← Фатава

Фатава · id 11379

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الثالث)

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (452 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية الرسالة الأولى [الإنكار على من كفر المسلمين بغير ما أجمع عليه الفقهاء] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى عبد العزيز الخطيب. سلام على عباد الله الصالحين. وبعد: فقرأت رسالتك، وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار، ولكن أسأت في قولك: إن ما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم أنه لم يصدر منكم، وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع يجادلونك، وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور، وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبا على سبيل القدح في العقيدة، والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى. فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى، وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة، وكفّرا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم، يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها. قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت ١، ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى

стр. 2

تركوا رد السلام، فرفع إلي أمرهم؛ فأحضرتهم وهددتهم، وأغلظت لهم القول. فزعموا أولا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم؛ فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية. وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها، وما يوجب الردة ويقتضيها، وينصون على الشرك الأكبر. وقد أفرد ابن حجر ١ هذه المسألة بكتاب سماه (الإعلام بقواطع الإسلام) . وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة؛ وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين، بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور ٢.وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا

стр. 3

العلماء من ذوي الألباب. ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب. والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها وأعرض عنها وعن تفاصيلها؛ فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله، يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم القرآن. قال ابن القيم في كافيته - رحمه الله تعالى-: فعليك بالتفصيل والتبيين فالإ ... طلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأ ... ذهان والآراء كل زمان وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليهم تحكيم أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام. فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية وعمرا، وتوليتهما وقد قال –تعالى -: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ ١ وضربت المدة بينكم وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت براءة. وطال بينهما النّزاع والخصام، حتى أغاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي؛ فحينئذ شمر –﵁ لقتالهم، وقتلهم دون النهروان بعد الإعذار والإنذار، والتمس المخدج المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن، فوجده علي فسرّ بذلك،

стр. 4

وسجد لله شكرا على توفيقه، وقال: لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل، هذا وهم أكثر الناس عبادة وصلاة وصوما. [فصل في مراتب الإيمان والكفر والنفاق والمعاصي] ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية. وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة، قال –تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١ الآية، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.وكذلك اسم المؤمن، والبر، والتقي يراد بها عند الإطلاق والثناء غير المعنى المراد في مقام الأمر والنهي، ألا ترى أن الزاني، والسارق، والشارب يدخلون في عموم قوله –تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ٣، وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ٤ الآية، وقوله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ٥، ولا يدخلون في مثل قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٦، وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ٧ الآية. وهذا هو الذي أوجب للسلف ترك تسمية الفاسق باسم الإيمان والبر.

стр. 5

وفي الحديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها وهو مؤمن " ١، وقوله " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه " ٢ ٣. لكن نفي الإيمان هذا لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإسلام، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله. وهذا هو الذي فهمه السلف، وقرروه في باب الرد على الخوارج والمرجئة ونحوهم من أهل الأهواء، فافهم هذا فإنه مضلة أفهام، ومزلة أقدام. وأما إلحاق الوعيد المرتب على بعض الذنوب والكبائر، فقد يمنع منه مانع في حق المعين كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة في الدور الثلاثة. وكذلك لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار، وإن أطلقوا الوعيد كما أطلقه القرآن والسنة، فهم يفرقون بين العام المطلق، والخاص المقيد، وكان عبد الله (حمار) ٤ يشرب الخمر فأتى به رسول الله ﷺ ، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتي به إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله " ٥ مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه. [قصة حاطب وآيات سورة الممتحنة في موالاة المشركين] وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه أنه " كتب بسر رسول

стр. 6

الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم بشأن رسول الله ﷺ ومسيره لجهادهم ليتخذ بذلك يدا عندهم يحمي أهله وماله بمكة. فنَزل الوحي بخبره. وكان قد أعطى الكتاب ظعينة جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله ﷺ عليا والزبير في طلب الظعينة، وأخبر أنهما يجدانها في روضة خاخ. فكان ذلك، فتهدداها حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله ﷺ . فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال له: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله إني لم أكفر بعد إيمان، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد أحمي بها أهلي ومالي، فقال – ﷺ : صدقكم خلوا سبيله. واستأذن عمر في قتله فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ الآيات، فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل؛ لكن قوله " صدقكم خلوا سبيله " ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنا بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي. ولو كفر لما قيل: " خلوا سبيله ". لا يقال قوله ﷺ لعمر: " وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ٢ هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه.

стр. 7

فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله –تعالى -: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ ١، وقوله –تعالى-: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع؛ فلا يظن هذا. وأما قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٣، وقوله ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤، وقوله–تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥، فقد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل الموالاة هو الحب والنصرة والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وغيره. وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن، ولهذا قال الحسن ﵁: من العجمة أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار: واحتج ابن عبيد أن هذا وعد، والله لا يخلف وعده، يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود، فقال له ابن العلاء: من العجمة أتيت، هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال بعض الأئمة فيما نقل البخاري، أو غيره: إن من سعادة الأعجمي والأعرابي إذا أسلما أن يوفقا لصاحب سنة، وإن من شقاوتهما أن يمتحنا

стр. 8

وييسرا لصاحب هوى وبدعة. ونضرب لك مثلا هو أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله أحدهما خارجي، والآخر مرجئ، قال الخارجي: إن قوله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١ دليل على حبوط أعمال العصاة والفجار وبطلانها، إذ لا قائل إنهم من عباد الله المتقين. قال المرجئ: هي في الشرك فكل من اتقى الشرك يقبل عمله لقوله –تعالى-: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٢.قال الخارجي: قوله –تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ٣ يرد ما ذهبت إليه. قال المرجئ: المعصية هنا الشرك بالله واتخاذ الأنداد معه لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤.قال الخارجي: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً﴾ ٥ دليل على أن الفساق من أهل النار الخالدين فيها. قال له المرجئ في آخر الآية: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ٦ دليل على أن المراد من كذب الله ورسوله، والفاسق من أهل القبلة مؤمن كامل الإيمان. ومن وقف على هذه المناظرة من جهال الطلبة والأعاجم ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ، مع أن كلا القولين لا يرتضى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى، وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله لأن الرجوع إلى السنة المبينة للناس ما نزل إليهم. وأما أهل البدع والأهواء فيستغنون عنها بآرائهم وأهوائهم وأذواقهم. وقد بلغني أنكم تأولتم قوله –تعالى-: في سورة محمد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ ٧ على بعض ما يجري من أمراء الوقت من مكاتبة، أو مصالحة، أو هدنة لبعض رؤساء الضالين، والملوك المشركين

стр. 9

ولم تنظروا لأول الآية وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ ١، ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة، ولا المراد من الأمر بالمعروف المذكور في قوله –تعالى- في هذه الآية الكريمة وفي قصة صلح الحديبية، وما طلبه المشركون، واشترطوه، وأجابهم إليه رسول الله ﷺ ما يكفي في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم. فصل [في أصول لا بد من بيانها] [السنة هي المبينة للأحكام القرآنية] وهنا أصول: (أحدها) أن السنة والأحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله في باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والظالم والتقي، وما يراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود، كما أنها المبينة لما يراد من الأمر بالصلاة على الوجه المراد في عددها وأركانها وشروطها وواجباتها. وكذلك الزكاة فإنه لم يظهر المراد من الآيات الموجبة، ومعرفة النصاب والأجناس التي تجب فيها من الأنعام والثمار والنقود، ووقت الوجوب واشتراط الحول في بعضها، ومقدار ما يجب في النصاب وصفته إلا ببيان السنة وتفسيرها. وكذلك الصوم والحج جاءت السنة ببيانهما وحدودهما وشروطهما ومفسداتهما، ونحو ذلك مما توقف بيانه على السنة. وكذلك أبواب الربا وجنسه ونوعه، وما يجري فيه وما لا يجري، والفرق بينه وبين البيع الشرعي. وكل هذا البيان أخذ عن رسول الله ﷺ برواية الثقات العدول عن مثلهم إلى أن تنتهي السنة إلى رسول الله ﷺ . فمن أهمل هذا

стр. 10

وأضاعه فقد سد على نفسه باب العلم والإيمان ومعرفة معاني التنْزيل والقرآن. بيان شعب الإيمان (الأصل الثاني) : إن الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيمانا، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فمنها ما يزول الإيمان بزواله إجماعا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا كترك إماطة الأذى عن الطريق. وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب؛ والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالف للنصوص، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. وكذلك الكفر أيضا ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام. وفرق بين من ترك الصلاة والزكاة والصيام، وأشرك بالله أو استهان بالمصحف، وبين من سرق، أو زنى، أو شرب، أو انتهب، أو صدر منه نوع من موالاة ١ كما جرى لحاطب، فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، وسوى بين شعب الكفر في ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء. [الإيمان مركب من قول وعمل] (الأصل الثالث) : إن الإيمان مركب من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو اعتقاده، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب وهو قصده واختياره ومحبته ورضاه وتصديقه، وعمل الجوارح كالصلاة والزكاة والحج والجهاد ونحو ذلك من الأعمال

стр. 11

الظاهرة. فإذا زال تصديق القلب ورضاه ومحبته لله وصدقه زال الإيمان بالكلية، وإذا زال شيء من الأعمال كالصلاة والحج والجهاد مع بقاء تصديق القلب وقبوله فهذا محل خلاف. هل يزول الإيمان بالكلية إذا ترك أحد الأركان الإسلامية كالصلاة والحج والزكاة والصيام أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة وغيرها أو لا يفرق؟ وأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب الذي هو محبته ورضاه وانقياده. والمرجئة تقول يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنا. والخلاف – في أعمال الجوارح هل يكفر أو لا يكفر - واقع بين أهل السنة، والمعروف عند السلف تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية كالصلاة والزكاة والصيام والحج. والقول الثاني: إنه لا يكفر إلا من جحدها. والثالث: الفرق بين الصلاة وغيرها. وهذه الأقوال معروفة. وكذلك المعاصي والذنوب التي هي فعل المحظورات فرقوا فيها بين ما يصادم أصل الإسلام وينافيه وما دون ذلك، وبين ما سماه الشارع كفرا وما لم يسمه. هذا ما عليه أهل الأثر المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها. [أنواع الكفر والشرك والنفاق] (الأصل الرابع) : إن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته -وحده لا شريك له-، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد،

стр. 12

وكذلك قوله: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ١ ٢، وقوله: " من أتى كاهنا فصدقه، أو أتى امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٣ ٤. فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، وإن كان الكل يطلق عليه الكفر. وقد سمى الله –سبحانه- من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه مؤمنا بما عمل به، وكافرا بما ترك العمل به، قال –تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ٥ إلى قوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٦ الآية، فأخبر –سبحانه- أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه؛ وهذا يدل على تصديقهم به. وأخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقا آخر، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفر بما أخذ عليهم. ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي. وفي الحديث الصحيح: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ٧ فرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به، والآخر كفر، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي؛ وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.

стр. 13

وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسألة إلا عنهم. والمتأخرون لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقا أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فأولئك غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل. فهاهنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، فعن ابن عباس في قول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ قال: ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه سفيان وعبد الرزاق، وفي رواية أخرى كفر لا ينقل عن الملة، وعن عطاء كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وهذا بيِّن في القرآن لمن تأمله؛ فإن الله –سبحانه- سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرا، وسمى الكافر ظالما في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.وسمى من يتعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ٣، وقال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤، وقال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ ٥، وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ٦، وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم. وسمى الكافر فاسقا في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ ٧، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ ٨، وسمى العاصي فاسقا في قوله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٩، وقال في الذين يرمون المحصنات: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١٠، وقال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ

стр. 14

فِي الْحَجِّ﴾ ١، وليس الفسوق كالفسوق ٢.وكذلك الشرك شركان شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الأصغر كشرك الرياء، وقال –تعالى- في الشرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣، وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ ٤ الآية. وقال في شرك الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٥، وفي الحديث: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ٦، ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله ﷺ : " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل " ٧.فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها. وكذلك النفاق نفاقان نفاق اعتقاد ونفاق عمل، ونفاق الاعتقاد مذكور في القرآن في غير موضع أوجب لهم –تعالى- به الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل جاء في قوله ﷺ : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان " ٨، وكقوله ﷺ : " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب،

стр. 15

وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف " ١ ٢. قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم ٣؛ فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد لم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا. [إتيان الإنسان شعبة من شعب الإيمان أو الكفر] (الأصل الخامس) : أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه أن يسمى عالما، أو طبيبا، أو فقيها، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر كما في الحديث: " ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت " ٤ ٥، وحديث " من حلف بغير الله فقد كفر " ٦ ٧، ولكنه لا يستحق اسم الكافر على الإطلاق. فمن عرف هذا عرف فقه السلف، وعمق علومهم وقلة تكلفهم، قال ابن مسعود: من كان متأسيا فليأتس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه؛ فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم، وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين لا يبالي بأيهما ظفر: إحداهما الغلو ومجاوزة الحد والإفراط، والثانية: هي الإعراض والترك والتفريط. قال ابن القيم لما ذكر

стр. 16

شيئا من مكائد الشيطان: قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر، وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل في هذين الواديين، وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. وعد ﵀ كثيرا من هذا النوع إلى أن قال: وقصر بقوم حتى قالوا إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلا عن أبي بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة. هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة العظيمة المنافع، القاضية بالبراهين والدلائل القواطع، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 17

(يقول جامع الكتاب) الرسالة الثانية: [التحرج عن رمي من ظاهره الإسلام بالكفر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى الابن المكرم النجيب إبراهيم بن عبد الملك، سلمه الله ورحم أباه، وزينه بزينة خاصته وأوليائه، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، والخط قد وصل، وقد سألت فيه عن خمس مسائل: (أولاها) : قولك: إنه قد وقع من بعض الإخوان تكفير من أحب انتصار آل شامر على المسلمين، وفرح بذبحهم، هل له مستند في ذلك أم لا؟ (الإنكار على من كفر أناسا شمتوا بانتصار أعداء الوهابية عليهم) الجواب: إني لا أعلم مستندا لهذا القول، والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام من غير مستند شرعي، ولا برهان مرضي، يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة. وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال، ومن عدم الخشية والتقوى فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال، والفرح بمثل هذه القضية قد يكون له أسباب متعددة لا سيما وقد كثر الهرج، وخاضت الأمة في الأموال والدماء، واشتد الكرب والبلاء، وخفي الحق والهدى، وفشا الجهل والهوى، وكثر الخوض والردى، وغلب الطغيان والعمى، وقل المتمسك بالكتاب والسنة، بل قل من يعرفهما،

стр. 18

ويدري حدود ما أنزل الله من الأحكام الشرعية، كالإسلام والإيمان والكفر والشرك والنفاق ونحوهما. وقد جاء في الحديث: " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " ١ ٢.فإطلاق القول بالتكفير والحالة هذه دليل على جهل المكفر وعدم علمه بمدارك الأحكام، وتأول أهل العلم ما ورد من إطلاق الكفر على بعض المعاصي كما في حديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ٣ ٤، وحديث: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ٥ ٦، وحديث: " لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ٧ ٨؛ فهذا ونحوه تأولوه على أنه كفر عملي ليس كالكفر الاعتقادي الذي ينقل عن الملة كما جزم به العلامة ابن القيم ﵀ وغيره من المحققين. هذا مع أنه باشره عمل، وفرح، وأطلق عليه الشارع هذا الوصف فكيف بمجرد الفرح. وذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: أمِرُّوا هذه النصوص كما جاءت، ولا تعرضوا لتفسيرها. وقد ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية أن السلف متفقون على عدم تكفير البغاة، فكيف بمجرد الفرح، وقد قابل هذا الصنف من الإخوان قوم كفروا أهل العارض، أو جمهورهم في هذه الفتنة، واشتهر عن بعضهم أنه تلا عند سماع وقعة آل شامر قوله –تعالى-: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾

стр. 19

١.وعللوا بأشياء متعددة من فرح، ومكاتبة، وموالاة، وغير ذلك؛ والفريقان ليس لهم لسان صدق، ولا هدى ولا كتاب منير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا بد للمتكلم في هذه المباحث ونحوها أن يكون معه أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت وإلا فيقع في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات. وأطال الكلام في الفرق بين المتأول والمتعمد، ومن قامت عليه الحجة وزالت عنه الشبهة، والمخطئ الذي التبس عليه الأمر، وخفي عليه الحكم. وقرر مذهب علي بن أبي طالب في عدم تكفير الخوارج المقاتلين له المكفرين له ولعثمان، ولمن والاهما ﵄، ونقل قول علي ﵁ لما سئل عن الخوارج أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. وقوله: إن لكم علينا أن لا نقاتلكم حتى تبدؤونا بالقتال، ولا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم حقا هو لكم في مال الله. ومع هذا هم مصرحون بتكفيره، مقاتلون له، مستحلون لدمه، فكيف بمجرد الفرح؟ وقد ذكر في الزواجر أن الفرح بمثل هذه المعاصي من المحرمات ولم يقل: إنه كفر. ثم اعلم أن الفتنة في هذا الزمان بالبادية والبغاة، وبالعساكر الطغاة، فتنة عمياء صماء، عم شرها، وطار شررها، ووصل لهيبها إلى العذارى في خدورهن، والعواتق وسط بيوتهن، ولم يتخلص منها إلا من سبقت له الحسنى، وكان له نصيب وافر من نور الوحي والنور الأول يوم خلق الله الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، وما أعز من يعرف هذا الصنف، بل ما أعز من لا يعاديهم ويرميهم بالعظائم؟ وأكثر الناس كما وصفهم علي بن أبي طالب –﵁ فيما رواه كميل بن زياد: لم يستضيئوا بنور

стр. 20

العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، ومجرد الانتساب إلى الإيمان والإخوان والتزيي بزي أهل العلم والإيمان، مع فقد الحقيقة لا يجدي. والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدار فصل في حظر الإقامة حيث يهان الإسلام ويعظم الكفر (المسألة الثانية) : فيمن يجيء من الأحساء بعد استيلاء هذه الطائفة الكافرة على أهل الأحساء ممن يقيم فيه للتكسب، أو للتجارة، ولا اتخذه وطنا، وإن بعضهم يكره هذه الطائفة، ويبغضها يعلم منه ذلك، وبعضهم يرى ذلك، ولكن يعتقد أنه حصل به راحة للناس وعدم ظلم وتعد على الحضر إلى آخر ما ذكرت. (فالجواب) : أن الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك والكفر، ويظهر الرفض ودين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والألوهية، ويرفع فيها شعارهم، ويهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان، فالإقامة بين ظهرانيهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين؛ بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا؛ فإن الرضى بهذه الأصول قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه، والانحياز إلى أوليائه ما يوجب البراءة

стр. 21

كل البراءة، والتباعد كل التباعد عمن تلك نحلته وذلك دينه؛ بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة لا يجامع هذه المنكرات كما علم من تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان. وفي قصة إسلام جرير بن عبد الله أنه قال: " يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تفارق المشركين " خرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام، وقد عرف من آية سورة براءة أن قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي، بل فاعله فاسق لا يهديه الله كما هو نص الآية؛ والفسوق إذا أطلق ولم يقترن بغيره فأمره شديد، ووعيده أشد وعيد. وأي خير يبقى مع مشاهدة تلك المنكرات، والسكوت عليها وإظهار الطاعة والانقياد لأوامر من هذا دينه وتلك نحلته، والتقرب إليهم بالبشاشة والزيارة والهدايا، والتنوق في المآكل والمشارب؟ وإن زعم أن له غرضا من الأغراض الدنيوية، فذلك لا يزيده إلا مقتا، كما لا يخفى على من له أدنى ممارسة للعلوم الشرعية، واستئناس بالأصول الإسلامية؛ وقد جاء القرآن العظيم بالوعيد الشديد، والتهديد الأكيد، على مجرد ترك الهجرة، كما في آية سورة النساء١.وقد ذكر المفسرون هناك ما به الكفاية والشفاء، وتكلم عليه شيخنا محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأفاد وأوفى، ودعوى التقية لا تفيد مع القدرة على الهجرة؛ ولذلك لم يستثن الله إلا المستضعفين من الأصناف الثلاثة. وقد ذكر علماؤنا تحريم الإقامة

стр. 22

والقدوم إلى بلد يعجز فيها عن إظهار دينه؛ والمقيم للتجارة والتكسب والمستوطن حكمهم وما يقال فيهم حكم المستوطن لا فرق. وأما دعوى البغض والكراهة مع التلبس بتلك الفضائح فذلك لا يكفي في النجاة، ولله حكم وشرع وفرائض وراء ذلك كله. إذا تبين هذا فالأقسام مشتركون في التحريم متفاوتون في العقوبة قال –تعالى-: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ١، وأخبث هؤلاء وأجهلهم من قال: إنه حصل بهم للناس راحة وعدم ظلم وتعد على الحضر، وهذا الصنف أضل القوم وأعماهم عن الهدى، وأشدهم محادة لله ورسوله ولأهل الإيمان والتقى، لأنه لم يعرف الراحة التي حصلت بالرسل، وبما جاؤوا به في الدنيا والآخرة، ولم يؤمن بها الإيمان النافع. والمسلم يعرف الراحة كل الراحة والعدل كل العدل، واللذة كل اللذة في الإيمان بالله ورسوله، والقيام بما أنزل الله من الكتاب والحكمة، وإخلاص الدين له وجهاد أعدائه وأعداء رسله، وأنه باب من أبواب الجنة يحصل به النعيم والفرح واللذة في الدور الثلاث، قال –تعالى-: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٢ الآية. ولو علم هذا المتكلم أن الشرك أظلم الظلم، وأكبر الكبائر، وأقبح الفساد وأفحشه لكان له منه مندوحة عن مثل هذا الجهل الموبق، قال –تعالى-: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ٣، وقال –تعالى-: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٤.فجعل الخسار كله بحذافيره في أهل هذه الخصال الثلاث كما يفيد الضمير المقحم

стр. 23

بين المبتدأ والخبر وقال تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ١، فهذا الفساد المشار إليه في هذه الآيات الكريمات هو الفساد الحاصل بالكفر والشرك وترك الجهاد في سبيل الله، واتخاذ أعداء الله أولياء من دون المؤمنين. وبالجملة فمن عرف غول هذا الكلام أعني قول بعضهم: إنه حصل بهم راحة للناس وعدم ظلم وتعد على الحضر، تبين له ما فيه من المحادة والمشاقة لما جاءت به الرسل، وعرف أن قائله ليس من الكفر ببعيد. والواجب على مثلك أن يجاهدهم بآيات الله ويخوفهم من الله وانتقامه، ويدعو إلى دينه وكتابه، والهجر مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ونكاية لأرباب الجرائم؛ وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والله المستعان. [حكم تصرف الوالد في مال ولده الصغير مقيد بالمصلحة] (وأما المسألة الثالثة) : هل للوالد أن يتصرف في مال ولده الصغير بما ليس فيه مصلحة، أم هو أسوة غيره من الأولياء ليس له النظر إلا فيما فيه مصلحة؟ (والجواب) : إن الواجب على كل من كانت له ولاية أن يتقي الله فيها، ويصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، وفي الحديث: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ٢؛ بل يحرم على المكلف إضاعة مال نفسه وإنفاقه في غير مصلحة، وهو من الإسراف إلا أن الوالد ليس كغيره في العزل ورفع اليد إذا ثبت رشده.

стр. 24

(تملك الوالد مال ولده وشرطه) (وأما المسألة الرابعة) : هل للوالد أن يتملك جميع مال ولده الصغير أو بعض ماله الذي يضر به، أم حكم الصغير حكم الكبير يعتبر للتملك من مال الصغير ما يعتبر للتملك من مال الكبير؟ وهل يفرق بين الغني والفقير أم الحكم واحد؟ (فالجواب) : أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، صغيرا كان الولد أو كبيرا، غنيا كان الأب أو فقيرا، بشروط ستة مقررة في محلها: (منها) : أن لا يضر بالولد ضررا يلحقه في الحاجات الضروريات كتملك سريته ونحو ذلك، وأن لا يكون في مرض موت أحدهما، وأن لا يعطيه ولدا آخر، وأن لا يكون عينا موجودة. وله الرجوع في الهبة إذا كانت عينا باقية في ملك الابن لم يتعلق بها حق أجنبي ولا رغبة كمداينة الأجنبي، وأن لا تزيد زيادة متصلة، وعنه الرجوع فيما زاد زيادة متصلة كالمنفصلة، وليس من جنس النماء كما توهمه السائل بل ذاك من التصرفات في الهبة. وقد نص فقهاؤنا على أن كل تصرف لابن لا يمنعه من التصرف في العين ليس بمانع للأب من الرجوع في هبته والتصرف فيها، والنقص الحاصل بقلع الغراس وأخذ الحلية لا يمنع الرجوع. [المصالحة في الدَين] وأما المسألة الخامسة: وهي إذا كان لرجل على آخر دين، مثل الصقيب يكون له الدين الكثير، يصطلحان بينهما على أن الدين يكون نجوما إلى آخر ما ذكرت. (فالجواب) : إن هذا ليس يصلح، ولا يدخل في حد الصلح كما نص عليه الحجاوي وغيره، بل هو وعد يستحب الوفاء به على المشهور، وكونه فيه إرفاق فذلك لا يغير الحدود الشرعية، ولا يدخل في مسمى الصلح كما لا تدخله الهبة والعطية، والله أعلم.

стр. 25

الرسالة الثالثة: [السفر إلى بلاد الأعداء من المشركين والكفار] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الابن المكرم إبراهيم بن عبد الملك -سلمه الله تعالى-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمائه، والخط الذي تسأل فيه عما نفتي به في مسألة السفر إلى بلاد المشركين قد وصل إلينا، والذي كتبناه للإخوان به فيه كفاية للطالب وبيان، ولم نخرج فيه عما عليه أهل الفتوى عند جماهير المتأخرين. نعم فيه التغليظ على من يسافر إلى بلاد هجم عليها العدو الكافر الحربي المتصدي لهدم قواعد الإسلام، وقلع أصوله وشعائره العظام، ورفع أعلام الكفر والتعطيل، وتجديد معاهد الشرك والتمثيل، وإطفاء أنوار الإسلام الظاهرة، وطمس منار أركانه الباهرة، وهو العدو الذي اشتدت به الفتنة على الإسلام والمسلمين، وعز بدولته جانب الرافضة والمرتدين، ومن على سبيلهم من المنحرفين والمنافقين، فمثل هذه البلدة تخص من عمومات الرخصة لوجوه: (منها) : أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر غير حاصل كما هو مشاهد معلوم عند من خبر القوم مع من يجالسهم ويقدم إليهم. وقل أن يتمكن ذو حاجة لديهم إلا بإظهار عظيم من الركون والموالاة والمداهنة، وهذا مشهور متواتر، لا ينكره إلا جاهل أو مكابر لا غيرة له على دين الله وشرعه، ولا توقير لعظمته ومجده، قد اتخذ ظواهر عبارات لم

стр. 26

يعرف حقيقتها، ولم يدر مراد الفقهاء منها، ترسا يدفع به في صدور الآيات والسنن، ويصدف به عن أهدى منهج وسنن؛ فهو كحجر في الطريق بين السائرين إلى الله والدار الآخرة يحول بينهم وبين مرادهم، ويثبطهم عن سيرهم وعزماتهم. وقد كثر هذا الضرب من الناس في المتصدين للفتوى في مثل هذه المسائل، وبهم حصل الإشكال، وضلت الأفهام، واستحبت مساكنة عباد الأوثان والأصنام. وافتتن بهم جملة الرجال، وقصدتهم الركائب والأحمال، وسار إليهم ربات الخدور والحجال، عملا بقول رؤوس الفتنة والضلال، ولا يصل إلى الله ويحظى بقربه، ويرد نهر التحقيق وعذبه، من أصغى إليهم سمعه، واتخذهم أخدانا يرجع إليهم في أمر دينه ومهمات أمره. وقد قال بعض السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. ومن خاض في مثل هذه المباحث الدينية من غير ملكة ولا روية، فما يفسد أكثر مما يصلح، وضلاله أقرب إليه من أن يفلح، وقد قيل: يفسد الأديان نصف متفقه، ويفسد اللسان نصف نحوي، ويفسد الأبدان نصف متطبب. فعليك بمعرفة الأصول الدينية، والمدارك الحكمية، ولترتفع همتك إلى استنباط الأحكام من الآيات القرآنية، والسنن الصحيحة النبوية، ولا تقنع بالوقوف مع العادات، وما جرى به سنن الأكثرين في الديانات، فقد قال بعضهم: من أخذ العلم من أصله استقر، ومن أخذه من تياره اضطرب، وما أحسن ما قال في الكافية الشافية: ولقد نجا أهل الحديث المحض ... أتباع الرسول وتابع القرآن عرفوا الذي قد قال مع علم بما ... قال الرسول فهم أولو العرفان وسواهمو في الجهل والدعوى مع ... الكبر العظيم وكثرة الهذيان

стр. 27

مدوا يدا نحو العلى بتكلف ... وتخلف وتكبر وهوان أترى ينالوها وهذا شأنهم ... حاشى العلى من ذا الزبون الفاني فقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في المواضع التي نقلها من السيرة: إنه لا يستقيم للإنسان إسلام، ولو وحد الله، وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض. فانظر إلى تصريح الشيخ بأن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة والبغضاء. فأين التصريح من هؤلاء المسافرين، والأدلة من الكتاب والسنة ظاهرة متواترة على ما ذكره الشيخ، وهو موافق لكلام المتأخرين في إباحة السفر لمن أظهر دينه؛ ولكن الشان كل الشان في إظهار الدين، وهل اشتدت العداوة بينه ﷺ وبين قريش إلا لما كافحهم بمسبة دينهم وتسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم؟. وأي رجل تراه يعمل المطي جادا في السفر إليهم واللحاق بهم حصل منه، ونقل عنه ما هو دون هذا الواجب، والمعروف المشتهر عنهم ترك ذلك كله بالكلية، والإعراض عنه واستعمال التقية والمداهنة؛ وشواهد هذا كثيرة شهيرة، والحسيات والبديهيات غنية عن البرهان. [حكم قتال من هجم على بلاد المسلمين] (الوجه الثاني) : إن قتال من هجم على بلاد المسلمين من أمثال هؤلاء فرض عين لا فرض كفاية كما هو مقرر مشهور، فلا يحل، ولا يسوغ والحالة هذه تركه، والعدول عنه لغرض دنيوي. وقواعد الإسلام ومدارك الأحكام ترد القول بإباحة ترك الفروض العينية لأغراض دنيوية. ومن عرف هذا عرف الفرق بين مسألتنا وبين عبارة من قال بجواز السفر لمن قدر على إظهار دينه لو فرضناه حاصلا، فكيف والأمر كما قدمت؟ [من يرخص له السفر إلى بلاد الكفار وأصحاب البدع] (الوجه الثالث) : إن نص عبارات علمائنا، وظاهر كلامهم، وصريح

стр. 28

إشاراتهم أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه لا يباح له السفر إليهم؛ فالرخصة مخصوصة بمن عرفه بأدلته المتواترة في الكتاب والسنة، ومثل هذا هو الذي يتأتى منه إظهار دينه والإعلان به، وكيف يظهره من لا يدريه ولا إلمام له بأدلته القاطعة للخصم ومبانيه؟ شعرا: فقر الجهول بلا علم إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن حتى ذكر جمع تحريم القدوم إلى بلد تظهر فيه عقائد المبتدعة كالخوارج والمعتزلة والرافضة إلا لمن عرف دينه في هذه المسائل، وعرف أدلته، وأظهره عند الخصم. وقد عرف -أرشدك الله- أن الزمن زمن فترة من أهل العلم، غلبت فيه العادات الجاهلية، والأهواء العصبية، وقل من يعرف الإسلام العتيق، وما حرمه الله –تعالى- من موالاة أعدائه المشركين ومعرفة أقسامها، وأن منها ما يكفر به المسلم، ومنها ما هو دونه. وكذلك المداهنة والركون، وما حرم الله –تعالى- ورسوله، وما الذي يوجب فسق فاعله أو ردته، وأين القلوب التي ملئت من الغيرة لله وتعظيمه وتوقيره عن كفر هؤلاء الملاحدة وتعطيلهم، وصار على نصيب وحظ وافر من مصادمة أعداء الله ومحاربتهم ونصر دين الله ورسله، ومقاطعة من صد عنه، وأعرض عن نصرته وإن كان الحبيب المواتيا ... فالحكم لله العلي الكبير وأين من يبادئهم بأن ما هم عليه كفر وضلال بعيد، ومسبة لله العزيز الحميد، يمانع أصل الإيمان والتوحيد، وأن ما هم عليه هو الكفر الجلي البواح، وهو في ذلك على نور من ربه، وبصيرة في دينه، فسل أهل الريب والشبهات هل يغتقر الجهل بذلك والإعراض عنه علما وعملا، ويكتفي بمجرد الانتساب إلى الإسلام عند قوم ينتسبون إليه أيضا، وهم من أشد خلق الله كفرا به وجحدا له؟

стр. 29

وردا لأحكامه واستهزاء بحقائقه. فإن قالوا: يكتفي بذلك الانتساب، وتبرأ به الذمة، فقد عادوا على ما نقلوه وأصلوه من دليلهم بالرد والهدم، ومن حقق النظر وعرف أحوال القوم وسيرهم، علم أن معولهم على اتباع أهوائهم والميل مع شهواتهم، نسأل الله لنا ولهم العافية. هواي مع الركب اليمانين مصعد ... يسير ١ وجثماني بمكة موثق ومن هان عليه أمره –تعالى- فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وأغفل قلبه عنه، وكان هؤلاء آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة ربه، فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك، فما قدره حق قدره، وما عظمه حق عظمته، وهل قدره حق قدره من سالم أعداءه الجاحدين له المكذبين لرسله، وأعرض عن جهادهم وعيبهم والطعن عليهم، ولاقاهم بوجه منبسط، ولسان عذب، وصدر منشرح، ولم يراع ما وجب عليه من إجلال الله وتعظيمه وطاعته جراءة على ربه وتوثبا على محض حق وامتهانا بأمره؟ خلافا لأصحاب الرسول وبدعة ... وهم عن سبيل الحق أعمى وأجهل [السفر إلى بلاد المشركين عند أمن الفتنة] (الوجه الرابع) : أنه لا بد في إباحة السفر إلى بلاد المشركين من أمن الفتنة، فإن خاف بإظهار دينه الفتنة بقهرهم وسلطانهم، أو شبهات زخرفهم وأقوالهم، لم يبح له القدوم إليهم والمخاطرة بدينه. وقد فر عن الفتنة من السابقين الأولين إلى بلاد الحبشة من تعلم من المهاجرين كجعفر بن أبي طالب وأصحابه. وقد بلغكم ما حصل من الفتنة على كثير ممن خالطهم وقدم إليهم، حتى جعلوا مسبة من نهاهم عن ذلك وأمرهم بمجانبة المشركين دينا يدينون به،

стр. 30

ويفتخرون بذكره في مجالسهم ومجامعهم، وقد نقل ذلك عن غير واحد: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ ١، وبعض من رحل إليهم من جهتكم حمل رسائلهم ومكاتبتهم إلى أهل الإسلام يدعونهم إلى الدخول تحت طاعتهم ومسالمتهم، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبين من كاتبوه، واستحسن ذلك كثير من الملأ، والله المستعان. وقد شاع لديكم خبر من افتتن بمدحهم والثناء عليهم ونسبتهم إلى العدل وحسن الرعاية إلى ما هو أعظم من ذلك وأطمّ، من مشاقة الله ورسوله، واتباع غير سبيل المؤمنين، ومن لم يشاهد هذا منكم ولم يسمعه من قائله قد بلغه وتحققه؛ فأجهل الخلق وأضلهم عن سواء السبيل من ينازع في تحريم السفر إليهم والحالة هذه ويرى حله وجوازه. [سد الذرائع وقطع الوسائل من أكبر أصول الدين وقواعده] (الوجه الخامس) : أن سد الذرائع وقطع الوسائل من أكبر أصول الدين وقواعده، وقد رتب العلماء على هذه القاعدة من الأحكام الدينية تحليلا وتحريما ما لا يحصى كثرة، ولا يخفى على أهل العلم والخبرة. وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية -قدس الله روحه- لهذه القاعدة في كتاب التوحيد فقال: (باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك) ، وساق بعض هذه القاعدة. وقد قرأت علينا في الرسالة المدنية لشيخ الإسلام ابن تيمية أن اعتبار هذا من محاسن مذهب مالك، قال: ومذهب أحمد قريب منه في ذلك، ولو أفتينا بتحريم السفر رعاية لهذا الأصل فقط وسدا لذرائعه المفضية لكنا قد أخذنا بأصل أصيل ومذهب جليل. [السفر إلى بلاد المحاربين للإسلام] (الوجه السادس) : أنا لا نسلم دخول هذه البلدة التي الكلام بصددها في عبارات أهل العلم ورخصتهم لأن صورة الأمر وحقيقته سفر إلى

стр. 31

معسكر العدو الحربي الهاجم على أهل الإسلام المستولي على بعض ديارهم، المجتهد في هدم قواعد دينهم وطمس أصوله وفروعه، وفي نصرة الشرك والتعطيل وإعزاز جيوشه وجموعه، فالمسافر إليهم كالمسافر إلى معسكر هو بصدد ذلك، كمعسكر التتر، ومعسكر قريش يوم الخندق ويوم أحد، أفيقال هنا بجواز السفر لأن السفر إلى بلاد المشركين يجوز لمن أظهر دينه؟ وهل لهذا القول حظ من النظر والدليل، وهو سفسطة وضلال عن سواء السبيل؟ والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد نظرا وحسن تبصر وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد – الذي قال فيه قد جمعته للناس إماماً – من حديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: " ينْزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة، عند نهر يقال له دجلة، يكون عليه جسر. يكثر أهلها، ويكون من أمصار المهاجرين وفي رواية والمسلمين. فإذا كان آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر، فيفترق أهلها ثلاث فرق فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وأولئك هم الشهداء " ١.والحديث – وإن كان في سنده سعيد بن جهمان، فقد وثقه أبو داود الذي ألين له الحديث كما ألين لداود الحديد، فقسمهم ثلاث فرق، وأخبر أن من أخذ لنفسه وألقى السلم، وترك الجهاد فقد كفر، ومن أعرض عن جهادهم وتباعد عنهم مقبلا على إصلاح دنياه وحرثه فقد هلك، ولم ينج إلا من قام بجهادهم، وانتصب لحربهم، ونصر الله ورسوله، وأخبر أن أولئك هم الشهداء، وأنهم مخصوصون بالشهادة دون سائر الشهداء، كما يستفاد من الجملة الاسمية المعرفة الطرفين

стр. 32

ومن ضمير الفصل المقحم بين المبتدأ والخبر. والحصر وإن كان ادعائيا فهو يدل على شرف الصنف وفضيلته، والحديث وإن كان تأوله بعضهم في حادثة التتر في القرن السابع فقائله لا يمنع من دخول سواها في الخبر، وأن لها ذيولا وبقية، ولا ريب أن الذي حصل هذا الزمان إن لم يكن منها فهو يشبه بها من كل وجه. فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها وقد قال شيخ الإسلام في اختياراته: من جمز إلى معسكر التتر، ولحق بهم ارتد، وحل ماله ودمه١. فتأمل هذا فإنه إن شاء الله يزيل عنك إشكالات كثيرة طالما حالت بين قوم وبين مراد الله ورسوله، ومراد أهل العلم من نصوصهم، وصريح كلامهم. ثم اعلم أن النصوص الواردة في وجوب الهجرة، والمنع من الإقامة ببلد الشرك والقدوم إليها، وترك القعود مع أهلها ووجوب التباعد عن مساكنتهم ومجامعتهم، نصوص عامة مطلقة وأدلة قاطعة محققة، ومن قال بالتخصيص، أو التقييد لها إنما يستدل بقضايا عينية خاصة، وأدلة جزئية لا عموم لها عند جماهير الأصوليين والنظار، بل هي في نفسها محتملة للتقييد والتخصيص. ومن قال بالرخصة لا ينازع في عموم الأدلة الموجبة للهجرة المانعة من المجامعة والمساكنة، غاية ما عند الخصم أن يقيس حكما على حكم، وفرعا على فرع، وقضية على قضية، والمنازع له يتوقف في صحة هذا القياس، لأنه معارض لدليل العموم والإطلاق. وقد رأيت محمد بن علي الشوكاني

стр. 33

جزم فيما كتبه على المنتقى برد قول الماوردي بجواز الإقامة بدار الشرك، وفضيلة ذلك لمن أظهر دينه ورجا إسلام غيره. قال: وهذا القول معارض لعموم النص فلا يسلم ولا يلتفت إليه، مع أن الذي كتبناه في هذه المسألة موافق للمشهور عند المتأخرين لم نخرج عنه كما تقدم ذكره، والقصد أن المسألة من أصلها فيها بحث قوي ومجال للنظر فإن بقي عليك فراجعني، وإياك والسكوت على ريبة. وقد رأيت بخط الوالد -قدس الله روحه- ما نصه: شمر إلى طلب العلوم ذيولا ... وانهض لذلك بكرة وأصيلا وصل السؤال وكن هديت مباحثا ... فالعيب عندي أن تكون جهولا (مسألة الكفار ما يستعينون به على المسلمين) وأما مسألة المبايعة فلم يسألني عنها أحد، ولم يتقدم لي فيها كلام. وقد بسط شيخ الإسلام الكلام على مبايعة أهل الذمة، ومنع من يبيع ما يستعينون به على كفرهم وأعيادهم. وأما الكافر الحربي فلا يمكن مما يعينه على حرب أهل الإسلام ولو بالميرة والمال ونحوه والدواب والرواحل؛ حتى قال بعضهم بتحريق ما لا يتمكن المسلمون من نقله في دار الحرب من أثاثهم وأمتعتهم، ومنعهم من الانتفاع به فكيف بيعهم وإعانتهم على أهل الإسلام؟ فإن انضاف إلى ذلك ما هو الواقع من المسافرين في هذا الزمان مما تقدم ذكره فالأمر أغلظ وأفحش، وذلك فرد من وراء الجمع. وأكثر الناس يخفى عليه أن المرتد من أهل تلك الديار التي استولى عليها الكافر الحربي أغلظ كفرا، وأعظم جرما بجميع ما تقدم من الأحكام، ولذلك تجد لهم عند القادمين إليهم من المباسطة والمؤانسة والإكرام ما هو

стр. 34

أعظم مما مرت حكايته من صنيعهم مع هذا الكافر الحربي، فافهم ذلك. والله المسؤول المرجو الإجابة أن ينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين، وأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله على عبده ورسوله النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. الرسالة الرابعة [حكم من يسافر إلى بلاد المشركين] (قال جامع الرسائل) : وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى محمد بن علي آل موسى في مسألة السفر إلى بلاد المشركين، وقد ذكر له – أعني محمد بن علي – من جهة فتوى الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن فيمن يسافر إلى بلد المشركين، فشرح ووضح فتوى والده، وكشف القناع عن محاسن معانيها وقطع – بالوجوه الساطعة أساريرها الراسخة مبانيها – ما يتعلق به كل مبطل، وأزاح بما أبداه غبار كل مشكل، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم محمد بن علي آل موسى -سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وسبق إليك خط مع البداة، أشرت فيه إلى المسألة التي ذكرت لي من جهة فتوى الوالد الشيخ -قدس الله روحه ونور ضريحه- فيمن يسافر إلى بلاد المشركين. وفي هذه الأيام ورد علينا خط من ولد العجيري ذكر فيه أن لفظ الوالد في جوابه قوله: وأما السفر إلى بلاد المشركين للتجارة فقد عمت به البلوى، وهو نقص في دين من فعله لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين فينبغي هجره وكراهته، هذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سب

стр. 35

ولا ضرب، ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله، ولو لم يكن حاضرا؛ والمعصية إذا وجدت أنكرت على من فعلها، أو رضيها إذا اطلع عليها. انتهى ما نقله. وهذه العبارة بحمد الله ليس فيها ما يتعلق به كل مبطل لوجوه: (منها) : أن الذي وقع في هذه الأعصار – وكلامنا بصدده – أمر يجل عن الوصف، وقد اشتمل مع السفر على منكرات عظيمة منها موالاة المشركين وقد عرفتم ما فيها من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وعرفتم أن مسمى المولاة يقع على شعب متفاوتة، منها ما يوجب الردة كذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات. وعرفتم قوله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١، وأنها نزلت فيمن كاتب المشركين بسر رسول الله ﷺ وقد جعل ذلك من الموالاة المحرمة، وإن اطمأن قلبه بالإيمان، وكذلك من رأى أن في ولايتهم مصلحة للناس أو للحضر، وهذا واقع مشاهد تعرفونه من حال أكثر هؤلاء الذين يسافرون إلى تلك البلاد، وربما نقل بعضهم من المكاتبات إلى أهل الإسلام ما يستفزونهم به، ويدعونهم إلى طاعتهم وصحبتهم والانحياز إلى ولايتهم. فالذي يظهر هذه الفتوى، ويستدل بها على مثل هذه الحال من أجهل الناس بمدارك الشرع ومقاصد أهل العلم، وهو كمن يستدل بتقبيل الصائم على أن الوطء لا يبطل صيامه، وهذا من جنس ما حصل من هؤلاء الجهلة في رسالة ابن عجلان، وما فيها من الاستدلال على جواز خيانة الله ورسوله، وتخلية بلاد المسلمين، وتسليط أهل الشرك عليها وأهل التعطيل، والكفر بآيات الله، وغير ذلك من ظهور سلطانهم وإبطال الشرع بالكلية بمسألة خلافية في جواز الاستعانة بمشرك ليس له دولة ولا صولة ولا دخل

стр. 36

في الرأي مع أنها من المسائل المردودة على قائلها كما بسط في غير موضع. وبالجملة فإظهار مثل هذه الفتوى في هذه الأعصار من الوسائل المفضية إلى أكبر محذور، وأعظم المفاسد والشرور، مع أن عبارة الشيخ إذا تأملها المنصف وجد فيها ما يرد على هؤلاء المبطلة، وقول الشيخ قد عمت به البلوى يبين أن الجواب في الجاري في وقته مع ظهور الإسلام وغربته، وإظهار دين من سافر إلى جهاتهم، وليس في ذلك ما في السفر إليهم في هذه الأوقات، إذ هو مسالمة وإعراض عما وجب من فروض التعيين. وإذا هجم العدو وصار الجهاد فرض عين يحرم تركه ولو للسفر المباح، فكيف هذا السفر؟ وأيضا فكلام الشيخ يحمل على ما ذكره الفقهاء في أن عامة الناس ليس لهم أن يفتاتوا على ولي الأمر في الحدود والتعزيرات إلا بإذن. وقد عرفتم حال أكثر الولاة في عدم الاهتمام بهذا الأصل، فالافتيات عليهم بالحبس والضرب ونحو ذلك مفسدة تمنعها الشريعة ولا تقرها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فهذا يوجب للشيخ وأمثاله مراعاة المصلحة الشرعية في الفتوى الجزئية لا سيما في مخاطبة العامة. وقول الشيخ: لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين صريح في أن الكلام فيمن لم يفتتن، ولم يستخف بدينه، وقد عرفتم حال أكثر الناس في هذا الوقت، وأقل الفتنة أن يستخفي بدينه، وجمهورهم يظهر الموافقة بلسان الحال ولسان المقال، فهذا الضرب ليس داخلا في كلام الشيخ ﵀. وقوله: ينبغي هجره وكراهته بيان ما يستطيعه كل أحد، وأما ولاة الأمور ومن له سلطان أو قدرة فعليه تغيير المنكر باليد، ومن لم

стр. 37

يستطع فباللسان، ومن لم يستطع فبالقلب؛ وهذا نص الحديث النبوي فلا يجوز العدول عنه وإساءة الظن بأهل العلم، بل يحمل كلامهم على ما وافقه. والمصرّ المكابر لا ينتهي إلا إذا غير فعله بالأدب، أو الحبس، وهو داخل في عموم الحديث. وقد شاهدنا من الوالد ﵀ تعنيف هذا الجنس وذمهم، وذكر حكم الله ورسوله في تحريم مخالطة المشركين مع عدم التمكن من إظهار الدين. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن التعزيرات تفعل بحسب المصلحة، وليس لها حد محدود، بل بحسب ما يزيل المفسدة ويوجب المصلحة، وذكر قتل شارب الخمر في الرابعة وأنه من هذا الباب، وأشار إلى ذلك في اختياراته. وكذلك غيره من المحققين ذكروا أن التعزير على الكبائر والمحرمات غير مقدر، بل بحسب المصلحة؛ وهذه قواعد كلية تدخل فيها تلك القضية الجزئية. وقول الشيخ: والمعصية إذا وجدت أنكرت على من فعلها ورضيها، ليس فيه أن الإنكار بمجرد القول، بل هو بحسب المراتب الثلاث المذكورة في الحديث، وإلا لخالف نص الحديث، بل يتعين حمل كلام الشيخ عليه لموافقة الحديث النبوي لا على ما خالفه، وأسقط من الإنكار ركنه الأعظم. ومن شم رائحة العلم لم يعرض هذه الفتوى لأهل هذه القبائح الشنيعة، ويجعلها وسيلة إلى مخالفة واجبات الشريعة؛ ومثل هذا الذي أظهر الفتوى يجعله بعض المنتسبين منفاخا ينفخ به ما يستتر من إظهاره وإشاعته. والواجب على مثلك النظر في أصول الشريعة ومعرفة مقادير المصالح والمفاسد، وتأمل قوله – تعالى-: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ١ الآية، وانظر ما ذكره المفسرون حتى أدخل بعضهم لياقة الدواة وبري القلم في الركون. وذلك لأن ذنب الشرك أعظم ذنب عصي الله به على اختلاف رتبه،

стр. 38

فكيف إذا انضاف إليه ما هو أفحش من الاستهزاء بآيات الله، وعزل أحكامه وأوامره، وتسمية ما ضاده وخالفه بالعدالة؟ والله يعلم ورسوله والمؤمنون أنها الكفر والجهل والضلالة. ومن له أدنى أنفة وفي قلبه نصيب من الحياة يغار لله ورسله وكتابه ودينه، ويشتد إنكاره وبراءته في كل محفل وكل مجلس؛ وهذا من الجهاد الذي لا يحصل جهاد العدو إلا به. فاغتنم إظهار دين الله، والمذاكرة به، وذم ما خالف والبراءة منه ومن أهله، وتأمل الوسائل المفضية إلى هذه المفسدة الكبرى، وتأمل نصوص الشارع في قطع الوسائل والذرائع. وأكثر الناس ولو تبرأ من هذا ومن أهله فهو جند لمن تولاهم، وأنس بهم، وأقام بحماهم والله المستعان. وهذا الخط اقرأه على من تحب من إخوانك وبلغ سلامي والدك، وخواص الإخوان.

стр. 39

الرسالة الخامسة: [الهجرة والإقامة بين أظهر المشركين] وله أيضا -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة في وجوب الهجرة وتحريم الإقامة بين أظهر المشركين، وسبب ذلك أن حسن بن عبد الله آل الشيخ لما كتب إلى عبد الرحمن الوهيبي يناصحه عن الإقامة بين أظهر المشركين، ويبين له وجوب الهجرة بالدلائل والبراهين كتب إليه، واحتج بما ستقف عليه في ضمن جواب الشيخ ﵀. وهذا نص رسالة الشيخ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى ابن الأخ حسن بن عبد الله: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: يذكر لي ما كتب إليك عبد الرحمن الوهيبي من الشبهة لما ذكرت له قوله –تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ ونصحته عن الإقامة بين أظهر العساكر الشركية، وأنه احتج عليك بأن الآية فيمن قاتل المسلمين، وقال: تجعلون إخوانكم مثل من قاتل رسول الله ﷺ وأصحابه؟ وهذا جهل منه بمعنى الآية وصريحها، ومخالفة لإجماع المسلمين وما يحتجون به على تحريم الإقامة بين أظهر المشركين، مع العجز عن القدرة على الإنكار والتغيير. قال ابن كثير: هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية حيث يقول –تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ أي: بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ ٣ أي: لم كنتم ها هنا وتركتم الهجرة ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ٤ أي: لا نقدر على الخروج ولا الذهاب

стр. 40

في الأرض ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١.وساق ﵀ ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله ﷺ : " من جامع مشرك٢ وسكن معه فإنه مثله ". قلت: فانظر حكاية الإجماع على تحريم ذلك، وانظر تقريره معنى الآية، وتعليق ما فيها من الأحكام والوعيد على مجرد الإقامة بين أظهر المشركين، وأن هذه الآية نص في ذلك. وانظر خطاب الملائكة لهذا الصنف، وأنه على المكث والإقامة بدار الكفر. وانظر ما أجابتهم الملائكة عن قولهم: لا نقدر على الخروج، وكل ذلك ليس فيه ذكر للقتال. فتأمل هذا يطلعك على بطلان هذه الشبهة وجهل مبديها. وتأمل حديث سمرة وما فيه من تعليق هذا الحكم بنفس المجامعة والسكنى، واعرف معنى كونه مثله. وكذلك ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال: كان أناس من أهل مكة قد أسلموا أفمن مات منهم بها هلك؟ قال -تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ٣ الآية. وروى ابن جرير من تفسير ابن أبي حاتم: فزاد فيه: فكتب المسلمون إليهم بذلك، وخرجوا، ويئسوا من كل خير، ثم نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ ٤. فكتبوا إليهم بذلك أن قد جعل الله مخرجا لكم، فخرجوا فأدركهم المشركون فقتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل. وروي عن ابن عباس في الآية: هم قوم تخلفوا بعد رسول الله ﷺ وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم
следующие страницы →