← Акыда

Акыда · id 11381

مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (67 стр.). Показаны 36–67 · переход к 41.

стр. 36

فالله الله يا إخواني!! تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره، وأسه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم ١ وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال: ما علي منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله تعالى بهم، وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله يا إخواني ٢، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم وأنتم ٣ لا تشركون به شيئا. اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. ولنختم الكلام بآية ذكرها الله تعالى في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم من كفر ٤ الذين قاتلهم رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّض إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ٥. فقد ذكر الله عن الكفار ٦ أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشايخ فلم يدعوا أحدا منهم ولم يستغيثوا به ٧، بل يخلصون لله وحده لا شريك له

стр. 37

ويستغيثون ١ به وحده، فإذا جاء الرخاء أشركوا. وأنت ترى المشركين من أهل زماننا - ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة - إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله، مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير، وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ فالله المستعان. وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ويقال له: "الأشقر" ٢ ويوسف وأمثالهم، والله أعلم. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين، آمين.

стр. 38

الرسالة الرابعة: تلقين أصول العقيدة للعامة ... الرسالة الرابعة تلقين أصول العقيدة العامة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله فإذا قيل لك: إيش معنى الرب؟ فقل: المعبود المالك المتصرف. فإذا قيل لك: إيش أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السموات والأرض. فإذا قيل لك: إيش تعرفه به؟ فقل: أعرفه بآياته ومخلوقاته. وإذا قيل لك: إيش أعظم ما ترى من آياته؟ فقل: الليل والنهار، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. فإذا قيل لك: إيش معنى الله؟ فقل: معناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. فإذا قيل لك: لأي شيء الله خلقك؟ فقل: لعبادته. فإذا قيل لك: أي شيء عبادته؟: فقل توحيده وطاعته. فإذا قيل لك: أي شيء الدليل على ذلك؟ فقل: قوله

стр. 39

تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وإذا قيل لك: أي شيء أول ما فرض الله عليك؟ فقل: كفر بالطاغوت وإيمان بالله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. فإذا قيل: إيش العروة الوثقى؟ فقل: لا إله إلا الله. ومعنى "لا إله" نفي و " إلا الله " إثبات. فإذا قيل لك: إيش أنت نافي، وإيش أنت مثبت؟ فقل: نافي جميع ما يعبدون من دون الله، ومثبت العبادة لله وحده لا شريك له. فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٣ هذا دليل النفي، ودليل الإثبات ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٤. فإذا قيل لك: إيش الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ فقل: توحيد الربوبية فعل الرب، مثل الخلق والرزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال المطر وإنبات النبات، وتدبير الأمور ... وتوحيد الإلهية فعلك أيها ٥ العبد، مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة والنذر والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة.

стр. 40

فإذا قيل لك إيش دينك؟ فقل: ديني الإسلام، وأصله وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. وهو مبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت مع الاستطاعة. ودليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. ودليل أن محمدا رسول الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢. والدليل على إخلاص العبادة والصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣. ودليل الصوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤. ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٥. وأصول الإيمان ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم

стр. 41

الآخر وبالقدر خيره وشره. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فإذا قيل: من نبيك؟ فقل: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش وقريش من العرب والعرب من ذرية إسماعيل ابن إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. بلده مكة، وهاجر إلى المدينة. وعمره ثلاث وستون سنة: منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا. نُبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر. فإذا قيل: هو مات أو ما مات؟ فقل: مات، ودينه ما مات (ولن يموت) ١ إلى يوم القيامة، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٢. وهل ٣ الناس إذا ماتوا يبعثون؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٤. والذي ينكر البعث كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٥. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 42

الرسالة الخامسة ثلاث مسائل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم رحمك الله تعالى أنه واجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل: (المسألة الأولى) : أن الله خلقنا ولم يخلقنا عبثا، ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا ومعه كتاب، من أطاعه فهو في الجنة ومن عصاه فهو في النار، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ١. (المسألة الثانية) : أن أعظم ما جاء به هذا الرسول أن لا يشرك مع الله في عبادته أحد، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢.

стр. 43

(المسألة الثالثة) : أن من وحد الله تعالى وعبد الله تعالى لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.

стр. 44

الرسالة السادسة: معنى الطاغوت ورؤوس أنواعة ... الرسالة السادسة معنى الطاغوت ورؤس أنواعه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١. فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو ٢ أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم. وأما معنى الإيمان بالله فهو ٣ أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم. وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها، وهذه هي الأسوة التي

стр. 45

أخبر الله بها في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١. والطاغوت عام، فكل ما عُبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت. والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: (الأول) : الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢. (الثاني) : الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٣. (الثالث) : الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤ ... (الرابع) : الذي يدعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ

стр. 46

مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢. (الخامس) : الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣. واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنا بالله إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤. الرشد دين محمد ﷺ ، والغي دين أبي جهل، والعروة الوثقى شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة للنفي والإثبات؛ تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى، وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له.

стр. 47

الرسالة السابعة الأصل الجامع لعبادة الله وحده بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فإن قيل: فما الجامع لعبادة الله وحده؟ قلت: طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فإن قيل: فما أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله تعالى؟ قلت: من أنواعها: الدعاء والاستعانة ١ والاستغاثة، وذبح القربان، والنذر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والمحبة، والخشية، والرغبة والرهبة، والتأله، والركوع، والسجود، والخشوع، والتذلل، والتعظيم الذي هو من خصائص الإلهية. ودليل الدعاء قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٤. ودليل الاستعانة قوله تعالى

стр. 48

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١. ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٢. ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ٤. ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٦. ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٧. ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٨. ودليل المحبة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٩. ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ١٠. ودليل الرغبة والرهبة قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً

стр. 49

وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ١. ودليل التأله قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٢. ودليل الركوع والسجود قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣. ودليل الخشوع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ٤ الآية ونحوها. فمن صرف شيئا من هذه الأنواع لغير الله تعالى فقد أشرك بالله غيره. فإن قيل: فما أجل أمر أمر الله به؟ قيل: توحيده بالعبادة، وقد تقدم بيانه. وأعظم نهي نهى الله عنه: الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة. فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد اتخذه ربا وإلها، وأشرك مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة ٥. وقد تقدم من الآيات ما يدل على أن هذا هو الشرك الذي نهى الله عنه، وأنكره على المشركين. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٧. والله أعلم.

стр. 50

الرسالة الثامنة بعض فوائد سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١ قال الشيخ رحمه الله تعالى: هذه الآيات الثلاث تضمنت ثلاث ٢ مسائل: (الآية الأولى) :فيها المحبة، لأن الله منعم، والمنعَم يُحَبُّ على قدر إنعامه. والمحبة تنقسم على أربعة أنواع: محبة شركية، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٣ إلى قوله ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٤. المحبة الثانية: حب الباطل وأهله، وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين. المحبة الثالثة: طبيعية وهي محبة المال والولد، إذا لم تشغل عن طاعة الله، ولم تعن على محارم الله فهي مباحة. والمحبة الرابعة: حب أهل التوحيد، وبغض أهل الشرك وهي أوثق عرى الإيمان، وأعظم ما يعبد به العبد ربه.

стр. 51

(الآية الثانية) : فيها الرجاء. (والآية الثالثة) : فيها الخوف. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ١ أي: أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث: بمحبتك، ورجائك، وخوفك؛ فهذه الثلاث أركان العبادة، وصرفها لغير الله شرك. وفي هذه الثلاث الرد على من تعلق بواحدة منهن، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده؛ فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك ٢. وفيها من الفوائد الرد على الثلاث الطوائف التي كل طائفة تتعلق بواحدة منها، كمن عبد الله تعالى بالمحبة وحدها، وكذلك من عبد الله بالرجاء وحده كالمرجئة، وكذلك من عبد الله بالخوف وحده كالخوارج. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣ فيها توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ; ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ٤ فيها توحيد الألوهية، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ فيها توحيد الربوبية ٦. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٧ فيها الرد على المبتدعين. وأما الآيتان الأخيرتان ففيهما من الفوائد ذكر أحوال الناس. قسمهم الله تعالى ثلاثة أصناف: منعم عليه، ومغضوب عليه، وضال.

стр. 52

فالمغضوب عليهم أهل علم ليس معهم عمل، والضالون أهل عبادة ليس معها علم، وإن كان سبب النُزول في اليهود والنصارى فهي لكل من اتصف بذلك. الثالث من اتصف بالعلم والعمل وهم المنعم عليهم. وفيها من الفوائد: التبرؤ من الحول والقوة، لأنه منعم عليه. وكذلك فيها معرفة الله على التمام، ونفي النقائص عنه ﵎. وفيها معرفة الإنسان ربه، ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان هنا رب فلا بد من مربوب، وإذا كان هنا راحم فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا مالك فلا بد من مملوك، وإذا كان هنا عبد فلا بد من معبود، وإذا كان هنا هاد فلا بد من مهدي، وإذا كان هنا منعم فلا بد من منعَم عليه، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلا بد من غاضب، وإذا كان هنا ضال فلا بد من مضل. فهذه السورة تضمنت الألوهية والربوبية، ونفي النقائص عن الله (، وتضمنت معرفة العبادة وأركانها. والله أعلم.

стр. 53

الرسالة التاسعة نواقض الإسلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض: (الأول) : الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١. وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢؛ ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر. (الثاني) : من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، كفر إجماعا. (الثالث) : من لم يكفر المشركين، أو شك ٣ في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر.

стр. 54

(الرابع) : من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، فهو كافر. (الخامس) : من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر. (السادس) : من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثواب الله، أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١. (السابع) : السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به، كفر. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٢. (الثامن) : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.

стр. 55

(التاسع) : من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇، فهو كافر. (العاشر) : الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ١. ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا. فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 56

الرسالة العاشرة مسائل مستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ الآية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ رحمه الله تعالى: فيها عشر درجات: (الأولى) : تصديق القلب أن دعوة غير الله باطلة، وقد خالف فيها من خالف ٢.

стр. 57

(الثانية) : أنها منكر يجب فيها البغض، وقد خالف فيها من خالف. (الثالثة) : أنها من الكبائر والعظائم المستحقة للمقت والمفارقة، وقد خالف فيها من خالف. (الرابعة) : أن هذا هو الشرك بالله الذي لا يغفره، وقد خالف فيها من خالف. (الخامسة) : أن المسلم إذا اعتقده أو دان به، كفر، وقد خالف فيها من خالف. (السادسة) : أن المسلم الصادق إذا تكلم به هازلا أو خائفا أو طامعا، كفر بذلك لعلمه، وأين ينْزل القلب هذه الدرجة ويصدقه بها؟ وقد خالف فيها من خالف. (السابعة) : أنك تعمل معه عملك مع الكفار من عداوة الأب والابن وغير ذلك، وقد خالف فيها من خالف. (الثامنة) . أن هذا معنى "لا إله إلا الله"، والإله هو المألوه، والتأله عمل من الأعمال، وكونه منفيا عن غير الله ترك من التروك. (التاسعة) : القتال على ذلك حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. (العاشرة) : أن الداعي لغير الله لا تقبل منه الجزية كما تقبل من اليهود، ولا تنكح نساؤهم كما تنكح نساء اليهود، لأنه أغلظ كفرا. وكل درجة من هذه الدرجات إذا عملت بها تخلف عنك بعض من كان معك. والله أعلم.

стр. 58

الرسالة الحادية عشر: ثماني حالات استنبطها محمد بن عبد الوهاب من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ... الرسالة الحادية عشرة ثماني حالات استنبطها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. ٢. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال رحمه الله تعالى: فيه ثماني حالات: (الأولى) : ترك عبادة غير الله مطلقا، ولو حاوله أبوه وأمه بالطمع الجليل والإخافة الثقيلة ٣، كما جرى لسعد ﵁ مع أمه.

стр. 59

(الحالة الثانية) : أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه، لا يفطن لما يريد الله من قلبه ١ من إجلاله ورهبته، فذكر هذه الحالة بقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ٢. (الحالة الثالثة) : إن قدرنا أنه ظن وجود الترك والفعل فلا بد من تصريحه بأنه من هذه الطائفة، ولو لم يقض هذا الغرض ٣ إلا بالهرب عن بلد فيها كثير من الطواغيت الذين يبلغون الغاية في العداوة، حتى يصرح أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم. (الحالة الرابعة) : إن قدرنا أنه ظن وجود هذه الثلاث، فقد لا يبلغ الجد في العمل بالدين، والجد والصدق هو إقامة الوجه للدين. (الحالة الخامسة) : إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الأربع، فلا بد له ٤ من مذهب ينتسب اليه، فأمر أن يكون مذهبه الحنيفية، وترك كل مذهب سواها ولو كان صحيحا، ففي الحنيفية عنه غنيه. (الحالة السادسة) : إنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الخمس، فلا بد أن يتبرأ من المشركين، فلا يكثر سوادهم ٥.

стр. 60

(الحالة السابعة) : إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الست، فقد يدعو من غير قلبه نبيا أو غيره لشيء ١ من مقاصده، ولو كان دينا يظن أنه ٢ إن نطق بذلك من غير قلبه لأجل كذا وكذا خصوصا عند الخوف، أنه لا يدخل في هذا الحال ٣. (الحالة الثامنة) : إن ظن سلامته من ذلك كله لكن غيره من إخوانه فعله خوفا أو لغرض من الأغراض، هل يصدق الله أن هذا ولو كان أصلح الناس قد صار من الظالمين، أو يقول: كيف يكفر ٤ وهو يحب الدين ويبغض الشرك؟ وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من يفهمه وإن لم يعمل به! بل ما أعز من لا يظنه جنونا! والله أعلم.

стр. 61

الرسالة الثانية عشر: ستة أصول عظيمة مفيدة ... الرسالة الثانية عشرة ستة أصول عظيمة مفيدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بيانا واضحا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء ١ العالم، وعقلاء بني آدم، إلا أقل القليل. (الأصل الأول) : إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم لما صار ٢ على أكثر الأمة ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم.

стр. 62

(الأصل الثاني) : أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه ١؛ فبين الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين، ونهاهم عن التفرق فيه. ويزيده وضوحا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع في الدين ٢ لا يقوله إلا زنديق أو مجنون. (الأصل الثالث) : أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا، فبين الله ٣ له هذا بيانا شائعا كافيا بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا؛ ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ (الأصل الرابع) : بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم، وقد بين الله تعالى هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ٤ إلى قوله قبل ذكر إبراهيم ﵇: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.

стр. 63

ويزيده وضوحا ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد، ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون ١، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم. (الأصل الخامس) : بيان الله سبحانه لأولياء الله، وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار. ويكفي في هذا آية في سورة آل عمران وهي قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢ الآية. وآية في سورة المائدة وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٣ الآية، وآية في يونس وهي قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤. ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع، إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل ٥، ومن تبعهم فليس منهم.

стр. 64

ولا بد من ترك الجهاد، فمن جاهد فليس منهم ولابد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تعهد بالإيمان والتقوى فليس منهم ١. يا ربنا نسألك العفو والعافية، إنك سميع الدعاء. (الأصل السادس) : رد الشبهة ٢ التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهي أن القرآن والسنة ٣ لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر؛ فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضا حتما لا شك ولا إشكال فيه؛ ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمها ٤. فسبحان الله وبحمده، كم بين الله سبحاله شرعا وقدرا خلقا وأمرا ٥ في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد ٦ الضروريات العامة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً

стр. 65

فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ ١ آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

стр. 66

الرسالة الثالثة عشر: رسالة في توحيد العبادة ... الرسالة الثالثة عشرة رسالة في توحيد العبادة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: اعلم رحمك الله أن التوحيد الذي فرض الله على عباده قبل فرض الصلاة والصوم، هو توحيد عبادتك أنت، فلا تدع إلا الله وحده لا شريك له، لا تدع النبي ﷺ ولا غيره، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢. واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ صفة إشراكهم أنهم يدعون الله ويدعون معه الأصنام والصالحين، مثل عيسى وأمه والملائكة، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهم يقرون أن الله سبحانه

стр. 67

هو النافع الضار المدبر، كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ١. فإذا عرفت هذا، وعرفت أن دعوتهم الصالحين وتعلقهم عليهم أنهم يقولون: ما نريد إلا الشفاعة، وأن النبي ﷺ قاتلهم ليخلصوا الدعوة لله، ويكون الدين كله لله، وعرفت أن هذا هو التوحيد الذي هو أفرض من الصلاة والصوم، ويغفر الله لمن أتى به يوم القيامة ولا يغفر لمن جهله ولو كان عابدا، وعرفت أن ذلك هو الشرك بالله الذي لا يغفر الله لمن فعله، وهو عند الله أعظم من الزنى وقتل النفس، مع أن صاحبه يريد به التقرب من الله، ثم مع هذا عرفت أمرا آخر وهو أن أكثر الناس ما عرف هذا، منهم العلماء الذين يسمونهم العلماء في سدير والوشم وغيرهم إذا قالوا: نحن موحدون الله، نعرف ما ينفع ولا يضر إلا الله، وأن الصالحين لا ينفعون ولا يضرون، وعرفت أنهم لا يعرفون إلا التوحيد، توحيد الكفار، توحيد الربوبية، عرفت كبر نعمة الله عليك، خصوصا إذا تحققت أن الذي يواجه الله ولا يعرف التوحيد، أو عرفه ولم يعمل به، أنه خالد في النار ولو كان من أعبد الناس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.