Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1226–1246 · переход к 1231.
стр. 1226
الْإِمَامُ ﵀، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ أَوْ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ» فَإِنْ كَانَ الْمَحْفُوظُ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ فَتَأْوِيلُهُ مَأْخُوذٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْمَحْفُوظُ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَهْلَ عَصْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْهِ ﷺ فَإِنَّهُ إذَا رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ وَيَكُونُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُؤْيَا الْمَنَامِ عَلَمًا عَلَى رُؤْيَةِ الْيَقَظَةِ وَأَوْحَى بِذَلِكَ إلَيْهِ ﷺ قَالَ الْقَاضِي ﵀ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَرَى تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ وَصِحَّتَهَا. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ إذْ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀ وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِهَذَا وَأَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ فِي النَّوْمِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا وَوُصِفَ عَلَيْهَا مُوجِبَةً لِكَرَامَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَرُؤْيَتُهُ إيَّاهُ رُؤْيَةً خَاصَّةً مِنْ الْقُرْبِ مِنْهُ وَالشَّفَاعَةِ السَّابِقَةِ فِيهِ وَنَحْوِ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ الرُّؤْيَةِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﵊ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا أَيْ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْآخِرَةِ وَيَبْعُدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَاقِبَ اللَّهُ بَعْضَ الْمُذْنِبِينَ فِي الْقِيَامَةِ بِمَنْعِهِمْ رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَشَفِيعِهِ ﷺ .
وَمِنْ الذَّخِيرَةِ لِلْقَرَافِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْكَرْمَانِيُّ الرُّؤْيَا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ سَبْعَةٌ لَا تُعَبَّرُ وَوَاحِدَةٌ تُعَبَّرُ فَقَطْ. فَالسَّبْعَةُ مَا نَشَأَ عَنْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى الرَّائِي. فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ رَأَى اللَّوْنَ الْأَحْمَرَ وَالْحَلَاوَاتِ وَأَنْوَاعَ الطَّرَبِ أَوْ الصَّفْرَاءُ رَأَى الْحَرُورَ وَالْأَلْوَانَ الصُّفْرَ وَالْمَرَارَاتِ. أَوْ الْبَلْغَمُ رَأَى الْمِيَاهَ وَالْأَلْوَانَ الْبِيضَ وَالْبُرُدَ. أَوْ السَّوْدَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ السُّودَ وَالْمَخَاوِفَ وَالطُّعُومَ الْحَامِضَةَ. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الطِّبِّيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى غَلَبَةِ ذَلِكَ الْخَلْطِ عَلَى ذَلِكَ الرَّائِي.
الْخَامِسُ: مَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِجَوَلَانِهِ فِي النَّفْسِ فِي الْيَقَظَةِ.
السَّادِسُ: مَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيُعْرَفُ بِكَوْنِهِ يَأْمُرُ بِمُنْكَرٍ أَوْ مَعْرُوفٍ يُؤَدِّي إلَى مُنْكَرٍ كَمَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ فَيُضَيِّعُ عَائِلَتَهُ وَأَبَوَيْهِ
стр. 1227
السَّابِعُ: مَا يَكُونُ فِيهِ احْتِلَامٌ. وَاَلَّذِي يُعَبَّرُ هُوَ مَا يَنْقُلُهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يَنْقُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أُمُورَ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَذَلِكَ. انْتَهَى مَا قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ ﵀.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَأْلِيفِهِ الَّذِي أَجَابَ فِيهِ عَنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا التَّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى أَقْسَامِ الرُّؤْيَا فَقَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْمَلَكُ مِنْ نُسْخَةِ أُمِّ الْكِتَابِ فِي الْحِينِ بَعْدَ الْحِينِ. ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ أَوْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كُنْت أَحْضُرُ ابْنَ سِيرِينَ يَسْأَلُ عَنْ الرُّؤْيَا فَكُنْت أُحْرِزُهُ يُعَبِّرُ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ وَاحِدَةً، وَهَذِهِ الصَّحِيحَةُ هِيَ الَّتِي تَجُولُ حَتَّى يُعَبِّرَهَا الْعَالِمُ بِالْقِيَاسِ الْحَافِظُ لِلْأُصُولِ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، فَإِذَا عَبَّرَهَا وَقَعَتْ كَمَا قَالَ.
﴿فَصْلٌ﴾ إذَا كَانَتْ الرُّؤْيَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْهَا قِسْمٌ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ السُّكُونُ إلَى مَا يَرَاهُ الرَّائِي فِي نَوْمِهِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ أَوْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ الرَّائِي فِي نَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَضْمُونُ لَهُ الْعِصْمَةُ فِي اتِّبَاعِهَا هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ. وَقَدْ قَالَ سَيِّدِي أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَك الْعِصْمَةَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يَضْمَنْهَا لَك فِي الْكَشْفِ وَالْإِلْهَامِ. هَذَا، وَهُوَ فِي حَالِ الْيَقَظَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْكَشْفَ فِيهِ أَجْلَى مِنْ النَّوْمِ فَمَا بَالُك بِمَنْ هُوَ غَيْرُ حَاضِرِ الْعَقْلِ، وَقَدْ رُفِعَ عَنْهُ الْخِطَابُ فِي حَالِ نَوْمِهِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ ﵃ يَرَوْنَ فِي الْيَقَظَةِ أَشْيَاءَ ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ عَرْضِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ إمَامُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْجُنَيْدُ ﵀ إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَطِيرُ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَيَمْشِي
стр. 1228
عَلَى الْمَاءِ، وَلَكِنْ اُنْظُرُوا فِي اتِّبَاعِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَبَدًا أَوْ كَمَا قَالَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ شُرِعَ الْأَذَانُ بِسَبَبِ الْمَنَامِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ عَرْضِ الرُّؤْيَا عَلَى الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ فَإِذَا وَافَقَتْ أُمْضِيَتْ، وَإِنْ خَالَفَتْ تُرِكَتْ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا رَأَوْهُ حَتَّى عَرَضُوهُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَشَرَّعَ بِمَا رَآهُ ﵊. قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] وَالْوَحْيُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَحْيٌ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَوَحْيُ إلْهَامٍ؛ لِأَنَّ مَا يَرَاهُ الرَّائِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَقْبَلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا حَكَاهُ أَصْحَابُ عِلْمِ التَّعْبِيرِ فِي كُتُبِهِمْ فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ ﵊ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ انْتِقَالِهِ إلَى رَبِّهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَيَقُولُ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ رُؤْيَا قَصَّهَا فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا قُلْنَا لَا قَالَ لَكِنِّي رَأَيْت اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ وَحْيًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إمَّا فِي حَقِّ الرَّائِي نَفْسِهِ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُهُمْ لِيَقِفَ بِذَلِكَ عَلَى مَا رَأَوْهُ فَيَعْلَمَ مَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِهِ وَمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ ﵊ وَمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالرَّائِي وَمَا هُوَ لِغَيْرِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا فَكَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ﵊ لَا إلَى مَا رَأَوْهُ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بَعْدَ انْتِقَالِهِ ﵊ فَالرُّجُوعُ إلَى شَرِيعَتِهِ لَا إلَى الْمَرْئِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِذَا عُرِضَتْ الرُّؤْيَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَوَافَقَتْ فَهُوَ حَقٌّ وَبِشَارَةٌ لِلرَّائِي أَوْ مَنْ رَآهَا لَهُ. لِقَوْلِهِ ﵊ «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ
стр. 1229
إلَّا الْمُبَشِّرَاتُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَجْرِي عَلَى يَدِي الْمُبَارِكِينَ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ ﵊ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ مِثْلُ الْقَلِيلِ يَصِيرُ كَثِيرًا وَمِثْلُ الطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَصَفَاءِ الْبَاطِنِ وَالنَّظَرِ بِالنُّورِ وَسَمَاعِ الْخِطَابِ وَالْهَوَاتِفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ السُّنِّيَّةِ، فَإِذَا عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَوَافَقَ كَانَ بِشَارَةً، وَتَأْنِيسًا لِمَنْ وَقَعَ لَهُ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَسْكُنْ إلَى شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ سَكَنَ خِيفَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالُوا إنَّ الْكَرَامَةَ كَرَامَةٌ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَدَّتْ إلَى ذَلِكَ أَوْ يَزْهُو بِهَا.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الشُّكْرُ عَلَى مَا خُلِعَ عَلَيْهِ مِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ لِقَوْلِهِ ﵊ «قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ» وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا أَوْ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَقَدْ قَالَ سُرِّيُّ السَّقَطِيُّ ﵀ لَوْ أَنَّ وَاحِدًا دَخَلَ بُسْتَانًا فِيهِ أَشْجَارٌ كَثِيرَةٌ وَعَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ طَيْرٌ يَقُولُ لَهُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا وَلِيَّ اللَّهِ فَلَمْ يَخَفْ أَنَّهُ مَكْرٌ لَكَانَ مَمْكُورًا بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ فِي «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قِيلَ لَهُ إنَّ عِيسَى ﵇ كَانَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ ﷺ لَوْ ازْدَادَ يَقِينًا لَمَشَى فِي الْهَوَاءِ» فَقَالَ إنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَشَارَ بِهَذَا الْقَوْلِ إلَى نَفْسِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؛ لِأَنَّ فِي لَطَائِفِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَالَ فَلَمَّا بَلَغْت الرَّفْرَفَ رَأَيْت الْبُرَاقَ قَدْ بَقِيَ وَمَشَيْت يَعْنِي أَنَّهُ مَشَى فِي الْهَوَاءِ إلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْجُنَيْدُ ﵀ حَيْثُ قَالَ قَدْ مَشَى رِجَالٌ بِالْيَقِينِ عَلَى الْمَاءِ وَمَاتَ بِالْعَطَشِ أَفْضَلُ مِنْهُمْ يَقِينًا وَقَوْلُهُ مَشَى فِي الْهَوَاءِ إلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى يُرِيدُ مَعَ التَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ عَنْ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ إنَّ أَكْبَرَ الْكَرَامَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَالْعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَالتَّشْمِيرُ لِامْتِثَالِ مَا وَرَدَتْ بِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ
стр. 1230
وَتَرْكُ الْبِدَعِ وَقِلَاهَا وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ لِمَنْ يَتَعَاطَاهَا أَوْ يَرْضَى بِهَا إذْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ زَمَانَ ذَلِكَ وَلَيْسَ ثَمَّ أَسْبَابٌ تُعِينُ عَلَيْهِ إلَّا فَضْلُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِعَدَمِ الْيَقِينِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ لَا يَسْكُنُونَ لِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الِاتِّبَاعِ وَلُزُومِ الْخَيْرِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَيْهِ حَتَّى يَرَوْا كَرَامَةً أَوْ رُؤْيَا مَنَامٍ وَكُلُّ ذَلِكَ مُهْمَلٌ يَحْتَمِلُ لِأَشْيَاءَ وَالِاتِّبَاعُ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ التَّوْفِيقُ؛ لِأَنَّهُ خُلْعَةٌ مُحَقَّقَةٌ خُلِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَى لَا يَرَاهَا إلَّا أَهْلُ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ
[فَصْلٌ تَرْبِيَة الْأَوْلَادِ وَحُسْن سِيَاسَتِهِمْ]
فَصْلٌ فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَمَشْيِهِمْ عَلَى قَانُونِ الشَّرِيعَةِ وَتَرْكِ مَا عَدَاهَا وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ.
اعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ وَقَلْبَهُ الطَّاهِرَ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ وَصُورَتِهِ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ نَقْشٍ وَقَابِلٌ لِكُلِّ مَا يُمَالُ بِهِ إلَيْهِ فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يُشَارِكُهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الْوِزْرُ فِي رَقَبَةِ الْقَيِّمِ بِهِ وَالْوَلِيِّ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَمَهْمَا كَانَ الْأَبُ يَصُونُهُ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَصُونَهُ مِنْ نَارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ أَوْلَى وَصِيَانَتُهُ بِأَنْ يُؤَدِّبَهُ وَيُهَذِّبَهُ وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ وَيَحْفَظَهُ مِنْ الْقُرَنَاءِ السُّوءِ وَلَا يُعَوِّدَهُ التَّنَعُّمَ وَلَا يُحَبِّبَ إلَيْهِ الزِّينَةَ وَأَسْبَابَ الرَّفَاهِيَةِ فَيُضَيِّعَ عُمُرَهُ فِي طَلَبِهَا إذَا كَبُرَ وَيَهْلِكَ هَلَاكَ الْأَبَدِ.
بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاقِبَهُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فَلَا يُشْغِلُ فِي حَضَانَتِهِ وَإِرْضَاعِهِ إلَّا امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ مُتَدَيِّنَةٌ تَأْكُلُ الْحَلَالَ فَإِنَّ اللَّبَنَ الْحَاصِلَ مِنْ الْحَرَامِ لَا بَرَكَةَ فِيهِ فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَشْأَةُ الصَّبِيِّ عَجَنَتْ طِينَتَهُ فَيَمِيلُ طَبْعُهُ إلَى مَا يُنَاسِبُ الْخَبَائِثَ وَمَهْمَا بَدَتْ فِيهِ مَخَايِلُ التَّمْيِيزِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ مُرَاقَبَتَهُ وَأَوَّلُ ذَلِكَ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْحَيَاءِ فَإِذَا كَانَ يَحْتَشِمُ وَيَسْتَحِي
стр. 1231
وَيَتْرُكُ بَعْضَ الْأَفْعَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى بَعْضَ الْأَشْيَاءِ قَبِيحَةً وَمُخَالِفَةً لِبَعْضِهَا فَصَارَ يَسْتَحِي مِنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ إلَيْهِ وَبِشَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَصَفَاءِ الْقَلْبِ، وَهُوَ مُبَشِّرٌ بِكَمَالِ الْعَقْلِ عِنْدَ الْبُلُوغِ فَالصَّبِيُّ الْمُسْتَحِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْمَلَ بَلْ يُعَانُ عَلَى تَأْدِيبِهِ بِكَمَالِ حَيَائِهِ وَتَمْيِيزِهِ.
وَأَوَّلُ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَاتِ شَرَهُ الطَّعَامِ فَيُعَلِّمُهُ مَتَى يَأْكُلُ وَيُعَلِّمُهُ أَنَّهُ لَا يُسْرِعُ فِي الْأَكْلِ وَيَمْضُغُ الطَّعَامَ مَضْغًا جَيِّدًا وَلَا يُوَالِي بَيْنَ اللُّقَمِ وَلَا يُلَطِّخُ يَدَهُ وَلَا ثَوْبَهُ وَيُعَوِّدُهُ الْخُبْزَ الْقِفَارَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى لَا يَصِيرَ بِحَيْثُ يَرَى الْإِدَامَ حَتْمًا وَيُقَبِّحُ عِنْدَهُ كَثْرَةَ الْأَكْلِ بِأَنْ يُشَبِّهَ مِنْ يُكْثِرُ الْأَكْلَ بِالْبَهَائِمِ وَأَنْ يَذُمَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الصَّبِيَّ الَّذِي يُكْثِرُ الْأَكْلَ وَيَمْدَحُ بَيْنَ يَدَيْهِ الصَّبِيَّ الْمُتَأَدِّبَ الْقَلِيلَ الْأَكْلِ وَيُحَبِّبَ إلَيْهِ الْإِيثَارَ بِالطَّعَامِ وَقِلَّةَ الْمُبَالَاةِ وَالْقَنَاعَةَ بِالطَّعَامِ الْخَشِنِ أَيَّ طَعَامٍ كَانَ وَيُحَبِّبَ إلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ الْأَبْيَضَ دُونَ الْمُلَوَّنِ وَالْإِبْرَيْسَمِ وَيُقَرِّرَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لِبَاسُ النِّسَاءِ وَالْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَمَهْمَا رَأَى عَلَى الصَّبِيِّ ثَوْبًا مِنْ إبْرَيْسَمٍ أَوْ مُلَوَّنٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَنْكِرَهُ وَيَذُمَّ ذَلِكَ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ إلَى الْمَكْتَبِ وَيُشْغَلَ بِتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَبِأَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَالْأَخْيَارِ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ وَيُمْنَعَ مِنْ سَمَاعِ الْأَشْعَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعِشْقِ وَأَهْلِهِ وَيُحْفَظَ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأُدَبَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الظَّرْفِ وَرِقَّةِ الطَّبْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِ الصِّبْيَانِ الْفَسَادَ ثُمَّ مَهْمَا ظَهَرَ مِنْ الصَّبِيِّ خُلُقٌ جَمِيلٌ وَفِعْلٌ مَحْمُودٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَرَّمَ وَيُجَازَى عَلَيْهِ بِمَا يَفْرَحُ بِهِ وَيُمْدَحَ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مَرَّةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَغَافَلَ عَنْهُ وَلَا يُهْتَكَ سِتْرُهُ وَلَا يُكَاشَفَهُ وَلَا يُظْهَرَ أَنَّهُ يَتَصَوَّرُ أَنَّ أَحَدًا يَتَحَاشَى عَنْ مِثْلِهِ لَا سِيَّمَا إذَا سَتَرَهُ الصَّبِيُّ وَاجْتَهَدَ فِي إخْفَائِهِ فَإِنَّ إظْهَارَ ذَلِكَ رُبَّمَا يُفِيدُهُ جَسَارَةً حَتَّى لَا يُبَالِي بِالْمُكَاشَفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ عَادَ ثَانِيًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَ سِرًّا
стр. 1232
وَيُعَظَّمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَيُقَالَ لَهُ إنْ يُطَّلَعْ عَلَيْك فِي مِثْلِ هَذَا تَفْتَضِحْ بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَلَا يُكْثِرُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِالْعِتَابِ فِي كُلِّ حِينٍ فَإِنَّهُ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ سَمَاعَ الْمَلَامَةِ وَرُكُوبَ الْقَبَائِحِ وَيُسْقِطُ وَقْعَ الْكَلَامِ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَكِنَّ الْأَبَ حَافِظًا هَيْبَةَ الْكَلَامِ مَعَهُ لَا يُوَبِّخُهُ إلَّا أَحْيَانًا وَالْأُمَّ تُخَوِّفُهُ بِالْأَبِ وَتَزْجُرُهُ عَنْ الْقَبَائِحِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ النَّوْمَ نَهَارًا، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْكَسَلَ وَلَا يُمْنَعَ النَّوْمَ لَيْلًا، وَلَكِنْ يُمْنَعَ الْفُرُشَ الْوَطِيئَةَ حَتَّى تَصْلُبَ أَعْضَاؤُهُ وَلَا يُخَصِّبُ بَدَنَهُ فَلَا يَصْبِرُ عَنْ التَّنَعُّمِ بَلْ يُعَوِّدُهُ الْخُشُونَةَ مِنْ الْفُرُشِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ فِي خُفْيَةٍ إلَّا، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَبِيحٌ فَإِذَا تُرِكَ تَعَوَّدَ فِعْلَ الْقَبِيحِ. وَيُعَوَّدُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ الْمَشْيَ وَالْحَرَكَةَ وَالرِّيَاضَةَ حَتَّى لَا يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ.
وَيُعَوَّدُ ذَلِكَ بِكَشْفِ أَطْرَافِهِ وَلَا يُسْرِعُ الْمَشْيَ وَلَا يُرْخِي يَدَيْهِ بَلْ يَضُمُّهُمَا إلَى صَدْرِهِ. وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَفْتَخِرَ عَلَى أَقْرَانِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ وَالِدَاهُ وَبِشَيْءٍ مِنْ مَطَاعِمِهِ وَمَلَابِسِهِ وَمَلْذُوذَاتِهِ. وَيُعَوَّدُ التَّوَاضُعَ وَالْإِكْرَامَ لِكُلِّ مَنْ عَاشَرَهُ وَالتَّلَطُّفَ فِي الْكَلَامِ مَعَهُمْ. وَيُمْنَعُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصِّبْيَانِ شَيْئًا بِدَايَةً إنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُحْتَشِمِينَ بَلْ يُعَلَّمُ أَنَّ الرِّفْعَةَ فِي الْإِعْطَاءِ لَا فِي الْأَخْذِ وَأَنَّ الْأَخْذَ لُؤْمٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْفُقَرَاءِ فَيُعَلَّمُ أَنَّ الْأَخْذَ وَالطَّمَعَ مَهَانَةٌ وَمَذَلَّةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ يُبَصْبِصُ فِي انْتِظَارِ لُقْمَةٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ يُقَبَّحُ إلَى الصِّبْيَانِ حُبُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّمَعُ فِيهِمَا وَيُحَذَّرُ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ التَّحْذِيرِ مِنْ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، فَإِنَّ آفَةَ حُبِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّمَعِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ آفَةِ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ عَلَى الصِّبْيَانِ بَلْ عَلَى الْكِبَارِ أَيْضًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّدَ أَنْ لَا يَبْصُقَ فِي الْمَجَالِسِ وَلَا يَتَمَخَّطَ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ وَلَا يَضَعَ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ وَلَا يَضْرِبَ بِكَفِّهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ وَلَا يَسْتَدْبِرُ غَيْرَهُ وَلَا يَغْمِزُ رَأْسَهُ بِسَاعِدِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْكَسَلِ وَيُعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ الْجُلُوسِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَيُبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى
стр. 1233
الْوَقَاحَةِ وَأَنَّهُ عَادَةُ أَبْنَاءِ اللِّئَامِ. وَيُمْنَعُ الْيَمِينَ رَأْسًا صِدْقُهَا وَكَذِبُهَا حَتَّى لَا يَتَعَوَّدَهُ فِي الصِّغَرِ. وَيُمْنَعُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْكَلَامِ وَيُعَوَّدُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إلَّا جَوَابًا وَأَنْ يُحْسِنَ الِاسْتِمَاعَ مَهْمَا تَكَلَّمَ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَيُوَسِّعُ لِمَنْ فَوْقَهُ الْمَكَانَ وَيَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَيُمْنَعُ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ وَفُحْشِهِ وَعَنْ اللَّعِبِ وَالشَّتْمِ وَمِنْ مُخَالَطَةِ مَنْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنْ الْفَوَاحِشِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْرِي لَا مَحَالَةَ مِنْ الْقُرَنَاءِ السُّوءِ. وَيَنْبَغِي إذَا ضَرَبَهُ الْمُعَلِّمُ أَنْ لَا يُكْثِرَ عَلَيْهِ الصُّرَاخَ وَالشَّغَبَ وَلَا يَسْتَشْفِعَ بِأَحَدٍ بَلْ يَصْبِرَ وَيُذَكَّرُ أَنَّ ذَلِكَ دَأْبُ الشِّجْعَانِ وَالرِّجَالِ وَأَنَّ كَثْرَةَ الصُّرَاخِ دَأْبُ الْمَمَالِيكِ وَالنِّسْوَانِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمَكْتَبِ أَنْ يَلْعَبَ لَعِبًا جَمِيلًا يَسْتَرِيحُ إلَيْهِ مِنْ تَعَبِ الْأَدَبِ بِحَيْثُ لَا يَتْعَبُ فِي اللَّعِبِ فَإِنَّ مَنْعَ الصَّبِيِّ مِنْ اللَّعِبِ وَإِرْهَاقَهُ إلَى التَّعْلِيمِ دَائِمًا يُمِيتُ قَلْبَهُ وَيُبْطِلُ فِكْرَهُ وَذَكَاءَهُ وَيُبْغِضُ إلَيْهِ ذَلِكَ وَيُنَغِّصُ عَيْشَهُ حَتَّى يَطْلُبَ الْحِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ رَأْسًا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ طَاعَةَ وَالِدَيْهِ وَمُعَلِّمِهِ وَمُؤَدِّبِهِ وَكُلِّ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا مِنْ قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ وَأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَأَنْ يَتْرُكَ اللَّعِبَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. وَمَهْمَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسَامَحَ فِي تَرْكِ الطَّهَارَةِ وَيُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مِنْ رَمَضَانَ وَبِتَجَنُّبِ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيُعَلَّمُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حُدُودِ الشَّرْعِ وَيُخَوَّفُ مِنْ السَّرِقَةِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ وَمِنْ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالْفُحْشِ وَكُلِّ مَا يَغْلِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ شِدَّةِ الْكَلَامِ مِنْ لِسَانِهِ فَإِذَا وَقَعَتْ نَشْأَتُهُ فِي صِبَاهُ انْتَفَعَ بِذَلِكَ وَمَهْمَا قَارَبَ الْبُلُوغَ أَمْكَنَ أَنْ يُعَرَّفَ أَسْرَارَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَيُذْكَرُ لَهُ أَنَّ الْأَطْعِمَةَ أَدْوِيَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا أَنْ يَتَقَوَّى الْإِنْسَانُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا لَا أَصْلَ لَهَا إذْ لَا بَقَاءَ لَهَا وَأَنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُ نَعِيمَهَا وَأَنَّهَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مُقَرٍّ وَأَنَّ الْمَوْتَ مُنْتَظَرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَأَنَّ الْكَيِّسَ الْعَاقِلَ مَنْ تَزَوَّدَ
стр. 1234
مِنْ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ حَتَّى تَعْظُمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَتُهُ وَتَتَّسِعَ فِي الْجِنَانِ نِعَمُهُ. فَإِذَا كَانَتْ نَشْأَتُهُ صَالِحَةً كَانَ هَذَا الْكَلَامُ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَاقِعًا مُؤَثِّرًا ثَابِتًا يَثْبُتُ فِيهِ كَمَا يَثْبُتُ النَّقْشُ فِي الْحَجَرِ، وَإِنْ وَقَعَتْ النَّشْأَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ حَتَّى أَلِفَ الصِّبَا وَاللَّعِبَ وَالْفُحْشَ وَالْوَقَاحَةَ وَشَرِهَ الطَّعَامَ وَاللِّبَاسَ وَالتَّزَيُّنَ وَالتَّفَاخُرَ نَبَا قَلْبُهُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ نُبُوَّ الْحَائِطِ عَنْ التُّرَابِ الْيَابِسِ فَأَوَائِلُ الْأُمُورِ هِيَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى فَإِنَّ الصَّبِيَّ خُلِقَ جَوْهَرَةً قَابِلًا لِنَقْشِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يَمِيلَانِ بِهِ إلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ»
[فَصْلٌ كَيْف يُحَاوِلُ الْمُكَلَّفُ التَّكَسُّب]
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ التَّكَسُّبِ وَكَيْفِيَّةِ مَا يُحَاوِلُهُ الْمُكَلَّفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ التَّكَسُّبَ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَاكْتِسَابِهَا.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الذَّمَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْسِ الْحُبِّ لَهَا لَا فِي نَفْسِ التَّكَسُّبِ فَكَمْ مِنْ مُتَكَسِّبٍ زَاهِدٍ وَكَمْ مِنْ تَارِكٍ رَاغِبٍ عَلَى أَنَّ مِقْدَارَ الضَّرُورَةِ لَيْسَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَوْ تَكَسَّبَ الْإِنْسَانُ بِنِيَّةِ أَنْ يَكْفِي إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامَ بِضَرُورَاتِهِ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَكَانَ فِي أَجَلِّ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ. أَمَّا الْفَرْضُ فَهُوَ قِوَامُ بِنْيَتِهِ وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ وَتَجَمُّلُهُ الشَّرْعِيُّ، وَأَمَّا النَّفَلُ فَهُوَ رَفْعُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَأَى ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فَسَأَلَ أَحَدَهُمْ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ يَأْتِينِي بِرِزْقِي كَيْفَ شَاءَ فَتَرَكَهُ وَمَضَى إلَى الثَّانِي فَسَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ أَخًا يَحْتَطِبُ فِي الْجَبَلِ فَيَبِيعُ مَا يَحْتَطِبُهُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَأْتِيه بِكِفَايَتِهِ فَقَالَ لَهُ: أَخُوك أَعْبَدُ مِنْك ثُمَّ أَتَى الثَّالِثَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَرَوْنِي فَيَأْتُونِي بِكِفَايَتِي
стр. 1235
فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ لَهُ اُخْرُجْ إلَى السُّوقِ أَوْ كَمَا قَالَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّكَسُّبَ أَفْضَلُ مِنْ الِانْقِطَاعِ لِلْعِبَادَةِ إذَا كَانَ عَالَةً عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ بِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَأَقَلُّ مَا يَكُونُ رَفْعُ الْكُلْفَةِ عَنْهُمْ وَالْمُتَسَبِّبُ قَدْ رَفَعَ كُلْفَتَهُ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي ذَلِكَ إدْخَالُ الرَّاحَةِ عَلَيْهِمْ فَكَانَ الْمُتَسَبِّبُ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ قُوتِهِ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِتَحَرُّزِهِ فِي كَسْبِهِ مِمَّا تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ أَوْ تَكْرَهُهُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَوْقَاتُهُ مُسْتَغْرَقَةً فِي التَّعَبُّدِ فَانْقِطَاعُهُ أَوْلَى بِهِ وَأَفْضَلُ.
وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ السَّلَفِ ﵃ أَنَّهُ عَمِلَ فَتْوَى وَدَارَ بِهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِهِ وَفِيهَا مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ فِي فَقِيرٍ مُنْقَطِعٍ لِلْعِبَادَةِ هَلْ التَّسَبُّبُ لَهُ أَفْضَلُ أَوْ الِانْقِطَاعُ لَهُ أَفْضَلُ أَوْ كَمَا قَالَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: انْقِطَاعُهُ أَفْضَلُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّسَبُّبُ لَهُ أَفْضَلُ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْفَقِيرُ لَيْسَتْ لَهُ فَتْرَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ فَيُكْرَهُ فِي حَقِّهِ التَّسَبُّبُ أَوْ يَحْرُمُ بِحَسَبِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَقْتُ رَاحَةٍ فَيَجْعَلُهُ فِي التَّسَبُّبِ فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ وَرَجَعُوا إلَيْهِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَرَى لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي تَرْكِهِ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ الْمُتَسَبِّبِ وَالْمُنْقَطِعِ فِي الْعِبَادَةِ فِي الْفَضِيلَةِ إذَا حَسُنَتْ نِيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ عَدَمِ الِاسْتِشْرَافِ وَعَدَمِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْمَخْلُوقِ دُونَ الْخَالِقِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَعَ وُجُودِ السَّلَامَةِ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ يَتَسَبَّبُ فِيهِ وَسَلَامَتِهِ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْخَلَلَ فِيهِ بِلِسَانِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ تَعَذَّرَتْ الْأَسْبَابُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْغَالِبِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ السَّبَبَ بِدُونِ غِشٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَمِلَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ أَكَلَ الْحَرَامَ، وَإِنْ لَمْ يَغُشَّ فِيهِ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَصَارَ التَّسَبُّبُ فِي حَيِّزِ الْحَرَامِ لِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ فِي حَيِّزِ الْمَكْرُوهِ بِحَسَبِ الْحَالِ فَصَارَ الِانْقِطَاعُ أَفْضَلَ وَأَوْجَبَ لَكِنْ بَيْنَ هَذَا الِانْقِطَاعِ وَانْقِطَاعِ السَّلَفِ ﵃ فَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ، وَهُوَ أَنَّ انْقِطَاعَ السَّلَفِ
стр. 1236
كَانَ اخْتِيَارِيًّا طَلَبًا لِلْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَتَسَبُّبَهُمْ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الِانْقِطَاعُ الْيَوْمَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ لَا اخْتِيَارَ لِلْمَرْءِ فِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ فِيهِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ هُرُوبًا مِنْ الْوُقُوعِ فِيمَا تَتَعَمَّرُ بِهِ ذِمَّتُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ الْمُتَسَبِّبَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ دَخَلَ عَلَيْهِ كَسْبُهُ وَالْمُنْقَطِعَ نَاظِرٌ إلَى الْمَخْلُوقِينَ مُتَطَلِّعٌ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ رَاغِبٌ فِيهِمْ رَاهِبٌ مِنْهُمْ وَلِأَجْلِ هَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ عَلَى أَبْوَابِ الْمُتَسَبِّبِينَ يَا لَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ بَلْ تَجِدُ مَنْ انْغَمَسَ مِنْهُمْ فِي الْجَهْلِ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ فِي الْوَقْتِ فَصِرْنَا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ ﵀ لَا نَعْرِفُ الْعُقَلَاءَ مِنْ كَثْرَةِ الْحَمْقَى، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ إنَّمَا كَانَ فِي زَمَانِهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ عَمَّ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ الْكَرْبُ إلَّا عَلَى الْفَرْدِ النَّادِرِ.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» لِأَيِسَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنْ يَجِدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ يَرُدُّ هَذَا الْإِيَاسَ أَوْ كَمَا قَالَ لَكِنَّهُمْ فِي الْقِلَّةِ بِحَيْثُ إنَّهُمْ لَا يُعْرَفُونَ فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَرَآهُ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ فَهُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَنِّهِ
[فَصْلٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْتُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ]
فَصْلٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «أَنْتُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ وَسَيَأْتِي زَمَانٌ مَنْ فَعَلَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ قَدْ يَخْفَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْ أَجْلِ ظَاهِرِهِ وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ اسْتَوَيْنَا نَحْنُ وَإِيَّاهُمْ فِي إقَامَةِ الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَمَنْ تَرَكَ مِنَّا وَمِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَعْلُومٌ وَمَنْ ارْتَكَبَ مِنَّا وَمِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَعْلُومٌ فَمَا هَذَا الَّذِي إنْ فَعَلْنَا عُشْرَهُ نَجَوْنَا، وَإِنْ تَرَكُوا عُشْرَهُ هَلَكُوا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْفَرَائِضَ
стр. 1237
بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْدُوبَاتِ تَكُونُ الْعُشْرَ أَوْ نَحْوَهُ فَإِذَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الْفَرَائِضِ نَجَوْنَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى مَا يَعْتَوِرُ الْمُكَلَّفَ فِي الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ وَلِيمَةً وَفِيهَا مِنْ الثَّوَابِ مَا فِيهَا يَشْهَدُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُحَرَّمَاتِ أَوْ هُمَا مَعًا شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَحُضُورُ الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةُ الْإِخْوَانِ وَحُضُورُ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالْبَحْثُ فِيهَا وَلِقَاءُ الْمَشَايِخِ وَالِاهْتِدَاءُ بِهَدْيِهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَجِدُ الْمُكَلَّفُ فِي مُبَاشَرَتِهَا أَشْيَاءَ عَدِيدَةً تَمْنَعُهُ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْهَا فَإِذَنْ قَدْ اضْطَرَّ الْمُكَلَّفُ الْيَوْمَ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَوَابِعِهَا دُونَ غَيْرِهَا وَتَبْقَى الْعِبَادَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ لَيْسَ إلَّا وَذَلِكَ هُوَ الْعُشْرُ أَوْ نَحْوُهُ بِخِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ - فَإِنَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ السُّنَنِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ مَانِعٌ لِوُجُودِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ فَلَا يَتْرُكُهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا رَغْبَةً عَنْهَا وَمَنْ تَرَكَ الْمَنْدُوبَ اخْتِيَارًا فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُوفِيَ بِالْفَرَائِضِ فَيَهْلِكُ. يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ «أَنَّهُ ﵊ رَأَى فِي مَنَامِهِ رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ يَشْدَخُ بِهَا رَأْسَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ فَيَنْطَلِقُ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إلَى هَذَا إلَّا وَيَلْتَئِمُ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إلَيْهِ فَضَرَبَهُ» الْحَدِيثَ فَفَسَّرَ لَهُ الْمَلَكَانِ ﵉ ذَلِكَ بِأَنَّهُ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِالنَّهَارِ يُصْنَعُ بِهِ هَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا يُعَذَّبُ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ لَكِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَهُوَ يُجْبَرُ بِهِ مَا وَقَعَ مِنْ الْخَلَلِ فِي الْفَرَائِضِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ بِالنَّهَارِ وَتَرْكُ
стр. 1238
عَمَلِهِ بِهِ فِيهِ خَلَلٌ فِي فَرَائِضِهِ، وَهُوَ لَمْ يَقُمْ بِهِ فِي اللَّيْلِ حَتَّى يُجْبَرَ بِهِ الْفَرْضُ فَالْعَذَابُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى تَرْكِ الْفَرْضِ لَا عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ. فَعَلَى هَذَا فَمَنْ تَرَكَ الْمَنْدُوبَ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ الْخَلَلُ فِي فَرَائِضِهِ وَلَا يُوجَدُ مَنْدُوبٌ يَجْبُرُهُ فَصَارَتْ أَكْثَرُ عَادَةِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ بِالتَّرْكِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتْرُكُونَهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَهُمْ فِي أَسْنَى الْأَعْمَالِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الظَّاهِرِ تَارِكِينَ فَتَخَيَّرَ لَهُمْ الْفَرَائِضَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ الْجَمِيلَةِ بِخِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[تَنْبِيهٌ النَّهْي عَنْ مُخَالَفَةَ السَّنَة خشية كَلَام النَّاس]
﴿تَنْبِيهٌ﴾
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ عَنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَتَرْكِ الْبِدْعَةِ يَقُولُ لَا يُمْكِنُنِي ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِئَلَّا يَقَعَ النَّاسُ فِي عِرْضِي وَيَتَكَلَّمُونَ فِي فَأَكُونُ سَبَبًا فِي إيقَاعِهِمْ فِي الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ الْمَكْرُوهَاتِ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْقَوْمِ مَا هُوَ إذْ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمْ التَّصَدُّقُ بِعِرْضِهِمْ عَلَى مَنْ نَالَ مِنْهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمْ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكُ الْمُبَالَاةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ. كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي تَصَدَّقْت بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِك» فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُرِيدِ الطَّالِبِ لِخَلَاصِ مُهْجَتِهِ تَرْكُ الِالْتِفَاتِ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْبَاهِهَا وَيَعُدُّ الْخَلْقَ كَأَنَّهُمْ مَوْتَى لَا يَحْسَبُ إلَّا حِسَابَ السُّنَّةِ فَيَتَتَبَّعُهَا وَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمِنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مَا يَصْدُرُ مِنْ النَّاسِ يَشْغَلُ الْخَاطِرَ وَيُكْثِرُ الْوَسْوَاسَ وَالْحِقْدَ وَيَقْطَعُ عَنْ الِاتِّبَاعَ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ ﵁ إذَا أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ ابْنَهُ السُّلُوكَ أَنْ يَفْطِمَهُ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْخَلْقِ فَخَرَجَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ هُوَ وَوَلَدُهُ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: اُنْظُرُوا إلَى هَذَيْنِ كَيْفَ رَكِبَا عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ وَهِيَ لَا تُطِيقُ فَنَزَلَ وَلَدُهُ عَنْهَا وَبَقِيَ الْوَالِدُ رَاكِبًا فَقَالُوا: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الرَّجُلِ كَيْفَ هُوَ رَاكِبٌ وَوَلَدُهُ يَمْشِي وَكَانَ الْوَلَدُ أَوْلَى مِنْهُ بِالرُّكُوبِ فَنَزَلَ الْوَالِدُ وَرَكِبَ الْوَلَدُ فَقَالُوا: اُنْظُرُوا
стр. 1239
إلَى هَذَا الْوَلَدِ مَا أَقَلَّ أَدَبَهُ أَبُوهُ يَمْشِي عَلَى أَقْدَامِهِ، وَهُوَ رَاكِبٌ فَقَالَ لِوَلَدِهِ: انْزِلْ فَنَزَلَ عَنْ الدَّابَّةِ وَمَشَيَا عَلَى أَرْجُلِهِمَا وَتَرَكَا الدَّابَّةَ تَمْشِي دُونَ رَاكِبٍ عَلَيْهَا فَقَالُوا: مَا أَقَلَّ عَقْلَ هَذَانِ يَمْشِيَانِ عَلَى أَقْدَامِهِمَا وَالدَّابَّةُ لَا رَاكِبَ عَلَيْهَا أَوْ كَمَا جَرَى فَقَالَ لِوَلَدِهِ اُنْظُرْ إلَى هَذَا الْأَمْرِ وَاعْتَبِرْ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْقِيلِ وَالْقَالِ فِيهِ، وَإِنْ عَمِلَ مَا عَمِلَ وَقَدْ رَأَيْته عِيَانًا فَعَلَّمَ وَلَدَهُ تَرْكَ النَّظَرِ لِلْمَخْلُوقِ بِالْفِعْلِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ السَّلَفِ نَظَرْت إلَى النَّاسِ فَرَأَيْتهمْ مَوْتَى فَكَبَّرْت عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ فَالْعَاقِلُ اللَّبِيبُ مَنْ أَخَذَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى الِامْتِثَالِ بِكُلِّيَّتِهِ وَتَرَكَ الِالْتِفَاتَ لِلْمَخْلُوقِ حَتَّى لَا يَخْطِرَ لَهُ غَيْرُ رَبِّهِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، فَإِذَا رَأَى الْبِدَعَ تَكْثُرُ وَالْعَوَائِدَ تُفْعَلُ وَبَعْضَ النَّاسِ يَسْخَرُونَ بِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُ فَلِيَشُدَّ يَدَهُ عَلَى مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الِامْتِثَالِ وَيَحْرِصْ عَلَى الزِّيَادَةِ مِمَّا هُوَ فِيهِ. لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمَلُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ مَعِي» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ بَلْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا وَلَا يَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً» وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ. وَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْفَارِسَ الشُّجَاعَ لَا يُعْرَفُ إلَّا وَقْتَ الْهَزِيمَةِ وَأَيُّ هَزِيمَةٍ أَعْظَمُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا أَنْ كَتَبَ إلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ اُكْتُبْ إلَيَّ سِيرَةَ عُمَرَ ﵁ فِي النَّاسِ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسِيرَ بِهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّك لَسْت فِي زَمَانِ عُمَرَ وَلَا لَك رِجَالٌ كَرِجَالِ عُمَرَ فَإِنْ عَمِلْت فِي زَمَانِك هَذَا وَرِجَالِك هَؤُلَاءِ بِسِيرَةِ عُمَرَ فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنْ عُمَرَ ﵁. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ مَعَ سِيرَتِهِ الْحَسَنَةِ فَمَا بَالُك بِزَمَانِنَا هَذَا فَيَحْتَاجُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهَا وَيَعْمَلَ
стр. 1240
بِهَا وَيُعَلِّمَهَا. وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ إلَى الْغُرُورِ وَالْأَمَانِي لِمَا يَرَى مِنْ الْعَوَائِدِ الْمُتْلِفَةِ وَوُقُوعِ الْمَهَالِكِ بَلْ يَغْتَنِمُ مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ الْعَظِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِالسُّنَّةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ. إمَّا أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ أَوْ لَا. فَإِنْ قُبِلَ مِنْهُ حَصَلَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْمَعِيَّةِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِي قَدْ أُمِيتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» وَيَنْبَغِي أَنْ يَرَى الْفَضِيلَةَ لِمَنْ قَبِلَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى إحْيَاءِ السُّنَّةِ وَإِقَامَتِهَا، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى الْخَيْرِ كَانَ شَرِيكًا لِعَامِلِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِعَانَةَ حَاصِلَةٌ لِمَنْ قَبِلَ وَامْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَصَلَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْدِرْ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِلَا إلَيْهِ. لِقَوْلِهِ ﵊ «الْعَمَلُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ مَعِي» كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْهِجْرَةُ مَعَهُ ﵊ لَا يَفُوقُهَا غَيْرُهَا وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعَ هَذَا اسْتِصْغَارُ النَّفْسِ وَحَقَارَتُهَا إذْ أَنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِ بِمِنَّةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِشُكْرِ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ أَنَّ أَحَدًا يَأْمُرُ بِالسُّنَّةِ وَيَحُضُّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرْجِعْ هُوَ إلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ لَكَانَ فِي خَطَرٍ عَظِيمٍ وَأَمْرٍ مَهُولٍ فَلِيُكْثِرْ الشُّكْرَ عَلَى مَا أَوْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ ﵊ حَيْثُ يَقُولُ «قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ» نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِذَلِكَ بِمَنِّهِ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ]
ِ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَيَعْلَمَ مِنْ أَيِّ قِسْمٍ هُوَ أَعْنِي مِنْ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ كُلُّهُ جَلِيًّا أَمْرُهُ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنْ لَمْ
стр. 1241
يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِعُذْرٍ وَقَعَ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ النَّهَارِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ فِيهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عَمِلَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ فَيَعْرِضُهُ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ حَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ الْقَبُولَ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ نَزَعَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَعَ وُجُودِ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ، فَإِنْ وَجَدَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي فِعْلِهِ شَيْئًا تَعَمَّرَتْ بِهِ ذِمَّتُهُ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَرِيضُ أَنْفَعَ مِنْ الْحَمِيَّةِ ثُمَّ الدَّوَاءُ بَعْدَهَا فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَمِيَّةِ دُونَ الدَّوَاءِ نَفَعَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ اسْتَعْمَلَ الدَّوَاءَ دُونَ حَمِيَّةٍ لَمْ يَنْفَعْهُ بَلْ يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ فَأَصْلُ الْحَمِيَّةِ وَرَأْسُهَا تَخْلِيصُ الذِّمَّةِ مِنْ حُقُوقِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ وَوُقُوفِهَا عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ وَاعْتِقَادٍ. فَإِذَا كَانَتْ لَهُ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ فِيهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ الْخَلَلِ وَيَتَوَجَّهَ بَعْدُ إلَى رَبِّهِ ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ التَّبِعَاتِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ
[فَصْلٌ النَّظَرُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ]
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ وَرُؤْيَةِ الْفَضْلِ لَهُمْ عَلَيْهِ يَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا النَّظَرِ الْحَسَنِ. فَإِذَا نَظَرَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَجَدَهُمْ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلَاثٍ لَهُ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهَا سُلُوكٌ إلَى رَبِّهِ . أَمَّا الطَّبَقَةُ الْأُولَى، فَإِنَّهُ إذَا نَظَرَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَعْلَمُ أَوْ أَكْثَرُ عِبَادَةً وَانْقِطَاعًا لِرَبِّهِ عَلِمَ أَنَّ لَهُ فَضِيلَةً عَلَيْهِ بِسَبْقِهِ لِلْإِسْلَامِ أَوْ مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَعَلِمَ تَقْصِيرَهُ فِي نَفْسِهِ فَيَحْتَرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ وَيَرَى فَضْلَهُ عَلَيْهِ وَسَبْقَهُ.
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَرَى مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَهُ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَالِمًا مِنْ الذُّنُوبِ أَوْ تَكُونُ لَهُ ذُنُوبٌ
стр. 1242
لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّائِي لَهُ أَقَلُّ إذْ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْرِفُ ذُنُوبَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَعْرِفُ ذُنُوبَ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَى ذَنْبٍ لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَهُ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَالتَّفْضِيلِ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَرَى مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ سِنًّا فَيَقُولُ هَذَا أَقَلُّ مِنِّي ذُنُوبًا لِأَنِّي قَدْ سَبَقْته إلَى الدُّنْيَا وَارْتَكَبْت فِيهَا مَا ارْتَكَبْت، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَلَا ذُنُوبَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَأَى مَنْ هُوَ مُبْتَلًى فِي دِينِهِ وَضَاقَ عَلَيْهِ سُلُوكُ بَابِ التَّأْوِيلِ فِي حَقِّهِ فَلْيَرْجِعْ إذْ ذَاكَ لِنَفْسِهِ وَلْيَنْظُرْ مِنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْحَالِ فِي كَوْنِهِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَا تَلَبَّسَ بِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَكَوْنِهِ سَالِمًا مِمَّا ابْتَلَى بِهِ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ مَحْظُورٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُذَكِّرُ نَفْسَهُ بِالْخَاتِمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ فَإِنَّهُ إنْ عُومِلَ بِالْعَدْلِ فَلَا يُخَلِّصُهُ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ أَفْعَالِ الْقُرَبِ، وَإِنْ كَثُرَتْ، وَإِنْ عُومِلَ مَنْ رَآهُ بِالْفَضْلِ قُضِيَتْ عَنْهُ التَّبِعَاتُ وَقُبِلَ مِنْهُ الْيَسِيرُ مِنْ الْحَسَنَاتِ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ لَا يَنْحَصِرُ فِي جِهَةٍ وَعَدْلَهُ لَا يُؤْمَنُ فِي حَالٍ. فَإِذَا نَظَرَ إلَى النَّاسِ بِحُسْنِ هَذَا النَّظَرِ رَبِحَ وَعَادَتْ عَلَيْهِ بَرَكَةُ تَحْسِينِ ظَنِّهِ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ حَالًا وَمَآلًا وَكَانَ اجْتِمَاعُهُ بِهِمْ رَحْمَةً فِي حَقِّهِ وَحَقِّهِمْ وَكَذَالِك الْفِرَارُ مِنْهُمْ وَالْهُرُوبُ مِنْ خُلْطَتِهِمْ بِهَذَا النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارُ بِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ سُلُوكٌ إلَى رَبِّهِ إلَّا أَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَسْلَمُ وَآمَنُ عَاقِبَةً لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ إذَا رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ سَطْوَةَ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْوِيلِ الْحَسَنِ فِي حَقِّهِ لَهُ فَإِنْ عَجَزَ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُهُ الْهِجْرَانُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ
[خَاتِمَة أَسْبَابُ تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ]
أَسْبَابُ تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ بَعْضَ الْإِخْوَانِ قَصَدَنِي فِي تَلْخِيصِ شَيْءٍ أَذْكُرُ فِيهِ بِأَيِّ نِيَّةٍ يَخْرُجُ بِهَا الْمَرْءُ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ. وَإِلَى حُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَإِلَى
стр. 1243
قَضَاءِ حَوَائِجِهِ مِنْ السُّوقِ وَغَيْرِهِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَمْكُثُ فِيهِ فَأَسْعَفْته بِذَلِكَ حَتَّى بَلَغْت فِيهِ إلَى الْكُرَّاسِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْهُ ثُمَّ حَصَلَ لِي قَلَقٌ وَانْزِعَاجٌ فِي أَخْذِ الْعِلْمِ عَنِّي وَلَسْت عِنْدَ نَفْسِي أَهْلًا لِذَلِكَ. فَعَزَمْت عَلَى أَنْ أُعْدِمَ تِلْكَ الْكَرَارِيسَ فَأَخَذْتهَا وَشَدَدْت عَلَيْهَا وَدَفَعْتهَا لِبَعْضِ الْإِخْوَانِ وَقُلْت لَهُ يُثَقِّلُهَا بِحَجَرٍ وَيُلْقِيهَا فِي الْبَحْرِ فَمَكَثْت عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ.
ثُمَّ جَاءَ الْفَقِيهُ الْخَطِيبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُعْطِي الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سَبُعٍ خَطِيبُ جَامِعِ الظَّاهِرِ بِالْحُسَيْنِيَّةِ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَإِيَّانَا فَطَلَبَ الْكَرَارِيسَ فَأَخْبَرْته بِمَا جَرَى فَشَقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لِي: اسْأَلْ عَنْهَا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرْته بِهِ إلَى الْآنَ فَقُلْت لَهُ: إنَّ لَهُ مُدَّةً فَقَالَ: وَلَعَلَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ بَقِيَتْ فَسَأَلْت الشَّخْصَ الَّذِي أَمَرْته بِتَغْرِيقِهَا فَقَالَ: لِي هِيَ بَاقِيَةٌ إلَى الْآنَ فَسَأَلْته عَنْ مُوجِبِ تَرْكِهِ لَهَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَتَفَرَّغَ فَيُلْقِيَهَا فِي الْبَحْرِ. قَالَ فَعَزَمْت عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا ثُمَّ إنِّي أَنْسَى وَهِيَ إلَى الْآنَ عِنْدِي لَمْ أُغْرِقْهَا بَعْدُ. فَطَلَبْتهَا مِنْهُ وَأَخَذْتهَا وَدَفَعْتهَا إلَى الْفَقِيهِ الْخَطِيبِ الْمَذْكُورِ فَطَالَعَهَا ثُمَّ أَتَانِي بِهَا فَقَالَ لِي: يَحْرُمُ عَلَيْك إتْلَافُهَا وَحَضَّنِي عَلَى إتْمَامِهَا وَسَأَلَنِي مِرَارًا أَنْ أُعَيِّنَ اسْمَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ مِنْ أَعَانَ عَلَيْهَا لِكَيْ يُدْعَى لَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبًا فِي إتْمَامِهَا.
خَاتِمَةُ الْمُؤَلِّفِ: وَهَذَا دُعَاءٌ أَخْتِمُ بِهِ الْكِتَابَ رَجَاءَ الِاسْتِجَابَةِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدُّ مِنْك الْجَدُّ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَدَّقَهُ. بِتَوْفِيقِك وَاتَّبَعَهُ بِإِرْشَادِك
стр. 1244
وَتَسْدِيدِك وَأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ بِنِعْمَتِك وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ بِرَحْمَتِك. اللَّهُمَّ بِنُورِك اهْتَدَيْنَا وَبِفَضْلِك اسْتَغْنَيْنَا وَفِي كَنَفِك أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَا شَيْءَ قَبْلَك وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَك نَعُوذُ بِك مِنْ الْفَشَلِ وَالْكَسَلِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ اللَّهُمَّ نَبِّهْنَا بِذِكْرِك فِي أَيَّامِ الْغَفْلَةِ وَاسْتَعْمِلْنَا بِطَاعَتِك فِي أَيَّامِ الْمُهْلَةِ وَانْهَجْ لَنَا إلَى رَحْمَتِك طَرِيقًا سَهْلَةً. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ آمَنَ بِك فَهَدَيْته وَتَوَكَّلَ عَلَيْك فَكَفَيْته وَسَأَلَك فَأَعْطَيْته. اللَّهُمَّ يَا عَالَمَ الْخَفِيَّاتِ وَيَا بَاعِثَ الْأَمْوَاتِ وَيَا سَامِعَ الْأَصْوَاتِ وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ وَيَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَيَا خَالِقَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْجَوَّادُ الَّذِي لَا يَبْخَلُ وَالْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَلُ لَا رَادَّ لِأَمْرِك وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِك رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُقَدِّرُ كُلِّ شَيْءٍ نَسْأَلُك أَنْ تَرْزُقَنَا عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَقَلْبًا خَاشِعًا وَلِسَانًا صَادِقًا وَعَمَلًا زَاكِيًا وَإِيمَانًا خَالِصًا وَأَنْ تَهَبَ لَنَا إنَابَةَ الْمُخْلِصِينَ وَخُشُوعَ الْمُخْبِتِينَ وَأَعْمَالَ الصَّالِحِينَ وَيَقِينَ الصَّادِقِينَ وَسَعَادَةَ الْمُتَّقِينَ وَدَرَجَاتِ الْفَائِزِينَ وَالْعَابِدِينَ يَا أَفْضَلَ مَنْ قُصِدَ وَأَكْرَمَ مَنْ سُئِلَ وَأَحْلَمَ مَنْ عُصِيَ مَا أَحْلَمَك عَلَى مَنْ عَصَاك وَأَقْرَبَك مِمَّنْ دَعَاك وَأَعْطَفَكَ عَلَى مَنْ سَأَلَك لَك الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إنْ أَطَعْنَاك فَبِفَضْلِك، وَإِنْ عَصَيْنَاك فَبِحِلْمِك لَا مَهْدِيَّ إلَّا مَنْ هَدَيْت وَلَا ضَالَّ إلَّا مِنْ أَضْلَلْت وَلَا مَسْتُورَ إلَّا مَنْ سَتَرْت نَسْأَلُك أَنْ تَهَبَ لَنَا جَزِيلَ عَطَائِك وَالسَّعَادَةَ بِلِقَائِك وَالْفَوْزَ بِجِوَارِك وَالْمَزِيدَ مِنْ آلَائِك وَأَنْ تَجْعَلَ لَنَا نُورًا فِي حَيَاتِنَا وَنُورًا فِي مَمَاتِنَا وَنُورًا فِي قُبُورِنَا وَنُورًا فِي حَشْرِنَا وَنُورًا نَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْك وَنُورًا نَفُوزُ بِهِ لَدَيْك فَإِنَّا بِبَابِك سَائِلُونَ وَلِنَوَالِك مُتَعَرِّضُونَ وَلِأَفْضَالِك رَاجُونَ.
اللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَى الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهِ وَانْصُرْنَا فِيهِ وَأَعْلِنَا بِهِ
стр. 1245
اللَّهُمَّ اجْعَلْ شُغْلَ قُلُوبِنَا بِذِكْرِ عَظَمَتِك وَأَفْرِغْ أَبْدَانَنَا فِي شُكْرِ نِعْمَتِك وَأَنْطِقْ أَلْسِنَتنَا بِوَصْفِ مِنَّتِك وَقِنَا نَوَائِبَ الزَّمَانِ وَصَوْلَةَ السُّلْطَانِ وَوَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ وَاكْفِنَا مُؤْنَةَ الِاكْتِسَابِ وَارْزُقْنَا بِغَيْرِ حِسَابٍ. اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِالْخَيْرِ آجَالَنَا وَحَقِّقْ بِالرَّجَاءِ آمَالَنَا وَسَهِّلْ فِي بُلُوغِ رِضَاك سَبِيلَنَا وَحَسِّنْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ أَعْمَالَنَا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِآبَائِنَا كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا وَاغْفِرْ لَهُمْ مَا ضَيَّعُوا مِنْ حَقِّك وَاغْفِرْ لَنَا مَا ضَيَّعْنَا مِنْ حُقُوقِهِمْ وَاغْفِرْ لِخَاصَّتِنَا وَعَامَّتِنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ فَإِنَّك جَوَّادٌ بِالْخَيْرَاتِ يَا مُنْقِذَ الْغَرْقَى وَيَا مُنْجِيَ الْهَلْكَى وَيَا شَاهِدَ كُلِّ نَجْوَى وَيَا مُنْتَهَى كُلِّ شَكْوَى وَيَا حَسَنَ الْعَطَاءِ وَيَا قَدِيمَ الْإِحْسَانِ وَيَا دَائِمَ الْمَعْرُوفِ وَيَا مَنْ لَا غِنَى لِشَيْءٍ عَنْهُ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ وَيَا مَنْ رِزْقُ كُلِّ حَيٍّ عَلَيْهِ وَمَصِيرُ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ إلَيْك ارْتَفَعَتْ أَيْدِي السَّائِلِينَ وَامْتَدَّتْ أَعْنَاقُ الْعَابِدِينَ وَشَخَصَتْ أَبْصَارُ الْمُجْتَهِدِينَ نَسْأَلُك أَنْ تَجْعَلَنَا فِي كَنَفِك وَجِوَارِك وَعِيَاذِك وَسِتْرِك وَأَمَانِك. اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا تُغْنِينَا بِهِ عَنْ أَهْلِهَا وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا مِنْ السَّلْوِ عَنْهَا وَالْمَقْتِ لَهَا وَالزُّهْدِ فِيهَا وَالتَّبَصُّرِ بِعُيُوبِهَا مِثْلَ مَا جَعَلْت فِي قُلُوبِ مَنْ فَارَقَهَا زُهْدًا فِيهَا وَرَغْبَةً عَنْهَا مِنْ أَوْلِيَائِك الْمُخْلِصِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذَا ذَنْبًا إلَّا غَفَرْته وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْته وَلَا كَرْبًا إلَّا كَشَفْته وَلَا دَيْنًا إلَّا قَضَيْته وَلَا عَدُوًّا إلَّا كَفَيْته وَلَا عَيْبًا إلَّا أَصْلَحْته وَلَا مَرِيضًا إلَّا شَفَيْته وَلَا غَائِبًا إلَّا رَدَدْتَهُ وَلَا خَلَّةً إلَّا سَدَدْتهَا وَلَا حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَنَا فِيهَا خَيْرٌ إلَّا قَضَيْتهَا، فَإِنَّك تَهْدِي السَّبِيلَ وَتَجْبُرُ الْكَسِيرَ وَتُغْنِي الْفَقِيرَ. اللَّهُمَّ إنَّ لَنَا إلَيْك حَاجَةً وَبِنَا إلَيْك فَاقَةً فَمَا كَانَ مِنَّا مِنْ تَقْصِيرٍ فَاجْبُرْهُ بِسَعَةِ عَفْوِك وَتَجَاوَزْ عَنْهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِك وَاقْبَلْ مِنَّا مَا كَانَ
стр. 1246
صَالِحًا وَأَصْلِحْ مِنَّا مَا كَانَ فَاسِدًا فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت إلَيْك نَشْكُو قَسَاوَةَ قُلُوبِنَا وَجُمُودَ عُيُونِنَا وَطُولَ آمَالِنَا وَاقْتِرَابَ آجَالِنَا وَكَثْرَةَ ذُنُوبِنَا فَنِعْمَ الْمَشْكُوِّ إلَيْهِ أَنْتَ فَارْحَمْ ضَعْفَنَا. وَأَعْطِنَا لِمَسْكَنَتِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا لِقِلَّةِ شُكْرِنَا فَمَا لَنَا إلَيْك شَافِعٌ أَرْجَى فِي أَنْفُسِنَا مِنْك فَارْحَمْ تَضَرُّعَنَا وَاجْعَلْ خَوْفَنَا كُلَّهُ مِنْك وَرَجَاءَنَا كُلَّهُ فِيك نَسْأَلُك اللَّهُمَّ بِكَرَمِك وَإِحْسَانِك أَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِوَالِدَيْ وَالِدَيْنَا إلَى مُنْتَهَى الْإِسْلَامِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِمَشَايِخِنَا وَمَشَايِخِهِمْ إلَى مُنْتَهَى الْإِسْلَامِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِمَنْ قَرَأَ عَلَيْنَا أَوْ قَرَأْنَا عَلَيْهِ وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ وَاسْتَفَادَ مِنَّا وَاغْفِرْ لَنَا بِرَحْمَتِك وَكَرَمِك وَإِحْسَانِك يَا ذَا الْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ وَالِامْتِنَانِ. وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ طَلَبَهُ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ عَمِلَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْنَا بِالْعَمَلِ بِهِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَيْنَا وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ أَجْمَعِينَ وَنَسْأَلُهُ الْكَرِيمَ الْمَنَّانَ أَنْ يُخَلِّصَنَا وَيُخَلِّصَ بِنَا وَيَكْفِيَنَا وَيَكْفِيَ بِنَا وَأَنْ يُعَافِيَنَا مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ