فصل: وقد لبس إبليس على جماعة من قوام الليل فتحدثوا بذلك بالنهار فربما قال أحدهم فلان المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس أنه كان منتبها فأقل ما في هذا إن سلم من الرياء أن ينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية فيقل الثواب.
فصل: وقد لبس على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد فعرفوا بذلك واجتمع اليهم ناس فصلوا بصلاتهم وشاع بين الناس حالهم وذلك من دسائس إبليس وبه تقوى النفس على التعبد لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: "إن أفضل
صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة". قال المصنف أخرجاه في الصحيحين وكان عامر بن عبد قيس يكره أن يروه يصلي وكان لا يتنفل في المسجد وكان يصلي كل يوم ألف ركعة وكان ابن أبي ليلى إذا صلى ودخل عليه داخل أضطجع.
فصل: وقد لبس على قوم من المتعبدين وكانوا يبكون والناس حولهم وهذا قد يقع عليه فلا يمكن دفعه فمن قدر على ستره فأظهره فقد تعرض للرياء وعن عاصم قال كان أبو وائل إذا صلى في بيته نشج نشيجا ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله واحد يراه ما فعله وقد كان أيوب السختياني إذا غلبه البكاء قام.
فصل: وقد لبس على جماعة من المتعبدين فتراهم يصلون الليل والنهار ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن ولا في مطعم والنظر في ذلك أولى بهم من كثرة التنفل.
ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن
وقد لبس على قوم بكثرة التلاوة فهم يهزون هزا من غير ترتيل ولا تثبت وهذه حالة ليست بمحمودة وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن في كل يوم أو في كل ركعة وهذا يكون نادرا منهم ومن داوم عليه فإنه وان كان جائزا إلا
стр. 142
أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث".
قال المصنف وقد لبس إبليس على قوم من القراء فهم يقرأون القرآن في منارة المسجد بالليل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزء والجزأين فيجتمعون بين أذى الناس في منعهم من النوم وبين التعرض للرياء ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان لأنه حين اجتماع الناس في المسجد.
قال المصنف ومن أعجب ما رأيت فيهم أن رجلا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاء الختمة ليعلم الناس أني قد ختمت الختمة وما هذه طريقة السلف فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم وكان عمل الربيع بن خثيم كله سرا فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرا ولا يدري متى يختم.
قال المصنف: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القراء والله أعلم بالصواب وهو الموفق.
ذكر تلبيسه عليهم في الصوم
قال المصنف: وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها إلا أن الآفة فيه من وجهين أحدهما أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن لزوجك عليك حقا" فكم من فرض يضيع بهذا النفل والثاني أنه يفوت الفضيلة فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أفضل الصلاة صلاة داود ﵊" كان يصوم يوما وبالإسناد عن عبد الله بن عمرو قال لقيني رسول الله ﷺ فقال: "ألم أحدث عنك أنك تقوم الليل وأنت الذي تقول لأقومن الليل ولأصومن النهار" قال أحسبه قال نعم يا رسول الله قد قلت ذلك فقال: "فقم ونم وصم وأفطر وصم من كل شهر ثلاثة أيام ولك مثل صيام الدهر" قال قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر
стр. 143
من ذلك قال: "فصم يوما وأفطر يومين" قلت إني أطيق أفضل من ذلك قال: "فصم يوما وأفطر يوما وهو أعدل الصوم وهو صيام داود ﵇" قلت إني أطيق أفضل من ذلك فقال رسول الله ﷺ : "لا أفضل من ذلك" أخرجاه في الصحيحين فان قال قائل فقد بلغنا عن جماعة من السلف أنهم كانوا يسردون الصوم فالجواب أنهم كانوا يقدرون على الجمع بين ذلك وبين القيام بحقوق العائلة ولعل أكثرهم لم تكن له عائلة ولا حاجة إلى الكسب ثم أن فيهم من فعل هذا في آخر عمره على أن قول رسول الله ﷺ لا أفضل من ذلك قطع هذا الحديث وقد داوم جماعة من القدماء على الصوم مع خشونة المطعم وقلته ومنهم من ذهبت عينه ومنهم من نشف دماغه وهذا تفريط في حق النفس الواجب وحمل عليها ما لا تطيق فلا يجوز.
فصل: وقد يشيع على المتعبد أنه يصوم الدهر فيعلم بشياع ذلك فلا يفطر أصلا وإن أفطر أخفى إفطاره لئلا ينكسر جاهه وهذا من خفي الرياء ولو أراد الإخلاص وستر الحال لأفطر بين يدي من قد علم أنه يصوم ثم عاد إلى الصوم ولم يعلم به ومنهم من يخبر بما قد صام فيقول اليوم منذ عشرين سنة ما أفطرت ويلبس عليه بأنك إنما تخبر ليقتدي بك والله أعلم بالمقاصد قال سفيان الثوري ﵁ إن العبد ليعمل العمل في السر فلا يزال به الشيطان حتى يتحدث
به فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية وفيهم من عادته صوم الإثنين والخميس فإذا دعي إلى طعام قال اليوم الخميس ولو قال أنا صائم كانت محنة وإنما قوله اليوم الخميس معناه إني أصوم كل خميس وفي هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائما وهم مفطرون ومنهم من يلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة وقد خيل له إبليس أن صومك يدفع إثمك وكل هذا من التلبيس.
ذكر تلبيسه عليهم في الحج
قال المصنف: قد يسقط الإنسان الفرض بالحج مرة ثم يعود لا عن رضاء
стр. 144
الوالدين وهذا خطأ وربما خرج وعليه ديون أو مظالم وربما خرج للنزهة وربما حج بمال فيه شبهة ومنهم من يجب أن يتلقى ويقال الحاج وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض من الطهارة والصلاة ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دنسة وبواطن غير نقية وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم وإنما المراد من الحج القرب بالقلوب لا بالأبدان وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجاته فيقول لي عشرون وقفة وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليه ممن كان وربما قال أن لي اليوم عشرين سنة مجاورا وكم قد رأيت في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقاءه على الماء ويضايقهم في الطريق.
وقد لبس إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا ويظنون أن الحج يدفع عنهم وقد لبس إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها فرأيت جماعة يتصنعون في إحرامهم فيكشفون عن كتف واحدة ويبقون في الشمس أياما فتكشط جلودهم وتنتفخ رؤوسهم ويتزينون بين الناس بذلك وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رأى رجلا يطوف بالكعبة بزمام فقطعه وفي لفظ آخر رأى رجلا يقود إنسانا بخزامة في أنفه فقطعها بيده ثم أمره في أن يقوده بيده.
قال المصنف وهذا الحديث يتضمن النهي عن الابتداع في الدين وإن قصدت بذلك الطاعة.
فصل: وقد لبس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ قال رجل للإمام أحمد بن حنبل ﵁ أريد أن أخرج إلى مكة على
التوكل من غير زاد فقال له أحمد: فاخرج في غير القافلة قال: لا إلا معهم قال: فعلى جراب الناس توكلت. فنسأل الله أن يوفقنا.
стр. 145
ذكر تلبيس إبليس على الغزاة
قال المصنف: قد لبس إبليس على خلق كثير فخرجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء ليقال فلان غاز وربما كان المقصود أن يقال شجاع أو كان طلب الغنيمة وإنما الأعمال بالنيات وعن أبي موسى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" أخرجاه في الصحيحين وعن ابن مسعود ﵁ قال إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدا أو قتل فلان شهيدا فإنالرجل ليقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه وبالإسناد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال كذبت ولكنك قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن فقال كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل أنت تحبه أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" انفرد بإخراجه مسلم وبإسناد مرفوع عن أبي حاتم الرازي قال سمعت عبدة بن سليمان يقول كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه الرجل فقتله فازدحم الناس عليه فكنت فيمن ازدحم عليه
стр. 146
فإذا هو ملثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا قلت فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص كيف خاف على إخلاصه برؤية الناس له ومدحهم إياه فستر نفسه وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل فإذا غنموا لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر.
فصل وقد لبس إبليس على المجاهد إذا غنم فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه فأما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدري أن الغلول من الغنائم معصية وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبد له فلما نزلنا قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه فلما قلنا له هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال: "كلا والذي نفس محمد بيده أن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم" قال ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال أصبته يوم خيبر فقال رسول الله ﷺ : "شراك من نار أو شرا كان من نار".
فصل: وقد يكون الغازي عالما بالتحريم إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر عنه وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم روينا بإسناد عن هبيرة بن الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال لما هبط المسلمون المداين وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه ما رأينا مثل هذا قط ما يعدله ما عندنا ولا ما يقاربه فقال له هل أخذت منه شيئا فقال أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا من أنت فقال والله لا أخبركم لتحمدوني ولا أغريكم لتقرظوني ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فاتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.
стр. 147
ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
وهم قسمان عالم وجاهل فدخول إبليس على العالم من طريقين:
الطريق الأول: التزين بذلك وطلب الذكر والعجب بذلك الفعل روينا بإسناد عن أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سلمان يقول سمعت أبا جعفر المنصور يبكي في خطبته يوم الجمعة فاستقبلني الغضب وحضرتني نية أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل قال فكرهت أن أقوم إلى خليفة فأعظه والناس جلوس يرمقونني بأبصارهم فيعرض لي تزين فيأمر بي فأقتل على غير صحيح فجلست وسكت.
والطريق الثاني: الغضب للنفس وربما كان ابتداء وربما عرض في حالة الآمر بالمعروف لأجل ما يلقى به المنكر من الإهانة فتصير خصومه لنفسه كما قال عمر بن عبد العزيز
لرجل لولا أني غضبان لعاقبتك وإنما أراد أنك أغضبتني فخفت أن تمتزج العقوبة من غضب الله ولي
فصل فأما إذا كان الآمر بالمعروف جاهلا فان الشيطان يتلاعب به وإنما كان إفساده في أمره أكثر من إصلاحه لأنه ربما نهى عن شيء جائز بالإجماع وربما أنكر ما تأول فيه صاحبه وتبع فيه بعض المذاهب وربما كسر الباب وتسور الحيطان وضرب أهل المنكر وقذفهم فان أجابوه بكلمة تصعب عليه صار غضبه لنفسه وربما كشف ما قد أمر الشرع بستره وقد سئل أحمد بن حنبل عن القوم يكون معهم المنكر مغطى مثل طنبور ومسكر قال إذا كان مغطى فلا تكسره وقال في رواية أخرى اكسره وهذا محمول على أنه يكون مغطى بشيء خفيف يصفه فيتبين والأولى على أنه لا يتبين وسئل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار ولا يعرف مكانه فقال ولا عليك ما غاب عنك فلا تفتش وربما رفع هذا المنكر أهل المنكر إلى من يظلمهم وقد قال أحمد بن حنبل إن علمت أن السلطان يقيم الحدود فارفع إليه.
стр. 148
فصل: ومن تلبيس إبليس على المنكر أنه إذا أنكر جلس في مجمع يصف ما فعل ويتباهى به ويسب أصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا ٢ خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لأنه يعلم من لا يعلم والستر على المسلم واجب مهما أمكن وسمعت عن بعض الجهلة بالإنكار أنه يهجم على قوم ما يتيقن ما عندهم ويضربهم الضرب المبرح ويكسر الأواني وكل هذا يوجبه الجهل فأما العالم إذا أنكر فأنت منه على أمان وقد كان السلف يتلطفون في الإنكار ورأى صلة بن أشيم رجلا يكلم امرأة فقال إن الله يراكما سترنا الله وإياكما وكان يمر بقوم يلعبون فيقول يا إخواني ما تقولون ف ٢ يمن أراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره فانتبه رجل منهم فقال يا قوم إنما يعلمنا هذا فتاب وصحبه.
فصل: وأولى الناس بالتلطف في الإنكار على الأمراء فيصلح أن يقال لهم إن الله قد رفعكم فاعرفوا قدر نعمته فإن النعم تدوم بالشكر فلا يحسن أن تقابل بالمعاصي.
فصل: وقد لبس إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكرا فلا ينكره ويقول إنما يأمر وينهي من قد صلح وأنا ليس بصالح فكيف آمر غيري وهذا غلط لأنه يجب عليه أن يأمر وينهي ولو كانت تلك المعصية فيه إلا أنه متى أنكر متنزها عن المنكر أثر إنكاره وإذا لم يكن متنزها لم
يكد يعمل إنكاره فينبغي للمنكر أن ينزه نفسه ليؤثر إنكاره قال ابن عقيل رأينا في زماننا أبا بكر الأقفالي في أيام القائم إذا نهض لإنكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر من إطلاعه في التنور وتبعه وجماعة ما فيهم من يأخذ صدقة ولا يدنس بقبول عطاء صوام النهار قوام الليل أرباب بكاء فإذا تبعه مخلط رده وقال متى لقينا الجيش بمخلط انهزم الجيش.
стр. 149
الباب التاسع: في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد
قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أن النجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبس عليه إبليس بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا فيخرج على وجهه إلى الجبال فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش ويخيل إليه أن هذا هو الزهد الحقيقي كيف لا وقد سمع عن فلان أنه هام على وجهه وعن فلان أنه تعبد في جبل وربما كانت له عائلة فضاعت أو والدة فبكت لفراقه وربما لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي وربما كانت عليه مظالم لم يخرج منها وإنما يتمكن إبليس من التلبيس على هذا لقلة علمه ومن جهله رضاه عن نفسه بما يعلم ولو أنه وفق لصحبة فقيه يفهم الحقائق لعرفه أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما من الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حله أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع وأن الخروج إلى الجبال المنفردة منهي عنه فان النبي ﷺ نهى أن يبيت الرجل وحده وأن التعرض لتركه الجماعة والجمعة خسران لا ربح والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل وفراق الوالد والوالدة في مثل هذا عقوق والعقوق من الكبائر وأما من سمع عنه أنه خرج إلى جبل فأحوالهم تحتمل أنهم لم يكن لهم عيال ولا والد ولا والدة فخرجوا إلى مكان يتعبدون فيه مجتمعين ومن لم يحتمل حالهم وجها صحيحا فهم على الخطأ من كانوا وقد قال بعض السلف خرجنا إلى جبل نتعبد فجاءنا سفيان الثوري فردنا.
فصل: ومن تلبيسه على الزهاد إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وبيان ذلك أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه
стр. 150
والعالم نفعه متعد وكم قد رد إلى الصواب من متعبد.
فصل: ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير ومنهم من لا يذوق الفاكهة ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة الرسول ﷺ ولا طريق أصحابه وأتباعهم وإنما كانوا يجوعون إذا لم يجدوا شيئا فإذا وجدوا أكلوا وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحبه ويأكل الدجاج ويحب الحلوى ويستعذب له الماء البارد ويختار الماء البائت فإن الماء الجاري يؤذي المعدة ولا يروي وقد كان رجل يقول أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره فقال الحسن البصري هذا رجل أحمق وهل يقوم بشكر الماء البارد وقد كان سفيان الثوري إذا سافر حمل في سفرته اللحم المشوي والفالوذج وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته ولا بد من الرفق بها ليصل بها إلى المقصود فليأخذ ما يصلحها وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات فان ذلك يؤذي البدن والدين.
ثم إن الناس يختلفون في طباعهم فان الأعراب إذا لبسوا الصوف واقتصروا على شرب اللبن لم نلمهم لأن مطايا أبدانهم تحمل ذلك وأهل السواد إذا لبسوا الصوف وأكلوا الكوامخ لم نلمهم أيضا ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه لأن هذه عادة القوم فأما إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التنعم فإنا ننهي صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه فان تزهد وآثر ترك الشهوات إما لأن الحلال لا يحتمل السرف أو لأن الطعام اللذيذ يوجب كثرة التناول فيكثر النوم والكسل فهذا يحتاج أن يعلم ما يضر تركه وما لا يضر فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس وقد ظن قوم أن الخبز القفاز يكفي في قوام البدن ولو كفى إلا أن الاقتصار يؤدي من جهة أن أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض والحلو والحار والبارد والممسك والمسهل وقد جعل أسباب مثل أن يقل عندها البلغم الذي لا بد في قوامها منه فتشتاق إلى اللبن ويكثر عندها الصفراء فتميل إلى الحموضة فمن كفها عن التصرف على مقتضى ما قد وضع في طبعها مما يصلحها فقد
стр. 151
آذاها إلا أن يكفها عن الشبع والشره وما يخاف عاقبته فان ذلك يفسدها فأما الكف المطلق فخطأ فافهم هذا ولا يلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فان اتباع الشارع وصحابته أولى وكان ابن عقيل يقول ما أعجب أموركم في المتدين إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة بين تجرير أذيال المرح في الصبا واللعب وبين إهمال الحقوق وإطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد فهلا عبدوا على عقل وشرع.
فصل: ومن تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم
والملبس فحسب فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا له من الزهد وهم من ترغد الناس إليهم وتقبيل أيديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة.
فصل: وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس مثل إظهار النحول وصفار الوجه وشعث الشعر ليستدل به على الزهد وك ٤ ذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة ومثل هذه الظواهر لا تخفى وإنما نشير إلى خفي الرياء وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" ومتى لم يرد بالعمل وجه الله لم يقبل قال مالك بن دينار قولوا لمن لم يكن صادقا لا تتعب.
وأعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر فنجانه منه صعبة وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال لي يوسف بن أسباط تعلموا صحة العمل من سقمه فاني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة وفي الحديث مرفوعا عن إبراهيم الحنظلي قال سمعت بقية بن الوليد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان دخلت عليه في صومعته فقلت له يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك هذه قال منذ سبعين سنة قلت ما طعمك قال يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت أحببت أن أعلم قال في كل ليلة حمصة
стр. 152
قلت فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة قال ترى الذين بحذائك قلت نعم قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذلك وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد فوقر في قلبي المعرفة فقال أزيدك قلت نعم قال انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إلي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى فقالوا يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ قلت من قوته قالوا وما تصنع به نحن أحق ساوم قلت عشرين دينارا فأعطوني عشرين دينارا فرجعت إلى الشيخ فقال أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك هذا عز من لا يعبده فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي أقبل على ربك.
قلت ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حدرا عليها وبهرجوها بضدها فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول وكان ابن أدهم إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك عن بكار بن عبد الله أنه سمع وهب ابن منبه يقول كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يزار فيعظمهم فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم أرانا يحب أحدنا أن تقضي له حاجته وأن اشتري بيعا أن يقارب لمكان دينه وإن لقي حيي ووقر لمكان دينه فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه فلما رآه الرجل قيل له هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك فقال وما يصنع قال للكلام الذي وعظت به فسأل غلامه هل عندك طعام فقال شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به فأمر به فأتى على مسح فوضع بين يديه فأخذ يأكل منه وكان يصوم النهار ولا يفطر فوقف عليه الملك فسلم عليه فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله فقال الملك أين الرجل فقيل له هو هذا قال هذا الذي يأكل قالوا نعم قال فما عند هذا من خير فأدبر فقال الرجل الحمد لله الذي صرفك عني بما
стр. 153
صرفك به وفي رواية أخرى عن وهب أنه لما أقبل الملك قدم الرجل طعامه فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت فيأكل أكلا عنيفا فقال له الملك كيف أنت يا فلان فقال كالناس فرد الملك عنان دابته وقال ما في هذا من خير فقال الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لائم لي وبإسناد عن عطاء قال أراد أبو الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفا وعرقا وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف فجعل يمشي في الأسواق ويأكل فقيل للوليد إن يزيد قد اختلط وأخبر بما فعل فتركه ومثل هذا كثير.
فصل: ومن الزهاد من يستعمل الزهد ظاهرا وباطنا لكنه قد علم أنه لا بد أن يتحدث بتركه للدنيا أصحابه أو زوجته فيهون عليه الصبر كما هان على الراهب الذي ذكرنا قصته مع إبراهيم بن أدهم ولو أنه أراد الإخلاص في زهده لأكل مع أهله قدر ما ينمحي به جاه النفس ويقطع الحديث عنه فقد كان داود بن أبي هند صام عشرين سنة ولم يعلم به أهله كان يأخذ غذائه ويخرج إلى السوق فيتصدق به في الطريق فأهل السوق يظنون أنه قد أكل في البيت وأهل البيت يظنون أنه قد أكل في السوق هكذا كان الناس.
فصل: ومن المتزهدين من قوته الانقطاع في مسجد أو رباط أو جبل فلذته علم الناس بانفراده وربما احتج لانقطاعه باني أخاف أن أرى في خروجي المنكرات وله في ذلك مقاصد منها الكبر واحتقار الناس ومنها أنه يخاف أن يقصروا في خدمته ومنها حفظ ناموسه ورياسته فان مخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يبقى إطراؤه وذكره وربما كان مقصوده ستر عيوبه ومقابحه وجهله بالعلم فيرى هذا ويحب أن يزار ولا يزور ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع العوام على بابه وتقبيلهم يده فهو يترك عيادة المرضى وشهود الجنائز وبقول أصحابه أعذروا الشيخ فهذه عادته لا كانت عادة تخالف الشريعة ولو احتاج هذا الشخص إلى القوت ولم يكن عنده من يشتريه له صبر على الجوع لئلا يخرج لشراء ذلك بنفسه فيضيع جاهه لمشيه بين العوام ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت عنه الشهرة ولكن في باطنه
стр. 154
حفظ الناموس وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق ويشتري حاجته ويحملها بنفسه وكان أبو بكر ﵁ يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري والحديث بإسناد عن محمد بن القاسم قال روي عن عبد الله بن حنظلة قال مر عبد الله بن سلام وعلى رأسه حزمة حطب فقال له ناس ما يحملك على هذا وقد أغناك الله قال أردت أن أدفع به الكبر وذلك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر".
فصل: قال المصنف: وهذا الذي ذكرته من الخروج لشراء الحاجة ونحوها من التبذل كان عادة السلف القدماء وقد تغيرت تلك العادة كما تغيرت الأحوال والملابس فلا أرى للعالم أن يخرج اليوم لشراء حاجته لأن ذلك يكشف نور العلم عند الجهلة وتعظيمه عندهم مشروع ومراعاة قلوبهم في مثل هذا يخرج إلى الرياء واستعمال ما يوجب الهيبة في القلوب لا يمنع منه وليس كل ما كان في السلف مما لا يتغير به قلوب الناس يومئذ ينبغي أن يفعل اليوم قال الأوزاعي كنا نضحك ونمزح فإذا صرنا يقتدى بنا فلا أرى ذلك يسعنا وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم أن أصحابه كانوا يوما يتمازحون فدق رجل الباب فأمرهم بالسكوت والسكون فقالوا له تعلمنا الرياء فقال إني أكره أن يعصى الله فيكم.
قال المصنف: وإنما خاف قول الجهلة انظروا إلى هؤلاء الزهاد كيف يفعلون وذلك أن العوام لا يحتملون مثل هذا للمتعبدين.
فصل: ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس اللين من ثوبه ما فعل لئلا يتوكس جاهه
في الزهد ولو خرج روحه لا يأكل والناس يرونه ويحفظ نفسه في التبسم فضلا عن الضحك ويوهمه إبليس أن هذا لإصلاح الخلق وإنما هو رياء يحفظ به قانون الناموس فتراه مطاطئ الرأس عليه آثار الحزن فإذا خلا رأيته ليث شرى.
فصل: وقد كان السلف يدفعون عنهم كل ما يوجب الإشارة إليهم ويهربون من المكان الذي يشار إليهم فيه والحديث بإسناد عن عبد الله بن خفيف قال قال يوسف بن أسباط خرجت من سبج راجلا حتى أتيت المصيصة وجرابي على عنقي فقام ذا من حانوته يسلم علي وذا يسلم فطرحت جرابي ودخلت المسجد
стр. 155
أصلي ركعتين أحد قوابي واضطلع رجل في وجهي فقلت في نفسي كم بقاء قلبي على هذا فأخذت جرابي ورجعت بعرفي وعنائي إلى سبج فما رجعت إلى قلبي سنتين.
فصل: ومن الزهاد من يلبس الثوب المخرق ولا يخيطه ويترك إصلاح عمامته وتسريح لحيته ليرى أنه ما عنده من الدنيا خير وهذا من أبواب الرياء فان كان صادقا في إعراضه عن أغراضه كما قيل لداود الطائي ألا تسرح لحيتك فقال إني عنها لمشغول فليعلم أنه سلك غير الجادة إذ ليست هذه طريقة الرسول ﷺ ولا أصحابه فانه كان يسرح شعره وينظر في المرآة ويدهن ويتطيب وهو أشغل الخلق بالآخرة وكان أبو بكر وعمر ﵄ يخضبان بالحناء والكتم وهما أخوف الصحابة وأزهدهم فمن أدعى رتبة تزيد على السنة وأفعال الأكابر لم يلتفت إليه.
فصل ومن الزهاد من يلزم الصمت الدائم وينفرد عن مخالطة أهله فيؤذيهم بقبح أخلاقه وزيادة انقباضه وينسى قول النبي ﷺ : "إن لأهلك عليك حقا" وقد كان رسول الله ﷺ يمزح فيلاعب الأطفال ويحدث أزواجه وسابق عائشة إلى غير ذلك من الأخلاق اللطيفة فهذا المتزهد الجاعل زوجته كالآيم وولده كاليتيم لانفراده عنهم وقبح أخلاقه لأنه يرى أن ذلك يشغله عن الآخرة ولا يدري لقلة علمه أن الانبساط إلى الأهل من العون على الآخرة وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لجابر هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك وربما غلب على هذا المتزهد التجفف فترك مباضعة الزوجة فيضيع فرضا بنافلة غير ممدوحة.
فصل: ومن الزهاد من يرى عمله فيعجبه فلو قيل له أنت من أوتاد الأرض رأى ذلك حقا ومنهم من يترصد لظهور كرامته ويخيل إليه أنه لو قرب من الماء قدر أن يمشي عليه فإذا
عرض له أمر فدعا فلم يجب تذمر في باطنه فكأنه أجير يطلب أجر عمله ولو رزق الفهم لعلم أنه عبد مملوك والمملوك لا يمن بعمله ولو نظر إلى توفيقه للعمل لرأى وجوب الشكر فخاف من التقصير فيه وقد كان ينبغي أن يشغله خوفه على العمل من التقصير فيه عن النظر إليه كما كانت رابعة تقول أستغفر الله من قلة صدقي في قولي وقيل لها هل عملت عملا ترين أنه يقبل منك فقالت إذا كان فمخافتي أن يرد علي.
стр. 156
فصل: ومن تلبيس إبليس على قوم من الزهاد الذي دخل عليهم فيه من قلة العلم أنهم يعملون بواقعاتهم ولا يلتفتون إلى قول الفقيه قال ابن عقيل كان أبو اسحق الخراز صالحا وهو أول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الإمساك عن الكلام في شهر رمضان فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض إليه من الحوائج فيقول في أذنه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ ويقول لابنه في عشية الصوم ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾ آمرا له أن يشتري البقل فقلت له هذا الذي تعتقده عبادة هو معصية فصعب عليه فقلت أن هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعية فلا يستعمل في أغراض دنيوية وما هذا إلا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف أو توسدك له فهجرني ولم يصغ إلى الحجة.
قال المصنف: قلت وقد يسمع الزاهد القليل العلم أشياء من العوام فيفتي به حدثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه أن رجلا استفتاه فقال ما تقول في امرأة طلقت ثلاثا فولدت ذكرا هل تحل لزوجها قال فقلت لا وكان عندي الشريف الدحالي (١) وكان مشهورا بالزهد عظيم القدر بين العوام فقال لي بل تحل فقلت ما قال بهذا أحد فقال والله لقد أفتيت بهذا من ههنا إلى البصرة.
قال المصنف فانظر ما يصنع الجهل بأهله ويضاف إليه حفظ الجاه خوفا أن يرى الزاهد بعين الجهل وقد كان السلف ينكرون على الزاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي لأنه لم يجمع شروط الفتوى فكيف لو رأوا تخبيط المتزهدين اليوم في الفتوى بالواقعات وبالإسناد عن إسماعيل بن شبة قال دخلت على أحمد بن حنبل وقد قدم أحمد بن حرب من مكة فقال لي أحمد
ابن حنبل من هذا الخراساني الذي قد قدم قلت من زهده كذا وكذا ومن ورعه كذا وكذا فقال لا ينبغي لمن يدعي ما يدعيه أن يدخل نفسه في الفتيا.
فصل: ومن تلبيسه على الزهاد احتقارهم العلماء وذمهم إياهم فهم يقولون المقصود العمل ولا يفهمون أن العلم نور القلب ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ
стр. 157
الشريعة وأنها مرتبة الأنبياء لعدوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء والعمي عند البصراء والعلماء أدلة الطريق والخلق وراءهم وسليم هؤلاء يمشي وحده وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ "والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من حمر النعم".
فصل: ومما يعيبون به العلماء تفسح العلماء في بعض المباحات التي يتقوون بها على دراسة العلم وكذلك يعيبون جامع الأموال ولو فهموا معنى المباح لعلموا أنه لا يذم فاعله وغاية الأمر أن غيره أولى منه أفيحسن لمن صلى الليل أن يعيب على من أدى الفرض ونام ولقد روينا بإسناد عن محمد بن جعفر الخولاني قال حدثني أبو عبد الله الخواص وكان من أصحاب حاتم الأصم قال دخلنا مع حاتم البلخي إلى الري ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا من أصحابه يريد الحج وعليهم الصوف والزرمانقات ليس فيهم من معه جراب ولا طعام فنزلنا على رجل من التجار متنسك فضافنا تلك الليلة فلما كان من الغد قال لحاتم يا أبا عبد الرحمن لك حاجة فاني أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل فقال حاتم إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل كبير والنظر إلى الفقيه عبادة وأنا أجيء معك وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري فقال له مر بنا يا أبا عبد الرحمن فجاؤا إلى باب داره فإذا البواب فبقي حاتم متفكرا يقول يا رب دار عالم على هذه الحال ثم أذن لهم فدخلوا فإذا بدار قوراء وآلة حسنة وبزة وفرش وستور فبقي حاتم متفكرا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل واذا بفراش حسن وطئ وهو عليه راقد وعند رأسه مذبة وناس وقوف فقعد الرازي وبقي حاتم قائما فأومئ إليه محمد بن مقاتل بيده أن أجلس فقال حاتم لا أجلس فقال له ابن مقاتل فلك حاجة قال نعم قال وما هي قال مسألة أسألك عنها قال فاسألني قال حاتم قم فاستو جالسا حتى أسألك عنها فأمر غلمانه فأسندوه فقال حاتم علمك هذا من أين جئت به فقال حدثني الثقات عن الثقات من الأئمة قال عمن أخذوه قال عن التابعين قال والتابعون ممن أخذوه قال عن أصحاب رسول الله ﷺ قال وأصحاب رسول الله ﷺ عمن أخذوه قال عن رسول الله ﷺ قال ورسول الله ﷺ
من أين جاء به قال عن جبريل عن الله
стр. 158
فقال حاتم ففيم أداه جبريل عن الله إلى النبي ﷺ وأداة النبي ﷺ إلى الصحابة وأداة الصحابة إلى تابعيهم وأداة التابعون إلى الأئمة وأداة الأئمة إلى الثقات وأداة الثقات إليكم هل سمعت في هذا العلم من كانت داره في الدنيا أحسن وفراشه ألين وزينته أكثر كان له المنزلة عند الله أكبر قال لا قال فكيف سمعت قال سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كان عند الله له منزلة أكثر وإليه أقرب قال حاتم وأنت بمن أقتديت أبا النبي ﷺ وبأصحابه والتابعين من بعدهم والصالحين على أثرهم أو فرعون ونمروذ فانهما أول من بنى بالجص والآجر يا علماء السوء إن الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها يقول هذا العالم على هذه الحالة إلا أكون أنا قال فخرج من عنده وازداد محمد بن مقاتل مرضا وبلغ أهل الري ما جرى بين حاتم وبين ابن مقاتل فقالوا لحاتم أن محمد بن عبيد الطنافسي بقزوين أكثر شيئا من هذا فصار إليه فدخل عليه وعنده الخلق يحدثهم فقال له رحمك الله أنا رجل أعجمي جئتك لتعلمني مبدأ ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة فقال نعم وكرامة يا غلام إناء فيه ماء فجاءه بإناء فيه ماء فقعد محمد بن عبيد فتوضأ ثلاثا ثم قال له هكذا فتوضأ قال حاتم مكانك رحمك الله حتى أتوضأ بين يديك ليكون أوكد لما أريد فقام الطنافسي وقعد حاتم مكانه فتوضأ وغسل وجهه ثلاثة حتى إذا بلغ الذراع غسل أربعا فقال الطنافسي أسرفت قال حاتم فبماذا أسرفت قال غسلت ذراعك أربعا قال يا سبحان الله أنا في كف ماء أسرفت وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما وخرج حاتم إلى الحجاز فلما صار إلى المدينة أحب أن يخصم علماء المدينة فلما دخل المدينة قال يا قوم أي مدينة هذه قالوا مدينة الرسول ﷺ قال فأين قصر رسول الله ﷺ حتى أذهب إليه فأصلي فيه ركعتين قالوا ما كان لرسول الله ﷺ قصر إنما كان له بيت لاط قال فأين قصور أهله وأصحابه وأزواجه قالوا ما كان لهم قصور إنما كان لهم بيوت لاطئة فقال حاتم فهذه مدينة فرعون قال فسبوه وذهبوا به إلى الوالي وقالوا هذا العجمي يقول هذه مدينة
стр. 159
فرعون فقال الوالي لم قلت ذلك قال حاتم لا تعجل علي أيها الأمير أنا رجل غريب دخلت هذه المدينة فسألت أي مدينة هذه قالوا مدينة رسول الله ﷺ وسألت عن قصر رسول الله ﷺ وقصور أصحابه قالوا إنما كانت لهم بيوت لاطئة وسمعت الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فأنتم بمن تأسيتم برسول الله ﷺ أو بفرعون.
قال المصنف قلت الويل للعلماء من الزاهد الجاهل الذي يقتنع بعلمه فيرى الفضل فرضا فان الذي أنكره مباح والمباح مأذون فيه والشرع لا يأذن في شيء ثم يعاتب عليه فما أقبح الجهل ولو أنه قال لهم لو قصر تم فيما أنتم فيه لتقتدي الناس بكم كان أقرب حالة ولو سمع هذا بأن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم وفلانا وفلانا من الصحابة خلفوا مالا عظيما أتراه ماذا كان يقول وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل ففرض على الزاهد التعلم من العلماء فإذا لم يتعلم فليسكت والحديث بإسناد عن مالك بن دينار ﵁ قال إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز وبإسناد عن حبيب الفارسي يقول والله أن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز.
قال المصنف قلت المراد بالقراء الزهاد وهذا اسم قديم لهم معروف والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب
الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصوفية من جملة الزهاد
قال المصنف الصوفية: من جملة الزهاد وقد ذكرنا تلبيس إبليس على الزهاد إلا أن الصوفية أنفردوا عن الزهاد بصفات وأحوال وتوسموا بسمات فاحتجنا إلى إفرادهم بالذكر والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال اليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد ومال اليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب فلا بد من كشف تلبيس إبليس عليهم في
стр. 160
طريقة القوم ولا ينكشف ذلك إلا بكشف أصل هذه الطريقة وفروعها وشرح أمورها والله الموفق للصواب.
فصل: قال المصنف: كانت النسبة في زمن رسول الله ﷺ إلى الإيمان والإسلام فيقال مسلم ومؤمن ثم حدث اسم زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها وأخلاقا تخلقوا بها ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله عند بيته الحرام رجل يقال له صوفة واسمه الغوث بن مر فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله فسموا بالصوفية أنبأنا محمد بن ناصر عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال قال قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال سألت وليد بن القاسم إلى أي شيء ينسب الصوفي فقال كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة انقطعوا إلى الله وقطنوا الكعبة فمن تشبه بهم فهم الصوفية قال عبد الغني فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال كانت الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده وكان يقال لهم صوفة وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب أجز صوفة قال الزبير قال أبو عبيدة وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي من البيت شيئا من غير أهله أو قام بشيء من أمر المناسك يقال لهم صوفة وصوفان قال الزبير حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب
الكلبي قال إنما سمي الغوث بن مرصوفة لأنه ما كان يعيش لأمه ولد فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة ففعلت فقيل له صوفة ولولده من بعده قال الزبير وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران قال أخبرني عقال بن شبة قال قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة فقالت لله علي أن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت فولدت الغوث بن مر فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد سقط واسترخى فقالت ما صار ابني إلا صوفة فسمي صوفة وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى ومن منى إلى مكة لصوفة.
стр. 161
فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى أخذتها عدوان فلم تزل في عدوان حتى اخذتها قريش.
فصل: قال المصنف: وقد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة وإنما ذهبوا إلى هذا لأنهم رأوا أهل الصفة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الانقطاع إلى الله وملازمة الفقر فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ وقيل أهل الصفة والحديث بإسناد عن الحسن قال بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير وكان رسول الله ﷺ يأتيهم فيقول السلام عليكم يا أهل الصفة فيقولون وعليك السلام يا رسول الله فيقول كيف أصبحتم فيقولون بخير يا رسول الله وبإسناد عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا النبي ﷺ بعشائه فنتعش فإذا فرغنا قال رسول الله ﷺ : "ناموا في المسجد".
قال المصنف: وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفي وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء وهذا أيضا غلط لأنه لو نسبوا إليها لقيل صوفاني وقال آخرون هو منسوب إلى صوفة القفا وهي الشعرات النابتة في مؤخره كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق وقال آخرون بل هو منسوب إلى الصوف وهذا يحتمل والصحيح الأول.
وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه
وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر
стр. 162
والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى والحديث بإسناد عن الطوسي يقول سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول سألت الجنيد بن محمد عن التصوف فقال الخروج عن كل خلق رديء والدخول في كل خلق سني وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر قال سمعت محمد بن خفيف يقول قال رويم كل الخلق قعدوا على الرسوم وقعدت هذه الطائفة على الحقائق وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق.
قال المصنف: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن زاد طعمه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن.
وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات فمنهم من أراده أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم وشبهوا المال بالعقارب ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري.
ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة ثم ما زال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به وهؤلاء بين الكفر والبدعة ثم تشعبت بأقوام منهم
الطرق ففسدت عقائدهم فمن هؤلاء من قال بالحلول ومنهم من قال بالاتحاد وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع
стр. 163
حتى جعلوا لأنفسهم سننا وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم وإنما حملوه على مذاهبهم والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز قال أخبرنا أبو بكر الخطيب قال قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري قال كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه وكان يضع للصوفية الأحاديث.
قال المصنف: وصنف لهن أبو نصر السراج كتابا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الأحاديث الباطلة وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد وردد فيه قول قال بعض المكاشفين وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية إن الله يتجلى في الدنيا لأوليائه أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال قال أبو طاهر محمد بن العلاف قال دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين (١) بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال ليس على المخلوق أضر من الخالق فبدعه الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك قال الخطيب وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات.
قال المصنف: وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسادات الصحابة ﵃ فذكر عنهم فيه العجب وذكر منهم
стр. 164
شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره وصنف لهم عبد الكريم بن هوزان القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء والقبض والبسط والوقت والحال والوجد والوجود والجمع والتفرقة والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات والتجلي والمحاضرة والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والشريعة والحقيقة إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره أعجب منه وجاء محمد بن ظاهر المقدسي فصنف لهم صفوة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة قال وصنف كتابا في جواز النظر إلى المراد أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها فقيل له تصلي عليها فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح قال شيخنا ابن ناصر وليس ابن طاهر بمن يحتج به وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الأحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطله وهو لا يعلم بطلانها وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه وقال أن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله ولم يرد هذه المعروفات وهذا من جنس كلام الباطنية وقال في كتابه المفصح بالأحوال إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
قال المصنف: وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنني والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم وإنما استحسنوها لأنه
стр. 165
قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاما أرق من كلامهم وفي سير السلف نوع
خشونة ثم أن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع والطباع تميل إليها وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء.
فصل: وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات
تلقفها بعضهم عن بعض ودونوها وقد سموها بالعلم الباطن والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب اسحق بن حية قال سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات فقال ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون.
قال المصنف وقد روينا في أول كتابنا هذا عن ذي النون نحو هذا وروينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي فقال لصاحب له لا أرى لك أن تجالسهم وعن سعيد بن عمرو البردعي قال شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل إياك وهذه الكتب هذه الكتب كتب بدع وضلالات عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب قيل له في هذه الكتب عبرة قال من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمة صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق ثم قال ما أسرع الناس إلى البدع.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة قال السلمي وأخرج أبو سليمان الداراني من دمشق وقالوا أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه وشهد قوم على أحمد
стр. 166
بن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى أنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول لي معراج كما كان للنبي ﷺ معراج فأخرجوه من بسطام وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام قال السلمي وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح فخرج إلى البصرة فمات بها قال السلمي وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجروه أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات.
قال المصنف وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال حذروا من الحارث أشد التحذير الحارث أصل البلية يعني في حوادث كلام جهم ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إلى رأى جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام حارث بمنزلة الأسد المرابط أنظر أي يوم يثب على الناس.
فصل قال المصنف: وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة قال المصنف وقد كان أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة وإنما لبس الشيطان عليهم لقلة علمهم وبإسناد عن جعفر الخلدي يقول سمعت الجنيد يقول قال أبو سليمان الداراني قال ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة وبإسناد عن طيفور البسطامي يقول سمعت موسى بن عيسى يقول قال لي أبي قال أبو يزيد لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود.
وبإسناد عن أبي موسى يقول سمعت أبا يزيد البسطامي قال من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع وبإسناد عن عبد الحميد الحبلى يقول سمعت سريا يقول من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط وعن الجنيد أنه قال مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة وقال أيضا علمنا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به وقال أيضا ما أخذنا التصوف عن القيل
стр. 167
والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله وأصله التفرق عن الدنيا كما قال حارثة عرفت نفسي في الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وعن أبي بكر الشفاف من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن وقال الحسين النوري لبعض أصحابه من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه وعن الجريري قال أمرنا هذا كله مجموع على فضل واحد هو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما وعن أبي جعفر قال من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعده في ديوان الرجال.
فصل قال المصنف وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم
غلطات لبعدهم عن العلم فان كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محاباة في الحق وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاطهم كثيرة ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل وما علينا من القائل والفاعل وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم وما زال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط ولا اعتبار بقول جاهل يقول كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله.
واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الالهية ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه إلا ما يستحقه وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي بإسناد إلى يحيى بن سعيد قال سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث فقالوا جميعا يبين أمره وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرجل ويبالغ ثم
стр. 168
يذكر غلطه في الشيء بعد الشيء وقال نعم الرجل فلان لولا أن خلة فيه وقال عن سري السقطي الشيخ المعروف بطيب المطعم ثم حكى له عنه أنه قال إن الله لما خلق الحروف سجدت الباء فقال نفروا الناس عنه.
سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد
ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره
عن أبي عبد الله الرملي قال تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع فزعق أبو حمزة وقال لبيك لبيك فنسبوه إلى الزندقة وقالوا حلولي زنديق وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع هذا فرس الزنديق وبإسناد إلى أبي بكر الفرغاني أنه قال كان أبو حمزة إذا سمع شيئا يقول لبيك لبيك فأطلقوا عليه أنه حلولي ثم قال أبو علي وإنما جعله داعيا من الحق أيقظه للذكر وعن أبي علي الروزباري قال أطلق على أبي حمزة أنه حلولي وذلك أنه كان إذا سمع صوتا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور كان يصيح ويقول لبيك لبيك فرموه بالحلول قال السراج وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار الحارث
المحاسبي فصاحت الشاه ماع فشهق أبو حمزة شهقة وقال لبيك يا سيدي فغضب الحارث المحاسبي وعمد إلى سكين وقال إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك قال أبو حمزة إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الذي أنا فيه فلم تأكل النخالة بالرماد.
وقال السراج وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراط ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب السر ومنه قوله عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه قال وأبو العباس أحمد بن عطاء نسب إلى الكفر والزندقة قال وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه وشهد عليه بالكفر والزندقة وكذلك أكثرهم وقال السراج ذكر عن أبي بكرة محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال من ذكر افترى ومن صبر اجتري وإياك أن تلاحظ حبيبا أو كليما أو خليلا
стр. 169
وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا فقيل له أولا أصلي عليهم قال صلى عليهم بلا وقار ولا تجعل لها في قلبك مقدار قال السراج وبلغني أن جماعة من الحلوليين زعموا أن الحق اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية وأزال عنها معاني البشربة ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات ومنهم من قال حال في المستحسنات قال وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة قال السراج وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول أنا أعشق الله وهو يعشقني فقال النوري سمعت الله يقول: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وليس العشق بأكثر من المحبة قال القاضي أبو يعلى وقد ذهبت الحلولية إلا أن الله يعشق.
قال المصنف: وهذا جهل من ثلاثة أوجه أحدهما من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح والثاني أن صفات الله منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق ويحب ولا يقال يعشق كما يقال يعلم ولا يقال يعرف والثالث من أين له أن الله تعالى يحبه فهذه دعوى بلا دليل وقد قال النبي ﷺ : "من قال إني في الجنة فهو في النار"
وعن أبي عبد الرحمن السلمي حكى عن عمرو المكي أنه قال كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته وعن محمد بن يحيى الرازي قال سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول لو قدرت عليه لقتلته بيدي فقلت بأي شيء وجد عليه الشيخ فقال قرأت آية من كتاب الله فقال يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به وبإسناد عن أبي القاسم الرازي يقول قال
أبو بكر بن ممشاد قال حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها لا بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه فقال هذا خطي وأنا كتبته فقالوا كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية فقال ما ادعي الربوبية ولكن هذا عين الجمع عندنا هل الكاتب إلى الله تعالى واليد فيه آلة فقيل له هل معك أحد فقال نعم ابن عطاء
стр. 170
وأبو محمد الجريري وأبو بكر الشبلي وأبو محمد الجريري يتستر والشبلي يتستر فإن كان فابن عطاء فأحضر الجريري وسئل فقال قائل هذا كافر يقتل من يقول هذا وسئل الشبلي فقال من يقول هذا يمنع وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج فقال بمقالته وكان سبب قتله وبإسناد عن ابن باكويه قال اسمعت عيسى بن بردل القزويني وقد سئل أبو عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوته … سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا … في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه … كلحظة الحاجب بالحاجب
فقال الشيخ على قائله لعنة الله قال عيسى بن فورك هذا شعر الحسين
ابن منصور قال إن كان هذا اعتقاده فهو كافر إلا أنه ربما يكون متقولا عليه وبإسناد عن علي بن المحسن القاضي عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي عن أبيه أن ابنة السمري أدخلت على حامد الوزير فسألها عن الحلاج فقالت حملني أبي إليه فقال قد زوجتك من ابني سليمان وهو مقيم بنيسابور فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك واصعدي في آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرتيه منه فاني أسمع وأرى قالت وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني فانتبهت مذعورة لما كان منه فقال إنما جئتك لأوقظك للصلاة فلما نزلنا قالت ابنته اسجدي له فقلت أو يسجد أحد لغير الله فسمع كلامي فقال نعم إله في السماء وإله في الأرض.
قال المصنف: اتفق علماء العصر على إباحة دم الحلاج فأول من قال إنه حلال الدم أبو عمرو القاضي ووافقه العلماء وإنما سكت عنه أبو العباس سريج قال وقال لا أدري ما يقول والإجماع دليل معصوم من الخطأ وبإسناد عن أبي هريرة قال قال رسول اله ﷺ : "إن الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلكم" وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال
سمعت والدي يقول سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول إن كان
стр. 171
ما أنزل الله على نبيه ﷺ حقا فما يقول الحلاج باطل وكان شديدا عليه.
قال المصنف: وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلا منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء وبإسناد عن محمد بن الحسين النيسابوري قال سمعت ابراهيم بن محمد النصر ابادي كان يقول إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج قلت وعلى هذا أكثر قصاص زماننا وصوفية وقتنا جهلا من الكل بالشرع وبعدا عن معرفة النقل وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابا بينت فيه حيله ومخاريقه وما قال العلماء فيه والله المعين على قمع الجهال.
وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ قال سمعت عمر البنا البغدادي بمكة يحكي أنه لما كانت محنة غلام الخليل ونسبة الصوفية إلى الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم فأخذ النوري في جماعة فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه فقال له السياف ما دعاك إلى البدار قال آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللحظة فتوقف السياف فرفع الأمر إلى الخليفة فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق فأمر بتخليتهم وبإسناد إلى أبي العباس أحمد بن عطاء قال كان يسعى بالصوفيه ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة فقال ههنا قوم زنادقة فأخذ أبو الحسين النوري وأبو حمزة الصوفية وأبو بكر الدقاق وجماعة من أقران هؤلاء واستتر الجنيد بن محمد بالفقه على مذهب أبي ثور فأدخلوا إلى الخليفة فأمر بضرب أعناقهم فأول من بدر أبو الحسين النوري فقال له السياف لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع قال أحببت أن أوثر أصحابي بالحياة مقدار هذه الساعة فرد الخليفة أمرهم إلى القاضي فأطلقوا.
قال المصنف: ومن أسباب هذه القصة قول النوري أنا أعشق الله والله يعشقني فشهد عليه بهذا ثم تقدم النوري إلى السياف ليقتل إعانة على نفسه فهو خطأ أيضا وبإسناد عن ابنباكويه قال سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي قال سمعت الرقي يقول كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان فقال
стр. 172
الضيافة فقلت لابني امض به إلى البيت فأقام عندنا تسعة أيام فأكل في كل ثلاثة أيام أكلة فسمته المقام فقال الضيافة ثلاثة أيام فقلت له لا تقطع عنا أخبارك فغاب عنا اثنتي عشرة سنة ثم قدم فقلت من أين فقال رأيت شيخا يقال له أبو شعيب المقفع مبتلي فأقمت عنده أخدمه سنة فوقع في نفسي أن أسأله أي شيء كان أصل بلائه
فلما دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله فقال وما سؤالك عما لا يعنيك فصبرت حتى تم لي ثلاث سنين فقال في الثالثة لا بد لك فقلت له إن رأيت فقال بينما أنا أصلي بالليل إذ لاح لي من المحراب نور فقلت أخسأ يا ملعون فإن ربي غني عن أن يبرز للخلق ثلاث مرات قال ثم سمعت نداء من المحراب يا أبا شعيب فقلت لبيك فقال تحب أن أقبضك في وقتك أو نجازيك على ما مضى لك أو نبتليك ببلاء نرفعك به في عليين فاخترت البلاء فسقطت عيناي ويداي ورجلاي قال فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة فقال يوما من الأيام ادن مني فدنوت منه فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا أبرز حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه وهو يسبح ويقدس ثم مات.
قال المصنف وهذه الحكاية توهم أن الرجل رأى الله فلما أنكر عوقب وقد ذكرنا أن قوما يقولون أن الله يرى في الدنيا وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في كتاب المقالات قال قد حكى قوم من المشبهة أنهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا وأنهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السكك وإن قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته وملامسته ويدعون أنهم يزورونه ويزورهم وهم يسمون بالعراق أصحاب الباطن وأصحاب الوساوس وأصحاب الخطرات قال المصنف وهذا فوق القبيح نعوذ بالله من الخذلان.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة
قال المصنف: قد ذكرنا تلبيسه على العباد في الطهارة إلا أنه قد زاد في حق الصوفية على الحد فقوي وساوسهم في استعمال الماء الكثير حتى بلغني أن ابن
стр. 173
عقيل دخل رباطا فتوضأ فضحكوا لقلة استعماله الماء وما علموا أن من أشبع الوضوء برطل من الماء كفاه وبلغنا عن أبي حامد الشيرازي أنه قال لفقير من أين تتوضأ فقال من النهر بي وسوسة في الطهارة قال كان عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان والآن يسخر بهم الشيطان ومنهم من يمشي بالمداس على البواري وهذا لا بأس به إلا أنه ربما نظر المبتدئ إلى من يقتدي به فيظن ذلك شريعة وما كان خيار السلف على هذا والعجب ممن يبالغ في الاحتراز إلى هذا الحد متصفا بتنظيف ظاهره وباطنه محشو بالوسخ والكدر والله الموفق.
ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة
قال المصنف: وقد ذكرنا تلبيسه على العباد في الصلاة وهو بذلك يلبس على الصوفية ويزيد وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن من سنتهم التي ينفردون بها وينتسبون إليها صلاة ركعتين بعد لبس المرقعة والتوبة واحتج عليه بحديث تمامة بن أثال أن النبي ﷺ أمره حين أسلم أن يغتسل.
قال المصنف: وما أقبح بالجاهل إذا تعاطى ما ليس من شغله فإن ثمامة كان كافرا فاسلم وإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل في مذهب جماعة من الفقهاء منهم أحمد بن حنبل وأما صلاة ركعتين فما أمر بها أحد من العلماء لمن أسلم وليس في حديث ثمامة ذكر صلاة فيقاس عليه وهل هذ إلا ابتداع في الواقع سموه سنة ثم من أقبح الأشياء قوله أن الصوفية ينفردون بسنن لأنها إن كانت منسوبة إلى الشرع فالمسلمون كلهم فيها سواء والفقهاء أعرف بها فما وجه انفراد الصوفية بها وإن كانت بآرائهم فإنما انفردوا بها لأنهم اخترعوها.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن
قال المصنف: أما بناء الأربطة فان قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها
стр. 174
للانفراد بالتعبد وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه أحدها أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد والثاني أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها والثالث أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطأ إلى المساجد والرابع أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم بالأديرة والخامس أنهم تعذبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح والسادس أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة (١) ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فأسقطوا عن أنفسكم كلفة
الورع فمهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء البارد فأين جوع بشر وأين ورع سرى وأين جد الجنيد وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكة بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء فيقول حدثني قلبي عن ربي ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه وأن قوما قرأوا الحديث في رباط فقالوا لهم ليس هذا موضعه والله الموفق.
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها
كان إبليس يلبس على أوائل الصوفية لصدقهم في الزهد فيريهم عيب المال ويخوفهم من شره فيتجردون من الأموال ويجلسون على بساط الفقر وكانت مقاصدهم صالحة وأفعالهم في ذلك خطأ لقلة العلم فأما الآن فقد كفى إبليس هذه المؤنة فان
стр. 175
أحدهم إذا كان له مال أنفقه تبذيرا وضياعا والحديث بإسناد عن محمد بن الحسين السليمي قال سمعت أبا نصر الطوسي قال سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن ذلك كله وأنفقه على الفقراء.
وقد روى مثل هذا عن جماعة كثيرة وهذا الفعل لا ألوم صاحبه إذا كان يرجع إلى كفاية قد أدخرها لنفسه أو إن كانت له صناعة يستغني بها عن الناس أو كان المال عن شبهة فتصدق به أما إذا أخرج المال الحلال كله ثم احتاج إلى ما في أيدي الناس وأفقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الأخوان أو لصدقاتهمن أو أن يأخذ من أرباب الظلم والشبهات فهذا هو الفعل المذموم المنهي عنه ولست أتعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم وإنما العجب من أقوام لهم عقل وعلم وكيف حثوا على هذا وأمروا به مع مصادمته للعقل والشرع وقد ذكر الحارث المحاسبي في هذا كلاما طويلا وشيده أبو حامد الغزالي ونصره والحارث عندي أعذر من أبي حامد لأن أبا حامد كان أفقه غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه.
فمن كلام الحارث المحاسبي في هذا أنه قال أيها المفتون متى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد أزريت بمحمد ﷺ والمرسلين وزعمت أن محمدا ﷺ لم ينصح الأمة إذ نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعة خير لهم وزعمت أن الله لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمعة خير لهم وما ينفعك الاحتجاج بمال الصحابة وابن عوف في القيامة أن لو لم يؤت من الدنيا إلا قوتا قال ولقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن
стр. 176
عوف قال ناس من
أصحاب رسول الله ﷺ إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك قال كعب سبحان الله وما تخافون على عبد الرحمن كسب طيبا وأنفق طيبا فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا فمر بلحى بعير فأخذه بيده ثم انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب إن أبا ذر طلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر فأقبل أبو ذر يقتص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر فقال له أبو ذر هيه يا ابن اليهودية تزعم أنه لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف لقد خرج رسول الله ﷺ يوما فقال: "الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا" ثم قال يا أبا ذر وأنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل فرسول الله ﷺ يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف كذبت وكذب من قال بقولك فلم يرد عليه حرفا حتى خرج.
قال الحارث: فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة القيامة بسبب مال كسبه من حلال للتعفف ولصنائع المعروف فيمنع من السعي إلى الجنة مع فقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبوا وقد كان الصحابة ﵃ إذا لم يكن عندهم شيء فرحوا وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله وقلة اليقين بضمانه وكفى به دائما وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ولذاتها وقد بلغنا إن رسول الله ﷺ قال من أسف على دنيا فاتته قرب من النار مسيرة سنة وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله ويحك هل تجد في دهرك من الحلال كما وجدت الصحابة وأين الحلال فتجمعه ويحك إني لك ناصح أرى لك أنك تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر فقد سئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر فقال تركه أبر منه وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه والآخر جانبها ولم يطلبها ولم يبذلها فأيهما أفضل فقال بعيد والله ما بينهما الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها.
قال المصنف: فهذا كله كلام الحارث المحاسبي ذكره أبو حامد وشيده وقواه بحديث ثعلبة فانه أعطى المال فمنع الزكاة قال أبو حامد فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات إذ أقل ما فيه اشتغالهم بإصلاحه عن ذكر الله فينبغي للمريد أن يخرج من ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته فما بقي له
درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب
стр. 177
عن الله قال المصنف وهذا كله بخلاف الشرع والعقل وسوء فهم للمراد بالمال.
فصل: في رد هذا الكلام أما شرف المال فان الله عظم قدره وأمر بحفظه إذ جعله قواما للآدمي الشريف فهو شريف فقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ونهى أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال وقال لسعد لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس وقال ما نفعني مال كمال أبي بكر والحديث بإسناد مرفوع عن عمرو بن العاص قال بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني" فأتيته فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة" فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام فقال: "يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح" والحديث بإسناد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ دعا له بكل خير وكان في آخر دعائه أن قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له" وبإسناد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديث توبته قال فقلت يا رسول الله أن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال: "أمسك بعض مالك فهو خير لك".
قال المصنف: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة وأن حبسه ينافي التوكل ولا ينكر أنه يخاف من فتنة وأن خلقا كثيرا اجتنبوبه لخوف ذلك وأن جمعه من وجهة يعز وسلامة القلب من الافتنان به يبعد واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ولهذا خيف فتنة فأما كسب المال فان من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظرنا في مقصوده فان قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود وإن قصد إعفاف نفسه
стр. 178
وعائلته وادخر لحوادث زمانه وزمانهم وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات وقد كان نيات خلق كثير من الصحابة ﵃ أجمعين في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم لجمعه فحرصوا عليه وسألوا زيادته وبإسناد
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير حضر (١) فرسه بأرض يقال لها ثرثر فأجرى فرسه حتى قام ثم رمى سوطه فقال أعطوه حيث بلغ السوط وكان سعد بن عبادة يدعو فيقول اللهم وسع علي.
قال المصنف وأبلغ من هذا أن يعقوب ﵊ لما قال له بنوه ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مال إلى هذا وأرسل ابنه بنيامين معهم وأن شعيبا طمع في زيادة ما يناله فقال: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ وأن أيوب ﵇ لما عوفي نثر عليه رجل (٢) جراد من ذهب فأخذ يحثو في ثوبه يستكثر منه فقيل له أما شبعت قال يا رب من يشبع من فضلك وهذا أمر مركوز في الطباع فإذا قصد به الخير كان خيرا محضا.
وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم وقوله إن الله نهى عباده عن جمع المال وأن رسول الله ﷺ نهى أمته عن جمع المال فهذا محال إنما النهي عن سوء القصد بالجمع أو عن جمعه من غير حله وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت وبإسناد عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن على عثمان فأذن له وبيده عصاه فقال عثمان يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى فيه فقال إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس فرفع أبوذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي ست أواقي" أنشدك بالله يا عثمان أسمعت هذا ثلاث مرات قال نعم".
стр. 179
قال المصنف وهذا الحديث لا يثبت وابن لهيعة مطعون فيه قال يحيى لا يحتج بحديثه والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين وعبد الرحمن توفي سنة اثنتي وثلاثين فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع ثم كيف تقول الصحابة ﵃ إنا نخاف على عبد الرحمن أو ليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله فما وجه الخوف مع الإباحة أو يأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه
هذا قلة فهم وفقه ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسير سير الصحابة فإنه قد خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير والبهار الحمل وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف وخلف ابن مسعود ﵁ تسعين ألفا وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد.
وأما قوله: أن عبد الرحمن يحبوا حبوا يوم القيامة فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث أو كان هذا مناما وليس هو في اليقظة أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة أفترى من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن أهل بدر المغفور لهم ومن أصحاب الشورى ثم الحديث يرويه عمارة بن ذاذان وقال البخاري ربما اضطرب حديثه وقال أحمد يروى عن أنس أحاديث مناكير وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به وقال الدارقطني ضعيف أخبرنا ابن الحصين مرفوعا إلى عمارة عن ثابت عن أنس ﵁ قال بينما عائشة ﵂ في بيتها سمعت صوت في المدينة فقالت ما هذا فقالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء قال وكانت سبعمائه بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال إن استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله .
وقوله: ترك المال الحلال أفضل من جمعه ليس كذلك بل متى صح القصد
стр. 180
فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء والحديث الذي ذكره عن رسول الله ﷺ من أسف على دنيا فاتته الخ محال ما قاله رسول الله ﷺ وقوله هل تجد في دهرك حلالا فيقال له وما الذي أصاب الحلال والنبي ﷺ يقول: "الحلال بين والحرام بين" أترى يريد بالحلال وجود حبة مذ خرجت من المعدن ما تقلبت في شبهة هذا يبعد وما طولبنا به بل لو باع المسلم يهوديا كان الثمن حلالا بلا شك هذا مذهب الفقهاء وأعجب لسكوت أبي حامد بل لنصرته ما حكى وكيف يقول أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات ولو أدعى الإجماع على خلاف هذا لصح ولكن تصوفه غير فتواه وعن المرزوي قال سمعت رجلا يقول لأبي عبيد الله إني في كفاية فقال الزم السوق تصل به الرحم وتعود المرضى.
وقوله: ينبغي للمريد أن يخرج من ماله قد بينا أنه إن كان حراما أو فيه شبهة أو إن يقنع هو
باليسير أو بالكسب جاز له أن يخرج منه وإلا فلا وجه لذلك وأما ثعلبة فما ضره المال إنما ضره البخل بالواجب.
وأما الأنبياء فقد كان لإبراهيم ﵊ زرع ومال ولشعيب ولغيره وكان سعيد بن المسيب ﵁ يقول لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه ويصل به رحمه فان مات تركه ميراثا لمن بعده وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار وقد ذكرنا ما خلفت الصحابة وقد خلف سفيان الثوري ﵁ مائتين وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء وإنما تجافاه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات وجمع الهمم فقنعوا باليسير ولو قال هذا القائل أن التقلل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الاثم.
فصل: واعلم أن الفقر مرض فمن ابتلى به وصبر أثيب على صبره ولهذا يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام لمكان صبرهم على البلاء والمال نعمة والنعمة تحتاج إلى شكر والغني وإن تعب وخاطر كالمفتي والمجاهد والفقير كالمعتزل في زاوية وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب سنن الصوفية باب كراهية أن يخلف الفقير شيئا فذكر حديث الذي مات من أهل الصفة وخلف دينارين فقال