← Акыда

Акыда · id 11384

مختصر [شرح] تسهيل العقيدة الإسلامية - ط 2

عبد الله بن عبد العزيز الجبرين

Полный текст (229 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُه ورسولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] . أما بعد: فإن من نعمة الله علي أنَّني قمتُ بتأليف رسالة في العقيدة أسميتها "تسهيل العقيدة الإسلامية" وقد نشرتها دار الصميعي بالرياض، وكنت قد توسّعت في حواشي هذه الرسالة ليستفيد منها الأساتذة والمتخصصون، وقد رأيتُ أن أقوم بطبع هذه الرسالة طبعة خاصة بالطلاب وغير المتخصصين، فقمت باختصارها، وذلك بحذف جل الحواشي، وباختصار المتن في مواضع قليلة، وقد أسميت هذا المختصر بـ "مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية".

стр. 2

وفي ختام هذه المقدمة آمل ممن لديه أي اقتراح يتعلق بهذا المختصر إرساله إليَّ على صندوق البريد رقم ٣٢٤٥٤ ورمزه ١١٤٢٨ الرياض. أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وجميع المسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قاله وكتبه عبد الله بن عبد العزيز الجبرين الأستاذ بكلية المعلمين بالرياض

стр. 3

تمهيد المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقيدية، وتعريفها . تعريف العقيدة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التمهيد ويشتمل على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقدية، وتعريفها. ونبدأ هذه المصطلحات بذكر تعريف العقيدة نفسها. ١- فالعقيدة في اللغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والإيثاق والثبوت والإحكام. وفي الاصطلاح: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الدين. وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم "السنة"، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة، لأن العقيدة الصحيحة - وهي عقيدة أهل السنة والجماعة - مستمدة من سنة النبي ﷺ ، التي هي مبينة للقرآن. وقد ألَّف بعض السلف كتباً في العقيدة أسموها "السنة"، ومنها كتاب "السنة" للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وغيرهما. كما أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "أصول الدين"، وذلك أن ملة النبي ﷺ تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات، والمراد بالعمليات علم

стр. 4

الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها، وتسمى "فرعية"، أو "فروع"، فهي كالفرع لعلم العقيدة، لأن العقيدة أشرف الطاعات، ولأن صحتها شرط في قبول العبادات العملية، فإذا فسدت العقيدة لم تقبل العبادة، وبطل أجرها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] . هذا وقد أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "الفقه الأكبر"، وذلك لأن العقيدة هي أصل الدين، والفقه العملي - الذي يسمى "الفقه الأصغر" - فروعه، كما سبق. وقد ألّف الإمام أبوحنيفة رسالة في العقيدة أسماها "الفقه الأكبر".

стр. 5

٢- أهل السنة والجماعة: هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. وهم: المتمسكون بالعقيدة الصحيحة التي كان عليها رسول الله ﷺ واتفق عليها أصحابه ﵃. وقد سُمُّوا "أهل السنة" لعملهم بمقتضى سنة النبي ﷺ المبينة للقرآن، عملاً بقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ "، فهم يعلمون أن هدي النبي ﷺ خير الهدي، فقدموه على هدي من سواه. وسُمُّوا "الجماعة" لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي ﷺ ،

стр. 6

وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهم قد اجتمعوا على الحق، وعلى عقيدة الإسلام الخالية من الشوائب. وأيضاً فقد سَمَّى النبي ﷺ الفرقة الناجية المتبعة لسنته وطريقة أصحابه - وهم أهل السنة والجماعة - سماهم "الجماعة"، فقد ثبت عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال النبي ﷺ : " إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ (١) بصاحبه ... ". وهذه التسمية "أهل السنة والجماعة" وصف صادق يميز أهل العقيدة الصحيحة وأتباع الرسول ﷺ عن الفرق الأخرى التي تسير على غير طريقة النبي ﷺ ، فمن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من عقول البشر وعلم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فيقدمونها على كلام الله وسنة رسول الله ﷺ ، فيردون النصوص الشرعية الثابتة أو يؤولونها لمجرد أن بعض العقول البشرية لم تقبل أو لم تستسغ ما دلت عليه هذه النصوص. ومن هذه الفرق: الفلاسفة، والقدرية، والماتوريدية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين قلَّدوا الجهميَّة في بعض آرائهم.

стр. 7

ومن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من آراء مشايخهم وأئمتهم المبنية في كثير من الأحيان على الهوى، كالصوفية والرافضة وغيرهم، فيقدمون كلامهم على كلام الله وكلام رسوله خير البشر محمد ﷺ . كما أن هذه الفرق منها من تنتسب إلى من أسسها وأنشأ أصولها العقديَّة، كالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، والأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري - وإن كان الأشعري رجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن مقلِّدوه استمروا على عقيدته المخالفة لطريقة النبي ﷺ التي رجع عنها -، والأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، وغيرهم. ومن هذه الفرق من تنتسب إلى بعض آرائها العقدية المخالفة للهدي النبوي، أو إلى بعض أفعالها السيئة، كالروافض نسبة إلى رفضهم إمامة أبي بكر وعمر وتبرئهم منهما، والقدرية نسبة إلى نفي القدر، والخوارج نسبة إلى الخروج على الولاة، وغيرهم. فعصم الله أهل السنة من الانتساب والاتباع لغير سنة المعصوم من الخطأ والزلل رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ ، المؤيد بالوحي من السماء، والذي لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى "السنة". وقد أطلق بعض العلماء على أهل السنة اسم "أصحاب الحديث" أو "أهل الحديث"، وذلك لأنهم اهتموا بأحاديث النبي ﷺ رواية ودراية، واتبعوا ما جاءت به من العقائد والأحكام. و"الحديث" و"السنة" لفظان معناهما متقارب.

стр. 8

وأهل السنة كذلك هم الفرقة المنصورة"١" إلى قيام الساعة، الذين ذكرهم النبي ﷺ بقوله: "لن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" رواه البخاري ومسلم، وغيرهما. وهم الفرقة الناجية"٢" المذكورة في حديث معاوية الذي سبق ذكره قريباً، وغيره.

стр. 9

٣- السلف: السلف في اللغة: الجماعة المتقدمون: يقال: سلَف يسلُف أي مضى، وسلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون. وفي الاصطلاح: هم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم وسار على طريقتهم من أئمة الدين من أهل القرون الثلاثة المفضلة.

стр. 10

٤- الخَلَف: الخلف في اللغة: المتأخر، وكل من يجيء بعد من مضى. وفي الاصطلاح: من خالف طريقة النبي ﷺ وأصحابه في باب العقائد كالخوارج والرافضة، وكأهل الكلام الذين قدموا العقل البشري على النصوص الشرعية: كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم.

стр. 11

المسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية ١- أنها عقيدة غيبية . ... المسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية. الخصائص: جمع خصيصة. والخصيصة: هي الصفة الحسنة التي يتميّز بها الشيء ولا يشاركه فيها غيره. وخصائص العقيدة الإسلامية كثيرة، نكتفي بذكر ثلاث منها: ١- أنها عقيدة غيبية: الغيب: ما غاب عن الحس، فلا يدرك بشيء من الحواس الخمس: السمع والبصر واللمس والشم والذوق. وعليه فإن جميع أمور ومسائل العقيدة الإسلامية التي يجب على العبد أن يؤمن بها ويعتقدها غيبي، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وعذاب القبر ونعيمه، وغير ذلك من أمور الغيب التي يُعتَمَد في الإيمان بها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقد أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب، فقال في صدر سورة البقرة: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية.

стр. 12

٢- أنها عقيدة شاملة: ويتضح شمول العقيدة في الأمور الثلاثة الآتية: الأول: شمول العبادة، فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

стр. 13

فالعبادة تشمل العبادات القلبية، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وتشمل العبادات القولية كالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقراءة القرآن، وتشمل العبادات الفعلية كالصلاة والصوم، والحج، وتشمل العبادات المالية، كالزكاة، وصدقة التطوع. وتشمل كذلك الشريعة كلها، فإن العبد إذا اجتنب المحرمات، وفعل الواجبات والمندوبات والمباحات مبتغيا بذلك وجه الله تعالى كان فعله ذلك عبادة يثاب عليها. وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الكلام على توحيد الألوهية. الثاني: أنها تشمل علاقة العبد بربه، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر، وذلك في مباحث التوحيد بأنواعه الثلاثة، وفي مبحث الولاء والبراء، وغيرها. الثالث: أنها تشمل حال الإنسان في الحياة الدنيا، وفي الحياة البرزخية "القبر"، وفي الحياة الأخروية.

стр. 14

٣- أنها عقيدة توقيفية: فعقيدة الإسلام موقوفة على كتاب الله، وما صح من سنة رسوله محمد بن عبد الله ﷺ فليست محلاً للاجتهاد، لأن مصادرها توقيفية. وذلك أن العقيدة الصحيحة لابد فيها من اليقين الجازم، فلابد أن تكون مصادرها مجزوماً بصحتها، وهذا لا يوجد إلا في كتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ . وعليه فإن جميع المصادر الظنية، كالقياس والعقل البشري لا يصح

стр. 15

أن تكون مصادر للعقيدة، فمن جعل شيئاً منها مصدراً للعقيدة فقد جانب الصواب، وجعل العقيدة محلاً للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب. ولذلك أخطأ أهل الكلام كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، حينما جعلوا العقل مصدراً من مصادر العقيدة، وقدموه على النصوص الشرعية، حتى أصبح القرآن والسنة عندهم تابعين للعقل البشري، وهذا فيه نوع استهانة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما أنهم بهذه الطريقة جعلوا عقيدة الإسلام خاضعة لآراء البشر واجتهاداتهم العقلية. والحق أن العقل مؤيد للنصوص الشرعية، فالعقل الصريح يؤيد النص الصحيح، ولا يعارضه، وما توهمه المعطلة والمؤولة من التعارض بينهما فهو بسبب قصور عقول البشر، ولذلك فإن ما قد يراه أحدهم متعارضاً قد لا يراه الآخر كذلك، وهكذا. وعليه فإن العقل يعتبر مؤيداً للنصوص الشرعية في باب العقائد وغيرها، وليس مصدراً مستقلاً للعقيدة، فلا يجوز أن يستقل بالنظر في أمور الغيب، ولا فيما لا يحيط به علماً، والبشر لا يحيطون علماً بالله ولا بصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: ١١٠] .

стр. 16

المسألة الثالثة: وسطية أهل والجماعة بين فرق الضلال . الأصل الأول: باب العبادات ... المسألة الثالثة: وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال: عقيدة أهل السنة والجماعة - والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة - وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة، أحدهما غلا في

стр. 17

هذا الباب والآخر قصر فيه، أحدهما أفرط والثاني فرط، فهي حق بين باطلين: فأهل السنة وسط - أي عدول خيار - بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم. وسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطاً فيها بين فرق الأمة: الأصل الأول: باب العبادات: توسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين"١". فالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها، وغلاتهم يعبدون أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يجلبوا لهم مرغوباً أو يدفعوا عنهم مرهوباً. والدروز والنصيريون - الذين يسمون العلويون - تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون ... الخ. أما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة

стр. 18

رسوله ﷺ ، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم، عملاً بقول النبي ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". متفق عليه. وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد "، وقوله ﵊ في خطبته: " أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ". رواه مسلم.

стр. 19

الأصل الثاني: باب أسماء الله وصفاته: توسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة، وبين الممثلة. فالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات، كالجهمية. ومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة. ومنهم من ينكر أكثر الصفات، ويؤولها كالأشاعرة، اعتماداً منهم على العقول البشرية القاصرة، وتقديماً لها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والممثلة يضربون لله الأمثال، ويدعون أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين، كقول بعضهم: "يد الله كيدي" و"سمع الله كسمعي" تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما

стр. 20

وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية، تليق بجلال الله تعالى، ولا تماثل صفات المخلوقين، عملاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .

стр. 21

الأصل الثالث: باب القضاء والقدر: توسَّطَ أهلُ السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والجبرية. فالقدرية نفوا القدر، فقالوا: إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم، بل العباد مستقلون بأفعالهم، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله، وهو المريد له إرادة مستقلة، فأثبتوا خالقاً مع الله سبحانه، وهذا إشراك في الربوبية، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين، فهم "مجوس هذه الأمة". والجبرية غلوا في إثبات القدر، فقالوا: إن العبد مجبور على فعله، فهو كالريشة في الهواء لا فعل له ولا قدرة ولا مشيئة. فهدى اللهُ أهلَ السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تُنسب إليهم على جهة الحقيقة، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه، فالله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] . كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . ومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن

стр. 22

معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، ولا يرضى عن الفاسقين، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فمن أطاع أطاع عن بينة واختيار، فيستحق الثواب الحسن، ومن عصى عصى عن بينة واختيار، فيستحق العقاب ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] . فأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة، وهي: ١- علم الله المحيط بكل شيء، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم. ٢- كتابة الله تعالى لكل ما هوكائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ٣- مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه. ٤- أن الله خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه. وقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله: علم كتابة مولانا مشيئته ... كذاك خلقٌ وإيجادٌ وتكوين

стр. 23

الأصل الرابع: باب الوعد والوعيد: توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة. فالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب

стр. 24

الخمر كافر مخلد في النار. والمرجئة غلبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد، فقالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي، وأن الأعمال ليست من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالعاصي كالزاني وشارب الخمر لا يستحق دخول النار"١"، وإيمانه كإيمان أبي بكر وعمر ﵄.

стр. 25

أما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام، بل هو مسلم ناقص الإيمان، ما دام لم يرتكب شيئاً من المكفرات، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ثم يدخله الجنة، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به. فالإيمان عند أهل السنة: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

стр. 26

الأصل الخامس: باب أصحاب النبي ﷺ : توسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج. فالشيعة - ومنهم الرافضة - غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده ﵃ فادعوا أن علياً ﵁ معصوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر، ومن غلاتهم من يدعي ألوهيته. والخوارج جفوا في حق علي ﵁ فكفروه، وكفّروا معاوية بن

стр. 27

أبي سفيان ﵄ وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم. كما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة، فَسَبُّوهم، وقالوا: إنهم كفار، وأنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت ونفراً قليلاً، قالوا: إنهم من أولياء آل البيت، كما أنهم يشتمون أمهات المؤمنين، وأفاضل الصحابة، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر علانية، لكنهم قد يترضون عنهم ويظهرون موالاتهم لهم تقرباً إلى أهل السنة ومخادعة لهم، لأن من عقائدهم عقيدة التقيّة، فيظهرون لأهل السنة خلاف ما يبطنون"١". أما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ﷺ ، ويترضَون عنهم، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيِّه، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر

стр. 28

واحد على اجتهاده، ويرون أن أفضلهم أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين -، ويحبون آل بيت النبي ﷺ "١"، ويرون أن لهم حقين، حق الإسلام، وحق القرابة من رسول الله ﷺ ، فيوالونهم، ويترضون عنهم. * * *

стр. 29

الباب الأول التوحيد الفصل الأول توحيد الربوبية توحيد الربوبية هو: الإيمان بوجود الله، واعتقاد تفرده في أفعاله. ومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له. وهو يشتمل على ما يلي: ١- الإيمان بوجود الله تعالى. ٢- الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك. وقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم "الرب" أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو من أدلة الربوبية، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وكقوله سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وكقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] ، والملكوت: الملك. * * *

стр. 30

الفصل الثاني: توحيد الألوهية . مقدمة ... الفصل الثاني توحيد الألوهية تمهيد: توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة. ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ "توحيد الألوهية"، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ "توحيد العبادة"، و "توحيد العبودية" و"توحيد الله بأفعال العباد"، و "توحيد العمل"، و "توحيد القصد"، و "توحيد الإرادة والطلب"، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى. وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام، وهو يتضمن أنواع التوحيد. فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء

стр. 31

والصفات، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له. ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه. وهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشتمله وتدل عليه كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله". وسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين: المبحث الأول: شهادة "لا إله إلا الله": معناها- شروطها - أركانها - نواقضها. المبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها. * * *

стр. 32

المبحث الأول: شهادة "لا إله إلا الله " المطلب الأول: معناها، وفضلها . ... المبحث الأول شهادة "لا إله إلا الله" وفيه مطلبان: المطلب الأول: معناها، وفضلها: معنى شهادة "لا إله إلا الله" إجمالاً: لا معبود بحق إلا الله تعالى. أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى. فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين: الأول: "النفي"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة: "لا إله" فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقاً للعبادة. الثاني: "الإثبات"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة "إلا الله" فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكراً له على نعمه العظيمة عليهم.

стр. 33

المطلب الثاني: شروطها ونواقضها: دلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة

стр. 34

لكلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها، وعصمة دمه وماله وعرضه، ودخول الجنة، وعدم الخلود في النار، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة، بل لابد من توافر جميع شروطها، وانتفاء جميع نواقضها، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها، من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما، وانتفت مبطلاتها، كالكلام والضحك والأكل والشرب وغيرها، فكذلك هذه الكلمة، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها، وانتفاء نواقضها. ولذلك لما قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك. وقد دلت النصوص الشرعيه على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط، هي: الشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك، فلابد أن يؤمن إيماناً جازماً بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا علم اليقين، لا الظن ولا التردد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] .

стр. 35

فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكاً مرتاباً أو متوقفاً في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئاً. الشرط الثالث: القبول المنافي للرد، فيقبل بقلبه ولسانه جميع مادلت عليه هذه الكلمة، ويؤمن بأنه حق وعدل. قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] . فمن نطق بهذه الكلمه ولم يقبل بعض مادلت عليه إما كبراً أو حسداً أو لغير ذلك فإنه لا يستفيد من هذه الكلمة شيئاً. فمن لم يقبل أن تكون العبادة لله وحده، ومن ذلك عدم قبول التحاكم إلى شرعه تكبراً، أو لم يقبل بطلان دين المشركين من عباد الأصنام أو عباد القبور أو اليهود أو النصارى أو غيرهم، فيقول: إن أديانهم صحيحة، فلا يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة من بطلان هذه الأديان الشركية فليس بمسلم. الشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك، فينقاد بجوارحه، بفعل ما دلت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] ، ومعنى ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ : ينقاد. ومعنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ : أي موحِّد. فمن قالها وعرف معناها ولم ينقد للإتيان بحقوقها ولوازمها من عبادة الله والعمل بشرائع الإسلام، ولم يعمل إلا ما يوافق هواه أو ما فيه تحصيل دنياه لم يستفد من هذه الكلمة شيئاً.

стр. 36

الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقول هذه الكلمة صدقاً من قلبه، يوافق قلبُه لسانه. قال الله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١- ٣] . ولذلك لم ينتفع المنافقون من نطقهم بهذه الكلمة، لأن قلوبهم مكذبة بمدلولها، فهم يقولونها كذباً ونفاقاً. الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك. فلابد من تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] . فمن أشرك بالله تعالى في أي نوع من أنواع العبادة لم تنفعه هذه الكلمة. الشرط السابع: المحبة. فلابد أن يحب المسلم هذه الكلمة ويحب ما دلت عليه، ويحب أهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، ويبغض ما ناقض ذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقره: ١٦٥] . فمن قال "لا إله إلا الله" ولكنه أبغض ما دلت عليه من عبادة الله وحده لا شريك الله فليس بمسلم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] . أما نواقض "لا إله إلا الله"، وتسمى "نواقض الإسلام" و"نواقض التوحيد" وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعض أهل العلم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض.

стр. 37

وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسة، هي الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر "الاعتقادي"، وسيأتي الكلام على هذه النواقض في الباب الثاني - إن شاء الله تعالى -. * * *

стр. 38

المبحث الثاني: العبادة المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها . ... المبحث الثاني العبادة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها: عرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل: أولاً: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى. ويدخل في العبادات المحضة ما يلي: ١- العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين: أ - "قول القلب"، وتسمى "اعتقادية"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك. ب – "عمل القلب"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها. ٢- العبادات القولية. ومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى

стр. 39

بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك. ٣- العبادات البدنية: ومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك. ٤- العبادات المالية: ومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها. ثانياً: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات. ويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي: ١- فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها. فإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغياً بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلاً كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب المشي مبتغياً بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها، بلا نزاع.

стр. 40

ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد: " ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك ". متفق عليه، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري: " إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة ". متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلاً منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى ... الخ. ٢- ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلباً لثواب الله وخوفاً من عقابه وامتثالاً لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها بلا نزاع. ومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ". متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى. ٣- فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على
следующие страницы →