيا راكبا بلغ سلامي وتحفة ... تعزيه فيما قد مضى في العشائر
وأعظم من ذا يا خليلي كتائب ... تهدم من ربع الهدى كل عامر
ويبدو بها التعطيل والكفر والزنى ... ويعلو من التأذين صوت المزامر
فقد سامنا الأعداء في كل خطة ... وأصل من الإسلام سوم المقامر
أناخ لدينا للضلالة شيعة ... أباحوا حمى التوحيد من كل فاجر
وقابلهم بالسهل والرحب عصبة ... على أمة التوحيد أخب ث سائر
يقولون: لكنا رضينا تقية ... تعود على أموالنا والذخائر
فضحك ولهو واهتزاز وفرحة ... وألوان مأكول ونشوة ساكر
مجالس كفر لا يعاد مريضها ... يراح إليها في المسا والبواكر
ويرمون أهل الحق بالزيغ ويْحهم ... أما رهبوا سيفا لسطوة قاهر
وأما رباع العلم فهي دوارس ... تحن إلى أربابها والمذاكر
مصاب يكاد المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت هل من مثابر؟
فجد لي برد منك تبرد لوعتي ... ويحدى به في كل ركب وسامر
وتنصر خلا في هواك مباعدا ... لم تبعث به أم عامر
فأكثر أو أقلل ما لها الدهر صاحب ... سواك فقابل بالمنى والبشائر
فأجاب ﵀ بما يثلج الصدور، ويبعث الانشراح والسرور، ويحدى به في كل ركب وناد. وهذا نصه:
رسائل إخوان الصفا والعشائر ... أتتك فقابل بالمنى والبشائر
تذكرنا أيام وصل تقدمت ... وعهدا مضى للطيبين الأطاهر
ليالي كانت للسعود مطالعا ... وطائرها في الدهر أيمن طائر
стр. 255
وكان بها ربع المسرة آهلا ... تمتع في روض من العلم زاهر
وفيها الهداة العارفون بربهم ... ذوو العلم والتحقيق أهل البصائر
محابرهم تعلو بها كل سنة ... مطهرة أنعم بها من محابر
مناقبهم في كل مصر شهيرة ... رسائلهم يغدو بها كل ماهر
وفيهم من الطلاب للعلم عصبة ... إذا قيل: من للمشكلات البوادر
وفيها الحماة الناصرون لربهم ... معاقلهم شهب القنا والخناجر
وهندية قد أحسن القين صقلها ... مجربة يوم الوغى والتشاجر
ورومية خضراء قد ضم جوفها ... من الجمر ما يفري صميم الضمائر
وكانت بهم تلك الديار منيعة ... محصنة من كل خصم مقامر
غدت بهمو تلك الفتون وشتتوا ... فلست ترى إلا رسوما لزائر
وحل بهم ما حل بالناس قبلهم ... أكابر عرب أو ملوك الأكاسر
وبدل منهم أوجها لا تسرني ... قبائل يام أو شعوب الدواسر
يذكرنيهم كل وقت وساعة ... عصائب هلكى من وليد وكابر
وأرملة تبكي بشجو حنينها ... لها رنة بين الربى والمحاجر
وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... تفوز بها يوم اختلاف المصادر؟
(فصل) فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي:
ودارت على الإسلام أكبر فتنة ... وسلت سيوف البغي من كل غادر
وذلت رقاب من رجال أعزة ... وكانوا على الإسلام أهل تناصر
وأضحى بنو الإسلام في كل مأزق ... تزورهمو غرث السباع الضوامر
وهتك ستر للحرائر جهرة ... بأيدي غواة من بواد وحاضر
وجاؤوا من الفحشاء ما لا يعده ...
لبيب ولا يحصيه نظم لشاعر
стр. 256
وبات الأيامى في الشتاء سواغبا ... يبكين أزواجا وخير العشائر
وجاءت غواش يشهد النص أنها ... بما كسبت أيدي الغواة الغوادر
وجر زعيم القوم للترك دولة ... على ملة الإسلام فعل المكابر
ووازره في رأيه كل جاهل ... يروح ويغدو آثما غير شاكر
وآخر يبتاع الضلالة بالهدى ... ويختال في ثوب من الكبر وافر
وثالثهم لا يعبأ الدهر بالتي ... تبيد من الإسلام عزم المذاكر
ولكنه يهوى ويعمل للهوى ... ويصبح في بحر من الريب غامر
وقد جاءهم فيما مضى خير ناصح ... إمام هدى يبني رفيع المفاخر
وينقذهم من قعر ظلما مضلة ... لسالكها حر اللظى والمساعر
ويخبرهم أن اللامة في التي ... عليها خيار الصحب من كل شاكر
فلما أتاهم نصر ذي العرش واحتوى ... أكابرهم كنْز اللهى والذخائر
سعوا جهدهم في هدم ماقد بنى لهم ... مشايخهم واستنصحوا كل داغر
وساروا لأهل الشرك واستسلموا لهم ... وجاؤوا بهم مع كل إفك وساحر
ومذ أرسلوها أرسلوها ذميمة ... تهدم من ربع الهدى كل عامر
وباؤوا من الخسران بالصفة التي ... يبوء بها من دهره كل خاسر
وصار لأهل الرفض والشرك صولة ... وقام بهم سوق الردى والمناكر
وعاد لديهم للواط وللخنى ... معاهد يغدو نحوها كل فاجر
وشُتت شمل الدين وانبت حبله ... وصار مضاعا بين شر العساكر
وأذن بالناقوس والطبل أهلها ... ولم يرض بالتوحيد حزب المزامر
وأصبح أهل الحق بين معاقب ... وبين طريد في القبائل طائر
فقل للغوي المستجير بظلمهم ...
ستحشر يوم الدين بين الأصاغر
стр. 257
ويكشف للمرتاب أي بضاعة ... أضاع وهل ينجو مجير أم عامر؟
ويعلم يوم الجمع أي جناية ... جناها وما يلقاه من مكر ماكر
فيا أمة ضلت سبيل نبيها ... وآثاره يوم اقتحام الكبائر
يعز بكم دين الصليب وآله ... وأنتم بهم ما بين راض وآمر
وتهجر آيات الهدى ومصاحف ... ويحكم بالقانون وسط الدساكر
هوت بكمو نحو الجحيم هوادة ... ولذات عيش ناعم غير شاكر
سيبدو لكم من مالك الملك غير ما ... تظنون إن لاقى مزير المقابر
يقول لكم ماذا فعلتم بأمة ... على ناهج مثل النجوم الزواهر
سللتم سيوف البغي فيهم وعطلت ... مساجدهم من كل داع وذاكر
وواليتمو أهل الجحيم سفاهة ... وكنتم بدين الله أول كافر
نسيتم لنا عهدا أتاكم رسولنا ... به صارخا فوق الذرى والمنابر
فسل ساكن الأحساء هل أنت مؤمن ... بهذا وما يحوي صحيح الدفاتر؟
وهل نافع للمجرمين اعتذارهم ... إذا دار يوم الجمع سوء الدوائر؟
وقال الشقي المفتري: كنت كارها ... ضعيفا مضاعا بين تلك العساكر
أماني تلقاها لكل متبر ... حقيقتها نبذ الهدى والشعائر
تعود سرابا بعدما كان لامعا ... لكل جهول في المهامه حائر
فإن شئت أن تحظى بكل فضيلة ... وتظهر في ثوب من المجد باهر
وتدنو من الجبار ﷻ ... إلى غاية فوق العلى والمظاهر
فهاجر إلى رب البرية طالبا ... رضاه وراغم بالهدى كل جائر
стр. 258
وجانب سبيل العادلين بربهم ... ذوي الشرك والتعطيل من كل غادر
وبادر إلى رفع الشكاية ضارعا ... إلى كاشف البلوى عليم السرائر
وكابد إلى أن تبلغ النفس عذرها ... وترفع من ثوب من العفو ساتر
ولا تيأسن من صنع ربك إنه ... مجيب وإن الله أقرب ناصر
ألم تر أن الله يبدي بلطفه ... ويعقب بعد العسر يسرا لصابر؟
وأن الديار الهامدات يمدها ... بوبل من الوسمي هام وماطر
فتصبح في رغد من العيش ناعم ... وتهتز في ثوب من الحسن فاخر
الرسالة الثانية والأربعون: [حكم نهب الأعراب]
وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى عبد الله بن محمد بن عتيق، وقد سأله عن نهائب الأعراب، فأجابه ﵀ بما ستقف عليه، وذكر ﵀ أن من التزم الأحكام في التحليل والتحريم، وتحاشى من الاعتداء إلا على من اعتدى عليه، أنه لا يعجبه أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه. فإذا عدمت هذه الأمور في بادية من البوادي قحطان أو غيرهم أو وجدت، فالحكم بحاله في جواز شرائه أو عدمه على الاستحباب، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ عبد الله بن محمد بن عتيق -سلمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد: فأحمد إليك الله على نعمه. والخط وصل وما ذكرت من السؤال، فالذي جاءكم مع الخشل هو مما نهبوا من مال قحطان، ولا يخفاكم أن كثيرا
стр. 259
من قحطان يلتزم الأحكام في التحليل والتحريم ويتحاشى من الاعتداء عليه، ولا يعجبني أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه. وأما نهائب الأعراب التي لا يعرف حال أهلها، فلبعض أهل العلم كلام في جواز شرائها وتملكها، وأما استحباب اجتناب ذلك، فهو طريقة جمهور أهل العلم، وصلى الله على محمد.
الرسالة الثالثة والأربعون: [بيان مضار الفتنة ومفاسد العسكر]
وله أيضا ﵀ منظومة أنشأها لما اشتدت الكربة، واستحكمت الغربة، وقل المعاون والمساعد، وكثر المخالف والمعاند، ودهمت فوادح معضلات الحوادث، وهجمت بكلاكلها الخطوب الأثائث، التي تشيب من أهوالها النواصي، وتعجز عن حمل أعبائها الجبال الرواسي. فأول ذلك الفتنة التي وقعت بين المسلمين، وانثل بها عرش الملة والدين، وانهدم بها سور الإسلام، وصار الأمر بأيدي البوادي الطغام، فانفجرت ذات البين، وانكشفت العورة لأهل الكفر والمين، فعند ذلك فدحت المعضلات العظام، وانهدمت أصول الدين والإسلام، وانطمست المعالم والأحكام، فقدمت العساكر إلى البلاد الإسلامية، فانكسفت شمس الرسالة المحمدية، وافتتن كثير من جهلة الناس، بفتوى من ينتسب إلى العلم من أهل الجهل والإفلاس، بأن تلك العساكر التي هجمت على بلاد أهل الإسلام، إنما جاؤوا لنصرة ذلك الإمام، فأنشأ هذه المنظومة من حرارة الجوى، وخوفا على الناس من سلوك مفاوز التوى، وأساء على من هلك بشبه المشبهين، وتمويهات الأئمة المضلين، ويذكر مآثر أهل الإسلام، الذين استجابوا لله ورسوله بدعوة شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما كانوا عليه من المعتقد وحسن السيرة، وخلوص الطوية والسريرة، ويحذر من طريقة أقوام إنما نشؤوا في ظل عافية الإسلام، ولم يعرفوا ما عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والأصنام، والذرائع المفضية إلى الدخول في ولاية من حادّ الله ورسوله وموالاتهم، والرضى بأحكامهم وقوانينهم، وقد
стр. 260
حملت إليهم الأثقال، ورحلت الرواحل، واستفاء بظلهم من آثر العاجل وغمض الطرف عن الآجل، فكم هلك بسببهم من هلك، وانتظم في سلكهم من شك في دينه وارتبك، فنعوذ بالله من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
وإذا أردت ترى مصارع من توى ... ممن تربص وارتضى بهوان ١
وتروم مصداق الذي قد قاله ... شيخ الوجود العالم الرباني
فاستقرئ الأخبار ممن جاءهم ... ماذا رأوا من أمة الكفران
نبذوا الكتاب وراءهم واستبدلوا ... عن ذاك بالقانون ذي الطغيان ٢
وعن الأذان استبدلوا من زيغهم ... بالبوق تشريعا من الشيطان ٣
وكذا مسبة ربنا سبحانه ... والجعل للأنداد للرحمان
وكذاك شرب المسكرات مع الزنى ... وكذا اللواط وسائر النكران
وكذلك الأرفاض قام شعارهم ... بل أظهروا كفرانهم بأمان
هل يرتضي بالمكث بين ظهورهم ... عبد يشم روائح الإيمان؟
والله ما يرضى بهذا مؤمن ... أنى يكون وليس في الإمكان
حاش الذي ما اسطاع يوما هجرة ... أو مظهر للدين ذا تبيان
لكنما المقصود من لم يرفعوا ... رأسا بما قد جاء في القرآن
أو صح في الأخبار عن خير الورى ... والصحب والأتباع بالإحسان
ورضوا ولاية دولة قد عارضت ... أحكامه بزبالة الأذهان
وضعوا قوانينا تخالف وحيه ... واستبدلوا الإيمان بالكفران ٤
стр. 261
فسل المقيم بظلهم وحماهمو ... هل أنكروا ما فيه من طغيان؟
أو زايلوا أصحابه أو قاطعوا ... أخدانهم من كل ذي خسران
لكنهم قد آثروا الدنيا على الأ ... خرى فياسحقا لذي العصيان
بل ليتهم كفوا عن استجلابهم ... من غاب من صحب ومن إخوان
بل صح عن بعض الملا تسفيههم ... أحلام أهل الحق والإيمان
تبا لهاتيك العقول وما رأت ... واستحسنت من طاعة الشيطان
وقد قال الشيخ ﵀ فيما تقدم من الرسائل: إن الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك والكفر، يظهر الرفض ودين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية، ويرفع فيها شعارهم، ويهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التكبير والتسبيح والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان، فالإقامة بين ظهرانيهم -والحالة هذه- لا تصدر عن قلب باشرته حقيقة الإسلام والإيمان والدين، وعرف ما يحب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا. ثم إنه ﵀ بذل الوسع بكتب الرسائل والنصائح، والتحذير عن أسباب الندم والفضائح، والمنظومة المشار إليها من كلامه -رحمه الله تعالى- مسودة ولم أجدها تامة، وهذا نص الموجود منها. قال ﵀ وعفا عنه-
دع عنك ذكر منازل ومغان ... بدور أنس قد بدت وغوان
وجؤزرا في روضة يشدو بها ... صوت النديم وشادن فتان
لا تصغ للعشاق سمعك إنما ... منادمهم بين البرية عان
والعشق داء قاتل ودواؤه ...
في السنة المثلى عن الأعيان
стр. 262
قطع الوسائل والذرائع والتي ... بين الورى أحبولة الشيطان
واقرأ كتاب الله إن رمت الهدى ... أو رمت ترقى ذروة الإحسان
واعكف بقلبك في آرائك روضة ... مملوءة بالعلم والإيمان
وانظر إلى تركيبه واعمل به ... إن كنت ذا بصر بهذا الشان
هذا ولا ينجيك طب في التي ... ترجو بغير مشيئة الرحمن
فاسأله في غسق الليالي والدجى ... يا دائم المعروف والسلطان
وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... عند ازدحام عساكر الشيطان
أشكو إليك حوادثا أنزلتها ... فتركتني متواصل الأحزان
من لي سواك يكون عند شدائدي ... إن أنت لم تكلأ فمن يكلاني
لولا رجاؤك والذي عودتني ... من حسن صنعك لاستطير جناني
واذكر مآثر أقوام قد انتدبوا ١ ... يوما لنصر الدين بالإحسان
من صالحي الإخوان أعلام الهدى ... من أطدوا التوحيد ذا الأركان
قامت بهم أركان شرعة أحمد ... وعلت سيوف الحق والإيمان
وغدا الزمان بذكرهم متبسما ... يبدي سنا للطالب الولهان
سارت بهم أبناء مجد في الورى ... يغشي سناها عابد الأوثان
قد جددوا للدين أوضح منهج ... يبدي ضيا للسالك الحيران
حتى علا في عهدهم شأن الهدى ... وانقض ركن الشرك في الأديان
أما العقائد إن ترد تحقيقها ... عنهم بلا شك ولا كتمان
إن الإله مقدس سبحانه ... رب عظيم جل عن حدثان
حقا على عرش السماء قد استوى ... ويرى ويسمع فوق ست ثمان
стр. 263
يعطي ويمنع من يشاء بحكمة ... في كل يوم ربنا ذو شان
خضعت لعزة وجهه وجلاله ... حقا وجوه الخلق والأكوان
بل كل معبود سواه فباطل ... من دون عرش للثرى التحتاني
فاحذر توالي في حياتك غيره ... من كل معبود ومن شيطان
واحذر طريقة أقوام قد افتتنوا ١ ... في حب أدنى أو خسيس فان
واقطع علائق حبها وطِلابها ... إذ قطعوا فيها عرى الإيمان
لهفي عليهم لهفة من واله ... متوجعا من قلة الأعوان
قد صاده المقدور بين معاشر ... في غفلة عن نصرة الرحمن
واستبدلوا بعد الهدى طرق الهوى ... لما عموا عن واضح البرهان
واقطع علائق حبهم في ذاته ... لا في هواك ونخوة الشيطان
واهجر مجالس غيهم إذ قطعوا ... فيها عرى التوحيد والإيمان
لا سيما لما ارتضاهم جاهل ... ذو قدرة في الناس مع سلطان
لما بدا جيش الضلالة هادما ... ربع الهدى وشرائع الإحسان
قوم سكارى لا يفيق نديمهم ... أبد الزمان يعود بالخسران
قوم تراهم مهطعين لمجلس ... فيه الشقاء وكل كفر دان
بل فيه قانون النصارى حاكما ... من دون نص جاء في القرآن
بل كل أحكام له قد عطلت ... حتى النِّدا بين الورى بأذان
ويرون أحكام النبي وصحبه ... في شرعه من جملة الهذيان
ويرون قتل القائمين بدينه ... في زعمهم من أفضل القربان
والفسق عندهمو فأمر سائغ ... يلهو به الأشياخ كالشبان
стр. 264
المنع في قانونهم وطريقهم ... غصب اللواط كذاك والنسوان
فانظر إلى أنهار كفر فجرت ... قد صادمت لشريعة الرحمن
بل لا يزال لجريها بين الورى ... من هالك متجاهل خوان
والله لولا الله ناصر دينه ... لتفصمت فينا عرى الإيمان
فالله يجزي من سعى في سدها ... من أمة التوحيد والقران
والله يعطي من يشاء بفضلة ... فوق الجنان عطية الرضوان
وكذا يجازي من سعي في رفعها ... ماقد أعد لصاحب الكفران
يارب وأحكم بيننا في عصبة ... شدوا ركائبهم الى الشيطان
سلوا سيوف البغى من أغمادها ... وسعوا بها في ذلة وهوان
وأستبدلوا بعد الراسة والهدى ... بالقدح في صحب وفي اخوان
صرفوا نصوص الوحي عن أوضعها ... وسعوا بها في زمرة العميان
فتحوا الذرايع والوسائل للتي ... يهوى هواها عابدوالصلبان
وسعوا بها في كل مجلس جاهل ... أو مشرك او أقلف نصراني
وقضوا بأن السير نحو يارهم ... في كل وقت جائز بأمان
لم يفقهوا معنى النصوص ولم يعوا ... ما قال أهل العلم والعرفان
ماوافق الحكم المحل ولا هو است ... وفى الشروط فصار رذا بطلان
فادرأ بها في نحرهم تلقي الهدى ... وارجمهموا بثواقب الشهبان
وأقعد لهم في كل مقعد فرصة ... وأكشف نوابغ جهلهم بيان
حتى يعود الحق أبلج واضحاًَ ... يبدو سنا للسالك الحيران
وقضوا بأن العهد باق للذي ... ولى الولاية شيعة الشيطان
تبالهم من معشر قد اشربوا ...
حب الخلاف ورشوة السلطان
стр. 265
وقضوا له بالجزم أن متابه ... قدهد ما اعلى من البنيان
وطلابة للامر والحرب الوبي ... فعلى طريق العفو والغفران
هذا آخر ما وجد منها، فرحمه الله وعفا عنه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الرسالة الرابعة والأربعون: [الظهار وتعليقه بالمشيئة]
وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى الشيخ عبد الرحمن بن عدوان ﵀، وقد سأله عن قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي إلا أن يشاء الله. فأجابه ﵀ بما عليه أهل التحقيق في هذه المسألة، وبين له أن الواجب على المفتي والقاضي أن يتبصر، ويتعقل معاني الألفاظ والتراكيب قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد الرحمن بن عدوان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) : فاعلم أن قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي إلا أن يشاء الله، إن فعلت كذا وكذا، ظهار لا يمنع وجوب الكفارة ما ذكره من الاستثناء بغير خلاف. وقول بعضهم إنما فيه كفارة كاليمين بالله والظهار لا يحنث إن استثنى فيه، وقال: إن شاء الله، محله إذا رجع الاستثناء إلى الفعل أو الترك لا على نفس اليمين. قال ابن مفلح ﵀ في هذا المبحث: وكلامهم يقتضي أن رده – أي الاستثناء – إلى يمينه لم ينفعه لوقوعها ولتبين مشيئة الله، وبه احتج الموقع في: أنت طالق إن شاء الله.
стр. 266
وقال أبو يعلى الصغير في اليمين بالله ومشيئة الله: وتحقيق مذهبنا أنها تقف على إيجاد فعل أو ترك، فالمشيئة معلقة على الفعل، فإذا وجد تبينا أن الله شاءه وإلا فلا، وفي الطلاق المشيئة انطبقت على اللفظ بحكمه الموضوع، وهو الوقوع. انتهى. وقال شيخ الإسلام: الاستثناء إذا رجع إلى فعل أو ترك محلوف عليه، إنما يفيد أن الفعل المعلق أو الترك لا يتعين فعله لتعليقه لأن الجزاء إذا وقع لا كفارة فيه. وقال –﵀: الاستثناء إنما يقع لما علق به الفعل، فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوها لا تعلق على مشيئة الله بعد وجود أسبابها، فإنها واجبة بوجوب أسبابها، فإذا انعقدت أسبابها فقد شاء الله تعالى، وإنما يعلق على المشيئة الحوادث قد يشاؤها الله، وقد لا يشاؤها، وقال في هذا المبحث أيضا: المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه، والمعنى إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله. فإذا لم يفعله لم يكن قد شاءه فلا يكون ملتزما له، وإلا فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد إني حالف إن شاء الله أن أكون حالفا، كان معنى هذا معنى الاستثناء في الاستثناءات كالطلاق والعتاق، وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه، وأيضا، فإنها بفعل المحلوف عليه يتبين إن شاء الله فوقع ما علق عليه، ومن فقه هذا عرف معنى كلام الفقهاء. وأما المراد بالاستثناء المانع من الحث والواجب على المفتي والقاضي أن يتبصر ويتعقل معاني الألفاظ والتراكيب قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها وما أحسن ما قيل:
ما لم يفد نظرا وحسن تبصر ... والعلم ليس بنافع أربابه
стр. 267
وأيضا، فإن الظاهر في مثل هذه الصورة لا يقبل منه دعوى الاستثناء لو كان راجعا إلى الفعل إلا ببينة عادلة، لأن الظهار ثبت بشهادة الغير فلا بد من شاهد على الاستثناء. ثم لو سلمنا أنه ثبت بإقراره أو من جهته، فدعواه الاستثناء لا تقبل أيضا لأنها له وإقراره بالظهار عليه. وفي الحديث: "لو يعطى الناس بدعواهم" ١ الحديث، وقال شيخ الإسلام: والتحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدع. (قال جامع الكتاب:) هذا آخر ما وجدت من هذه الرسالة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الرسالة الخامسة والأربعون: [التحريض على لزوم الجماعة]
وله أيضا -قدس الله روحه وعفا عنه- رسالة إلى سالم بن سلطان أمير الشارقة من ساحل عمان يحرضه على لزوم الجماعة، والانحياز إلى المسلمين، وترك المفارقة ونبذ الطاعة، وذلك بعدما حصل الخلل في المسلمين بسبب الفتنة التي بين آل سعود ومقتل تركي بن أحمد السدير أمير آل سعود في عمان، فخرج عزان الإباضي فاستولى على ممالك المسلمين التي بتلك الجهات إلا ما كان من سالم بن سلطان؛ فإنه لم ينزع يدا من طاعة، ولم يفارق الجماعة، فكتب له الشيخ يحضه على الثبات والانحياز إلى المسلمين، وعدم الدخول تحت طاعة عزان الإباضي ومن ساعده من الجهمية والمشركين، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف إلى الأمير المكرم سالم بن سلطان -سلمه الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وبلغنا خبر
стр. 268
الفتنة التي حصلت عندكم من عزان ومن اتبعه ممن استزلهم الشيطان، وبلغنا أنك لم تشهد هذا المشهد ولم تحضر ما جرى في ذلك العهد، وسرنا هذا لأنا نحب لكم ما جرى عليه أسلافكم من الانحياز إلى المسلمين، ولزوم الجماعة، وترك المفارقة، ونبذ الطاعة، فالله سبحانه يبتلي العبد على حسب إيمانه ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فعليكم بالجد والاجتهاد فيما يحفظ الله به عليكم الإيمان والتوحيد، وينجيكم من الركون إلى أهل الكفر والإشراك والتنديد. قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥ فتأمل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٦، فإن هذا الحرف وهو "إن" الشرطية تقتضي نفي شرطها إذا انتفى جوابها، ومعناه أن من اتخذهم أولياء فليس بمؤمن. فعليكم بتقوى الله ولزوم طاعته والعمل لوجهه، واحذروا أن يضيع الإسلام لديكم، أو يلتبس الحق عليكم: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا
стр. 269
السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١. نسأل الله لنا ولكم الثبات في الأمر والاستقامة على الرشد وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن لا ينْزع عنا ما من به علينا من الإيمان والتوحيد بعدما تفضل علينا وأعطانا، وقد وعد الله عباده المؤمنين وحزبه المفلحين بالنصر والظفر وحسن العاقبة قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٤. وقد كتبنا هذا تذكرة، ولم يبلغنا عنك في فتنة عزان ما يوجب اتهامك، ولكن أحببنا الموعظة، والتذكرة والواصل إليك ولدنا علي بن سليم بتدبير الإمام بتذكير أهل الإسلام وحثهم على الثبات، والتمسك بدين الله الذي ارتضاه لنفسه، واختار القدوم عليكم لأنكم أخص، والله الموفق الهادي وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 270
الرسالة السادسة والأربعون: [بيان خطبة الشيخ عبد اللطيف في الفتنة بين سعود وأخيه]
وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق في شأن الفتنة الواقعة بين آل سعود، وكيف كان أول هذه الفتنة وآخرها، وقد تقدم نظيرها إلى أهل الحوطة، ولكن هذه أبسط. فصّل الشيخ ﵀ فيها ما عنده وشرحه كأن الشيخ حمد قد كتب إليه بما عنده في ذلك وأوضحه، وقد حثه فيها –﵀ على بذل الجد والاجتهاد في تحريض الناس على جهاد أعداء الله ورسوله الذين قلعوا أصول الدين والإسلام، وهدموا قواعده العظام، وطمسوا منه المنار والأعلام، وعطلوا الأحكام الشرعية وأظهروا القوانين الإفرنجية. وهذه وظيفة العلماء قديما وحديثا يتواصون بالنصح لعباد الله وردهم إليه تحضيضا وحثا، وليس من شأنهم السكوت، وتمشية الحال على أي حال كما هي حال من لا غيرة له على دين الله من أئمة الجهل والضلال، الذين يرون أن الكف لهم أسلم وأن هذا الرأي أحكم، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم حمد بن عتيق، سلمه الله تعالى ونصر به شرعه ودينه، وثبت إيمانه ويقينه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على حلو نعمه، ومر بلوائه وبديع حكمه. والخط وصل، وما ذكرت صار معلوما، وكتبت لك خطا أولا على نشر النصائح، وكتب الرسائل لأني استعظمت ما فعل سعود من خروجه على الأمة وإمامها، يضرب برها وفاجرها إلا من أطاعه وانتظم في سلكه، و (عبد الله) له بيعة وله ولاية شرعية في الجملة. ثم بعد ذلك بدا لي
стр. 271
منه أنه كاتب الدولة الكافرة الفاجرة، واستنصرها واستجلبها على ديار المسلمين فصار كما قيل:
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
فخاطبته شفاها بالإنكار والبراءة، وأغلظت له بالقول أن هذا هو هدم لأصول الإسلام، وهدم لقواعده، وفيه، وفيه، وفيه مما لا يحضرني تفصيله الآن؛ فأظهر التوبة والندم وأكثر الاستغفار، وكتبت على لسانه لوالي بغداد أن الله قد أغنى ويسر وانقاد لنا من أهل نجد والبوادي ما يحصل به المقصود -إن شاء الله-، ولا حاجة لنا بعساكر الدولة، وكلام من هذا الجنس. وأرسل الخط فيما أرى، وتبرأ مما جرى، فاشتبه علي أمره وتعارضا عندي موجب إمامته ومبيح خلعه، حتى نزل سعود بمن معه من أشرار نجد وفجارها ومنافقيها، فعثا في الأرض بسفك الدماء، وقطع الثمار وإخافة الأرامل والمحصنات، وانتهاك حرمة اليتامى والأيامى. هذا وأخوه منحصر في شعب الحائر، وقد ظهر عجزه واشتهر، وأهل البلد معهم من الخوف ومحبة المسارعة إليه ما قد عرف. فرأيت من المتعين على مثلي الأخذ على يد أهل البلاد، والنّزول إلى هذا الرجل والتوثق منه ودفع صولته، حقنا لدماء المسلمين، وصيانة لعوراتهم ونسائهم، وحماية لأموالهم وأعراضهم. وكان لم يعهد لي شيئا، ولكن الأمر إذا لم يدرك كان الرأي فيه أصوبه وأكمله وأعمه نفعا. فلما واجهت سعودا وخاطبته فيما يصلح الحال بينه وبين أخيه اشترط شروطا ثقالا على أخيه، ولم يتفق الحال، فصارت الهمة فيما يدفع الفتنة، ويجمع الكلمة، ويلم الشعث ويستدرك البقية، وخشيت من عنوة على البلدة يبقى عارها، بعد سفك دمائهم ونهب أموالها، والسفاح
стр. 272
بنسائها لما رأيت أسباب ذلك متوفرة، وقد رفع الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة، وخرج عرفاؤه والمعروفون من رجالها فبايعوا سعودا بعدما أعطاهم على دمائهم وأموالهم محسنهم ومسيئهم عهد الله وأمانه عهدا مغلظا؛ فعند ذلك كتبت إليك الخط الثاني بما رأيت من ترك التفرق والاختلاف ولزوم الجماعة. وبعد ذلك أتانا النبأ الفادح الجليل، والخطب الموجع العظيم، الذي طمس أعلام الإسلام، ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام، في تلك البلاد التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك واستيلائهم على الحسا والقطيف يقدمهم طاغيتهم داود بن جرجيس، داعيا إلى الشرك بالله وعبادة إبليس؛ فانقادت لهم تلك البلاد، وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال ولا نزال، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك برب العالمين، وشاعت مسبة أهل التوحيد والدين، وفشا اللواط والمسكر والخبث المبين، ولم ينتطح في ذلك شاتان، لما أوحاه وزينه الشيطان، من أن القوم أنصار لعبد الله بن فيصل. فقبل هذه الحيلة من آثر الحياة الدنيا وزينتها، على الإيمان بالله ورسله وكف النفس عن هلاكها وشقاوتها. وبعضهم يظن أن هذه الحيلة لها تأثير في الحكم لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. بل بلغني أن بعض من يدعي طلب العلم يحتج بقول شاذ مطرح، وهو أن لولي الأمر أن يستعين بالمشرك عند الحاجة، ولم يدر هذا القائل أن هذا القول يحتج قائله بمرسل ضعيف مدفوع بالأحاديث المرفوعة الصحيحة، وأن قائله اشترط أن لا يكون للمشركين رأي في أمر المسلمين ولا سلطان، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ
стр. 273
لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ١. فكيف بما هو أعظم من ذلك وأطم من الانسلاخ الكلي، والخدمة الظاهرة لأهل الشرك. إذا عرفت هذا عرفت شيئا من جناية الفتن، وأن منها قلع قواعد الإسلام، ومحو أثره بالكلية. وعرفت حينئذ أن هذه الفتنة من أعظم ما طرق أهل نجد في الإسلام، وأنها شبيهة بأول فتنة وقعت فيه، فالله الله في الجد والاجتهاد، وبذل الوسع والطاقة في جهاد أعداء الله وأعداء رسله قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ٢، إلى أمثال ذلك في القرآن يعرفها الخبير بهذا الشأن. هذا ما عندي في هذه الحادثة قد شرحته وبسطته كما ذكرت لي ما عندك. وأسأل الله أن يهديني وإياك إلى صراطه المستقيم، وأن يمُنّ علينا وعليك بمخالفة أصحاب الجحيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الرسالة السابعة والأربعون: [الحث على الجهاد]
وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق أيضا يحضه على الغلظة في معاداة من والى المشركين، وركن إليهم أو سافر إلى بلادهم، وشهد كفرياتهم ومبارزتهم لرب العالمين، لأن بعضا ممن ينتسب إلى العلم والدين ما كبر همه بهذه القضية، ولا عرف المصيبة والرزية، وبعضا أنكر وتبرأ لكن مع الهُوَينا ولين الجانب، وهذا لا يستقيم معه إسلام بل هو للهدي النبوي مجانب، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم الشيخ حمد بن عتيق -سلمه الله تعالى وفرج له من كل هم وضيق.
стр. 274
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: أوصيك بتقوى الله، والصدق في معاملته، ونصر دينه والتوكل عليه في ذلك، وأكثر الناس استنكروا الإنكار على من والى عساكر المشركين وركن إليهم وراح إلى بلادهم، وشهد كفرياتهم ومبارزتهم لرب العالمين، بالقبائح والكفريات المتعددة. هذا مع قرب العهد بدعوة شيخنا، والقراءة في تصانيفه ورسائله وأصوله، وهذا مما يستبين به ميل النفوس إلى الباطل ومسارعتهم إليه ومحبتهم له، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ١، ويبلغنا عنك ما يسر، ولكننا نرجو لنا ولك فوق ذلك مظهرا، وبعض الإخوان ما كبر همه بهذه القضية، ولا اشتد إنكاره ولا ظهر منه غضب لله ولا حمية لدينه، وأنفة من ذهاب الإسلام وهدم قواعده. وإن أنكر بعضهم وذم ذلك، وتبرأ منه لكنه مع الهُوَينا في ذلك ولين الجانب ومحبته للأغراض وعدم البحث. وأظن الشيطان قد بلغ مراده منهم في ذلك، واكتفى به لما فيه من الغرض ولعلمه بغائلته وغايته، وأن الدين لا يستقيم معه قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ ٢ أي: بالقرآن. وللشيطان وأعوانه غرض في المداهنة لأنها وسيلة إلى السلم، ووضع الحرب بين الطائفتين قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ٣ شعرا:
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم تُدْم ناقتهم بسيف قدار
فعليك بالجد والحذر من خدع الشيطان. جعلنا الله وإياك من أنصار السنة والقرآن. ثم قال -رحمه الله تعالى-: ولا تدخر حض أهل الأفلاج، وحثهم على جهاد هذه الطائفة الكافرة. وأهل نجد كادهم الشيطان وبلغ مبلغا عظيما
стр. 275
وصل بهم إلى عدم الوحشة من أكفر خلق الله، فأضلهم عن سواء السبيل الذين جمعوا بين الشرك في الإلهية والشرك في الربوبية وتعطيل صفات الله، ومعهم جملة من عساكر الإنكليز، المعطلة لنفس وجود الباري القائلين بالطبائع والعلل وقدم العالم وأبديته، وبلغنا أنهم كتبوا خطوط الجهات بنجد مضمونها: إنا مسلمون نشهد أن لا إله إلا الله ونحو هذا الكلام، وبسطوا القول في أمر الدولة والترهيب منهم والترغيب فيهم. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الله قد استخلفكم في الأرض بعد ذلك القرن الصالح لينظر كيف تعملون، فاحذر أن تلقاه مداهنا في دينه، أو مقصرا في جهاد أعدائه، وفي النصح له ولكتابه ولرسوله، واجعل أكثر درسك في هذا، ولو اقتصدت في التعليم، والقلوبُ أوعية يعطى كل وعاء بحسبه. (يقول جامع الرسائل:) وقد اختصر هذه الرسالة من نقلها لنا، فقال: هذا منقول، وما بعده من كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ وعفا عنه-. ثم قال الناقل: قال ﵀: وأما مسألة دعوى المودع انتقال الوديعة إليه بالبيع فهذا مما لا يقبل قوله فيه، بل حكمه حكم سائر المودعين، وكلام الفقهاء صريح في أنه لا يقبل قوله مطلقا، بل فيه مسائل مخصوصة بعضهم اكتفى بعدها عن حدها، وما عداها فهو باق على أصله. وقد أشار بعضهم إلى ذلك في الكلام على قبول قول الأمين في المضاربة وغيرها من مسائل هذا الباب، وعموم قولهم في باب الدعاوي والبينات داخل فيه ما لم ينص على استثنائه. وإن وقفت على كلام
стр. 276
خاص في هذه المسألة رفعته إليك إن شاء الله، وذكر ابن رجب في شرح الأربعين في شرح حديث: "لو يعطى الناس بدعواهم" ١ شيئا من تعريف المدعي، فراجعه إن شئت. وأما الفرق بين الفلاسفة الإلهيين والفلاسفة المشائين فذكر شارح رسالة ابن زيدون أن المشائين أفلاطون ومن اتبعه؛ وأنهم أول من قال بالطبائع، وتكلم فيها وأمر بالرياضة والمشي لمعاونة قوة الطبيعة، وتحليل ما يضادها من الأخلاط، وأمر بالمشي والرياضة عند المذاكرة في مسائل الطبيعة فسموا مشائين لهذا. وأما الإلهيون فهم قدماؤهم من أهل النظر والكلام في الأفلاك العلوية وحركاتها، وما يزعمونه وينتحلونه من إفاضتها وتأثيرها، وفي اللغة إطلاق الإله على المدبر والمؤثر كما يطلق على المعبود، وقد عرفت أن جمهورهم وقدماءهم ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، ومذهبهم أكفر المذاهب وأبطلها وأضلها عن سواء السبيل ٢، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 277
الرسالة الثامنة والأربعون: [الحث على الدعوة إلى الله ونشر العلم بين الناس]
وله أيضا – قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق أيضا يحضه على الدعوة إلى الله، وبث العلم ونشره في الناس خصوصا التحذير عن موالاة أعداء الله ورسله، والحث على جهادهم واستنقاذ بلاد المسلمين من أيديهم، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم الشيخ حمد بن عتيق، سلمه الله تعالى ووفقه للصبر واليقين، ورزقه الهداية بأمره والإمامة في الدين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وأسأله الثبات على دينه الذي رغِب عنه الجاهلون، ونكب عنه المبطلون. والخط وصل وسرني ما فيه من الإخبار عن عافيتكم وسلامتكم والحمد لله على ذلك. وما ذكرته صار معلوما، لا سيما ما أشرت إليه من حال الجاهلين، وخوضهم في مسائل العلم والدين، وليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا. قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ١. والواجب على من يرزقه الله علما وحكمة أن يبثه في الناس، وينشره لعل الله أن ينفع به، ويهدي على يديه من أدركته السعادة وسبقت له الحسنى. واعلم أن الإمام سعودا قد عزم على الغزو والجهاد كتبت لك خطا فيه الإلزام بوصول الوادي وحث من فيه من المسلمين
стр. 278
على الجهاد في سبيل الله، واستنقاذ بلاد المسلمين من أيدي أعداء الله المشركين. وقد بلغك ما صار من صاحب بريدة وخروجه عن طاعة المسلمين، ودخوله تحت طاعة أعداء رب العالمين، ونبذ الإسلام وراء ظهره. كذلك حال البوادي والأعراب استخفهم الشيطان، فأطاعوه وتركوا ما كانوا عليه من الانتساب إلى الإسلام. فتوكل على الله واحتسب خطواتك وكلماتك وحركاتك وسكناتك، وشمِّر عن ساعد جدك واجتهادك، فقد اشتد الكرب، وتفاقم الهول والخطب والله المستعان. وقد عرفت القراء في زمانك وأن أكثرهم قد راغ روغان الثعالب، فلا يؤمن على مثل هذه المقاصد والمطالب، والله سبحانه المسؤول المرجو الإجابة أن يمن علينا وعليك بالتوفيق والتسديد، وأن ينفع بك الإسلام والتوحيد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
يا سعد إنا لنرجو أن تكون لنا ... سعدا ومرعاك للزوار سعدانا
وأن يضر بك الرحمن طائفة ... ولت وينصر من بالخير والانا
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 279
الرسالة التاسعة والأربعون: [غربة الدين وقلة الأنصار]
وله أيضا ﵀ رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق أيضا، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم الشيخ حمد بن عتيق، أمده الله بالتسديد والتوفيق، وأذاقه حلاوة الإيمان والتحقيق. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل مع الغزو، وما ذكرت صار معلوما، وأرجو أن الله يسدد أمر ولي المسلمين، ويمُنّ عليه بمعرفة هذا الدين، والرغبة فيه، واتباع ما منّ الله به من الهدى الذي جاءت به رسله. وأكثر الناس ما رغبوا في هذا ولا رفعوا به رأسا، ونشكو إلى الله ما نحن فيه من غربة الدين وقلة الأنصار وما ذكرت من جهة ... ١ وأنك ترى العفو والصفح، فاعلم أن الحق في ذلك لله، والواجب على المسلم تغيير المنكر بحسب الاستطاعة، وليس له العفو والصفح إلا في حق نفسه؛ وما ورد من النصوص في الصفح عن أعداء الله إنما هو في الآي المكية، وقد صرح القرآن بنسخه وجاءت السنة ببيان ذلك، ولم يرد في الآيات المدنية الأمر بالصفح عن المشركين وأعداء الدين، بل جاء الأمر بجهادهم والغلظة عليهم في غير موضع، وجاء الأمر بإعلان الإنكار على المجاهر من الفساق ولو كان مسلما، ومن جاهر بالمعاصي ونصرة
стр. 280
أولياء المشركين فلا حرمة لعرضه، ولا يشرع الستر عليه بترك الإنكار، وفي قصة حاطب ما يدلك على هذا، وهو صحابي بدري، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ١. وقد ذكر ابن القيم طرَفا من الفروق في كتاب الروح، فينبغي مراجعته ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومثلك يقتدى به، وقد نفع الله بإنكارك وشدتك على أهل الزيغ، فلا ينبغي العدول إلى خيال لا يعرج عليه؛ وقد عرفت حال أهل وقتك من طلبة العلم، وأنهم ما بين مجاهر بإنكار الحق قد لبس عليه أمر دينه، أو مداهن مع هؤلاء ومع هؤلاء، غاية قصده سلوكه مع الناس وإرضاؤهم، أو ساكت معرض عن نصرة الحق ونصرة الباطل يرى الكف أسلم، وأن هذا الرأي أحكم. هذا حال فقهاء زمانك فقُل لي: من يقوم بنصر الحق وبيانه وكشف الشبه عنه ونصرته إذا رأيت السكوت والصفح كما في البيتين اللذين في الخط؟ فينبغي النظر في زيادة قيد في تلك الأبيات لئلا يتوجه الإيراد، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 281
الرسالة الخمسون: [جواب عن سؤال في حديث جابر بن عبد الله والدين الذي كان عليه لليهودي]
وله أيضا ﵀ وعفا عنه- رسالة إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي المحمل، وقد سأله عن حديث جابر بن عبد الله لما توفي أبوه، وعليه ثلاثون وسقا لرجل من اليهود، وفي الحديث: "فجاء رسول الله ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى" ١. قال السائل: وظاهر هذا إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس، وهذا ممنوع شرعا فأجابه ﵀، وذكر تراجم الأئمة، وتعددها بحسب ما تضمن من الفقه، وأن قول السائل: وهو ممنوع شرعا عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهي خطأ منه في التعبير وغفلة، وقد بين الشيخ فسادها في نفسها، وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن -سلمه الله تعالى وهداه- آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل -وصل الله حبلك وأعلا مجدك- وما ذكرته قد علم، وحديث جابر حديث صحيح مشهور خرجه الجماعة، وترجم له تراجم متعددة بحسب ما تضمن من الفقه. قال البخاري: باب إذا قاصه وجازفه في الدَّين تمرا بتمر وغيره، وذكره وقال: باب: إذا قضى دون حقه فهو جائز، وكذلك أهل السنن وسياقهم متقارب. وقال البخاري في باب المقاصة والمجازفة: قال وهب بن كيسان: إن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وَسْقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن يُنظِره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه
стр. 282
وسلم وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النخل فمشى فيه، ثم قال لجابر: "جُذَّ له فأوف له الذي له" ١، فجذه بعدما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وَسْقا، وفضلت له سبعة عشر، فجاء جابر إلى رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان فوجده يصلي العصر فلما انصرف أخبره بالفضل فقال: " أخبر بذلك ابن الخطاب" ٢. فجاء جابر إلى عمر فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ َليبارَكنّ فيها، وقبل هذا قال ﵀: باب: إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله: فأتيت النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي. إذا عُرِف هذا بطل قول السائل: وظاهر هذا إباحة بيع المجهول بالمعلوم في الجنس، فلا جهالة والحالة هذه لأن الحديث صريح في أن ثمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بُورِك فيه لما مشى فيه رسول الله ﷺ . وقول السائل: وهو ممنوع شرعا، عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله؟ وأيضا فهي فاسدة في نفسها، فإن الاعتياض بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير رِبا الفضل إذا حصل التراضي، لأن للمدِين أن يزيد، و "خيركم أحسنكم قضاء" ولرب الدَّين أن يضع من دينه ما شاء، وفي حديث كعب: "ضع الشطر" ٣ وأن تمنع هذه المسألة لما فيه ضرر وغرر من المبايعات والمعاملات. هذا ما ظهر لي، وهو المعروف من القواعد الشرعية فانتبه -لازالت قريحتك وقّادة زكية- وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 283
الرسالة الحادية والخمسون: [استعمال الماضي موضع المضارع]
وله أيضا ﵀ رسالة أيضا إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن هذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن بن يحيى -سلمه الله تعالى ورزقه الفقه في الدين-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه، والخط وصل يوم ركوبنا، ولا كتبت جوابه إلا بعد تثويرتنا، وأما الأول فلم ألتفت إلى جوابه لما كنت بصدده من الاشتغال بالحج. إذا عرفت هذا، فاعلم أن المسألة الأولى التي هي استعمال الماضي موضع المضارع لهم وجهان: أحدهما: أن في استعمال الصيغة الماضية بدل المضارعية تنبيها، وإشارة إلى تحقيق النفي في الحال والاستقبال كتحقيق مضي الماضي من الأفعال والأحوال وذلك باستعارة ما وضع للماضي لما قصد به الحال والاستقبال تقوية وتأكيدا لمضمون الجملة المنفية، وذلك شائع في لسانهم، وفي التنْزيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ١،: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ والمعنى يأتي ويقول، ومنه استعمال المضارع بدل الماضي إشارة إلى التجدد والاستمرار شيئا فشيئا فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ٢،: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ٣،: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ ٤، والمعنى: قد علمنا، ومنه قول الأعشى:
وأرى من عصاك أصبح محرو ... با وكعب الذي يطيعك عال
وقد أسبي الفتاة فتعصي ... كل واشٍ يريد جزم حبال
стр. 284
يريد رأيت وأسبيت (والوجه الثاني) : أن الكلمة إن دلت على معنى في نفسها واقترنت بزمان ففعل، فإن كان الزمان الذي دلت عليه ماضيا، فالفعل ماض، وإن كان للحال والاستقبال، فالفعل مضارع، وإن كان مستقبلا فقط، فالفعل أمر كما هو مقرر في موضعه فلو عبر بالمضارع، وقال: لا ألبس ممتثلا لاحتمل أنه قصد النفي في الحال فقط أو فيما يستقبل فقط، لأن ذلك جرى في لسانهم ومنه: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ١، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ٢ واحتمل وقوع استثناء يعقبه، فلما عبر بالماضي (زال) الاحتمال وانقطع التوقع. وقصد المعنى الأصلي وهو النفي في الماضي لا يتوهم، لأن النفي في الحال والاستقبال تقول: لا لبست، لا ضربت، لا ظلمت قاصدا الحال والاستقبال بخلاف، ما ضربت، ما لبست، فإنها للنفي في الماضي.
[معنى النفي في قولهم: لا قتلت الميت]
وأما المسألة الثانية وهي قولك: ما معنى النفي في قولهم: لا قتلت الميت؟ فالذي في الحلف بالطلاق وتعلقه بالمستحيل: لأقتلن، بلام التوكيد الموطئة للقسم، والفعل بعدها مؤكد بنون التوكيد الثقيلة ولا نفي فيها، فتنبه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 285
الرسالة الثانية والخمسون: إخلاص العبادة لله
وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع، وقد راسله عبد الرحمن، وسأله عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه من المعاداة والموالاة، وعن كيفية طلب العلم للمبتدي وما يكون سببا لتحصيله؟ فأجابه –﵀ على سؤاله على طريق الإيجاز والإجمال؛ إذ التفصيل يستدعي طولا؛ فبين له ﵀ الأصول والقواعد، وأرشده إلى تلك المعارف والمقاصد، التي تندرج فيها كل عبادة، وينال بها من رام أسباب نجاته ما أمّله وأراده، وبين له حقيقة الموالاة والمعاداة، التي هي على العباد من أوجب الواجبات، مع أنها قد سفت عليها السوافي فانمحت آثارها، وهجم ليل الأهواء بكلاكله لما أفَلت أقمارها، فيا له من جواب ما أجزله على إيجازه واختصاره! وما أعظم فائدته لمن ألقى السمع وأصغى بقلبه وأفكاره! وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد الرحمن بن محمد بن جربوع، سلمه الله تعالى، وسلك به السبيل المشروع. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالخط وصل وصلك الله ما يرضيه، وتغتبط في خطك بنعمة الإسلام، ومعرفة التوحيد في هذا الزمان، زادك الله اغتباطا، وأوزعك شكر هذه النعم التي أنعم بها علينا وعليكم، ووفقنا للعمل الصالح الذي يرضاه، وتسأل عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه من المعاداة والموالاة، وكيفية طلب العلم للمبتدي، وما يكون سببا لتحصيله؛ فمعرفة التفاصيل تتوقف على معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. فالدين كله توحيد، لأن التوحيد إفراد الله بالعبادة وأن