← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حتى أوردتموها بإلحاحكم وفضولكم وسوء سياستكم هذا المورد الوبيل. لا تلوموا سعدا باشا على فشلكم وإخفاقكم ولوموا أنفسكم، فقد أبلى الرجل البلاء العظيم في نصحكم وتحذيركم, وتنبأ لكم بكل ما وقع لكم اليوم كأنما كان يطالع صحيفة من صحائف الغيب فلم تكترثوا له, ولم تحفلوا بنصحه. قال لكم: إن المفاوض الإنجليزي لا يحفل ولا يعبأ إلا بمفاوض يعتقد أنه يمثل أمته, وينطق بلسانها نطقا حقيقيا لا تمثيليا, فاتهمتموه بحب الرئاسة والسعي وراء الشخصيات ورميتموه بسوء النية والقصد. وقال لكم: إن الإنجليز لا يريدون بفتح باب المفاوضة معكم إلا الاستعانة بكم على تمزيق شمل الأمة وتبديد وحدتها, وهي القوة الوحيدة التي تملكها ولا تملك غيرها, وألا خير يرجى من هؤلاء القوم لكم ولا لغيركم, فثرتم في وجهه وسمحتم لأنفسكم أن تسيئوا الظن به ولا تسيئوه بالإنجليز. وقال لكم: احذروا أن تخطوا خطوة واحدة في طريق المفاوضة قبل أن تستوثقوا لأنفسكم بمرسوم سلطاني يحدد موضوع المفاوضة, ويكون أساسا لها فأنكرتم ذلك عليه, وزعمتم أن

стр. 947

في أيديكم من الوعود المؤكدة, والأقسام المغلظة ما يغنيكم عن هذا الاحتياط والاستيثاق. وقال لكم: إن الإنجليز يخافون أكثر مما يستحيون, وإنهم لا يعرفون في السياسة مودة ولا إخاء, وإنهم لا يريدون من استبدال مفاوض بمفاوض إلا الهرب من شدة الأول والطمع في لين الثاني, فسفهتم رأيه وزعمتم أنهم قوم ذوو أخلاق كريمة وآداب عالية وعواطف شريفة وأمزجة رقيقة, وأنهم يمنحون الصديق الذي يحاسنهم أضعاف ما يمنحون العدو الذي يخاشنهم. وقال لكم في نهاية الأمر: لا إرادة لي ولا لكم فيما تقضي به الأمة وما تراه في شأني وشأنكم, فلنتحاكم إليها ولننزل جميعا على حكمها, فأكبرتم ذلك منه وسميتموه رجلا ثائرا متمردا لا يخضع لقانون, ولا نظام. قال لكم كل شيء، وحذركم من كل شيء، فلم تلومونه اليوم وتلقون تبعة إخفاقكم عليه ولم يملأ بغضه صدوركم حتى يصرفكم عن الالتفات إلى عدوكم الحقيقي الذي لعب بكم وعبث بعقولكم, وكون منكم جيشا جرارا لمحاربة أمتكم وتنغيص عيشها وتكدير صفائها حتى إذا قضى حاجته منكم وفرغ من تمزيق شمل الأمة وصدع وحدتها على أيديكم أدار وجهه عنكم, ونبذكم نبذ النواة

стр. 948

بلا رحمة ولا شفقة، وهذا هو المعنى الحقيقي للمفاوضة التي أجراها على أيديكم, وهذا هو كل الغرض المقصود منها. ليسأل عدلي باشا اللورد ملنر عن هذه النتيجة المحزنة التي انتهى إليها أمره، فهو الذي خدعه وغشه ومناه الأماني الكاذبة ووقف به على رأس ذلك الطريق الجميل الذي ظن أنه ينتهي به إلى زعامة الأمة وقيادتها، ثم لم يلبث أن خذله وتخلى عنه، بل استقال من وظيفته حتى لا يتقيد بالوعد الذي وعده إياه. ليسأل المنشقون "عدلي باشا" عن السقطة الأدبية العظمى التي هوت بهم من سماء العزة والشرف إلى حضيض المهانة والضعة, فهو الذي زين لهم الانشقاق على زعيمهم والخلاف عليه, وأغراهم باتخاذ خطة في السياسة غير خطته, ففعلوا فكان ذلك عاقبة أمرهم وخاتمة مطافهم. ليسأل الوزاريون جميعا المنشقين والوزراء عن خيبة الأمل التي لحقت بهم والصدمة الكبرى التي اصطدمتها آمالهم وأمانيهم, فهم الذين خلبوهم واستهووهم وأطمعوهم في الجوائز والمنح والوظائف والرتب يوم يتم لهم الانتصار على أيديهم, فلا هم أدركوا ما أملوا، ولا هم بقوا في صفوف أمتهم يعملون معها, ويجاهدون في سبيلها.

стр. 949

ليسأل كل منكم صاحبه عن نكبته التي نزلت به, ولا تسألوا سعدا باشا عن شيء ولا تلوموه في أمر, بل اشكروا له فضله عليكم ويده عندكم، فلولاه ولولا جهاده ومعارضته ووقوفه في وجهكم ووجه مشروعكم وقفة الأسد الهصور, لتمت على يدكم الجريمة الكبرى، جريمة تسليم البلد إلى أعدائه، ولسجل التاريخ عليكم في صحائفه أنكم أصحاب تلك الجريمة ومقترفوها. أفهمتم الآن أن سعدا باشا أصدق منكم نظرا وأعلى رأيا وأنفذ بصيرة في بواطن الأشياء، وأنه ما كان يعارضكم يوم عارضكم حبا في الرئاسة أو سعيا وراء الشخصيات كما كنتم تزعمون، بل حرصا على مصلحة البلد وضنا بخلاصه وإنقاذه. أفهمتم الآن أنه لو كان نزل على رأيكم وخضع لأوهامكم وأحلامكم, وهذا هو ذنبه الوحيد الذي تأخذونه به, لدفن معكم في الهوة التي دفنتم فيها اليوم, ولم يبق في الأمة من بعده صوت صارخ ينادي بحريتها واستقلالها. أفهمتم الآن أنه لا يوجد بينكم رجل سياسي واحد يكتنه بواطن السياسة ويستشف أعماقها، ويدير معركتها الإدارة الكافلة بفوز الأمة وانتصارها, أو بإنقاذها من خطر الوقوع

стр. 950

في ربقة الأسر على الأقل، وأنه لو تم على يدكم إسقاط سعد باشا كما كنتم تريدون لطال حزنكم وبكاؤكم يوم تطلبون غيره ليقوم مقامه, ويملأ فراغه فلا تجدون. ماذا كان يظن أعضاء بعثتكم بأنفسهم يوم ذهبوا للمفاوضة على الصورة التي ذهبوا عليها، وكيف كانوا يتصورون أن المفاوض الإنجليزي يعطيهم الاستقلال تاما أو ناقصا وقد تقدموا إليه بيد فارغة من كل قوة يستطيع المفاوض أن يعتمد عليها في مقارعة خصمه, واستنزاله على حكمه؟ لا يستطيعون أن يقولوا له: إن الأمة قوية مسلحة تستطيع أن تنتصف لنفسها بنفسها إن لم تنصفوها؛ لأنه يعلم كما يعلمون أنها ضعيفة عزلاء لا تحمل من الأسلحة أكثر من عصي "الساحل" ونبابيت "الحواتكة" ولا أن يقولوا: إنها متحدة يدا واحدة وقد يكون الاتحاد قوة تقوم مقام القوة المادية؛ لأنهم قدموا إليه قبل ذلك الوثائق والمستندات الدالة على أنها منقسمة على نفسها, وأنها فريقان: سعديون وعدليون, يقتتلون في كل مكان يلتقون فيه كما كان يفعل البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا والمسلمون والوثنيون في الهند، ولا أن يقولوا له: إنها متشددة في مطالبها الوطنية لا تقبل فيها مساومة ولا مهاونة؛ لأنهم قالوا له وأقسموا على ما قالوا:

стр. 951

إن أكثريتها قد انفضت من حول سعد باشا والتفت من حولهم، أي: إنها قد تحولت من خطة التشدد والتطرف إلى خطة القناعة والاعتدال، ولا أن يقولوا له: إنها راقية متمدينة تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها؛ لأنه يعلم كيف حصلوا على عرائض الثقة التي قدموها إليه وماذا صنعوا بأمتهم في سبيلها، فماذا يعنيه من أمرهم بعد ذلك؟ لا رعاكم الله أيها القوم، ولا رعى يوما اتصلنا بكم فيه، فقد أفسدتم علينا كل شأن من شئون حياتنا، وهدمتم بحمقكم وخرقكم وسوء رأيكم في لحظة واحدة ذلك البناء الفخم الجميل الذي قضينا في بنائه ثلاثة أعوام كاملة، ولم تقنعوا منا بذلك حتى جئتم اليوم تمنون علينا بأن بعثتكم قد قطعت المفاوضات, وأن لها ولكم الحق في الافتخار بذلك. مرحى مرحى! ألم تكن المفاوضات مقطوعة من قبل اليوم على يد سعد باشا! فهل كان غرض البعثة من ذهابها أن تقطعها مرة أخرى حتى إذا تم لها ذلك عادت تفخر بنفسها وتفخرون بها, وتدعون الناس إلى الاحتفال بها عند قدومها! تريدون أن نحتفل بها لنجدد بذلك عصر الجاهلية الأولى, أيام ضراعة الشعوب وذلها ومهانتها واستخذائها وتقبيلها يد ضاربها حين يضربها وشرب نخب انتصاره عليها؟

стр. 952

تريدون أن نحتفل بها ليتحدث الناس عنا أننا قد رضينا بجميع المظالم التي نزلت بنا وأغضينا جفوننا على قذاها، وغفرناها لها لأتفه الأسباب وأهونها, فيطمع فينا كل طامع ويعبث بحقوقنا كل عابث؟! أتريدون أن نحتفل بها لتبرز لنا كل يوم هيئة جديدة تفتح باب المفاوضة في القضية المصرية ثم تقفله لتتمتع بكلمات الثناء عليها، ومشهد الاحتفال بها، ونحن فيما بين هذا وذاك هلكى ضائعون؟! أتريدون أن نحتفل بها قبل أن نعلم هل نفضت يدها من المفاوضة إلى الأبد, أو أنها قطعتها اليوم لتصلها غدا، وهل صرفت النظر عن عرض مشروع كرزن على الأمة أم تريد عرضه من طريق غير طريقها، وهل الوزارة مصممة على الاستقالة أم تريد البقاء في مركزها أم تريد أن تنحل لتتألف مرة ثانية بصورة أخرى غير صورتها؛ ليبقى لنا شقاؤنا وبلاؤنا الذي نحن فيه مدى الدهر، وهل برئنا من دائها تمام البرء أم لا تزال بقية منه كامنة في أعماق صدورنا, لا نعلم ما الله صانع بها؟! وبعد, فأين هي المفاوضة التي تزعمون أنها قامت بها, أو أنها قطعتها أو وصلتها؟! إنها لم تفعل شيئا سوى أنها تقدمت لأداء الامتحان أمام اللورد

стр. 953

كرزن في القدرة على حمل مشروعه إلى الأمة, وتنفيذه فيها فأخفقت, فعادت أدراجها. فهل هذا هو الفخر الذي تزعمونه لها وتنحلونها إياه, وتريدون حملنا بالأساليب الإدارية المعهودة على الاحتفال بها من أجله؟! إن كان تمزيق شمل الأمة وتبديد وحدتها والاستعانة بالقوة الأجنبية على إخضاعها وإذلالها وسفك الدماء البريئة في الساحات والشوارع, وزج الوطنيين المخلصين أفواجا أفواجا في أعماق السجون, وابتياع الذمم والضمائر ومحاولة إفساد الأخلاق القومية في جميع الدوائر والهيئات حتى في المدارس والمعابد والمحاكم, والتفريق بين الوالد وولده والأخ وأخيه والصديق وصديقه والزوج وزوجه, وإفساد سياسة الأمة عليها وإطماع أعدائها فيها, والهبوط بالمفاوضات بعد ذلك كله, وبعد تضحية جميع هذه الضحايا من مشروع ملنر إلى مشروع كرزن مجدا وفخرا يستحق أصحابه الإجلال والإعظام والاحتفاء والاحتفال فرحمة الله على الفضيلة, وليبك الباكون عليها وعلى مصيرها المحزن الأليم. كونوا أيها القوم كيفما شئتم وأضمروا لنا من النيات ما أردتم, ورتبوا لنا في أذهانكم كل يوم مكيدة جديدة ودسيسة مبتكرة, فمحال أن تنالوا منا منالا أو تصلوا من طريقنا إلى غاية، فسنبني

стр. 954

بعون الله وإسعاده كل ما هدمتم ونصلح كل ما أفسدتم، وسنعيد إلى بين حظيرتنا جميع إخواننا الذين أفسدتموهم علينا, واختطفتموهم من صفوفنا, لا نضعف ولا نفتر ولا نهن ولا نيأس، فما خلقت الأمم إلا للجهاد، ولا لذة للحياة إلا بالعمل، حتى يأتي عليكم ذلك اليوم الذي تقتنعون فيه تمام الإقناع بأن في الأمة رأيا عاما جديا, لا يسمح لرأس معوج يريد أن يرتفع على حسابها وحساب ظلمها, وإساءتها بالبروز من مكمنه وأن لا قوة في مصر غير قوة الشعب, ولا حكم فيها إلا حكمه.

стр. 955

عبرة الدهر: الآن أمنت على مصر أبد الدهر، وأيقنت أن الباطل ظل زائل لا ثبات له، وأن الحق صخرة عاتية لا تزعزعها العواصف ولا تعبث بها عاديات الأيام. فقد مرت في غضون الأشهر الفائتة ساعات أعترف أني خفت فيها على الحق أن يغتاله الباطل ويصرعه عندما أشرفتُ على ذاك الميدان الواسع الفسيح -ميدان المعركة السياسية المصرية- ورأيت ذلك الجيش اللجب العرمرم جيش الباطل زاحفا بخيله ورجله, وفي مقدمته القوة الإنجليزية بمدافعها وطياراتها وصواعقها ورجومها, وفي مؤخرته القوة المصرية ببنادقها وسيوفها وسياطها وعصيها, وفي جناحيه الوزارة يحيط بها أنصارها وصنائعها وذوو الحاجة إليها والمنشقون يحيط بهم خدمهم وفلاحوهم, وأجراؤهم وأهلوهم, وذوو أرحامهم, وفيما بين هذا وذلك الكتاب الكاذبون والخطباء الخادعون والدعاة الخبثاء والجواسيس الدهاة والأحكام العرفية والمجالس العسكرية والقوانين الاستثنائية والأكاذيب

стр. 956

والأراجيف والصور والتهاويل وكل ما يمكن أن يسمى قوة يهجم بها هاجم على خصمه ليسلبه في آن واحد قوة جسمه وقوة قلبه وقوة يقينه، وقد ذهبت لذلك الجيش في آفاق السماء جلجلة كجلجلة الرعد القاصف, وانتشر له في جميع الأنحاء بريق يخطف الأبصار ويعشى الأنظار، فالتفتُّ إلى الجانب الآخر من الميدان فرأيت سعدا باشا واقفا في مكانه أعزل لا سلاح معه ولا يحيط به إلا سواد الأمة الأعزل مثله, فانبعثت من صدري صرخة الرعب والخوف, وأيقنت أن الرجل هالك هو وأمته ما في ذلك ريب ولا شك، ثم هجم ذلك الجيش العظيم هجمته الكبرى التي لم يسمع بمثلها في تاريخ هجوم الأقوياء على الضعفاء والتي استمرت سبعة شهور كاملة لا تهدأ ولا تفتر, فثبت الزعيم في مكانه ثباتا غريبا مدهشا وكأنما استحال إلى كرة فولاذية ملساء تتساقط عليها السهام ثم تنزلق عنها, وربما أصابت جسمه بعض الجرحات, ولكن لم يستطع سهم واحد أن ينفذ إلى قلبه, وثبتت الأمة بثباته فلم تهن ولم تضعف، ولم تعبأ ولم تحتفل، ولم تأخذ بلبها الصور والتهاويل، ولم تنل من نفسها الأكاذيب والأراجيف، ولم تعبث بعقيدتها الألسنة الخالبة والأقلام الخادعة، وها هي الأيام قد أخذت تدور دورتها, فانقلب الجيش المهاجم مدافعا والجيش المدافع مهاجما, ولله في خلقه شئون

стр. 957

أنظر إليهم ها هم يتقهقرون، وإن كانوا لا يزالون يضربون، ها هي ألسنة خطبائهم تتلجلج في أفواههم، وأقلام كتابهم تضطرب في أيديهم، ها هي وجوههم قد علتها غبرة الموت وقلوبهم تتنزى بين جوانحهم تنزي الكرة في أيدي ضاربيها، ها هي أصواتهم قد مازجها أنين محزن كأنين المحتضر، وصرخاتهم قد استحالت إلى عواء كعواء الذئاب، ها هم يخلطون ويهذون ويسبون ويشتمون ويصخبون ويحتدمون، أي: إنهم يلجئون إلى السلاح الأخير الذي يلجأ إليه المقهور في ساعته الأخيرة، ها هم يخافون من كل شيء حتى من خطبة يخطبها أزهري في مسجد, أو كلمة يلقيها طالب في متنزه، أو صرخة صرخها صارخ في محفل، ومن همس الهامس في أذن أخيه، ونظرة الناظر في وجه صاحبه، ومن قدوم جماعة من أعضاء مجلس النواب الإنجليزي الأحرار إلى مصر لا يملكون إلا قليلا من الحول والقوة، ومن سفر الزعيم من بلد إلى بلد لا يحمل إلا قلبه, ولا يملك إلا لسانه. ما بالهم؟! وما الذي دهاهم؟! ومم يخافون والقوة في أيديهم, والأيام مواتية لهم، والدهر نازل على حكمهم؟! نعم، ولكنهم مبطلون، والباطل لا قوة له وإن اجتمعت في يده جميع القوى،

стр. 958

تلك عبرة الدهر التي يجب أن يعتبر بها أولادنا وأحفادنا من بعدنا. فلتقرءوا يا أبناء الأجيال المقبلة هذه الصفحة المجيدة من تاريخ حياتنا؛ لتعلموا أن رجلا واحدا من أبناء أمتكم تمسك بالحق فاستطاع أن يثبت أمام أقوى قوة في العالم، وأن ثباته أنقذ مصر من أعظم نكبة كان يدخرها لها الدهر في طيات تصاريفه، ولتحنوا رءوسكم أمام هذه الذكرى المجيدة إجلالا لها وإعظاما لشأنها، ولتجعلوها مثلكم الأعلى في مستقبل حياتكم، وعبرتكم البليغة التي تغنيكم عن جميع العظات والعبر. الآن أمنت على مصر أبد الدهر، فما في العالم قوة تستطيع أن تهاجمها أعظم من هذه القوة، وليس في الإمكان أن تحل بساحتها نكبة أهول من هذه النكبة، وما أحسب إلا أن الله تعالى قد أراد أن يبلوها ويختبرها فامتحنها بهذه المحنة الفادحة؛ ليرى كيف يكون صبرها واحتمالها، وقوة يقينها وإيمانها، فيمنحها من حسن الجزاء على قدر ما تبذل من حسن البلاء، وقد أبلت بلاء لم يبله أحد من قبلها، فلتنتظر الجزاء الأوفى، والمثوبة العظمى، ولتهنأ منذ اليوم بالمستقبل الباهر السعيد.

стр. 959

إلى أعدائنا: ١- نعم, إنكم أقوياء جدا، بل لا توجد قوة في العالم توازي قوتكم، ولكننا على ضعفنا وخلو أيدينا من السلاح والعدة أقوى منكم؛ لأنكم حاربتمونا بسلاح الخديعة والمكر الذي ألفتم أن تنتصروا به على الشعوب الشرقية قرونا عدة فانهزمتم أمامنا، واستطاع هذا الشعب الشرقي الصغير حديث العهد بالسياسة وأساليبها وألاعيبها ومناوراتها أن يدرك خبايا مقاصدكم ومراميكم، وأن يمزق عن وجوهكم ذلك الستر الكثيف الذي كان يجللها، وأن يقول لكم بصوته العالي المرتفع: لا أقبل الخدع والألاعيب، فإما الاستقلال تاما صريحا لا ريبة فيه، أو لا شيء. إننا أقوى منكم لأنكم لم تستطيعوا أن تخدعونا عن أنفسنا، ولا أن تستنزلونا عن عقيدتنا ويقيننا، أما تلك القوة الميكانيكية التي تهرعون بها في شوارع البلاد وأزقتها، وتملئون بها وجه الأرض وجو السماء، فهي مما لا يفخر به الفاخر ولا يدل به المدل؛ لأنها

стр. 960

شيء، والصفات النفسية والمزايا العقلية شيء آخر. هل استطعتم بعد مقامكم بيننا أربعين عاما أن تصطنعوا رجلا واحدا من بين هذه الملايين الكثيرة, يحبكم ويخلص لكم؟ هل استطعتم بعد أن سقط ذلك البرقع الكثيف عن وجوهكم, وبدت للناس صفحتكم أن تجدوا ثمانية أشخاص يؤلفون لكم الوزارة التي تريدونها لتستعينوا بها على تنفيذ مشروعكم؟ هل تستطيعون أن تزعموا أنكم على ثقة تامة بإخلاص شخص واحد من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين قضى عليهم سوء حظهم أن يعملوا معكم، ويخضعوا لسلطتكم، حتى الذين غمرتموهم منهم بالنعم، وملأتم عليهم ديارهم رغدا وهناء؟ هل تستطيعون أن تبتاعوا بأموالكم الكثيرة التي لا حد لها قلما مصريا صميما يتولى نشر دعوتكم، وتأييد سياستكم، كما تفعلون في كل مكان حتى في أوروبا وأمريكا؟ إذن أنتم ضعفاء ونحن أقوياء، ولنا أن نفخر بهذه القوة التي نعتمد فيها على شرف أخلاقنا، وعزة نفوسنا، ومتانة عقيدتنا، وشدة إخلاصنا لوطننا، وليس لكم أن تفخروا بتلك القوة التي تعتمدون فيها على السيف والنار كما كان يفعل الهون في أوروبا والمغول في آسيا؛ لأنها أقرب إلى صفات الوحشية وغرائزها، منها إلى روح المدنية ومزاجها.

стр. 961

نعم, إنكم اعتقلتم سعدا باشا، ولكن بعد أن صرع زعماءكم وقادتكم في ميدان السياسة، وأفسد عليكم تلك المؤامرة العظمى التي كانوا يريدون بها اعتقال مصر واستعبادها إلى الأبد، فقد صودر سعد باشا واعتقل، ولكن مصر قد نجت. في استطاعتكم أن تصبغوا وجه مصر بالدماء، وأن تملئوا بطنها بالأشلاء، ولكن ليس في استطاعتكم أن تتقوا نظرات الاحتقار والازدراء التي نلقيها عليكم حين نراكم، ولا أن تطفئوا نار الحقد والموجدة التي تنبعث من ألسنتنا وصدورنا إلى وجوهكم، ولا أن تنالوا منالا من تلك العقيدة الراسخة في قلوبنا، وهي أنكم أضعف الضعفاء وإن كنتم أقوى الأقوياء، وأن هذه القوة التي تعتمدون عليها وتدلون بها ليست قوة السياسة ولا قوة الفكرة ولا قوة التدبير، وإنما هي قوة الشر والغضب. اقتلونا ولكن بأيديكم لا بأيدينا، ألفوا الوزارة ولكن من رجالكم لا من رجالنا، املكوا علينا كل شيء إلا قلوبنا وأفئدتنا، احكمونا باسم الأحكام العرفية والأساليب العسكرية، لا باسم القوانين الشرعية والأحكام السماوية والأرضية، افتخروا بأنكم قمعتم الحركة المصرية وأنكم أخفتم الناس وأرهبتموهم، ولكن لا تفخروا بأنكم حللتم مشكلة مصر إلى الأبد.

стр. 962

إنكم لا تحاربوننا من أجل احتلال البلاد فأنتم محتلوها، ولا من أجل الاستيلاء على مواردها وأرزاقها فهي جميعها تحت سلطتكم وسيطرتكم، ولا من أجل إطفاء الثورة وقمعها، فالأمة التي لا سلاح لها لا ثورة فيها، ولكنكم تحاربوننا من أجل إرغامنا على الاعتراف بمركزكم الشرعي في مصر، وما دمتم لم تصلوا إلى هذه الغاية بعد بذلكم ما وهبكم الله من دهاء سياسي وحيلة عقلية في هذا السبيل، فنحن المنتصرون وأنتم المنخذلون.

стр. 963

إلى أعدائنا: ٢- ماذا جنى الرجل عليكم فتنفوه إلى أقصى بقعة من بقاع الأرض, وما هو بثائر ولا محارب ولا عرف له الناس موقفا يدعو فيه بدعوة الجاهلية الأولى, أو ينطق فيه بكلمة الدم التي ينطق بها الثائرون في كل شعب وأمة ليستثيروا بها حفائظ النفوس, ويدفعوا بها الرجال إلى مواطن الموت؟! أين هو الجيش الذي قاده لمحاربتكم، وأين هي الجموع التي سلحها وزحف بها عليكم، وأين هي الثورة التي أشعل نارها، أو الفتنة التي أحيا مواتها، فتعاقبوه هذا العقاب الشديد الذي اعتدتم أن تعاقبوا به زعماء الثورات وقواد المؤامرات؟! لا بل إنكم ما عاقبتم زعماء أعدائكم الذين رووا الأرض بدمائكم، وغطوا وجهها بأشلائكم، ونالوا منكم أشد ما ينال محارب من محاربه بمثل هذا العقاب المؤلم الشديد، وقد كنتم تزعمون ويزعم كثير من الناس لكم أنكم أمة العدل والقانون، وأن الشمس لا تطلع في مدار

стр. 964

من مداراتها على محكمة مثل محكمتكم، وقضاة مثل قضاتكم، وميزان قسط وإنصاف مثل ميزان قسطكم وإنصافكم. إن الرجل لم يكن جبانا ولا رعديدا، ولا من المغرقين في حب حياتهم أو الضانين بها على مواقف المجد والشرف، ولو شاء أن يشعل نار الثورة في كل مكان وأن يقود الرجال إلى موطن الموت لفعل، ولكنه لم يفعل ولا فكر في شيء من ذلك، لأنه من فريق الدعاة لا من فريق الثوار، ولأنه رجل عاقل حكيم لا يخطو الخطوة الواحدة حتى يقدر لها موضعها، وكانت لهجته الدائمة التي لا تفارقه في جميع مواقفه ومشاهده الدعوة إلى السكون والهدوء والعمل في دائرة القانون والنظام والمطالبة بالحقوق الوطنية بالطرق المشروعة السائغة، أي: إنه كان رجل حجة وبرهان لا رجل نزال وطعان، فلماذا لم تعرفوا له هذا الشعور الطيب الشريف الذي كانت تشتمل عليه سريرة نفسه؟ ولِمَ لم تحترموا فيه تلك العاطفة الطاهرة الكريمة التي كانت تتدفق بين جنبيه شرفا ونبلا، وتسيل رحمة وإحسانا؟ إنكم أقوياء جدا، وما نازعكم في ذلك منازع، وها هي جيوشكم وأساطيلكم وأسلحتكم ودباباتكم وطياراتكم تملأ البحار والقفار، السهول والجبال، والتهائم والنجود، والشوارع والأزقة،

стр. 965

والأجواء والآفاق، فماذا عليكم لو أنكم تركتم الرجل في مكانه هادئا مطمئنا لا تهيجونه ولا تزعجونه، حتى إذا أثار عليكم الثائرة التي تخشونها لجأتم إلى قوتكم فقمعتموها كما تفعلون اليوم وقد قامت لكم الحجة عليه, واعتصمتم في أمره باليقين الذي تطمئن إليه نفوسكم، وتنقطع به حجج المؤاخذين لكم والناقمين عليكم، وإن كانت الأخرى كفيتم أنفسكم وكفيتمونا معكم هذا الشر المستطير بيننا وبينكم، وحقنتم تلك الدماء التي سالت في بطاح الأرض بلا جريرة, ولا سبب! نؤكد لكم يا قوم أن الأمة المصرية لم تكن آلة في يد سعد باشا يصرفها كيف يشاء كما وهمتم, أو كما أوهمكم ذلك الضعفاء منا، وأن روح الوطنية المنتشرة فيها ليست روحا صناعية كاذبة يحييها وجوده ويميتها نفيه، وأن نفيه إلى أقصى بقعة من بقاع الأرض بل الذهاب به إلى مصير أعظم ويلا وهولا من هذا المصير لا يحل عقدة واحدة من عقد المسألة المصرية، ولا يغير وجها واحدا من وجوهها، ولا ينتقل بها خطوة من مكانها، أي: إنه لا يسمح للمستوزرين بتأليف الوزارة التي يريدونها، ولا براحتهم وهدوئهم فيها إن هم ألفوها، ولا يفسح لأولئك القوم الذين تسمونهم المعتدلين ونسميهم المساكين، مجالا أوسع من المجال الذي يضطربون

стр. 966

فيه، ولا يفتح في جدار الوطنية ثغرة صغيرة تتمكن مكيدة المشروع الكرزوني أو الملنري من الانحدار منها، وأنكم لم تستفيدوا من كل ما عملتم شيئا سوى أنكم ظلمتم الرجل وبؤتم بإثمه، لا أكثر من ذلك ولا أقل. ماذا جنى سعد باشا عليكم سوى أنه كان يطالبكم بحقه وحق بلاده بالحجة والبرهان، ولا يوجد في تاريخ من تواريخ الأمم القديمة أو الحديثة قانون متمدين أو متوحش يعتبر هذا العمل جريمة يعاقب عليها صاحبها بإزعاجه من مأمنه, وإقصائه عن أرضه, ووضع ذلك السد المنيع بينه وبين جمال الحياة ورونقها. لِمَ تنتزعونه من سرير نومه قبل أن تنبعث الطير من وكناتها, وتطيرون به إلى ذلك المنفى القصي البعيد الذي لا يعلم إلا الله ما يكون مصيره فيه, وما هو بقاتل ولا سارق ولا مختلس ولا داعٍ إلى ضلالة ولا قائم بفتنة ولا طالب شيئا سوى أن يعيش هو وقومه أحرارا كما تعيش الطيور في أجوائها, والسوائم في مراتعها, والأسماك في دأمائها؟ لِمَ لَمْ ترحموا شيخوخته ومرضه وأنه رجل أعزل ضعيف, لا يملك من القوى غير لسانه الذي يذود به عن وطنه وقومه؟

стр. 967

ومتى كانت الألسنة والأقلام جيوشا وجحافل تنازلها الجيوش والجحافل؟! لم لم تحاجوه وتقنعوه بحقكم الذي تزعمونه لأنفسكم بدلا من أن تقولوا له: "إما السكوت وإما النفي"؟! ما أغرب شأنكم أيها القوم وما أعجب تصوراتكم! أفيما بين يوم وليلة تنقلبون معنا من أصدقاء أوفياء تجالسوننا على منضدة واحدة لتفاوضونا على قاعدة الحرية والمساواة والود والإخاء إلى أعداء حاقدين واجدين تسفكون دماءنا وتمزقون أشلاءنا, وتشردون زعماءنا تحت كل نجم وكوكب وموقفنا موقفنا لم يتغير ولم يتبدل سوى أننا وقفنا لحظة أمام المشروع الذي قدمتموه إلينا ننعم النظر فيه, هل هو استقلال حقيقي كما تقولون أم شيء غير ذلك تسمونه استقلالا؟ نقسم لكم بالله لقد جعلتمونا نرتاب فيكم، وفي كل ما تطلع عليه شمسكم، وتفيء عليه ظلالكم، وفي الريح التي تهب من أرضكم، والماء الذي ينحدر من بحركم، بل وفي العلم الذي تشتمل عليه كتبكم، والمحور الذي تدور عليه مدنيتكم، ولقد مرت بنا أيام كنا لا نتمنى على الله فيها شيئا سوى أن نصل في المدنية إلى الذروة التي وصلتم إليها، فقد أصبحنا ولا أبغض إلينا من التشبه بكم،

стр. 968

والتخلق بأخلاقكم، والسير على آثاركم، مخافة أن تصبح مدنيتنا في مستقبل أيامها مدنية وحشية, لا عهد فيها ولا ذمام. سنأكل الشيح والقيصوم إن عز الطعام إلا من أيديكم، ونلبس الجلود والفراء إن أقفرت الأرض إلا من مصانعكم، ونشرب الملح الأجاج إن أبى العذب الزلال أن ينبع إلا في أرضكم، ونعيش في الظلمة الداجية إن أبت الشمس أن تشرق إلا من آفاقكم، وسنخلع عن أرضنا ثوب الخصوبة والجمال ونلبسها ثوب القحط والجدب لنقطع سبيل مطامعكم فيها، ونكدر عليكم صفاء العيش بين ظلالها وأمواهها، غير شاكين ولا متبرمين، فلا خير في نعمة يكدرها الذل، وبعدا لماء لا يشربه شاربه إلا ممزوجا بدم. إن في السماء إلها، وإن في الأرض عدلا، وإن العناية الإلهية التي تضم إلى أجنحتها ضعف الضعيف وبؤس البائس ومظلمة المظلوم أرحم من أن لا تحفل بهذه الدموع التي تذرفها الأمة؛ حزنا على شيخها الشهيد المظلوم. رويدك حتى تنظري عم تنجلي ... غمامة هذا العارض المتألق

стр. 969

إلى سعد باشا: في منفاه في الساعة التي نزلتَ فيها إلى قاع السفينة "نوراليا" لتفارق هذا العالم كله إلى جزائر "سيشيل" صعد خصومك إلى كراسي مناصبهم فرحين متهللين يهنئ بعضهم بعضا، ويبسم بعضهم إلى بعض، ولا أعلم هل تلك الحمرة الخفيفة التي جالت في وجوههم في تلك الساعة كانت خالصة كلها للسرور والغبطة، أم كان يمازجها شيء للخجل والحياء، ولعلها كانت الثانية، فإني من لا يعتقد أن الضمير الإنساني إذا جمد ينتهي به جموده إلى الموت. أنت سجين وهم مطلقون، أنت معذب وهم ناعمون، أنت مستوحش منفرد في قفرة جرداء لا أنيس لك فيها ولا سمير إلا بضعة أفراد مثلك مستوحشين منفردين, وهم مؤتنسون بالعيش في قصورهم وبساتينهم وملاعبهم ومسارحهم بين نسائهم وأولادهم وصحبهم وخلانهم، أنت مكتئب حزين يتقاسم قلبك همان؛ هم نفسك وهم قومك، وهم فرحون متهللون، يطفرون ويمرحون،

стр. 970

ويطيرون بأجنحة سرورهم وحبورهم في كل جو وافق، لا يخالط نفسهم هم واحد. ولكن هل أنت على ذلك شقي؟ وهل هم على ذلك سعداء؟ لا, لقد كان لهم أمنية؛ أن تغيب عنهم فيغيب عنهم اسمك وذكرك، وضوضاؤك وجلبتك، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فالنفوس ثائرة، والقلوب واجدة، والهتاف باسمك يملأ الآفاق والأجواء، والدعاء بثأرك يلاحقهم في كل مكان يسيرون فيه، وعيون الحقد والبغضاء تضرب حولهم نطاقا ناريا لا سبيل لهم إلى التفلت منه والخروج من دائرته، فأنت الحر الطليق، وهم الأسراء المسجونون، ولكنهم يتجلدون ويصابرون. أنت تعيش من فضيلتك وشرفك، ومن رضاك عن نفسك واغتباطك بأداء واجبك، ومن راحة ضميرك واستقراره، وهدوء نفسك وسكونها، في أرحب من رقعة الأرض وأفسح من ديباجة السماء، وهم يعيشون من وخزات ضمائرهم، وقلق نفوسهم، ووساوس صدورهم، وخوفهم على تلك اللقيمات الملفوظات التي هي كل ما ظفروا به من حياتهم أن تهب عليها عاصفة من العواصف, فتطير بها وتطير بهم معها، ومن شبحك الهائل المخيف الذي لا يفارق مضاجعهم، ولا يبرح يقظتهم ومنامهم،

стр. 971

ولا يزال يتمثل لهم في طعامهم الذي يطعمون، وشرابهم الذي يشربون، وفي جميع ما تمتد إليه عيونهم، وتتصل به أسماعهم، في أضيق من كفة الحابل, وأضنك من عيش السجين. لا سجن في الدنيا غير سجن النفس، ولا حرية فيها غير حريتها، وليست سعادة المرء بمقدار ما يحيط بجسمه من الفضاء، بل بمقدار ما يحيط بنفسه منه. فما سجنك الذي تعيش في جوه الموحش المكتئب, وبين جدرانه المتقاربة المتدانية بمانعك من أن تطير بنفسك العالية الخفاقة فيما تشاء من الآفاق والأجواء، وأن تتمتع برؤية هياكل مجدك وعظمتك المقامة لك على ضفاف النيل من طيبة إلى الإسكندرية، وأن تسمع دقات القلوب الخافقة بحبك، وأحاديث النفوس الهاتفة بذكرك. وما فضاؤهم الرحب الفسيح الذي يحيط بهم بمجدٍ عليهم شيئا إذا حاولوا الحركة والاضطراب فيه؛ لأنهم يعلمون أنهم يعيشون في أمة قد وتروها وآسفوها، وغرسوا الحقد والبغضاء في صدورها، فهم على قوتهم وبأسهم، وعلى ضعفها وتجردها من كل سلاح وعدة، يخشونها ويخافونها، ولا يطيقون أن يحتملوا نظراتها النارية التي تلفح وجوههم، ولا صرخاتها الدموية التي تدوي

стр. 972

في آذانهم، فهم دائما فارّون مطاردون كأنهم بعض المجرمين، لا عمل لهم في حياتهم سوى أن يسائلوا أنفسهم: أين يعيشون؟ وكيف يعيشون؟ إنهم لم يريدوا مطاردة جسمك بل نفسك، ونفسك باقية في مكانها لم تبرحه، ولم يعتقلوك من أجلك، بل من أجل القضاء على الروح الوطنية من بعدك، والروح الوطنية نامية زاهرة تضرب أعراقها في أعماق القلوب، وتهفو ذوائبها في آفاق السماء، ولم ينقموا عليك حياتك ولا وجودك، بل وقوفك في وجه متعتهم بمناصبهم التي هي كيان حياتهم وقوام أمرهم، والتي لا سبيل لهم إلى العيش إلا في ظلها، ولا الحياة إلا في دائرتها، ومناصبهم منغصة مهددة هي هامة اليوم أو غد. فهم لم يفقدوا إلا وجهك، ولم ينالوا إلا من جسمك، ولم يحصلوا في أيديهم من كل ما عملوا إلا على إثم الجريمة وعارها. آه يا سيدي لو تيسر لك أن تراهم لرأيت قوما معذبين متألمين, حائرين ذاهلين, لا يهنئون في نوم ولا يقظة، ولا يهدءون في سكون ولا حركة، قد ضاقت بهم الحيل، وتشعبت بهم السبل، وانتشرت عليهم الآراء والأفكار، لا يعلمون ماذا يأخذون وماذا يتركون، لا عمل لهم في حياتهم سوى

стр. 973

أن يسائلوا أنفسهم ليلهم ونهارهم: ألا يستطيع هؤلاء الناس أن يرضوا منهم بدون عودتك، وعودتك موتهم الأحمر وشقاؤهم الأكبر؟ ينثرون الذهب على الناس نثرا ليتألفوهم ويستدنوهم, فيلتقطونه وهم يلعنونهم؛ لأنه مالهم قد أخذوه منهم ثم نثروه عليهم. يوزعون الرتب والنياشين على الخاملين والمغمورين ليكونوا أعوانهم وأنصارهم بدل الأعوان والأنصار، فيمنحونهم من ألسنتهم ووجوههم ما لا يمنحونهم من قلوبهم وأفئدتهم؛ لأن الحب لا يشترى بالأسماء والألقاب. يخلعون الوظائف الكبرى والمناصب الخطيرة على صغار الموظفين وأحداثهم ليخلبوهم ويبهروا عقولهم, فلا يصنعون لهم شيئا سوى أن يجاملوهم في مجالسهم ببعض ما يحبون، فإذا خرجوا من عندهم خرجوا هازئين بهم ساخرين. يبتاعون أقلام فقراء الكتاب وضعفائهم ليكتبوا لهم ما يحط من شأنك ويرفع من شأنهم, فيفعلون كارهين متبرمين؛ لأن القلم لا يجد لذة المراح والجولان إلا في ميدان الصدق والاعتقاد.

стр. 974

يصيحون في الناس بلهجة الخبثاء الماكرين: أبشروا أيها الناس, فقد جئناكم بالاستقلال الذي هو خير لكم من سعد, فيجيبونهم بهدوء وسكون: لو كان صحيحا ما تقولون, لكان سعد أول من يتمتع به لأنه صاحبه. يحلفون لهم بالله جهد أيمانهم أنهم لا يريدون بهم إلا خيرا, ولا يضمرون لهم إلا ما يحبون فيقولون لهم: ولماذا إذن نفيتم سعدا؟ يحاولون بكل ما يعرفون من الوسائل أن يفصلوا بين قضيتك وقضية مصر, فكأنما يحاولون الفصل بين الشمس وشعاعها, والنار وحرارتها، والمقدمة ونتيجتها. يصخبون أخيرا ويحتدمون ويقولون: إن التشبث بعودة سعد مسألة شخصية، فتتجاوب الأصداء من كل ناحية: هبوا أن الأمر كما تقولون، وهل تشبثكم بمناصبكم وعضكم عليها بالنواجذ ومخاطرتكم بكل شيء في سبيلها مسألة غير شخصية؟! فأنت يا مولاي قذى عيونهم، وغصة حياتهم، وشغل قلوبهم وأفئدتهم، والحجة القائمة عليهم أحسنوا أم أساءوا، أعطوا أم منعوا، نفعوا أم أضروا. ولقد تحدثهم نفوسهم أحيانا بالتخلي عن تلك المناصب

стр. 975

الشقية وتوديعها إلى الأبد سآمة وضجرا، وضيقا وحصرا، ولكن يحول بينهم وبين ذلك علمهم أن الأوان قد فات، وأن الأمة لا تغفر لهم ذنوبهم، ولا تقيل لهم عثراتهم، وأنهم لا يستطيعون أن يجدوا في فضاء الأرض ذات الطول والعرض ظل حصاة يلجئون إليه من نقمة الأمة وغضبها، فلا يجدون لهم بدا من أن يستمروا قابعين وراء تلك الأكمة التي تحميهم وتذود عنهم، وربما كانوا يبكون وراءها دما. فمثلهم كمثل الفارة من بيت أبيها إلى بيت خليلها، يلحقها الندم، وتضيق بها ساحة العيش، فتود لو رجعت إلى بيتها الأول، ولكنها لا تستطيع. وكأنهم بحماتهم وقد ملوهم وسئموهم، وضجروا بمكانهم؛ لأنهم ما منحوهم هذه المناصب حبا وإيثارا، أو منة وفضلا، بل ليمهدوا لهم السبيل إلى ذلك الاتفاق الذي يريدونه، ويقوموا لهم بوظيفة تحويل شعور الأمة إلى سياستهم، واقتيادها إلى حظيرتهم، من طريق الكيد والدهاء، لا من طريق القوة والعنف، وقد عجزوا عن ذلك، فلم يبق لهم سبيل إلى البقاء. وكذلك ينتقم الله لك منهم يا مولاي انتقاما تهتز له أقطار

стр. 976

الأرض، وتضطرب له أكناف السماء، وكذلك يسجل لهم التاريخ في صفحاته من العار والشنار ما سجل لأمثالهم من الخارجين المارقين. مولاي! لا الشمس الطالعة من مشرقها صفراء كالذهب تنشر الأضواء في الآفاق, وتعابث بأشعتها اللامعة المتلألئة ذوائب الأشجار وقمم الجبال ورءوس الهضاب, وتبعث الأزهار من أكمامها والطيور من أوكارها. ولا البدر السائر في سمائه بعظمته وجلاله بين حاشية من كواكبه ونجومه، يمسح بليقته الفضية جبين السماء، ويمزق حجب الظلام عن وجه الغبراء. ولا الربيع المقبل في أثواب زهوره ورياحينه، ومطارف غدرانه وجداوله، يوشي بساط الأرض بأبدع الألوان وأبهاها، ويملأ الفضاء الرحب بأطيب الروائح وأعبقها. ولا الطيور الصادحة على أفنانها توقع نغماتها على خرير الماء, وتترجم في توقيعها عن شجو النفوس وحنينها، وخفقان القلوب وأنينها. ولا أحلام الحياة اللذيذة المنبعثة في النفوس انبعاث الراح في الأجسام، تحيي مواتها، وتثتثير نشوتها، وتهز أعطافها،

стр. 977

وتذيقها حلاوة المنى, ولذة الأمل. ولا الدنيا وجمالها، ولا الأرض وبهجتها، ولا السماء وزينتها، ولا البحار وروعتها، ولا المروج وخضرتها، ولا الأزهار ونضرتها، بقادرة على أن تنسينا أيامك الغر البواسم التي كانت غرر الدهر وحجوله، وزينة الدنيا وبهجتها، ولا بمستطيعة أن تنزع من بين قلوبنا مرارة الحسرة على فراقك، واللهف إلى لقائك، فمتى يجمع الله بيننا وبينك! لا أوحشت دارك من شمسها ... ولا خلا غابك من أسده

стр. 978

منتخبات من شعر المؤلف ... وصف القلم: يا يراعي لولا يد لك عندي ... عفتُ نظمي في وصفك الأشعارا يا يراع الأديب لولاك ما أصـ ... ـبح حظ الأديب يشكو العثارا غير أني أحنو عليك وإن لم ... تك عونا في النائبات وجارا أنت نعم المعين في الدهر لولا ... أن للدهر همة لا تجارى يتجلى في النفس شمس نهار ... في دجى الليل تبعث الأنوارا جمع الله فيه بين نقيضيـ ... ـن فكان الظلام منه نهارا فهو حينا نار تلظى وحينا ... جنة الخلد تنثر الأزهارا

стр. 979

وتراه ورقاء١ تندب شجوا ... وتراه رقطاء٢ تنفث نارا وتراه مغنيا إن شدا حر ... ك بين الجوانح الأوتارا وتراه مصورا يرسم الحسـ ... ـن ويغري برسمه الأبصارا فتخال القرطاس صفحة خد ... وتخال المداد فيه عِذارا هو جسر تمشي القلوب عليه ... لتلاقي بين القلوب قرارا صامت تسمع العوالم منه ... أي صوت يناهض الأقدارا فهو كالكهرباء غامضة الكنـ ... ـه وتبدو بين الورى آثارا كم أثار اليراع خطبا كمينا ... وأمات اليراع خطبا مثارا

стр. 980

قطرات من بين شقيه سالت ... فأسالت من الدما أنهارا كان غصنا فصار عودا ولكن ... لم يزل بعد يحمل الأثمارا كان يستمطر السماء فحال الـ ... ـأمر فاستمطر العقول الغزارا يسعد الناس باليراع ويلقى ... ربه ذلة به وصغارا وا شقاء الأديب هل وتر١ الدهـ ... ـر فلا زال طالبا منه ثارا أرفيق المحراث يحيا سعيدا ... ورفيق اليراع يقضي افتقارا ما جنى ذلك الشقاء ولكن ... قد أراد القضاء أمرا فصارا ليس للنسر من جناح إذا لم ... يجد النسر في الفضاء مطارا

стр. 981

حاسبوه على الذكاء وقالوا ... حسبه صيته البعيد فخارا أوهموه أن الذكاء ثراء ... فمضى يسحب الذيول اغترارا يحسب النقد للقصيدة نقدا ... ويرى البيت في القصيدة دارا ليس بدعا من هائم في خيال ... أن يرى كل أصفر دينارا إن بين المداد والحظ عهدا ... وذماما لا يلتوي وجوارا فاللبيب اللبيب من ودع الطر ... س وولى من اليراع فرارا على لسان عامل فقير: زاحفتُ أيامي وزاحفنني ... دهرا فلم تنكل ولم أنكل١

стр. 982

لا عزمها واه ولا عزمتي ... تصادم الجندل بالجندل رمت فلم تبق على مفصل ... لكنها طاشت عن المقتل وليتها أصمت١ فما أبتغي ... من عيشها إن أنا لم أقتل لا خير في الصبر على غمرة ... لا يأمل الصابر أن تنجلي صبرت في البأساء صبر الذي ... قيد إلى القتل فلم يحفل لا فضل في الصبر لمستسلم ... عي عن الفعل فلم يفعل عشرون عاما لم تحل حالتي ... ما أشبه الآخر بالأول أغدو إلى المعمل في شملة٢ ... خرقاء لم تكس ولم تشمل

стр. 983

كأنها برقع مصرية ... لا تحجب الوجه عن المجتلي تنم عن جسمي كما نم عن ... نفسي غزير المدمع المرسل يميل بي الهم مميل النقا ... بين جنوب الريح والشمأل فمن رآني ظن بي نشوة ... أجل بكأس الحزن لا السلسل أقضي نهاري مقبلا مدبرا ... كأنني الآلة في المعمل وصاحب المعمل لا يرتضي ... مني بغير الفادح المثقل فإن شكوت النزر١ من أجره ... برح بي شتما ولم يجمل حتى إذا عدت إلى منزلي ... وجدت سوء العيش في المنزل أرى أيامي يشتكين الطوى ... إلى يتامى جوَّع نحَّل

стр. 984

أبيت والأجفان في سهدها ... كأنما شُدَّت إلى يذبل١ بين صغار سهد في الدجى ... يذرون دمع الثاكل المرمل بين ضعيف الخطو لم يعتمد ... وشاخص في المهد لم يحول٢ يدعون أما تتلظى أسى ... حذار يوم الحادث المثكل ووالدا عيَّ بإسعافهم ... في العيش عي الفارس الأعزل ما زال ريب الدهر ينتابني ... بالمعضل الفادح فالمعضل حتى رماني بالتي لم تدع ... إلا بقايا الروح في هيكل٣ فها أنا اليوم طريح الضنى ... وليس غير الصبر من معقل

стр. 985

في لفحة الرمضاء لا أتقي ... وهبة النكباء لا أصطلي١ هذا هو البؤس فهل من فتى ... تم له في البؤس ما تم لي وقال ينعى على جماعة الفوضويين مذهبهم في قتل الملوك, ويشير إلى حادثة الفوضوي الذي وضع منذ سنوات قنبلة في طريق الفونس الثالث عشر ملك أسبانيا وهو عائد من الكنيسة مع عروسه في يوم حفلة قرانه, فأصابت القنبلة خيل المركبة وقتلت بعض الحاشية, ونجا الملك وعروسه وقبض على الفوضوي فقتل: أيها الفاتك الأثيم رويدا ... كل يوم تكيد للتاج كيدا لا أرى التاج في البرية إلا ... فلكا دائرا وأخذا وردا يتخطى الرءوس رأسا فرأسا ... ماشيا في العصور عهدا فعهدا
следующие страницы →