← Сира

Сира · id 11394

مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة

حافظ بن محمد حكمي

Полный текст (348 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأخرجه من طريق سفيان عن أبي الزبير: (٨٣) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن عيينة ح. وحدثنا ابن نمير حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: لم نبايع رسول الله ﷺ على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر"١. أخرجه الترمذي٢ عن أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة به مثله. وأخرجه النسائي٣ عن قتيبة عن سفيان به مثله. وأخرجه أحمد٤ والحميدي٥ كلاهما عن سفيان به مثله، وصرح أبو الزبير بالسماع من جابر عندهما وعند النسائي. وأخرج الترمذي الحديث عن جابر من طريق آخر بسياق آخر: (٨٤) قال: حدثنا سعيد٦ بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا عيسى٧ بن يونس عن الأوزاعي٨ عن يحيى٩ بن أبي كثير عن أبي سلمة١٠ عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ، قال جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نفر ولم نبايعه على الموت١١.

стр. 142

قال أبو عيسى: "وقد روى هذا الحديث عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: "قال جابر بن عبد الله، ولم يذكر فيه أبو سلمة"١. قلت: يعني أن الحديث جاء من وجه آخر منقطعاً لأن يحيى بن أبي كثير لم يدرك جابر بن عبد الله. قال أبو حاتم: "وأبو زرعة والبخاري وغيرهم لم يدرك أحداً من الصحابة إلا أنس بن مالك فإن رآه رؤية ولم يسمع منه"٢ ا. هـ وهنا قد تعارض الإرسال والوصل لكن الأرجح وصله، فالذي رواه عنه الترمذي موصولاً هو سعيد بن يحيى الأموي ثقة، وثقه ابن المديني بل قال: "إنه أثبت من أبيه ووثقه النسائي وغيره"٣. أما الطريق الذي فيه الإرسال ففيه انقطاع بين الترمذي وعيسى بن يونس، ورواه الترمذي أيضاً بصيغة التمريض، وإذا ترجح وصله فهناك علة في السند، وهي أن يحيى بن أبي كثير رواه بالعنعنة وهو مدلس٤، لكن لا يضر تدليسه هنا؛ لأن أصل الحديث ثابت عند مسلم عن جابر وغيره، وقد تقدمت قريباً٥. وفيه من حديث عبد الله بن مغفل: (٨٥) قال أحمد: حدثنا وكيع عن أبي جعفر٦ الرازي عن الربيع٧ ابن أنس عن أبي العالية٨ الرياحي أو عن غيره عن عبد الله بن مغفل وكان أحد الرهط الذين نزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ... ﴾ الخ، قال:

стр. 143

إنني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظل به النبي ﷺ وهم يبايعونه فقالوا، "نبايعك على الموت؟ قال: لا، ولكن لا تفروا"١. ذكره الهيثمي وقال: "رواه الطبراني وإسناده جيد إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو عن غيره"٢. قلت: شك الربيع بن أنس في شيخه الذي روى عنه يوجب ضعف الحديث، لجهالة الشيخ الذي يحتمل أنه روى عنه غير أبي العالية. لكن عجز الحديث الذي هو موضع الشاهد ثابت من أحاديث أخرى صحيحة تقدمت قريباً. (جـ) وقد سئل نافع على أي شيء كانت البيعة؟ فأجاب بأنها كانت على الصبر: (٨٦) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعناه تحتها كانت رحمة من الله فسألنا نافعاً على أي بايعهم؟ على الموت؟ فقال: لا، بايعهم على الصبر٣. بينت هذه الروايات الشيء الذي بايع عليه رسول الله ﷺ الصحابة يوم الحديبية، لكن رأينا في بعضها أنه بايعهم على الموت، وفي بعضها بايعهم على عدم الفرار وفي بعضها على الصبر، فكيف التوفيق بينها؟ الواقع أنه لا خلاف بين هذه النصوص كما بين ذلك بعض العلماء: قال الترمذي: قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: "لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر"٤ ا. هـ وقال ابن حجر: "لا تنافي بين قولهم، بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكر نافع وعدل إلى قوله: "بل بايعهم على الصبر" أي على الثبات سواء أفضى ذلك

стр. 144

إلى الموت أو لا، والله أعلم"١ ا. هـ قلت: ويؤيد توجيه ابن حجر ما ورد في مرسل الشعبي الآتي في قصة أبي سنان وفيه: "قال يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، قال: فبايعه رسول الله ﷺ وجاء الناس فجعلوا يقولون نبايعك على بيعة أبي سنان"٢.

стр. 145

المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان: ورد في بعض الروايات أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، إلا أنه قد عرف بهذه الكنية اثنان من بني أسد أحدهما: أبو سنان محصن أخو عكاشة بن محصن، والآخر أبو سنان بن وهب، ولذلك وقع خلاف أيهما المراد هنا، وقد ذكر بعضهم في ذلك غير أبي سنان الأسدي، وسوف يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله. (٨٧) قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله١ بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر٢ قال: إن أول من بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي٣. وقد أخرجه ابن هشام٤ عن وكيع به بمثله. وأخرجه البيهقي من طريق سفيان٥ بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "لما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك فقال النبي ﷺ : "علام تبايعني"؟ فقال أبو سنان ﵁: على ما في نفسك " هذا أبو سنان الأسدي. وأورده ابن سيد الناس من طريق عاصم الأحول: قال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي عروبة٦ ثنا علي٧ بن المنذر ثنا محمد٨ ابن فضيل عن عاصم٩ عن عامر١٠ قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان

стр. 146

الأسدي، قال: "يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، فبايعه رسول الله ﷺ وجاء الناس فجعلوا يقولون: نبايعك على بيعة أبي سنان" ١. هذا الأثر صحيح بمجموع طرقه إلى الشعبي وهو مرسل. وجاء في حديث ابن عمر عند الطبراني "أبو سنان بن محصن": (٨٨) قال الطبراني: حدثنا أحمد٢ ثنا محمد٣ بن عبد الله بن عبيد ابن

стр. 147

عقيل ثنا يعقوب١ بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز٢ بن عمران عن محمد٣ بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن سالم٤ عن أبيه٥ قال: ودعا رسول الله ﷺ يوم الحديبية الناس للبيعة، فقام أبو سنان بن محصن فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بالسيف بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان٦. قال الطبراني: "لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب"٧. وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز ابن عمران، وهو متروك"٨. قلت: وفيه أيضاً محمد بن عبد العزيز شيخ عبد العزيز بن عمران، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك٩. وقد عد ابن رجب١٠ بيتهم في البيوت التي اشتهرت بالضعف.٣

стр. 148

وهذا الحديث مع ضعف سنده في متنه نكارة أيضاً، ففيه أن أول من بايع أبو سنان بن محصن، وأبو سنان بن محصن مات قبل ذلك في حصار بني قريظة١. وقد ظن الواقدي أن المشار إليه في الروايات السابقة هو هذا فوهّم قائله، وقال٢: إن أول من بايع بيعة الرضوان هو سنان بن أبي سنان وتبعه على ذلك أبو هلال العسكري٣ وابن سيد الناس٤، وكأنه لم تبلغهم الراويات التي وردت عن الشعبي وغيره تصرح بأن المذكور في البيعة هنا هو أبو سنان بن وهب، والروايات هي: (٨٩) قال ابن عبد البر: ذكر الحلواني٥ عن أبي أسامة٦ عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي، فقال له رسول الله ﷺ : علام تبايع؟ قال: على ما في نفسك فبايعه وتتابع الناس فبايعوه٧. (٩٠) وقال أيضاً: ذكر أبو العباس٨ محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا هناد بن السري٩ قال حدثنا أبو بكر١٠ بن عياش عن عاصم عن زر١١ قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب١٢.

стр. 149

قال ابن حجر: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن زر بن حبيش فذكر مثله١. وذكر ابن حجر أن طريق زر بن حبيش وطريق الشعبي كلاهما صحيح٢. فهذا الحديث حسن لغيره وإن كان مرسلاً إلا أنه قد اختلف مخرجه فدل على أن له أصلاً وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح بقوله: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر٣. وهنا قد صح مخرجه من وجهين فارتفع إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة وهي: رجحان القول بأن أول من بايع هو أبو سنان بن وهب الأسدي، وليس أبو سنان بن محصن لهذا الحديث ولأن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه أبو سنان بن محصن ضعيف جداً لا يقوى على المعارضة والروايات التي قالت: أبو سنان الأسدي تفسرها هذه الرواية، والله أعلم. ذكر ابن حجر: أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: "أول من بايع تحت الشجرة أبو سفيان بن الحارث" ٤. وقد تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه فقال: أبو سنان بن وهب وهو الصواب وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان: عبد الله" ٥ ا. هـ وقد أورد السفاريني على قصة أبي سنان بن وهب - من كونه أول من بايع - ما روى مسلم في حديث سلمة أنه أول من بايع: ثم أجاب عن ذكل بقوله: "والجمع بينهما: بأن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان"٦.

стр. 150

المبحث الخامس: ما ورد في فضل أصحاب البيعة: قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض"، وكنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة١. وفيه من حديث أم مبشر عند مسلم: (٩١) قال: حدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله: فانتهرها فقال: حفصة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ٢، فقال النبي ﷺ : قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣.٤ وأخرجه أحمد٥ عن حجاج به مثله. وأخرجه البيهقي٦ من طريق حجاج به مثله. وأخرجه ابن ماجه من حديث حفصة ﵂: (٩٢) حدثنا أبو بكر٧ بن أبي شيبة ثنا معاوية٨ عن الأعمش٩ عن

стр. 151

أبي سفيان١ عن جابر٢ عن أم مبشر٣ عن حفصة٤ قال: قال النبي ﷺ : "إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله تعالى ممن شهد بدراً والحديبية". قالت قلت: يا رسول الله أليس قد قال الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ ٥؟ قال: "ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٦.٧ وأخرجه أحمد٨ وأبو يعلى٩ وإسحاق١٠ بن راهويه كلهم من طريق الأعمش به فذكروا نحوه. وأخرجه ابن أبي عاصم١١ عن أبي بكر بن أبي شيبة به نحوه. وأخرجه١٢ أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، كلاهما عن عبد الله بن إدريس عن الأعمش به نحوه. قال البوصيري١٣: حديث حفصة صحيح رجاله ثقات، إن كان أبو سفيان سمع من جابر بن عبد الله. قلت: كأنه يشير إلى الخلاف في سماع أبي سفيان من جابر:

стр. 152

فقد قال شعبة وابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هو صحيفة١ ا. هـ وقال أبو خالد يزيد الدالاني: "لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث"٢ ا. هـ لكن قد أثبت البخاري سماعه من جابر: قال البخاري: نا مسدد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان: جاورت جابراً بمكة ستة أشهر٣. وقال البخاري أيضاً: قال علي: سمعت عبد الرحمن قال: قال لي هشيم: عن أبي العلاء أيوب قال: قال أبو سفيان: كنت أحفظ وكان سليمان اليشكري يكتب، يعني عن جابر٤ ا. هـ فهذا البخاري قد أثبت سماع أبي سفيان من جابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث صحيحاً على رأي البوصيري. وقال الألباني٥: "اسناده جيد على شرط مسلم". قلت: نعم هذا الحديث صحيح، ولا يضره تدليس الأعمش٦ وأبي سفيان٧. فقد قال ابن عدي٨ عن الأعمش: "أحاديثه عن أبي سفيان مستقيمة، وأيضاً فاصل الحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث أم مبشر السابق". وأخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله مختصراً:

стр. 153

(٩٣) قال: حدثنا قتيبة١ بن سعيد ويزيد٢ بن خالد الرملي، أن الليث٣ حدثهم عن أبي الزبير٤ عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"٥. وأخرجه الترمذي٦ عن قتيبة به فذكره بمثله. وأخرجه أحمد٧ عن حجين٨ ويونس٩، كلاهما عن الليث به مثله. قال الترمذي:١٠ هذا حديث حسن صحيح. قلت: نعم هو حديث صحيح ولا تضره عنعنة أبي الزبير وإن كان مدلساً لأنه من رواية الليث بن سعد وقد أعلم له على ما سمعه من جابر. قال العلائي: قال سعيد بن أبي مريم ثنا الليث بن سعد قال: "جئت أبا الزبير فدفع إليّ كتابين، فانقلبت بهما ثم قلت في نفسي لو أني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر قال: سألته فقال: منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي"١١. وقال العلائي تعقيباً على ذلك، ولهذا توقف جماعة من الأئمة عن الاحتجاج بما لم يروه الليث عن أبي الزبير١٢.

стр. 154

ومن جملة ما ورد في فضلهم أيضاً ما ورد في قصة حاطب من حديث جابر عند مسلم: (٩٤) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح. وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر أن عبداً لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطباً، فقال: "يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية"١. وأخرجه الترمذي٢ عن قتيبة به فذكره بمثله. وأخرجه أحمد من طريق الليث٣ وابن جريج٤ كلاهما عن أبي الزبير عنه بمثله. ومن طريق ابن جريج صرح أبو الزبير بالسماع من جابر. ومما ورد في فضلهم أيضاً ما رواه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله ﵄: (٩٥) قال حدثنا محمود٥ بن غيلان حدثنا أزهر٦ السمان عن سليمان٧ التيمي عن خداش٨ عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر "٩. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق خداش مطولاً:

стр. 155

(٩٦) قال: حدثنا محمد١ بن هارون الفلاس المخرمي حدثنا سعيد٢ بن عمرو الأشعثي حدثنا محمد٣ بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة، إلا صاحب الجمل الأحمر"، قال فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا تعال فبايع، قال: أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع٤. هذا الحديث بهذا اللفظ منكر، والمعروف ما روي من طريق قرة بن خالد عن أبي الزبير عند مسلم: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر"٥. لأنه من طريق قرة بن خالد، وقد قال عنه ابن حجر: ثقة ضابط. أما الحديث الآخر فهو من طريق خداش بن عياش، وقد ذكر الترمذي أنه لا يعرفه٦. وقال ابن حجر: "لين الحديث، وإذا خالف الضعيف الثقة فحديثه الضعيف منكر"، قال ابن حجر: "فإن خولف الراوي بأرجح يقال له المحفوظ ومقابله يقال به الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف، ومقابله يقال له: المنكر"٧. وفيه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد:

стр. 156

(٩٧) قال: حدثنا يحيى١ عن محمد٢ بن أبي يحيى قال: حدثني أبي٣ أن أبا سعيد حدثه أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: "لا توقدوا ناراً بليل" فلما كان بعد ذلك قال: " أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم"٤. وأخرجه ابن أبي شيبة٥ ومسدد٦ كلاهما عن يحيى به مثله. وأخرجه النسائي٧ وأبو يعلى٨ كلاهما من طريق يحيى به نحوه إلا عند أبي يعلى "فلن يدرك قوم بعدكم بمدكم ولا بصاعكم". وأخرجه الحاكم من طريق يحيى به وقال: "صحيح الإسناد"٩ ووافقه الذهبي١٠، والألباني١١. وذكر الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد ثم قال: "ورجال ثقات"١٢. وحسنه ابن حجر١٣ قلت: هذا الإسناد حسن كما قال ابن حجر فأبو يحيى هو سمعان الأسلمي لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي لا بأس به١٤. وفيه من حديث مالك بن ربيعة السلولي عند الطبراني:

стр. 157

(٩٨) قال: حدثنا محمد١ بن الحسين بن مكرم ثنا يحيى٢ ابن محمد بن السكن ثنا إسحاق٣ بن إدريس ثنا يحيى٤ بن بريد ابن مالك بن ربيعة السلولي ثنا بريد٥ بن مالك بن ربيعة عن أبيه٦ أنه شهد مع رسول الله ﷺ يوم الشجرة ويوم الهدي معكوفاً قبل أن يبلغ محله، وأن رجلاً من المشركين قال: يا محمد ما يحملك على أن تدخل علينا هؤلاء ونحن لهم كارهون، قال: "هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد ﵃"٧. وذكره في مجمع الزوائد٨ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه إسحاق بن إدريس وهو متروك. قلت: بل وصف ابن معين إسحاق هذا بالكذب والوضع، فهذا الإسناد ضعيف جداً. وقد شمل فضل هذه البيعة عثمان بن عفان ﵁ مع أنه كان غائباً عنها، وذلك أن رسول الله ﷺ قد بايع له بإحدى يديه: .

стр. 158

(٩٩) قال الترمذي: حدثنا أبو زرعة١: حدثنا الحسن٢ بن بشر حدثنا الحكم٣ بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما أمر رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وكان عثمان بن عفان ﵁ رسولُ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله ﷺ فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خير من أيديهم لأنفسهم"٤. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. قلت: هذا الإسناد في الحكم بن عبد الملك ضعفه ابن معين وغيره. وقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة منه ما يتابعه عليه الثقات، ومنه لا يتابعه٥ ا. هـ وهذا الحديث مما تابعه عليه الثقات، فأصل الحديث ثابت من حديث ابن عمر عند البخاري، ومن حديث أبي سلمة عند أحمد: (١٠٠) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان - هو ابن وهب - قال: "جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوم جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر إن سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن

стр. 159

الله قد عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت١ رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة، لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان. وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان"، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك٢. (١٠١) وقال أحمد: حدثنا أبو قطن٣ ثنا يونس٤ - يعني ابن أبي إسحاق عن أبيه٥ عن أبي٦ سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان ﵁ من القصر وهو محصور، فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء٧ إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وأنا معه فانتشد له رجال، قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة قال: "هذي يدي وهذه يد عثمان ﵁ فبايع لي فانتشد له رجال"٨ الحديث. سند هذا الحديث صحيح رجاله على شرط مسلم.

стр. 160

الفصل الرابع: في صلح الحديبية المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته ... المبحث الأول: أسباب الصلح ومقدماته: إننا حين نستعرض الأحداث والملابسات التي سبقت الصلح ووطّأت ذلك التوتر الناجم عن شوق المسلمين إلى البيت من جانب، وعن حمية قريش وحنقها على المسلمين من جانب آخر - حين نستعرض تلك الأحداث والملابسات نجد أن داعي الصلح وسببه قاسم مشترك بين الفريقين، فقد عرضت للمسلمين أحداث وطنت نفوسهم لقبول الصلح، كما عرضت للمشركين أحداث أخرى وملابسات ألجأتهم لقبول الصلح والرضا به. (أ) السبب في ميل المسلمين إلى الصلح: خرج المسلمون من المدينة وهم أشد ما يكونون شوقاً إلى البيت الحرام، ولقد كانوا عازمين على دخول مكة، وأداء نسكهم مهما كلفهم ذلك من ثمن، وفي الوقت نفسه كانوا حاسبين حساب قريش - لما كانوا يعلمونه من عدائها لهم وحنقها عليهم - ولذلك أخذوا أهبتهم لاجتياح كل ما من شانه أن يعوق طريق سيرهم، ولقد تجلى موقفهم بوضوح عندما أتاهم نبأ قريش وإعدادها لصدهم، فقد جاء في حديث المسور ومروان ما نصه: "حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك. فقال: أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذي يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتوا كان الله قد قطع عيناً من المشركين

стр. 161

وإلا تركناهم محروبين؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: فامضوا على اسم الله"١. نلاحظ من خلال هذا النص حدة موقف المسلمين فرسول الله ﷺ يستشير أصحابه في الإغارة على أهالي أولئك الذين قاموا بتعزيز جانب قريش ثم يستقر رأيهم أخيراً على قتال كل من حاول صدهم عن البيت. كان هذا موقف المسلمين الذي استقر عليه رأيهم بعد المشورة، لكن رأينا بعد ذلك تصريحاً من رسول الله ﷺ يباين ذلك الموقف تماماً. يقول ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ... ". بالمقارنة بين هذا النص والنص السابق نرى الفارق بينهما، ذلك أن النص السابق يشعر بالحزم والصرامة، أما الأخير فيوحي باللين والتسامح إلى حد بعيد. فما الذي حول الموقف السابق يا ترى؟ هذه العبارة التي صدرت عن رسول الله ﷺ تحمل في غضونها السماحة واللين سبقها في الحديث ما نصه: "حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل، حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة ... "٢ الخ. فهذا النص يفسر لنا الحامل لرسول الله ﷺ على ذلك التصريح الذي حول موقفه الأول، فما الذي جاء في هذا النص؟ جاء فيه حادثة بروك ناقته ﷺ ، وإذن فبروك الناقة هو السبب في تحويل موقفه، ولا أعني ببروك ناقته البروك ذاته لكن أقصد ما وراء البروك وهو ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: "ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ... ".

стр. 162

والذي حبس الفيل عن مكة هو الله سبحانه، وإذن فالله هو الذي حبس ناقة رسول الله ﷺ في الحديبية ليقضي الله أمراًً كان مفعولاً. وحين أدرك رسول الله ﷺ ذلك الأمر أصدر التصريح الذي غير به موقفه الأول إلى ذلك الموقف السمح المتجاوب، فكان له الأثر الفعال في نجاح الصلح حيث كان الجانب الإيجابي في مقابل سلبيات قريش. (ب) السبب في انصياع قريش للصلح: أما السبب الذي ألجأ قريشاً لقبول الصلح والرضا به، فيرجع إلى بيعة الصحابة لرسول الله ﷺ مع ملابسات أخرى، وتوضيح ذلك: لما هب الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله ﷺ فبايعوه على القتال حتى يفتح الله عليهم أو يموتوا كان قد حضر ذلك المشهد بعض رسل قريش، فأذهلهم الأمر ثم نقلوا تلك الصورة إلى قومهم، فأحدثت في أنفسهم هزة عنيفة جعلت منهم آذاناً صاغية لقبول الصلح، فقد جاء في مرسل عروة بن الزبير عند البيهقي ما نصه: "ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة ونادى منادي رسول الله ﷺ ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة فاخرجوا على اسم الله، فبايعوا فثاب المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على ألا يفروا أبداً، فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح"١. فهذا النص يبرز لنا مدى تأثير البيعة في نفوس المشركين. وقد عزز أثر تلك البيعة ملابسات أخرى من قبل رسل المشركين أنفسهم: فعروة بن مسعود حين رجع إلى قريش عظم لهم شأن رسول الله ﷺ وذكره لهم من أفعال الصحابة ما يبرهن على أنهم لن يسلموا رسول الله ﷺ لشيء أبداً وأنهم سيبذلون نفوسهم دونه، ثم نصح قريشاً بقبول الهدنة، وأن يخلوا بين المسلمين وما جاءوا له. فقد جاء في حديث المسور ومروان من رواية معمر ما نصه: "فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على قيصر وكسرى

стр. 163

والنجاشي والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابة ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلى وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عند، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها"١. وجاء في حديثهما من طريق ابن إسحاق نحو ما تقدم في رواية معمر وزاد: "ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم ... "٢. وعروة بن مسعود له منزلته وشهرته في أوساطهم، حتى قال أكثر المفسرين المراد بالآية: ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٣ الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود٤. لذلك كان لكلامه وقعة في نفوسهم وقد أشار إلى ذلك مرسل عروة بن الزبير عند ابن أبي شيبة فقد جاء فيه ما نصه: "فلما سمعوا مقالته أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ومكرز بن حفص فقالوا: "انطلقوا إلى محمد فإن أعطاكم ما ذكر عروة فقاضياه ... "٥. وقال ابن حجر عن عروة بن مسعود: "وكانت له اليد الطولى في تقرير الصلح"٦. وكان من بين رسل قريش الذين شنعوا عليها تلك الغطرسة أيضاً: الحليس بن علقمة: فقد جاء خبره في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق قال: "فبعثوا الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوا الهدي، فلما رآه يسيل من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظاماً لما رأى فقال: يا معشر قريش قد رأيت مالا يحل صده عن البيت، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا:

стр. 164

اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك ... "١. وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن أبي بكر: "أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاء معظماً له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به"٢. فهذا الموقف من رسل قريش معها - إلى جانب ما أحدثته البيعة في نفوسها من ذعر - كان السبب في انصياعها وقبولها الصلح.

стр. 165

المبحث الثاني: الشروط التي تم عليها الصلح: كانت قريش قد ألجأت إلى الصلح إلجاء لأنها لا تريد أن تعترف بالمسلمين كندٍ لها يواقفونها جنباً إلى جنب، فيتحدث الناس بذلك عنها. أما رسول الله ﷺ فكان يهدف من وراء الصلح إلى تحقيق مصالح للدعوة بعيداً عن السمعة والأغراض الشخصية. وما كانت تلك الشروط التي وقع عليها الصلح إلا صورة عاكسة لذينك الموقفين. فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: "فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال النبي ﷺ : اكتب (باسمك اللهم) ، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: (محمد بن عبد الله) ، فقال النبي ﷺ : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب (محمد بن عبد الله) قال

стр. 166

الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فقال النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٢ في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: والله إذا لم أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي ﷺ : فأجزه٣ لي، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك ... " ٤. وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر الخلاف حول كتابه "بسم الله الرحمن الرحيم" و "محمد رسول الله" قال: فقال سهيل: ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة٥، وأنه لا إسلال ولا إغلال٦، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن

стр. 167

مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثاً معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب١.٢ وأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق به مختصراً ذكر فيه بعض الشروط ولفظه: "أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال٣. وفي مرسل عروة الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة: ذكر نحو رواية ابن إسحاق وبين فيه أبو أسامه معنى العيبة المكفوفة، والإسلال والإغلال، فقد جاء فيه ما نصه: "وكان في شرطهم أن بيننا للعيبة المكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، قال أبو أسامة: الإغلال الدروع، والإسلال السيوف، ويعني بالعيبة المكفوفة أصحابه يكفهم عنه - وأنه من أتاكم منا رددتموه علينا، ومن أتانا منكم لم نردده عليكم، فقال رسول الله ﷺ : ومن دخل معي فله مثل شرطي، فقالت قريش، ومن معنا فهو منا له مثل شرطنا، فقالت بنو كعب: نحن معك يا رسول الله، وقالت بنو بكر: نحن مع قريش ... "٤. وقد وردت أحاديث أخرى ببعض تلك الشروط: فمنها حديث البراء ﵁: (١٠٢) قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ ، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب٥، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد

стр. 168

الله لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة ... " ١. وأخرجه في المغازي٢ بنفس السند، وفي: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: ... ". ومنها حديث ابن عمر ﵄: (١٠٣) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر من العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً إلا سيوفاً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج، فخرج"٣. وأخرجه٤ في المغازي عن محمد بن رافع بهذا السند وعن محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به. ومنها أيضاً حديث أنس ﵁: (١٠٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشاً صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعلي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) قال سهيل: أما بسم الله فما ندري ما (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: أكتب (محمد رسول الله) قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ : اكتب (من محمد بن عبد الله) فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا.

стр. 169

فقالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً" ١. وأخرجه أحمد٢ عن عفان به مثله، إلا أنه لم يذكر في آخره: "ومن جاءنا منهم ... ". ملخص الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية: (١) أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يصلوا إلى مكة. (٢) يقضون عمرتهم من العام المقبل ويقيمون بمكة ثلاثة أيام. (٣) لا يدخلون مكة بسلاح إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب. (٤) من جاء النبي ﷺ من قريش بغير إذن وليه يرده عليهم، ومن جاء قريشاً من المسلمين لا ترده إليهم. (٥) من أراد أن يدخل في عقد النبي ﷺ وعهده دخل فيه، وله مثل شرطه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، وله مثل شرطها. (٦) أن بينهم عيبة مكفوفة. (٧) أنه لا إسلال ولا إغلال. (٨) توضع الحرب بينهم عشر سنين. وهذا التحديد بعشر سنين ورد في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن٣. وقد جاء في حديث ابن عمر عند ابن عدي وغيره أن مدة الهدنة كانت أربع سنين.

стр. 170

(١٠٥) قال ابن عدي: أخبرنا القاسم١ بن مهدي قال: ثنا يعقوب٢ بن كاسب قال: ثنا عبد الله بن نافع٣ عن عاصم٤ بن عمر عن عبد الله٥ بن دينار عن ابن عمر قال: كانت الهدنة بين النبي ﷺ وأهل مكة عام الحديبية أربع سنين٦. وأخرجه الطبراني٧ من طريق عبد الله بن نافع بع نحوه. وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات٨. وقال ابن حجر: سندع ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح٩. قلت: هو كما قال ابن حجر منكر لأن مداره على عاصم بن عمر وقد قال البخاري: منكر الحديث وضعفه غير واحد١٠، وقد خالف حديثه هذا ما ثبت في رواية ابن إسحاق.

стр. 171

المبحث الثالث: كاتب الصلح وشهوده: أ - كاتب الصلح: كان الذي كتب عقد الصلح بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش يوم الحديبية هو علي بن أبي طالب، كما ثبت في الأحاديث والآثار التالية

стр. 172

(١٠٦) قال عبد الرزاق: عن عكرمة١ بن عمار قال: أخبرنا أبو زميل٢ سماك الحنفي أنه سمع ابن عباس يقول: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب٣. الحديث صحيح بهذا الإسناد، فعكرمة بن عمار وأبو زميل ثقتان أخرج لهما مسلم. (١٠٧) وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر٤ قال: سألت عنه الزهري فضحك وقال: هو علي بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء قالوا: عثمان بن عفان يعني بني أمية٥. هذا الأثر أرسله الزهري، لكن يشهد هل حديث ابن عباس السابق وغيره. (١٠٨) وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد٦ قال: حدثنا سلمة٧ عن محمد بن إسحاق عن بريدة٨ بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد٩ بن كعب القرظي

стр. 173

عن علقمة١ بن قيس النخعي عن علي٢ بن أبي طالب ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: لا أعرف هذا ... ٣ الحديث. سند هذا الحديث ضعيف جداً؛ لأن فيه ابن حميد (هو محمد) بن حميد الرازي، قال الذهبي: منكر الحديث٤، وفي إسناده أيضاً بريدة بن سفيان، قال البخاري: فيه نظر، وسئل أحمد عن حديثه فقال: بليه، وقال الدارقطني: متروك٥. لكن الحديث أصله في الصحيحين دون ما في آخره، ومما أشار إلى ذلك في الصحيح ما يلي: (١٠٩) قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب ﵁ بينهم كتاباً فكتب: "محمد رسول الله" فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي: امحه، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ قال: القراب بما فيه"٦. وأخرجه٧ مسلم عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر به نحوه. وأخرجه٨ عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به قال فيه: "كتب علي

стр. 174

بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ... " الحديث بنحوه. (ب) الشهود على الصلح: أما الشهود على هذا العقد فقد سماهم حديث علي بن أبي طالب ﵁ عند ابن جرير: فبعد أن ذكر الكاتب وما دار بين رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو وما اتفقوا عليه وقصة أبي جندل، قال: فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين: أبا بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأخيف، وهو مشرك أخا بني عام بن لؤي، وعلي بن أبي طالب "وهو كاتب الصحيفة"١. سبق أن بينت ضعف هذا الحديث. وقد ذكر الواقدي٢ وابن سعد٣ هؤلاء الشهود سوى عبد الله بن سهيل بن عمرو وعلي بن أبي طالب، وقالا: محمد بن مسلمة بدل محمود بن مسلمة، وزادا: عثمان بن عفان وأبا عبيدة بن الجراح، وحويطب بن عبد العزى وكان مشركاً آنذاك.

стр. 175

المبحث الرابع: تألم عمر وبعض الصحابة من شروط قريش: كان رسول الله ﷺ قد أخذ على نفسه ألا يرد خطة يعرضها عليه المشركون تهدف إلى تعظيم حرمات الله، ومن هذا المنطلق جعل يوافق على كل ما تمليه قريش من شروط بل كان يتنازل عما يريده هو إذا رأى تصلباً من جانب قريش، فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: "فقال النبي ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: "أما الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا: "بسم الله الرحمن الرحيم"،

стр. 176

فقال النبي ﷺ : اكتب "باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن أكتب: "محمد بن عبد الله" فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني" اكتب "محمد بن عبد الله"، قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ... "١ الحديث. فهذا النص يصور لنا مدى تسامح رسول الله ﷺ مع قريش، وقد استغلت قريش ذلك اللين من رسول الله ﷺ فجعلت تملي شروطها، يظهر منها الأجحاف في حق المسلمين الأمر الذي أثار حفيظة بعض المسلمين حتى فعل ما فعل: ففي حديث المسور ومروان٢ السابق: "فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف٣ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، قال النبي ﷺ : فأجزه٤ لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على

стр. 177

الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ ليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري١: قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً ... ". وفي حديث المسور ومروان أيضاً من طريق ابن إسحاق: "فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه النبي ﷺ قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام وتراجعا، حتى جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ابن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أوليس برسول الله ﷺ ؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر إلزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولم يضيعني، ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً ... "٢. وفي موضع آخر٣ في رواية ابن إسحاق أيضاً: "وقد كان المسلمون خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: يا محمد قد لجّت٤ القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت فقام إليه فأخذ بتلبيبه٥ قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني، قال: فزاد الناس شراً إلى ما بهم فقال رسول الله ﷺ : يا أبا جندل اصبر واحتسب

стр. 178

فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهداً وإنا لن نغدر بهم، قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه قال يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال: فظن١ الرجل بأبيه ونفذت القضية ... ". وقد وردت قصة عمر في حديث سهل بن حنيف أيضاً: (١١٠) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا يزيد بن عبد العزيز عن أبيه حدثنا حبيب بن ثابت قال: حدثني أبو وائل قال: كنا بصفين فقام سهل بن حنيف فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم فإنا كنا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: بلى، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية٢ في ديننا؟ أنرجع ولا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً، قال: فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له: مثل ما قال للنبي ﷺ ، فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم"٣. وأخرجه من طريق يعلى بن عبيد الطنافسي عن عبد العزيز عن حبيب قال: "أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله فقال علي: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين - ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر ... "٤ الحديث، دون قوله: "فقرأها رسول الله ﷺ على عمر ... ".

стр. 179

وأخرجه مسلم١ من طريق عبد الله بن نمير عن عبد العزيز بن سياه به فذكر نحوه وزاد في آخره: "فطابت نفسه ورجع". وأخرجه أحمد٢ من طريق يعلى بن عبيد عن عبد العزيز به نحوه وذكر في أوله قصة. وأخرجه البيهقي٣ من طريق يعلى بن عبيد وعبد الله بن نمير كلاهما عن عبد العزيز به فذكره بنحوه وزاد في آخره: "فطابت نفسه ورجع". كانت هذه رواية حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل، وقد رواه عنه غيره: فأخرجه البخاري من طريق الأعمش عن أبي وائل: قال: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة قال: سمعت الأعمش قال: "سألت أبا وائل شهدت صفين؟ قال: نعم: فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفضعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا"٤. وأخرجه٥ من طريق أبي عوانة عن الأعمش به نحوه، وزاد في آخره: وقال أبو وائل: "شهدت صفين وبئست صفين". وأخرجه مسلم٦ من طريق أبي معاوية وجرير ووكيع كلهم عن الأعمش به نحوه. وأخرجه أحمد٧ والحميدي٨ كلاهما من طريق ابن عيينة عن الأعمش به نحوه. وأخرجه البخاري من طريق أبي الحصين عن أبي وائل:

стр. 180

قال: حدثنا الحسن بن إسحاق حدثنا محمد بن سابق حدثنا مالك ابن مغول قال: سمعت أبا حصين قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل ... " وذكر بنحو من رواية الأعمش، وزاد في آخره: "ما نسد منها خصماً إلا تفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له"١. وأخرجه مسلم٢ من طريق أبي أسامة عن مالك بن مغول به نحوه. وقد تحدث عمر ﵁ نفسه - عما قاساه من عنت قريش يوم صلح الحديبية، جاء ذلك في حديثه عند ابن سعد. (١١١) قال: أخبرنا موسى٣ بن مسعود النهدي أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل٤ عن ابن عباس قال: قال عمر٥ بن الخطاب: لقد صالح رسول الله ﷺ أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئاً لو أن نبي الله أمر علي أميراً فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت ولا أطعت، وكان الذي جعل: أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردون ومن لحق بالكفار لم يردوه"٦. وقد أورده السيوطي ثم عزاه لابن سعد، وقال: سنده صحيح٧. قلت: الحديث حسن لأن في سنده موسى بن مسعود النهدي مختلف فيه، فقد ضعفه الترمذي وبندار وقال ابن خزيمة لا أحتج به، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم٨ بينما وثقة العجلي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أحمد: صدوق في حفظه شيء، وقال ابن معين: لم يكن من أهل الكذب، وقال ابن سعد: كان كثير
следующие страницы →