← Фикх малики

Фикх малики · id 11406

المدخل لابن الحاج

ابن الحاج

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

عَظِيمًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيُقْلِعَ عَمَّا هُوَ بِسَبِيلِهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَالضَّلَالِ. فَإِذَا عُلِمَ هَذَا مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِهِمْ فَأَيُّ فَرْقٍ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الظَّلَمَةِ الْمُتَسَلِّطِينَ عَلَى الْخَلْقِ بِأَخْذِ الْمَالِ وَالْأَذِيَّةِ، بَلْ قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ الْوُلَاةِ يَتَحَاشَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الرَّذَائِلِ وَيُنَزِّهُ مَنْصِبَهُ عَنْهَا فَلَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ إقْطَاعِهِ مَعَ أَنَّ الْوَالِيَ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْفُقَرَاءِ الْمُتَّبِعِينَ فَصَارَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ إذْ إنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَمْرِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى الْفُقَرَاءِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْوَالِي فِي هَذَا الْفِعْلِ الْحَسَنِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا شَيْئًا قَبِيحًا، وَهُوَ اسْتِهْتَارٌ فِي الدِّينِ وَزَنْدَقَةٌ فَيَقُولُونَ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَنَحْنُ عَبِيدُ اللَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ لِأَنَّا شُرَكَاؤُهُ فِيهِ وَهَذَا مِنْهُمْ حِلٌّ وَنَقْضٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَقَدْ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] فَالشَّرِيعَةُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَصُونَةٌ عَنْ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا فَلَا تَزَالُ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ. ثُمَّ الْعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الْمَشْيَخَةَ مِنْهُمْ، وَالْهِدَايَةَ لِطَرِيقِ الْقَوْمِ كَيْفَ يُعْطِي الْإِجَازَاتِ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ بِالْمَشْيَخَةِ؟ وَلَوْ سَأَلْتَهُ عَنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، أَوْ سُنَنِهِ، أَوْ فَضَائِلِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، أَوْ فِي التَّيَمُّمِ، أَوْ فِي الصَّلَاةِ لَجَهِلَ ذَلِكَ غَالِبًا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا صَلَّى الْمُكَلَّفُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْمَفْرُوضَ مِنْ الْمَسْنُونِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلْتَهُ عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ لَمَا عَلِمَهَا وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلْتَهُ عَنْ حُكْمِ السَّهْوِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ لَمَا عَلِمَهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ فِي أَمْرِ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا قِوَامُ دِينِهِ وَصَلَاحِهِ فَمَا بَالُكَ بِهِ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمِنْهُ اللَّهُ عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ فَبَعِيدٌ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الشَّيْخِ فِي جَهْلِهِ بِمَبَادِئ أَمْرِ دِينِهِ فَكَيْف بِمَنْ يَصْحَبُهُ أَمْ كَيْفَ بِمَنْ يُجِيزُهُ؟ إذْ الْغَالِبُ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلَى مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ الْعُلَمَاءَ إذْ لَوْ بَاشَرَهُمْ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ فَكَيْفَ يَصْحَبُهُمْ

стр. 842

أَوْ يَتْبَعُهُمْ؟ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْإِجَازَةَ، وَالْحَالَةَ هَذِهِ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الدِّينِ وَمَعَ كَوْنِهَا لَا أَصْلَ لَهَا فَالْإِجَازَةُ الَّتِي يُعْطُونَهَا شَبِيهَةٌ بِالظُّلْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَهَا فِي الْغَالِبِ لِمَنْ سَأَلَهَا حَتَّى يُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ عَطَاءً جَزِيلًا بِحَسَبِ حَالِهِمَا وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِشُكْرَانِ الدُّخُولِ فِي طَرِيقِ الْقَوْمِ فَيُعْطِي الشَّيْخُ مَا يَلِيقُ بِهِ وَلِخُدَّامِ الشَّيْخِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ مَا يَلِيقُ بِدَرَجَاتِهِمْ وَكَذَلِكَ الْأَكَابِرُ أَصْحَابُ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ وَلَا بُدَّ مِنْ لَيْلَةٍ يَطْلُبُونَهَا مِنْهُ لِلسَّمَاعِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَيَخْتَلِطُونَ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ مَعَ هَذَا الْحَالِ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى كَتْبِ الْإِجَازَاتِ لِمَنْ طَعَنَ فِي السِّنِّ وَلِمَنْ لَهُ ثُبُوتٌ فِي الْعَقْلِ مِنْ الْكُهُولِ، بَلْ يُعْطُونَهَا لِلشُّبَّانِ الْمُرْدَانِ وَلَهُمْ صُوَرٌ حِسَانٌ فَيَتَسَلَّطُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلَى الْكَشْفِ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَالْأَمَاكِنِ بِسَبَبِ الِاخْتِلَاطِ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ الْإِجَازَاتِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ. هَذَا حَالُهُمْ مَعَ مَنْ سَأَلَ الْإِجَازَةَ مِنْهُمْ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْأَلْهَا فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجَاهَةٌ، أَوْ جِدَةٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا وَيَعْلَمُونَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَمِيلُ إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَارِيًّا عَنْ الْوَجَاهَةِ وَالْجِدَةِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُتَشَوِّفٌ لِلْإِجَازَةِ كَالْأَوَّلِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَعْمَلُونَ عَلَيْهِ الْحِيَلَ فِي رَبْطِهِ عَلَيْهِمْ وَسُكُونِهِ إلَى قَوْلِهِمْ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ فَإِذَا ظَفَرُوا مِنْهُ بِذَلِكَ كَلَّفُوهُ التَّكَالِيفَ الَّتِي تَضُرُّ بِحَالِهِ وَحَالِ عِيَالِهِ غَالِبًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ مَنْ هَذَا حَالُهُ وَبَيْنَ الظَّلَمَةِ إلَّا أَنَّ الظَّلَمَةُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِالْعُنْفِ وَالْقَهْرِ وَهَؤُلَاءِ يَفْعَلُونَ مِثْلَهُ بِالْحِيَلِ، وَالْخَدِيعَةِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَجَاهَةَ فَإِنَّهُمْ يَسْتَخْدِمُونَهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ لِيَحْصُلَ لَهُمْ مِنْ تَكَلُّفِ النَّاسِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ، وَالْإِلْحَاحِ عَلَيْهِمْ بِالْمَسْأَلَةِ عَلَى الْغَنِيِّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُمْ مَا يُرْضِيهِمْ كَالْأَوَّلِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَمَسُّ أَخْلَاقَ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ؛ إذْ إنَّ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ الْمُنَاصَحَةَ بَيْنَهُمْ وَالشُّفْعَةَ وَرَحْمَةَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. [فَصْلٌ الْعَجَبُ مِنْ ادِّعَائِهِمْ الْمَشْيَخَةَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَبَادِئَ أَمْرِ دِينِهِمْ] (فَصْلٌ) : ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ ادِّعَائِهِمْ الْمَشْيَخَةَ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَبَادِئَ أَمْرِ

стр. 843

دِينِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَكَيْفَ بِالِانْتِمَاءِ إلَى الْمَشْيَخَةِ. وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقِ: إنَّ الْفَقِيرَ لَا يَكُونُ فَقِيرًا يَكُونُ قَلْبُهُ كَأَنَّهُ فِي كَفِّهِ يَعْنِي مِنْ قُوَّةِ مُعَايَنَتِهِ لَهُ، وَنَظَرُهُ لَا يَكُونُ فَيَعْرِفُ الزِّيَادَةَ فِيهِ مِنْ النَّقْصِ بَدِيهَةً. هَذَا حَالُ الْفَقِيرِ الْمُنْفَرِدِ بِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَصِلَ إلَى اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ بِهِ. وَأَمَّا الشَّيْخُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ قُلُوبُ أَصْحَابِهِ كَأَنَّهَا فِي كَفِّهِ وَكَذَلِكَ أَحْوَالُهُمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ فَيَعْلَمُ مَا يَزِيدُ فِيهَا وَمَا يَنْقُصُ مِنْهَا فَيُرَبِّيهِمْ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ مِنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ أَحَدٌ مِنْ جُلَسَائِهِ، بَلْ الشَّخْصُ نَفْسُهُ قَدْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَلَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ هَذَا أُمُورٌ وَتَصَرُّفٌ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ عَاجِزًا عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا زَادَ فِي حَالِ أَصْحَابِهِ وَمَا نَقَصَ فِي غَيْبَتِهِ فَلَا يَدَّعِي الْمَشْيَخَةَ وَلَا الْهِدَايَةَ، بَلْ إخْوَانٌ مُجْتَمِعُونَ يَتَذَاكَرُونَ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ وَمَنَاقِبِ أَهْلِ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ فَلَعَلَّ بَرَكَةَ ذَلِكَ وَبَرَكَةَ اجْتِمَاعِهِمْ تَعُودُ عَلَيْهِمْ دُون أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَالًا، أَوْ مَقَالًا هَذَا حَالُ الْقَوْمِ مَعَ وُجُودِ الْإِخْلَاصِ مِنْهُمْ وَالصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ وَالرُّكُونِ إلَى مَوْلَاهُمْ فِي دَقِيقِ الْأُمُورِ وَجَلِيلِهَا وَالْتِزَامِ الْوُقُوفِ بِبَابِهِ وَمَعَ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ لَا يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حَالًا وَلَا مَقَالًا، بَلْ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ إلَى الْآنَ مَا أَحْسَنَ أَنْ أَتُوبَ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ يَظُنُّونَ بِي خَيْرًا وَمَا بِي مِنْ خَيْرٍ ... وَلَكِنَّنِي عَمْدٌ ظَلُومٌ كَمَا تَدْرِي سَتَرْتَ عُيُوبِي كُلَّهَا عَنْ عُيُونِهِمْ ... وَأَلْبَسْتَنِي ثَوْبًا جَمِيلًا مِنْ السَّتْرِ فَصَارُوا يُحِبُّونِي وَلَسْتُ أَنَا الَّذِي ... أَحَبُّوا وَلَكِنْ شَبَّهُونِي بِالْغَيْرِ فَلَا تَفْضَحْنِي فِي الْقِيَامَةِ بَيْنَهُمْ ... وَلَا تُخْزِنِي يَا رَبِّ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّالِحِ ﵁: لِوَلَدِهِ لَمَّا أَنْ رَأَى مِنْهُ شَيْئًا لَا يُعْجِبُهُ يَا بُنَيَّ أَمَا تَعْرِفُ قَدْرَكَ فَقَالَ: وَمَا قَدْرِي فَقَالَ لَهُ: أُمُّكَ اشْتَرَيْتُهَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ

стр. 844

وَأَبُوكَ لَا أَكْثَرَ اللَّهُ مِثْلَهُ فِي الْإِسْلَامِ. هَذَا مَقَالُهُمْ مَعَ وُجُودِ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ مِنْهُمْ فَمَا بَالُكَ بِمَنْ هُوَ عَلَى الْعَكْسِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُعْطِي الْإِجَازَاتِ وَتُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَعْلَامُ وَالرَّايَاتُ فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَبَعْضُهُمْ يَدَّعِي الْوَلَهُ وَيَرْتَكِبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُحَرَّمَاتٍ فَيَرْكَبُ عَلَى جَرِيدَةٍ قَدْ صَوَّرَ لَهَا وَجْهًا وَعَيْنَيْنِ وَأَنْفًا وَفَمًا وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ شَيْئًا كَأَنَّهُ سَوْطٌ وَيَرْكَبُ تِلْكَ الْجَرِيدَةِ وَيُمْسِكُهَا بِسَيْرٍ أَوْ خَيْطٍ كَأَنَّهُ لِجَامٌ لَهَا وَيَضْرِبُهَا وَيَجْرِي. وَبَعْضُهُمْ يُعَلِّقُ فِيهَا جَرَسًا فَإِذَا مَشَى يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ قَوِيٌّ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ وَالشُّبَّانُ غَالِبًا، وَقَدْ يُدْخِلُونَهُ بُيُوتَهُمْ وَلَا يَخْتَفِي مِنْهُ أَحَدٌ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِمْ وَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ اسْتَتَرَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ هَذَا مُولَهٌ. وَهَذَا أَشَدُّ قُبْحًا مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ وَحْدَهُ فَيَجِدُ السَّبِيلَ إلَى مَا تُسَوِّلُهُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ الرَّذَائِلِ بِخِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. فَكَيْفَ يَدَّعِي الْوِلَايَةَ مَعَ ارْتِكَابِ نَهْيِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ: (مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ صَوَّرَهَا، أَوْ اسْتَعْمَلَهَا، أَوْ رَضِيَ بِهَا. وَمَا الْعَجَبُ مِنْ هَذَا، بَلْ الْعَجَبُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ مَنْ هَذَا حَالُهُ وَيُصَوِّبُ فِعْلَهُ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا وَلِيٌّ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا هُوَ يُخَرِّبُ عَلَى نَفْسِهِ وَتَخْرِيبُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا لَمْ يُعَارِضْهُمْ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَهَذَا قَدْ عَارَضَهُ النَّهْيُ الصَّرِيحُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَرِيدَةِ صُورَةٌ لَاحْتَمَلَ التَّخْرِيبَ وَغَيْرَهُ. هَذَا إنْ كَانَتْ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ عَلَيْهِ مَحْفُوظَةً وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ يُظْهِرُ الْوَلَهَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ دَعَتْ إلَى الدُّخُولِ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ إذْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمُكَلَّفِ إذْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ مَحْفُوظُونَ فِي ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ مَوْجُودُونَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَخْلُو مِنْهُمْ الْأَرْضُ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ بِإِخْبَارِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. [فَصْلٌ أَخْذُ بَعْضِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الطَّرِيقِ] (فَصْلٌ) : ثُمَّ إنَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ حَتَّى ضَمُّوا إلَيْهَا

стр. 845

مَفْسَدَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَخْذُ بَعْضِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الطَّرِيقِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ شَابٍّ لِيَكُونُوا مِنْ خَوَاصِّهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْلِقُونَ شَعْرَ رَأْسِ مَنْ يَتُوبُ عَلَى أَيْدِيهِمْ حِينَ يَأْخُذُونَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ بِالْعَهْدِ وَمَاهِيَّتِه وَكَيْفِيَّتِهِ وَحَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ الْبِدَعِ، وَقَدْ كَانَ فِي عَهْدِ السَّلَفِ ﵃ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَعَلَامَةً عَلَيْهِمْ. هَذَا إذَا كَانَ الْحَلْقُ لِأَجْلِ الدُّخُولِ فِي الطَّرِيقِ وَأَمَّا حَلْقُهُ لِكَثْرَةِ الدَّوَابِّ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ. [فَصْلٌ تَعْلِيقُ السُّبْحَةِ فِي عُنُقِهِ] ﴿فَصْلٌ﴾ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَعْلِيقِ السُّبْحَةِ فِي عُنُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ: أَنَا تَمِيمٌ الدَّارِيُّ فَاعْرِفُونِي، وَمَا كَانَ مُرَادُهُ إلَّا أَنْ يُذَكِّرَ النَّاسَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَأْمُورِ بِإِظْهَارِهَا وَإِشَاعَتِهَا، وَإِظْهَارُ السُّبْحَةِ وَالتَّزَيُّنُ بِهَا لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، بَلْ لِلشُّهْرَةِ وَالْبِدْعَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَيَتَّخِذَ السُّبْحَةَ فِي يَدِهِ كَاِتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ السِّوَارَ فِي يَدِهَا وَيُلَازِمُهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَتَحَدَّثُ مَعَ النَّاسِ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهَا وَيَرْفَعُ يَدَهُ وَيُحَرِّكُهَا فِي ذِرَاعِهِ، وَبَعْضُهُمْ يُمْسِكُهَا فِي يَدِهِ ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ يَنْقُلُهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً كَأَنَّهُ يَعُدُّ مَا يَذْكُرُ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَ النَّاسِ فِي الْقِيلِ وَالْقَالِ وَمَا جَرَى لِفُلَانٍ وَمَا جَرَى عَلَى فُلَانٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا لِسَانٌ وَاحِدٌ فَعَدُّهُ عَلَى السُّبْحَةِ عَلَى هَذَا بَاطِلٌ إذْ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ لِسَانٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ بِهَذَا اللِّسَانِ يَذْكُرُ وَاللِّسَانُ الْآخَرُ يَتَكَلَّمُ بِهِ فِيمَا يَخْتَارُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ اتِّخَاذُهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْبِدْعَةِ، ثُمَّ الْعَجَبُ مِمَّنْ يَعُدُّ عَلَى السُّبْحَةِ حَقِيقَةً وَيَحْصُرُ مَا يُحَصِّلُهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَلَا يَعُدُّ مَا اجْتَرَحَهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ. وَقَدْ قَالَ ﵊: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» فَأَرْشَدَ ﵊ إلَى مُحَاسَبَةِ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِاعْتِقَادِهِ

стр. 846

وَجَوَارِحِهِ وَيَعْرِضُ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فَمَا وَافَقَ مِنْ ذَلِكَ حَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَبَقِيَ خَائِفًا وَجِلًا خَشْيَةً مِنْ دَسَائِسَ وَقَعَتْ لَهُ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا وَمَا لَمْ يُوَافِقْ احْتَسَبَ الْمُصِيبَةَ فِي ذَلِكَ وَرَجَعَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِالتَّوْبَةِ، وَالْإِقْلَاعِ فَلَعَلَّ بَرَكَةَ التَّوْبَةِ تَمْحُو الْحَوْبَةَ وَيَنْجَبِرُ بِذَلِكَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْخَلَلِ. وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَصْلُ عَمَلِهَا لِلتَّحَفُّظِ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَالْهَوَاجِسِ وَالْخَوَاطِرِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ فِي كَسْبِ الْحَسَنَاتِ. وَقَدْ قَالُوا: إنَّ تَرْكَ السَّيِّئَاتِ أَوْجَبُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ؛ لِمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ» . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ بَكَى أَرْبَعِينَ سَنَةً فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ بُكَائِهِ فَقَالَ: اسْتَضَافَنِي أَخٌ لِي فَقَدَّمْتُ لَهُ سَمَكًا فَأَكَلَ، ثُمَّ أَخَذْتُ تُرَابًا مِنْ حَائِطِ جَارٍ لِي فَغَسَلَ بِهِ يَدَيْهِ فَأَنَا أَبْكِي عَلَى ذَلِكَ التُّرَابِ الَّذِي أَخَذْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَحُكِيَ عَنْ آخَرَ مِثْلُهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: طَلَعَ لِي طُلُوعٌ فَرَقَيْتُهُ فَاسْتَرَحْتُ مِنْهُ فَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ لِعَدَمِ رِضَائِي بِمَا فَعَلَهُ اللَّهُ بِي، أَوْ كَمَا قَالَ وَأَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَلَّ أَنْ تَنْحَصِرَ فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُمْ فِي مِثْلِ مَا وَصَفْنَاهُ عَنْهُمْ فَمَا بَالُكَ بِمَنْ يَحْمِلُ الْأَثْقَالَ وَأَيُّ أَثْقَالٍ، ثُمَّ يَحْصُرُ الْحَسَنَاتِ وَلَا يُفَكِّرُ فِي ضِدِّهَا؟ فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَحْتَجُّ بِأَنَّهَا مُحَرِّكَةٌ وَمُذَكِّرَةٌ فَوَا سَوْأَتَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ التَّحْرِيكُ وَالتَّذْكِيرُ مِنْ الْقَلْبِ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الرَّبِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ عَمَلَ السِّرِّ يَفْضُلُ عَمَلَ الْجَهْرِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا» هَذَا، وَهُوَ عَمَلٌ فَمَا بَالُكَ بِإِظْهَارِ شَيْءٍ لَيْسَ بِعَمَلٍ، وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ عَمَلٍ وَمَا زَالَ النَّاسُ يُخْفُونَ أَعْمَالَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْإِخْلَاصِ الْعَظِيمِ مِنْهُمْ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ خَائِفُونَ وَجِلُونَ مِنْ دُخُولِهِ الدَّسَائِسَ عَلَيْهِمْ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ؟ فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَفِعْلُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الشُّهْرَةِ مَا فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّاجِرَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمُحَاوَلَةِ مَا يَتَّجِرُ فِيهِ فَلَا يَتْرُكُ مَا لَهُ فِيهِ سَبْعُونَ ضِعْفًا وَيَأْخُذُ مَالَهُ فِيهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هَذَا مَعَ السَّلَامَةِ

стр. 847

مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فَكَيْفَ بِهِ مَعَ وُجُودِهَا، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَحْرِمُ نَفْسَهُ فَضْلَ الذِّكْرِ وَعَوْدَ بَرَكَتِهِ عَلَى أَعْضَائِهِ وَجَوَارِحِهِ فَلَوْ كَانَ يُسَبِّحُ وَيَعُدُّ عَلَى أَنَامِلِهِ لَكَانَ نُورُ ذَلِكَ الذِّكْرِ وَبَرَكَتُهُ فِي أَنَامِلِهِ. وَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فَرَأَى نُورًا فِي طَاقٍ فَقَالَ مَا هَذَا النُّورُ الَّذِي فِي الطَّاقِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سُبْحَتِي الَّتِي كُنْتُ أُسَبِّحُ عَلَيْهَا جَعَلْتُهَا هُنَاكَ، أَوْ كَمَا قَالَتْ فَقَالَ ﵊ هَلَّا كَانَ ذَلِكَ النُّورُ فِي أَنَامِلِكِ» فَهَذَا إرْشَادٌ مِنْهُ ﵊ إلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى وَالْأَرْجَحِ، وَقَاعِدَةُ الْمُرِيدِ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَى عَمَلٍ مَفْضُولٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا قَرَأَ فِي الْخِتْمَةِ يَجْعَلُهَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعًا وَيُمْسِكُهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَجَمِيعُ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى تَمُرُّ عَلَى الْحُرُوفِ الَّتِي يَتْلُوهَا وَيَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وَيُعَلِّلُهُ بِأَنْ يَقُولَ حَتَّى يَحْصُلَ لِكُلِّ عُضْوٍ حَظُّهُ مِنْ الْعِبَادَةِ لِكَيْ يَكْثُرَ الثَّوَابُ بِذَلِكَ. فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ؟ فَإِنَّا لِلَّهِ وَأَنَا إلَيْهِ رَاجِعُونِ. [فَصْلٌ مَنْ بَالَغَ فِي أَخْذِ الْعَهْدِ إلَى حَدٍّ لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِبْطَالِهِ] ﴿فَصْلٌ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فِي أَخْذِ الْعَهْدِ إلَى حَدٍّ لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِبْطَالِهِ فَيَقُولُ: إنَّهُ إذَا أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى مَنْ يَأْخُذُهُ عَلَيْهِ إنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ وَلَا زَوْجَتِهِ وَلَا نَفْسِهِ، بَلْ التَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِلشَّيْخِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ أَخَذَ مَالَهُ لَزِمَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَشْتَرِطُونَهَا لَوْ تَصَرَّفَ الشَّيْخُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ سَبَبًا لِلْقَطِيعَةِ وَالتَّرْكِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صِفَة الْقَوْمِ وَلَا بِمَأْثُورٍ عَنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ الْعَهْدَ عَلَى أَنْ يَنْتَمِي لِفُلَانٍ مِنْ الْمَشَايِخِ دُونَ غَيْرِهِ حَتَّى كَأَنَّ الطَّرِيقَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى عَدَدِ الْمَشَايِخِ فَيَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ كَمَا يَنْتَسِبُ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ إلَى مَذَاهِبِهِمْ فَإِذَا انْتَسَبُوا إلَى ذَلِكَ فَالطَّرِيقُ الْمُحَمَّدِيُّ أَيْنَ هُوَ وَحَصَلَ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَهُمْ تَعَصُّبَاتٌ وَشَنَآنٌ كَثِيرٌ حَتَّى صَارُوا أَحْزَابًا وَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي حَقِّ غَيْرِ شَيْخِهِ الَّذِي يَنْتَمِي إلَيْهِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ. وَالطَّرِيقُ الْمُحَمَّدِيُّ غَيْرُ هَذَا كُلِّهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ ﵀ يَقُولُ

стр. 848

طَرِيقُ الْقَوْمِ وَاحِدَةٌ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ ﵀ يَقُولُ سُنَّةُ الْأَحْبَابِ وَاحِدَةٌ يَعْنِي أَنَّ مُشْرَبَهُمْ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاتِّبَاعُ وَتَرْكُ الِابْتِدَاعِ وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيهِ إنْكَارٌ لِأَخْذِ الْعَهْدِ مِنْ أَهْلِهِ لِأَهْلِهِ بِشَرْطِهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُمْ إذْ إنَّهُ عَلَيْهِ دَرَجَ السَّلَفُ الصَّالِحُ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَلَا نُنْكِر أَيْضًا الِانْتِمَاءَ إلَى الْمَشَايِخِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُرِيدِ شَيْخُهُ، وَغَيْرُ شَيْخِهِ بِالسَّوَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ وَيَكُونُ إيثَارَهُ لِشَيْخِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ وُصُولُهُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى يَدَيْهِ فَيَرَى لَهُ ذَلِكَ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَقَعُ التَّفَضُّلُ لِشَيْخِهِ وَالِاخْتِصَاصُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊: «مَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَأْبَى أَنْ يَأْخُذَ الْعَهْدَ عَلَى أَحَدٍ فَسَأَلْتُهُ مَا الْمُوجِبُ لِذَلِكَ؟ أَهُوَ بِدْعَةٌ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي نَفْسَهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فَأَخَافُ إنْ أَخَذْتُ الْعَهْدَ عَلَى أَحَدٍ فَقَدْ لَا يُوفِي بِمَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَهْدِ فَيَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ وَأَكُونُ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ فَأَتْرُكُهُمْ رَحْمَةً بِهِمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَأُعَوِّضُ عَنْهُ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِظَاهِرِ الْغَيْبِ بِالِاسْتِقَامَةِ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَالْحَاصِلُ مِنْ أَخْذِ الْعَهْدِ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّيْخُ الْعَهْدَ عَلَى الْمُرِيدِ بِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاهُ وَلَا يَفْقِدُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ وَهَذَا هُوَ زُبْدَتُهُ وَأَصْلُهُ وَبَقِيَتْ تَفَارِيعُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَلَّ أَنْ تَتَنَاهَى، وَهِيَ الْأَمَانَةُ الَّتِي عَرَضَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: ظَلُومًا لِنَفْسِهِ جَهُولًا بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْغَالِبِ مِنْهُمْ وَإِلَّا فَكَثِيرُ مَنْ وَفَّى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَثِيرٌ مَنْ دَخَلَ فِي جَاهِ مَنْ وَفَّى وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى بَقِيَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ يَنْتَمُونَ إلَى الْمَشَايِخِ لِيَكُونُوا فِي حُرْمَتِهِمْ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ إخْبَارًا عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ حَيْثُ يَقُولُ: «هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» فَكَمَا لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ كَذَلِكَ لَا يَشْقَى بِهِمْ مُعْتَقِدُهُمْ وَلَا مُحِبُّهُمْ. وَقَدْ خَرَّجَ

стр. 849

التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ قَالَ: فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إلَى الصَّلَاةِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَثِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» فَمَا رَأَيْتُ فَرَحَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَفَرَحِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ ﵊ لِلسَّائِلِ حِينَ سَأَلَهُ مُرَافَقَتَهُ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ ﵊ أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ﵊: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ هَذَا طَلَبَ مَنْصِبًا عَظِيمًا فَأَرْشَدَهُ ﵊ إلَى الْأَسْبَابِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ فِي الصَّلَاةِ وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ سَاجِدًا» فَأَرْشَدَ ﵊ لِذَلِكَ، وَطَالِبُ الْمَعِيَّةِ تَشْمَلُهُ الدَّارُ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنَازِلُ تَتَفَاوَتُ فِيهَا وَلَكِنْ قَدْ جُعِلَتْ السَّعَادَةُ لِمَنْ نَالَهَا. لِقَوْلِهِ ﵊: «لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ سَلِمَ مِنْ أَهْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْعَنَاءِ وَالتَّنْغِيصِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا حِينَ يَأْخُذُ الْعَهْدَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي طَرِيقِهِ فَيُكَلِّفُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَفِي هَذَا مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ مَا فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِبَعْضِ مَنْ فَعَلَ الذُّنُوبَ: «أَنَا سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ، وَقَدْ وَرَدَ: «كُلُّ النَّاسِ مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرُونَ» فَإِذَا جَاءَ أَحَدٌ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِيَتُوبَ عَلَى يَدَيْهِ، أَوْقَعَهُ الشَّيْخُ بِاعْتِرَافِهِ فِي هَذِهِ الْمَهَالِكِ فَكَانَ عَدَمُ التَّوْبَةِ بِهِ أَوْلَى، وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَفِي هَذَا تَشَبُّهٌ بِالْقِسِّيسِينَ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ إذَا جَاءَهُمْ أَحَدٌ لِيَتُوبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ يُطَالِبُونَهُ بِأَنْ يُسَمِّيَ لَهُمْ

стр. 850

ذُنُوبَهُ ذَنْبًا ذَنْبًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ وَعَكْسُهُ عَكْسُهُ. فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى تَخْلِيطِ أُمُورِ الدِّينِ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ ارْتَكَبَ بِدْعَةً شَنِيعَةً آلَتْ إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَتَرْكُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَلْ هُوَ ارْتِدَادٌ، أَوْ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ مِمَّنْ فَعَلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُلَبِّدُونَ شُعُورَ رُءُوسِهِمْ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْجَنَابَةَ تُصِيبهُمْ فَإِذَا اغْتَسَلُوا لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُوصِلُوا الْمَاءَ إلَى الْبَشَرَةِ وَلَيْسَ ثَمَّ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى حَائِلٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ فَصَلَاتُهُمْ عَلَى هَذَا بَاطِلَةٌ، ثُمَّ ضَمُّوا إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَة مَفْسَدَةً أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْهَا، وَهُوَ أَنَّهُمْ مُعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالصَّوَابِ وَعَلَى طَرِيقِ السُّلُوكِ وَالْهِدَايَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ مِنْ بَلَائِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَانَى اتِّخَاذَ الْحُرُوزِ الْكَثِيرَةِ وَيَجْعَلُهَا فِي عُنُقِهِ كَالْقِلَادَةِ لِلْمَرْأَةِ. وَمِنْهُمْ مِنْ يَجْعَلُهَا عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى يَتَوَشَّحُ بِهَا وَهَذَا شُهْرَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ وَشَوْهٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّحَفُّظِ مِنْ الْعَيْنِ وَمِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ فَلَهُ طَرِيقٌ غَيْرُ هَذَا بِأَنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ ثَوْبِهِ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ وَلَا يَظْهَرُ وَأَمَّا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيُمْنَعُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلسُّنَّةِ وَلِلسَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ سُبْحَةً كَبِيرَةً وَيُعَلِّقُهَا فِي عُنُقِهِ، أَوْ يَتَوَشَّحُ بِهَا وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مُشْتَغِلٌ بِالْقِيلِ وَالْقَالِ وَالتَّحَدُّثِ فِي أُمُورِ الْغَيْبِ إظْهَارًا مِنْهُ أَنَّهُ يُكَاشِفُهَا وَيُخْبِرُ بِوُقُوعِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَوِّضُ عَنْهَا خَيْطًا مِنْ صُوفٍ عَلَى صِفَاتٍ وَصِبْغٍ فَيَتَقَلَّدُونَ بِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ، أَوْ الشَّهْوَةِ، وَالْبِدْعَةِ، وَالْخُرُوجِ عَنْ الِاتِّبَاعِ لِلسَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵊ أَجْمَعِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا رَذِلًا يَأْبَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَ النَّاسِ فِي الْجَامِعِ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ وَقَامَ النَّاسُ إلَيْهَا قَامَ هُوَ فِي جُمْلَتِهِمْ فَإِذَا رَكَعُوا وَسَجَدُوا بَقِيَ وَاقِفًا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ لَا يُحْرِمُ وَلَا يَرْكَعُ وَلَا يَسْجُدُ، ثُمَّ يَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ مِنْ صَلَاتِهِمْ

стр. 851

وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا وَأَرْذَلُ مَنْ يَعْتَقِدُ مَنْ هَذَا حَالُهُ وَيَرَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ الْوَاصِلِينَ وَيَتَأَوَّلُ بِأَنَّهُ يُصَلِّي فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْهُ تَخْرِيبٌ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى لَا يُشْهَرَ وَلَا يُعْتَقَدَ، وَتَأْوِيلُهُمْ هَذَا مِنْ السَّخَافَةِ وَالْحُمْقِ وَمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ وَعَدَمِ الْغَيْرَةِ فِي الدِّينِ وَاصْطِلَاحُهُمْ عَلَى الرِّضَا بِتَرْكِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعُظْمَى الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ وَرَأْسُهُ وَأَوَّلُ أَرْكَانِهِ بَعْد كَلِمَتَيْ التَّوْحِيدِ؛ إذْ إنَّ مَنْ رَأَى وَلَمْ يُنْكِرْ كَمَنْ فَعَلَ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى التَّخْرِيبِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَشَى عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَاتَّبَعَ الْحَقَّ وَالسُّنَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ وَاقْتَفَى آثَارَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ سِيَّمَا إنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الذَّمِيمَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ فَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ النُّفُورُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ إنَّمَا تَرَكَ الْعَوَائِدَ وَالِابْتِدَاعَ وَاتَّبَعَ السُّنَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ وَتَمَسَّكَ بِهَا، وَعَادَةُ النُّفُوسِ فِي الْغَالِبِ النُّفُورُ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهَا. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﵁ يَا حَقُّ مَا أَبْقَيْتَ لِي حَبِيبًا. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ ﵃ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْحَالِ مَنْ اتَّبَعَ السُّنَّةَ أَحَبُّوهُ وَاعْتَقَدُوهُ وَعَظَّمُوهُ وَوَقَّرُوهُ وَاحْتَرَمُوهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ تَرَكُوهُ وَأَهْمَلُوهُ وَمَقَتُوهُ وَأَبْغَضُوهُ حَتَّى كَانَ مَنْ يُرِيدُ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُمْ وَالتَّعْظِيمَ مِمَّنْ لَا خَيْرَ فِيهِ يُظْهِرُ الِاتِّبَاعَ حَتَّى يَعْتَقِدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الْيَوْمَ فَيَعْتَقِدُونَ وَيَحْتَرِمُونَ مَنْ يَفْعَلُ الْعَوَائِدَ الْمُحْدَثَةَ وَيَمْشِي عَلَيْهَا وَلَا يُنْكِرُ عَلَى أَحَدٍ مَا هُوَ فِيهِ فَمَنْ أَرَادَ التَّخْرِيبَ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلْيَتْبَعْ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ فَإِنَّهُمْ يَنْفِرُونَ عَنْهُ وَلَا يَعْتَقِدُونَهُ غَالِبًا لِإِنْكَارِهِ مَا هُمْ فِيهِ حَتَّى قَدْ يَنْفُرَ عَنْهُ أَبَوَاهُ وَأَهْلُهُ وَأَقَارِبُهُ لِمُخَالَفَتِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ الْمُخَرِّبَ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ حِلَّ ذَلِكَ أَمْ لَا فَإِنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ مَعَ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ. وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْمَكْرُوهُ يَفْسُقُ فَاعِلُهُ. ثُمَّ إنَّهُمْ يَتَغَالَوْنَ فِي اعْتِقَادِهِمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا بَدَلُ هَذَا قُطْبٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَحْسُنُ أَنْ

стр. 852

يُطْلَقَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ السُّنَّةَ وَبَذَلَ جَهْدَهُ فِي الِاتِّبَاعِ فَكَيْفَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ الْمَكْرُوهَاتِ، أَوْ هُمَا مَعًا؟ ثُمَّ إنَّ الْمُتَّبِعَ مِنْ النَّاسِ فِي اعْتِقَادِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ كُلِّهَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ فَأَيُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ أَوْ قَالَهُ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَوْضِعٌ لَا أَدْخُلُهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ أَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْغَصْبَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: هَذَا مِنْ بَابِ الْوَرَعِ هَذَا لَيْسَ بِمُتَّبَعٍ، وَقَدْ دَخَلَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَيَحْتَجُّونَ بِمَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِمْ أَهْلِيَّةٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فَقَدْ تَكُونُ لَهُ أَعْذَارٌ فِي ارْتِكَابِ ذَلِكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّنَ عُذْرَهُ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀: مَا كُلُّ الْأَعْذَارِ تُبْدَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ؛ إذْ إنَّ اتِّبَاعَ لِسَانِ الْعِلْمِ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ عَلَى النَّاسِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ يَقُولُ: إنِّي لَا أَتَكَلَّمُ بِالْوَرَعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَالنَّاسُ يَحْمِلُونَ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَصَارَ لِسَانُ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ وَرَعًا وَتَرَتَّبَتْ عَلَى هَذَا مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَنْسِبُونَ كَثِيرًا مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَى الْوَرَعِ فَيَتْرُكُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاتِّبَاعَ، وَبَابُ الْوَرَعِ ضَيِّقٌ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْأَفْذَاذُ إذْ لَيْسَ هَذَا زَمَانُ الْوَرَعِ غَالِبًا وَمَا يَتَعَلَّلُونَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْوَرَعِ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَسْوِيلِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ لِيُثَبِّطَ عَنْ بَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ غَيْرُ الْمُعْتَقِدِ يَقُولُ: هَذَا يَابِسٌ مُشَدَّدٌ مَرْبُوطٌ يُشِيرُ بِكَلَامِهِ وَحَالِهِ إلَى أَنَّ غَيْرَهُ عَلَى الْبَاطِلِ، وَهُوَ عَلَى الْحَقِّ وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ. وَكَلَامُهُمْ هَذَا يَرُدُّهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ الْغُرَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذَا فَسَدَ النَّاسُ» وَفِي رِوَايَةٍ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ

стр. 853

كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ إذَا فَسَقَ فِتْيَانُكُمْ وَطَغَى نِسَاؤُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ قَالَ: نَعَمْ وَأَشَدُّ كَيْفَ بِكُمْ إذَا لَمْ تَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ قَالَ: نَعَمْ وَأَشَدُّ، كَيْفَ بِكُمْ إذَا رَأَيْتُمْ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا؟» . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصَلِّ اعتقاد المشتبهين بالمشايخ وَأَهْل الإرادة يدور بَيْن أمرين] (فَصْلٌ) : ثُمَّ إنَّ غَالِبَ حَالِهِمْ أَنَّ اعْتِقَادَهُمْ يَدُورُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ اعْتِقَادُهُ شَهْوَةً فَيَعْقِدُهُ مُدَّةً، ثُمَّ يَنْحَلُّ عَنْ اعْتِقَادِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَدُومُ اعْتِقَادُهُ لَكِنْ يَزِيدُ فِي اعْتِقَادِهِ وَيَتَغَالَى فِيهِ فَيَقُولُ هَذَا بَدَلٌ هَذَا قُطْبٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَيَتَنَاقَضُ قَوْلُهُمْ إذْ إنَّ الْقُطْبَ إنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ إلَّا الْوَاحِدُ مِنْ الْأَفْذَاذِ وَمَعَ ذَلِكَ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّ صِفَتَهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ فِي كِتَابِ الْأَنْوَارِ لَهُ وَاَللَّهُ يُدِيرُ الْقُطْبَ فِي الْآفَاقِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْكَانِ الدُّنْيَا كَدَوَرَانِ الْفُلْكِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَقَدْ سُتِرَتْ أَحْوَالُ الْغَوْثِ، وَهُوَ الْقُطْبُ عَنْ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ غَيْرَة مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَرَى عَالِمًا جَاهِلًا أَبْلَهَ فَطِنًا تَارِكًا آخِذًا قَرِيبًا بَعِيدًا سَهْلًا عَسِرًا آمِنًا حَذِرًا. وَمِنْهُمْ مَنْ إذَا حَصَلَ لَهُ اعْتِقَادٌ فِي شَيْخٍ بِعَيْنِهِ نَقَّصَ غَيْرَهُ، أَوْ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَنَآنٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِمْ وَمَنْ يَنْتَمُونَ إلَيْهِمْ حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَرْجِعُونَ أَحْزَابًا وَيَهْجُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِعَدَمِ تَسْلِيمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْفُقَرَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُهُ، وَهُوَ يُعَظِّمَ سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ أَبِي جَمْرَةَ ﵀ فَكَانَ هَذَا الْفَقِيرُ يَقُولَ فِي نَفْسِهِ مَا هَذَا إلَّا رَجُلٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ مِثْلُ هَذَا السَّيِّدِ يُعَظِّمُهُ قَالَ: فَمَضَيْتُ يَوْمًا إلَيْهِ حَتَّى أَرَاهُ فَدَخَلْتُ إلَى الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّرْسِ، وَالْقَارِئُ يَقْرَأُ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُ عِبَارَتَهُ دُونَ عِبَارَةِ سَيِّدِي ﵀ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ ﵀ -

стр. 854

فَتَعَجَّبْتُ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي أَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ فَاسْتَبْعَدْتُ ذَلِكَ فَرَدَّ الشَّيْخُ ﵀ رَأْسَهُ إلَيَّ وَنَظَرَ لِي، ثُمَّ رَجَعَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا كَانَ بِسَبِيلِهِ فَقَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ يَنْبَغِي لِلْفَقِيرِ إذَا دَخَلَ عَلَى الشُّيُوخِ أَنْ لَا يُفَضِّلَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ شَيْخًا عَلَى غَيْرِهِ يَا مِسْكِينُ هَذَا الَّذِي تُفَضِّلُهُ لَوْ سَأَلْتَهُ عَمَّنْ فَضَّلْتَهُ عَلَيْهِ كَانَ جَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ بَرَكَتِي، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا أَرْجُو مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَرُبَّ سَاكِتٍ أَفْضَلُ مِنْ نَاطِقٍ فَيَجِيءُ أَحَدُكُمْ يُفَضِّلُ مَنْ يَخْطِرُ لَهُ بِمَا يَخْطِرُ لَهُ أَجَاءَ لَكَ أَحَدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَخْبَرَكَ أَنَّ فُلَانًا عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ فَهَذَا مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ وَالِاحْتِرَامِ فَتُبْ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَارْجِعْ إلَيْهِ مَا كَفَى أَنَّ أَحَدَكُمْ يُحْرَمُ الْعَمَلُ حَتَّى يُحْرَمَ الِاعْتِقَادُ مَا هَذَا الْحَالُ. قَالَ فَبَقِيتُ أَتُوبُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَعَلَّهُ يَسْكُتُ فَمَا سَكَتَ إلَّا بَعْدَ حِينٍ، أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ. بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ مِنْ الْآخِرِ. أَوْ يَكُونَ الَّذِي يُفَضِّلُ أَعْلَى مَقَامًا مِنْهُمَا فَيَكْشِفُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ فِي مَقَامٍ يَكْشِفُ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَلَا يَكْشِفُ عَلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَشَفَ عَلَى مَقَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَمْ يَكْشِفْ عَلَى مَقَامِهِ الْخَاصِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ. وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا كَوْنُ الْمُرِيدِ يُعَظِّمُ شَيْخَهُ وَيُؤْثِرُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَهُ لَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ قَسَمَ لَهُ عَلَى يَدَيْهِ رِزْقًا حَسَنًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رُزِقَ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ» وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «جُبِلَتْ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِحْسَانَ بِمَا يَبْقَى هُوَ أَفْضَلُ وَأَعْلَى مِنْ الْإِحْسَانِ بِمَا يَفْنَى وَحَقِيقَةُ الْمُرِيدِ مَعَ شَيْخِهِ أَنَّ الشَّيْخَ وَجَدَهُ غَرِيقًا فِي بَحْرِ التَّلَفِ فَأَنْقَذَهُ وَخَلَّصَهُ مِنْهُ وَأَوْقَفَهُ بِبَابِ رَبِّهِ وَلَا إحْسَانَ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا الْإِحْسَانِ. وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ مَحَبَّةُ الْمُرِيدِ لِطَاعَةِ رَبِّهِ فَلَمَّا

стр. 855

أَنْ رَأَى عِنْدَ شَيْخِهِ مَا يُحِبُّهُ الْتَزَمَهُ لِمَحْبُوبِهِ الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَهُ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَخْدُمُ بَعْضَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَيُحِبُّهُ يُؤْثِرُ بِالْخِدْمَةِ لَهُ فَعَذَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الْتِزَامِ خِدْمَتِهِ لَهُ، وَهُوَ لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا فَكَانَ جَوَابُهُ أَنْ قَالَ: مَحْبُوبِي عِنْدَهُ. وَقِيلَ لِآخَرَ أَيْضًا وَقَدْ رَأَوْهُ وَاقِفًا بِبَابِ عَدُوِّهِ فَعَذَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ مَحْبُوبَهُ عِنْدَهُ، وَالْمُرِيدُ بِنِيَّتِهِ وَخَاطِرِهِ وَكُلِّيَّتِهِ رَاغِبٌ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ ، مُتَسَبِّبٌ فِي الْوُصُولِ إلَيْهِ فَإِذَا رَأَى مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ أَرْفَعُ مِنْهُ قَدْ أَحْكَمَ الطَّرِيقَ وَعَرَفَهَا أَحَبَّهُ، وَالْتَزَمَهُ وَأَنِسَ بِهِ لِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَحَاسِنِ الْجَمِيلَةِ. فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُعَظِّمُهُ لِمَا خَلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَعِ السَّنِيَّةِ الشَّاهِدَةِ لَهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمَوْلَى . وَمِنْهُمْ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْكَرَامَاتِ فَيَغْتَرُّ بِهَا فَيَتْلَفُ حَالُهُ بِسَبَبِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَلِّمُ بِوَاسِطَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَمَا جَرَى لِبَعْضِ الْمُرِيدِينَ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً فِي زَاوِيَةٍ خَارِجَ الْبَلَدِ فَطَلَعَ عَلَى سَطْحِ الزَّاوِيَةِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَأَعْجَبَهُ ضَوْءُ الْقَمَرِ فَخَطَرَ لَهُ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي الطَّيَرَانِ هَلْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَجَرَّبَ نَفْسَهُ فَطَارَ فِي الْهَوَاءِ فَدَخَلَ الْبَلَدَ مِنْ أَعْلَى سُورِهَا، وَهُوَ طَائِرٌ فَقَالَ: أَيُّ مَوْضِعٍ أَقْصِدُهُ فَوَقَعَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ إلَى زِيَارَةِ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مِنْ الْمَشَايِخِ فِي وَقْتِهِ فَأَتَى إلَى بَابِ دَارِهِ وَنَزَلَ وَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: فُلَانٌ. فَقَالَ لَهُ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا تَأْتِينِي بِهِ إلَّا بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ؟ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ بَعْدَهَا أَبَدًا فَأَدَّبَهُ بِذَلِكَ وَكَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِ عَلَى رَبِّهِ وَسَلَامَتِهِ، أَوْ كَمَا جَرَى. وَمِثْلُ هَذَا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُرِيدِينَ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ شَيْخِهِ، ثُمَّ انْقَطَعَ فَسَأَلَ الشَّيْخُ عَنْهُ فَقَالُوا لَهُ: هُوَ فِي عَافِيَةٍ فَأَرْسَلَ خَلْفَهُ فَحَضَرَ فَسَأَلَهُ مَا الْمُوجِبُ لِانْقِطَاعِكَ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي كُنْتُ أَجِيءُ لِكَيْ أَصِلَ، وَالْآنَ قَدْ وَصَلْتُ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْحُضُورِ فَسَأَلَهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُصُولِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يُصَلِّي وِرْدَهُ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا بُنَيَّ وَاَللَّهِ مَا دَخَلْتُهَا أَبَدًا فَلَعَلَّكَ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيَّ فَتَأْخُذَنِي مَعَكَ لِعَلِّي أَنْ أَدْخُلَهَا كَمَا

стр. 856

دَخَلْتَهَا أَنْتَ قَالَ: نَعَمْ فَبَاتَ الشَّيْخُ عِنْدَ الْمُرِيدِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ جَاءَ طَائِرٌ فَنَزَلَ عِنْدَ الْبَابِ فَقَالَ الْمُرِيدُ لِلشَّيْخِ هَذَا الطَّائِرُ الَّذِي يَحْمِلُنِي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عَلَى ظَهْرِهِ إلَى الْجَنَّةِ فَرَكِبَ الشَّيْخُ وَالْمُرِيدُ عَلَى ظَهْرِ الطَّائِرِ فَطَارَ بِهِمَا سَاعَةً، ثُمَّ نَزَلَ بِهِمَا فِي مَوْضِعٍ كَثِيرِ الشَّجَرِ فَقَامَ الْمُرِيدُ لِيُصَلِّيَ وَقَعَدَ الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ الْمُرِيدُ: يَا سَيِّدِي أَمَا تَقُومُ اللَّيْلَةَ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا بُنَيَّ الْجَنَّةُ هَذِهِ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ صَلَاةٌ فَبَقِيَ الْمُرِيدُ يُصَلِّي وَالشَّيْخُ قَاعِدٌ فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ جَاءَ الطَّائِرُ وَنَزَلَ فَقَالَ الْمُرِيدُ لِلشَّيْخِ قُمْ بِنَا نَرْجِعُ إلَى مَوْضِعِنَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ اجْلِسْ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَخْرُجُ مِنْهَا فَجَعَلَ الطَّائِرُ يَضْرِبُ بِأَجْنِحَتِهِ وَيَصِيحُ حَتَّى أَرَاهُمْ أَنَّ الْأَرْضَ تَتَحَرَّكُ بِهِمْ فَبَقِيَ الْمُرِيدُ يَقُولُ لِلشَّيْخِ: قُمْ بِنَا لِئَلَّا يَجْرِيَ عَلَيْنَا مِنْهُ شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ هَذَا يَضْحَكُ عَلَيْكَ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكَ مِنْ الْجَنَّةِ فَاسْتَفْتَحَ الشَّيْخُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَذَهَبَ الطَّائِرُ وَبَقِيَا كَذَلِكَ إلَى أَنْ تَبَيَّنَ الضَّوْءُ، وَإِذَا هُمَا عَلَى مَزْبَلَةٍ، وَالْعُذْرَةُ وَالنَّجَاسَاتُ حَوْلَهُمَا فَصَفَعَ الشَّيْخُ الْمُرِيدَ وَقَالَ لَهُ هَذِهِ هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي أَوْصَلَكَ الشَّيْطَانُ إلَيْهَا قُمْ فَاحْضُرْ مَعَ إخْوَانِكَ، أَوْ كَمَا جَرَى. وَحِكَايَاتُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَلَّ أَنْ تَنْحَصِرَ، وَالْحَاصِلُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتْرُكُ أَحَدًا وَلَا يَيْأَسُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَضْرِبُ عَلَيْهِ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ وَيَسْتَعْمِلُ حِيَلَهُ كُلَّهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُرِيدِ أَنْ لَا يَدَّعِيَ حَالًا وَلَا مَقَامًا خِيفَةَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مُنَّ بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَقِيقَةً، أَوْ يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ ابْتِدَاءً وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ رُسُوخٌ فِي الطَّرِيقِ، بَلْ بَعْضُهُمْ مَغْمُوسٌ فِي الْجَهْلِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ الشُّيُوخِ الْمُوصِلِينَ إلَى اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُ ذَوْقٌ فِي طَرِيقِ الْقَوْمِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ عَكْسُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا فِي مُطَالَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَقِيَامِ الْمُسْتَغْفِرِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ زَمَنًا طَوِيلًا وَرُبَّمَا كَانَ مُعْتَلَّ الدِّمَاغِ فَتَأْخُذُهُ نَزْلَةٌ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْبَرْدِ، وَقَدْ

стр. 857

يَئُولُ الْأَمْرُ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْمَوْتِ، أَوْ إلَى أَمْرَاضٍ خَطِرَةٍ قَدْ تَطُولُ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ بِالْعِلَلِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمَشْهَدٍ مِنْ النَّاسِ عَامَّةً، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِطَرِيقِ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانَتْ مُطَالَبَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُسْتَتِرِينَ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا قِيلَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ إلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَمَحْرَمُهُمْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَعْنِي مِنْ أَصْحَابِ الْخِرْقَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَيَزِيدُ بَعْضُهُمْ حَمْلَ الْأَقْدَامِ وَيَقِفُ طَوِيلًا بِهَا يَنْتَظِرُ إقْبَالَهُمْ عَلَيْهِ. وَبَعْضُهُمْ يُبَالِغُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَيَأْمُرُ بِكَشْفِ رَأْسِ الْجَانِي عَلَى زَعْمِهِ وَضَرْبِهِ بِالْجَمَاجِمِ، وَالْجَرِيدِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا قُبْحٌ وَشَنَاعَةٌ أَنْ يُنْسَبَ هَذَا لِمَنْ يَدَّعِي الطَّرِيقَ، وَطَرِيقُ الْقَوْمِ غَيْرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إذْ إنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ وَالْإِغْضَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَمْرِ الدِّينِ فَيَكْفِي فِيهِ الْهِجْرَانُ لَا غَيْرُ وَفِيهِ مُقْنَعٌ لِلْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ هَذَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ. وَطَرِيقُهُمْ أَنَّهُمْ إذَا وَقَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي مُخَالَفَةٍ يُطَالِبُونَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ عَمَّا وَقَعَ فِيهِ. ثُمَّ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الصَّادِقِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُهُ لِلصَّادِقِ مِنْهُمْ مَعَ إخْوَانِهِ إذَا اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَكْرُوهِ الَّذِي وَقَعُوا فِيهِ، وَأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي إنْقَاذِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لِلشَّيْخِ آكَدُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ لِلْمُرِيدِ؛ لِأَنَّ بِغَفْلَةِ الشَّيْخِ عَنْهُ جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى فَلَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَلْحَظُهُ لَمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى لِسَيِّدِي أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّمَّاطِ شَيْخِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ جَاءَ إلَيْهِ وَطَلَبَ مِنْهُ إذْنًا أَنْ يَتَزَوَّجَ فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَهُ ثَانِيًا فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ثَالِثًا كَذَلِكَ فَقَالَ: أَزْنِي؟ قَالَ: اذْهَبْ. فَذَهَبَ الْمُرِيدُ فَأَخَذَ امْرَأَةً وَجَاءَ بِهَا إلَى بَيْتِهِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَإِذَا بِالْحَائِطِ قَدْ انْشَقَّ وَدَخَلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فَخَرَجَ هَارِبًا يَسِيحُ فِي الْبَرِّيَّةِ بِحَالٍ أَخَذَهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَذْهَبُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ بَعْد ذَلِكَ

стр. 858

فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنِي الْمَرَضُ؟ مِنْ هُنَاكَ أَتَدَاوَى فَرَجَعَ إلَى مَوْضِعِ الشَّيْخِ فَدَخَلَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ ﵀: أَقَدَرْتَ عَلَى شَيْءٍ تَفْعَلُهُ؟ أَتَظُنُّ أَنَّكَ لِنَفْسِكَ؟ بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ أَنْ يَرَوْا مَنْ يَنْتَمِي إلَيْهِمْ فِي ذَرَّةٍ مِمَّا لَا يَنْبَغِي. أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ: مَا لِي أَرَاك هَاهُنَا فَقَالَ لَهُ لِأَجْلِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلِلْقُرْبِ مِنْ الْخَطِيبِ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الْبُعْدَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَقْرَبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ الْقُرْبِ مِنْهُمْ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمُشَاهَدَةِ مَا الشَّرْعُ يَأْمُرُ بِتَغْيِيرِهِ عَلَيْهِ. أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي التَّغْيِيرِ أَنْ لَا يَرَى شَيْئًا يُخَالِفُ السُّنَّةَ حَتَّى يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ إذْ إنَّ أَصْعَبَ مَا فِي التَّغْيِيرِ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْقَلْبِ تَدْنِيسُهُ بِمَا يُشَاهِدُ وَيَرَى وَيَسْمَعُ فَقَلَّ أَنْ يَتَأَثَّرَ مَعَ مُدَاوَمَةِ هَذَا الْحَالِ عَلَيْهِ فَالتَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْمَرْتَبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ فَهُوَ أَصْعَبُ مِنْهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَتَأَمَّلْهُ. وَمَا ذَاكَ إلَّا لِتَأْنِيسِ الْقُلُوبِ غَالِبًا بِالْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ بِدْعَةٍ رَأَيْتُ بُلْتُ الدَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ: «وَلُّوا الْبِدَعَ ظُهُورَكُمْ» وَكَذَلِكَ وَرَدَ: «مَنْ لَمْ يُزِلْ الْمُنْكَرَ فَلْيَزُلْ عَنْهُ» فَكَيْفَ يُقْبِلُ الْمُكَلَّفُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يُصْغِي إلَيْهِ وَأَمَّا إنْ فَاجَأَهُ ذَلِكَ وَعَجَزَ عَنْ التَّغْيِيرِ فَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ أَقْرَبُ وَأَيْسَرُ. لِمَا وَرَدَ فِيمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّغْيِيرِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ ثَلَاثًا. ثُمَّ لِيَمْضِ لِسَبِيلِهِ وَيُعْرِضُ عَنْهُ. [فَصْلٌ فِي مُكَاتَبَةِ الْفَقِيرِ لِأَخِيهِ] ِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي مُكَاتَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَى التَّزْكِيَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالْكَذِبِ وَالتَّنْمِيقِ، وَالْقَوَافِي وَالسَّجْعِ، وَالْعِبَارَاتِ الْقَلِقَةِ وَالتَّكَلُّفِ إذْ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. أَلَا تَرَى أَنَّ كُتُبَ السَّلَفِ ﵃ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى مِنْهَاجٍ غَيْرِ هَذَا. فَمِنْ ذَلِكَ كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 859

إلَى مَنْ يُكَاتِبُهُ مِنْ وُلَاتِهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكُتُبُهُمْ لَهُ. مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ إلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَصَفُوهُ بِالصِّفَةِ الْمُلَازِمَةِ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى هِرَقْلَ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵀ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ لَهُ أَنَّ مَعْنَى. كَتْبَ النَّبِيُّ ﵊ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ أَيْ الَّذِي يُعَظِّمُهُ الرُّومُ وَتَعْظِيمُ الرُّومِ لَهُ بَاطِلٌ وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ وَعَلَى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ﵃، وَتَعْظِيمُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْقُلُوبِ لَا بِاللَّقْلَقَةِ مِنْ الْأَلْسُنِ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَهَذِهِ بَعْضُ نُبَذٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا. وَأَمَّا طَرِيقُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُسَافِرِينَ أَعْنِي غَيْرَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ فَلَهُمْ اصْطِلَاحَاتٌ وَعَوَائِدُ قَلَّ أَنْ تَجِدَ لِلِاتِّبَاعِ فِيهَا سَبِيلًا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانُوا يُوجِبُونَهُ عَلَى مَنْ يُرِيدُونَ أَخْذَ ثِيَابِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُتَطَلَّبَاتٍ كَثِيرَةٍ يُسَمُّونَهَا شُغْلَ الْفُقَرَاءِ وَلَيْسَ هَذَا الْحَالُ خَاصًّا بِهِمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْ صَاحِبِهِ حَتَّى أَنَّهُمْ لَيُكَلِّفُونَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا إلَى الْمَسْأَلَةِ بِالْإِلْحَاحِ وَتَكْلِيفِ النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِي الضِّيَافَاتِ وَالْإِجَازَاتِ، وَأَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَلَّ أَنْ تَنْحَصِرَ، وَفِيمَا ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا عَدَاهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فِي صَرْفِ هِمَمِ الْمُرِيدِ كُلِّهَا إلَى الْآخِرَةِ وَأُمُورِهَا] وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَهَمُّ الْأُمُورِ عَلَيْهِ وَآكَدُهَا عِنْدَهُ أُمُورَ الْآخِرَةِ إذْ إنَّهُ مَصِيرُهُ إلَيْهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إيثَارُهَا وَلَا يَعْبَأُ بِغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِامْتِثَالِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ أَمْرِ الْآخِرَةِ مُنْقَطِعٌ زَائِلٌ وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَأَمْرُهُ أَقْرَبُ وَأَيْسَرُ مِنْ الدَّائِمِ الَّذِي

стр. 860

لَا يَنْقَطِعُ. أَلَا تَرَى إلَى حَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَيْفَ كَانَ عَلَى مَا وَصَفَ الْوَاصِفُ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ؟ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵁ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى كَأَنَّهُ يُقَدَّمُ لِلْقَتْلِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ. وَكَانَ يَقُولُ: أَعْجَبُ مِمَّنْ يَمْلَأُ فَاهُ بِالضَّحِكِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فِي أَيِّ دِيوَانٍ اسْمُهُ هَلْ فِي الْجَنَّةِ، أَوْ فِي النَّارِ. وَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵀ أَنْ يَعِظَهُ فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِالرِّزْقِ فَاهْتِمَامُك بِالرِّزْقِ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَ الرِّزْقُ مَقْسُومًا فَالْحِرْصُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَ الْخَلَفُ عَلَى اللَّهِ حَقًّا فَالْبُخْلُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجَنَّةُ حَقًّا فَالرَّاحَةُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَتْ النَّارُ حَقًّا فَالْمَعْصِيَةُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حَقًّا فَالْأُنْسُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَتْ الدُّنْيَا فَانِيَةً فَالطُّمَأْنِينَةُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ حَقًّا فَالْجَمْعُ لِمَاذَا، وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَالْحُزْنُ لِمَاذَا؟ . وَقَدْ قَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ لِرَجُلٍ رَأَتْهُ مَهْمُومًا: إنْ كَانَ هَمُّكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَزَادَكَ اللَّهُ هَمًّا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَفَرَّجَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: لَا تَجْزَعَنَّ إذَا مَا الْأَمْرُ ضِقْتَ بِهِ ... ذَرْعًا وَنَمْ وَتَوَسَّدْ خَالِيَ الْبَالِ مَا بَيْنَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وَانْتِبَاهَتِهَا ... يُغَيِّرُ اللَّهُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالِ. [فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُرِيدِ سُلَّمٌ فِي اتِّبَاعِ شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ] (فَصْلٌ) : هَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَدَبِ الْمُرِيدِ وَيَنْبَغِي أَنْ نَخْتِمَهُ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ تَبَرُّكًا بِذِكْرِ آثَارِهِ وَأَحْوَالِهِ وَلِكَيْ يَكُونَ سُلَّمًا لِلْمُرِيدِ فِي اتِّبَاعِهِ ﵊ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَإِشَارَاتِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِسُنَنِ الصَّالِحِينَ وَسُنَنِ الْعَابِدِينَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا جَالِسَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ قَرِيبٌ مِنْهُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيِّينَ لَهُمْ نُورَانِ نُورَانِ، وَلِأَتْبَاعِهِمْ نُورٌ نُورٌ، قَالَ: وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا مِنْ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ وَلَا رَأْسِهِ إلَّا وَفِيهَا

стр. 861

نُورَانِ، وَرَأَيْتُ أَتْبَاعَهُ لَهُمْ نُورَانِ نُورَانِ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ وَانْظُرْ مَاذَا تُحَدِّثُ بِهِ فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فَقَالَ كَعْبٌ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ لَكَمَا ذَكَرْتَ. وَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ سُمِعَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ، وَهُوَ يَبْكِي: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ لَكَ جِذْعٌ تَخْطُبُ النَّاسَ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَثُرُوا اتَّخَذْت مِنْبَرًا لِتُسْمِعَهُمْ فَحَنَّ الْجِذْعُ لِفِرَاقِكَ حَتَّى جَعَلْتَ يَدَكَ عَلَيْهِ فَسَكَنَ فَأُمَّتُكَ أَوْلَى بِالْحَنِينِ عَلَيْكَ حِينَ فَارَقْتَهُمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَنْ جَعَلَ طَاعَتَكَ طَاعَتَهُ فَقَالَ - تَعَالَى - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ أَنْ بَعَثَكَ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ وَذَكَرَكَ فِي أَوَّلِهِمْ فَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ فَضِيلَتِكَ عِنْدَهُ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونُوا أَطَاعُوكَ وَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا يُعَذَّبُونَ ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ أَعْطَاهُ اللَّهُ حَجَرًا تَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ فَمَا ذَاكَ بِأَعْجَبَ مِنْ أَصَابِعِكَ حِينَ نَبَعَ مِنْهَا الْمَاءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد أَعْطَاهُ اللَّهُ رِيحًا غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَمَا ذَاكَ بِأَعْجَبَ مِنْ الْبُرَاقِ حِينَ سَرَيْتَ عَلَيْهِ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ صَلَّيْتَ الصُّبْحَ مِنْ لَيْلَتِكَ بِالْأَبْطَحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أَعْطَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - إحْيَاءَ الْمَوْتَى فَمَا ذَاكَ بِأَعْجَبَ مِنْ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ حِينَ كَلَّمَتْكَ، وَهِيَ مَسْمُومَةٌ فَقَالَتْ: لَا تَأْكُلْنِي فَإِنِّي مَسْمُومَةٌ. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وَلَوْ دَعَوْتَ مِثْلَهَا عَلَيْنَا لَهَلَكْنَا عَنْ آخِرِنَا فَلَقَدْ وُطِئَ ظَهْرُكَ وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُكَ فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلَّا خَيْرًا فَقُلْتَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ

стр. 862

لَا يَعْلَمُونَ» ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ اتَّبَعَكَ فِي إحْدَاثِ سِنِّكَ وَقِصَرِ عُمُرِكَ مَا لَمْ يَتْبَعْ نُوحًا فِي كِبَرِ سِنِّهِ وَطُولِ عُمْرِهِ فَلَقَدْ آمَنَ بِكَ الْكَثِيرُ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ. بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ لَمْ تُجَالِسْ إلَّا كُفُؤًا لَكَ مَا جَالَسْتَنَا. وَلَوْ لَمْ تَنْكِحْ إلَّا كُفْئًا لَكَ مَا نَكَحَتْ إلَيْنَا، وَلَوْ لَمْ تُؤَاكِلْ إلَّا كُفْئًا لَكَ مَا آكَلْتنَا. وَلَبِسَتْ الصُّوفَ وَرَكِبَتْ الْحِمَارَ وَوَضَعْتَ طَعَامَكَ بِالْأَرْضِ وَلَعَقْتَ أَصَابِعَكَ تَوَاضُعًا مِنْكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ. وَمِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ لِلطَّبَرِيِّ ﵀ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَنْتَعِلُ الْمَخْصُوفَ وَلَا يَتَأَنَّفُ مِنْ مَلْبَسٍ يَلْبَسُ مَا وَجَدَهُ مَرَّةً شَمْلَةً وَمَرَّةً بُرْدَةً حَبِرَةً وَمَرَّةً جُبَّةَ صُوفٍ. وَكَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةِ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا وَكَانَ لِنَعْلَيْهِ قِبَالَانِ وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا وَاحِدًا عُثْمَانُ وَكَانَ أَحَبُّ اللِّبَاسِ إلَيْهِ الْحَبِرَةَ، وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ فِيهَا حُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ. وَكَانَ أَحَبُّ اللِّبَاسِ إلَيْهِ الْقَمِيصُ وَكَانَ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً كَانَ، أَوْ قَمِيصًا وَرِدَاءً وَيَقُولُ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا أَلْبَسْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ. وَكَانَ يُعْجِبُهُ الثِّيَابُ الْخُضْرُ. وَكَانَ يَلْبَسُ الْكِسَاءَ الصُّوفَ وَحْدَهُ فَيُصَلِّي فِيهِ وَرُبَّمَا لَبِسَ الْإِزَارَ الْوَاحِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَعْقِدُ طَرَفَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَيُصَلِّي فِيهِ. وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَيَلْبَسُهَا دُونَ الْعَمَائِمِ وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ دُونَهَا وَيَلْبَسُ الْقَلَانِسَ ذَاتَ الْآذَانِ فِي الْحَرْبِ وَرُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ وَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَلَّى إلَيْهَا، وَرُبَّمَا مَشَى بِلَا قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا رِدَاءٍ رَاجِلًا يَعُودُ الْمَرْضَى كَذَلِكَ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ يَعْتَمُّ وَيُسْدِلُ طَرَفَ عِمَامَتِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِمَامَةٍ وَسَدَلَ طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيَّ، وَقَالَ: «إنَّ الْعِمَامَةَ حَاجِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ» وَكَانَ يَلْبَسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ وَيَعْتَمُّ. وَكَانَ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي خِنْصَرِهِ الْأَيْمَنِ وَرُبَّمَا لَبِسَهُ فِي الْأَيْسَرِ وَيَجْعَلُ فَصَّهُ

стр. 863

مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ. وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيَكْرَهُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ وَكَانَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ لَذَّتِي فِي الدُّنْيَا لِلنِّسَاءِ وَالطِّيبِ، وَقُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» وَكَانَ يَتَطَيَّبُ بِالْغَالِيَةِ وَبِالْمِسْكِ حَتَّى يُرَى وَبِيصَهُ فِي مَفَارِقِهِ وَيَتَبَخَّرُ بِالْعُودِ وَيَطْرَحُ فِيهِ الْكَافُورَ. وَكَانَ يُعْرَفُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ بِطِيبِ رِيحِهِ. وَكَانَ ﷺ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ وَرُبَّمَا اكْتَحَلَ ثَلَاثًا فِي الْيُمْنَى وَاثْنَتَيْنِ فِي الْيُسْرَى وَرُبَّمَا اكْتَحَلَ، وَهُوَ صَائِمٌ. وَكَانَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ. وَكَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. وَكَانَ يَتَرَجَّلُ غِبًّا. وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ وَرُبَّمَا نَظَرَ فِي الْمَاءِ فِي رَكْوَةٍ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَسَوَّى جُمَّتَهُ. وَكَانَ لَا تُفَارِقُهُ قَارُورَةُ الدُّهْنِ فِي سَفَرِهِ، وَالْمُكْحُلَةُ وَالْمِرْآةُ وَالْمُشْطُ، وَالْمِقْرَاضُ وَالسِّوَاكُ، وَالْخُيُوطُ، وَالْإِبْرَةُ فَيَخِيطُ ثِيَابَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ. وَكَانَ يَسْتَاكُ بِالْأَرَاكِ وَكَانَ إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ وَيَسْتَاكُ فِي اللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ النَّوْمِ وَبَعْدَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ، وَلِوِرْدِهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَكَانَ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَبَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِمَكَّةَ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ. وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشَرَةَ وَتِسْعَ عَشَرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَكَانَ ﷺ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا. دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، وَقَدْ مَاتَ نَغْرُ ابْنِهَا مِنْ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ، وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي عَلَى جَمَلٍ فَقَالَ: أَحْمِلُكِ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي مَرِيضٌ فَقَالَ لَعَلَّ زَوْجَكِ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَرَجَعَتْ الْمَرْأَةُ وَفَتَحَتْ عَيْنَيْ زَوْجِهَا لِتَنْظُرَ إلَيْهِمَا فَقَالَ مَا لَكِ؟ فَقَالَتْ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ فِي عَيْنَيْكَ بَيَاضًا فَقَالَ وَيْحَكِ وَهَلْ أَحَدٌ إلَّا وَفِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ. «وَجَاءَتْ أُخْرَى فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ

стр. 864

إنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ فَوَلَّتْ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ ﷺ : أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا، وَهِيَ عَجُوزٌ إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] » . وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ سَابَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمِي سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفِي وَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ. «وَجَاءَ ﷺ إلَى السُّوقِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِ رَجُلٍ اسْمُهُ زَاهِرٌ وَكَانَ ﷺ يُحِبُّهُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَمَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُ إذَنْ وَاَللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ﷺ لَكِنَّكَ عِنْدَ رَبِّكَ لَسْتَ كَاسِدًا» . «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُسَيْنًا مَعَ صِبْيَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ وَطَفِقَ الْحُسَيْنُ يَفِرُّ هَارِبًا هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ فَجَعَلَ إحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ، وَالْأُخْرَى فَوْقَ رَأْسِهِ» . وَكَانَ « ﷺ يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ، وَالْجَوَارِي يَلْعَبْنَ عِنْدَهَا فَإِذَا رَأَيْنَهُ تَفَرَّقْنَ فَيُسِيرَهُنَّ إلَيْهَا. وَقَالَ لَهَا يَوْمًا، وَهِيَ تَلْعَبُ بِلُعْبَتِهَا مَا هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟ فَقَالَتْ: خَيْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد فَضَحِكَ وَطَلَبَ الْبَابَ فَابْتَدَرَتْهُ وَاعْتَنَقَتْهُ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا حُمَيْرَاءُ فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا وَلَا تَكْسِبُ بَعْدَهَا خَطِيئَةً وَلَا إثْمًا. ثُمَّ قَالَ ﷺ : أَفَرِحْتِ يَا عَائِشَةُ فَقَالَتْ: إي وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَقَالَ: أَمَّا وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا خَصَصْتُكِ بِهَا مِنْ بَيْنِ أُمَّتِي، وَإِنَّهَا لَصَلَاتِي لِأُمَّتِي بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِيمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، وَمَنْ بَقِيَ، وَمَنْ هُوَ آتٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَدْعُو لَهُمْ، وَالْمَلَائِكَةُ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِي» . وَكَانَ ﵊ يُكْرِمُ ضَيْفَهُ وَيَبْسُطُ رِدَاءَهُ لَهُ كَرَامَةً. «وَجَاءَتْهُ ظِئْرُهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ يَوْمًا فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَقَالَ

стр. 865

مَرْحَبًا بِأُمِّي وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ» . وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا وَأَحْسَنَهُمْ بِشْرًا مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَا يَمْضِي لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلِ اللَّهِ، أَوْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ، أَوْ لِأَهْلِهِ، أَوْ لِأُمَّتِهِ مِنْهُ وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَطِيعَةُ رَحِمٍ فَيَكُونَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَكَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ وَيَخْدُمُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ وَيَقْطَعُ اللَّحْمَ مَعَهُنَّ وَيَرْكَبُ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَ وَالْحِمَارَ وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ وَيَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِطَرَفِ كُمِّهِ، أَوْ بِطَرَفِ رِدَائِهِ. وَكَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْعَصَا، وَقَالَ: «التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ» . وَرَعَى الْغَنَمَ وَقَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا، وَقَدْ رَعَاهَا وَعَقَّ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا جَاءَتْهُ النُّبُوَّةُ» . وَكَانَ لَا يَدَعُ الْعَقِيقَةَ عَنْ الْمَوْلُودِ مِنْ أَهْلِهِ وَيَأْمُرُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ يَوْمَ السَّابِعِ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً وَكَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ وَيَقُولُ: مَا مِنَّا إلَّا مَنْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. «وَكَانَ إذَا جَاءَهُ مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَإِذَا جَاءَهُ مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» «، وَإِذَا رُفِعَ الطَّعَامُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَآوَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» وَرُوِيَ فِيهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرُ مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» «، وَإِذَا عَطَسَ خَفَضَ صَوْتَهُ وَاسْتَتَرَ بِيَدِهِ، أَوْ بِثَوْبِهِ وَحَمِدَ اللَّهَ» . وَكَانَ ﷺ أَكْثَرُ جُلُوسِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. وَإِذَا جَلَسَ فِي الْمَجْلِسِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ. وَكَانَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَيَسْتَغْفِرُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَكَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ السَّحَرِ، ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ فَإِذَا سَمِعَ الْآذَانَ وَثَبَ قَائِمًا فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ. وَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَائِمًا وَرُبَّمَا صَلَّى قَاعِدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ أَكْثَرَ صَلَاتِهِ جَالِسًا. وَكَانَ يُسْمَعُ لِجَوْفِهِ أَزِيزًا كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. وَكَانَ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ

стр. 866

وَالْخَمِيسَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَعَاشُورَاءَ وَقَلَّمَا يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَكْثَرُ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ. وَكَانَ ﷺ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ، وَإِذَا نَامَ نَفَخَ وَلَا يَغُطُّ غَطِيطًا. «وَكَانَ إذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَرُوعُهُ قَالَ: هُوَ اللَّهُ رَبِّي لَا شَرِيكَ لَهُ» ، وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَقَالَ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» . وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» وَكَانَ ﷺ إذَا تَكَلَّمَ يُبَيِّنُ كَلَامَهُ حَتَّى يَحْفَظَهُ مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ وَيُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتَعْقِلَ عَنْهُ. وَيَخْزُنُ لِسَانَهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَصْلًا لَا فُضُولًا وَلَا تَقْصِيرًا وَكَانَ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنْ الشَّعْرِ وَكَانَ يَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: وَيَأْتِيَكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ وَكَانَ ﷺ جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمَ وَرُبَّمَا ضَحِكَ مِنْ شَيْءٍ مُعْجِبٍ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ مِنْ غَيْرِ قَهْقَهَةٍ. «وَمَا عَابَ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِيهِ تَرَكَهُ» وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا وَلَا عَلَى خُوَانٍ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَلَا يَأْنَفُ فِي مَأْكَلٍ يَأْكُلُ مَا وَجَدَ إنْ وَجَدَ تَمْرًا أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ خُبْزًا أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ لَبَنًا اكْتَفَى بِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ ﷺ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا يَشْبَعُ بِخُبْزِ الشَّعِيرِ وَكَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ لَا تُوقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ نَارٌ، وَكَانَ قُوتُهُمْ التَّمْرَ وَالْمَاءَ وَكَانَ يَعْصِبُ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنْ الْجُوعِ» . هَذَا وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَاخْتَارَ الْآخِرَةَ وَأَكَلَ ﷺ الْخُبْزَ بِالْخَلِّ، وَقَالَ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» وَأَكَلَ لَحْمَ الدَّجَاجِ وَكَانَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ وَيَأْكُلُهُ وَيُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ مِنْ الشَّاةِ وَقَالَ: إنَّ أَطْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ وَقَالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» وَكَانَ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ يَعْنِي مَا بَقِيَ مِنْ الطَّعَامِ وَكَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ

стр. 867

وَأَكَلَ ﷺ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالتَّمْرِ وَقَالَ هَذَا أَدَمُ هَذَا وَأَكَلَ ﷺ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَالْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ وَالتَّمْرَ بِالزُّبْدِ وَكَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ وَكَانَ ﷺ يَشْرَبُ قَاعِدًا وَرُبَّمَا شَرِبَ قَائِمًا وَيَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا، وَإِذَا فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَهَا بَدَأَ بِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشَرِبَ ﷺ لَبَنًا، وَقَالَ: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا خَيْرًا مِنْهُ وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ» . وَقَالَ ﷺ : «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِي مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» زَادَ الْبَاجِيُّ ﵀ وَكَانَ ﵊ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَكَانَ أَحَلَمَ النَّاسِ وَأَعْدَلَ وَأَعَفَّ النَّاسِ لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ قَطُّ امْرَأَةً إلَّا بِمِلْكِ رَقَبَتِهَا أَوْ عِصْمَةِ نِكَاحِهَا، أَوْ تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ. أَسْخَى النَّاسِ لَا يَبِيتُ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ فَإِنْ فَضَلَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيهِ وَفَاجَأَهُ اللَّيْلُ لَمْ يَأْوِ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ. لَا يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ إلَّا قُوتَ عَامِهِ فَقَطْ مِنْ أَيْسَرِ مَا يَجِدُ مِنْ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَى قُوتِ عَامِهِ فَيُؤْثِرُ مِنْهُ حَتَّى يَحْتَاجَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعَامِ. أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً لَا يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ. يُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَوْ أَنَّهَا جَرْعَةُ لَبَنٍ. وَتَسْتَتْبِعُهُ الْأَمَةُ وَالْمِسْكِينُ فَيَتْبَعُهُمَا حَيْثُ دَعْوَاهُ. لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَيَغْضَبُ لِرَبِّهِ. مِنْدِيلُهُ بَاطِنُ قَدَمِهِ. يَشْهَدُ الْجَنَائِزَ. أَشَدُّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَسْكَتُهُمْ مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ وَأَبْلَغُهُمْ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ. لَا يَهُولُهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. يُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ وَيُؤَاكِلُ الْمَسَاكِينَ وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَيَتَأَلَّفُ أَهْلَ الشَّرَفِ بِالْبِرِّ لَهُمْ. يَصِلُ ذَوِي رَحِمِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ لَا يَجْفُو عَلَى أَحَدٍ. يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ. يَخْرُجُ إلَى بَسَاتِينِ أَصْحَابِهِ لَا يُحَقِّرُ مِسْكِينًا لِفَقْرِهِ وَزَمَانَتِهِ. وَلَا يَهَابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ. يَدْعُو هَذَا وَهَذَا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - دُعَاءً مُسْتَوِيًا. وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ السِّيرَةَ الْفَاضِلَةَ وَالسِّيَاسَةَ التَّامَّةَ، وَهُوَ

стр. 868

أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ نَشَأَ فِي بِلَادِ الْجَهْلِ وَالصَّحَارَى فَعَلَّمَهُ اللَّهُ جَمِيعَ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَالطُّرُقِ الْحَمِيدَةِ وَأَخْبَارَ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخَرِينَ وَمَا فِيهِ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْغِبْطَةُ وَالْخَلَاصُ فِي الدُّنْيَا. قَالَ الْبَاجِيُّ ﵀: وَذَكَرَ الْعُتْبِىُّ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] . وَقَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَجِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ فِي الْأَرْضِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ الْعُتْبِيُّ: فَغَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: يَا عُتْبِيُّ الْحَقْ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ» . وَمِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَأْخُذْ عَنِّي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ وَيُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا فَقَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ وَأَحْسِنْ إلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» . وَمِنْهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» وَمِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ الْغُرَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي» [فَصْلٌ تَصَرُّفُ النَّاسِ فِي أَسْبَابِهِمْ وَصَنَائِعِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ] [حَال الْمُحْتَضَر وَمَا يَحْتَاج إلَيْهِ] (فَصْلٌ) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السَّبْعَةِ الَّذِينَ يَدُورُ عَلَيْهِمْ أَمْرُ الدِّينِ، وَنَرْجِعُ الْآنَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ تَصَرُّفُ النَّاسِ فِي أَسْبَابِهِمْ وَصَنَائِعِهِمْ

стр. 869

وَمَعَايِشِهِمْ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ النِّيَّةِ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ، وَمَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُ، وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرٌ. فَنَبْدَأُ أَوَّلًا بِمَا هُوَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، وَالْآكَدُ فَالْآكَدُ. فَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ: غُسْلُ الْمَيِّتِ وَحَفْرُ الْقَبْرِ وَغَيْرُهُمَا وَمَا يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ مَا أَحْدَثُوهُ فِيهِ إذْ إنَّهُ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الدِّينِ وَآكَدِهَا. لَكِنْ نُقَدِّمُ أَوَّلًا ذِكْرَ حَالِ الْمُحْتَضَرِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْآدَابِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ وَلَا صَغِيرٌ يَعْبَثُ لَا يَرْجِعُ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ أَوْ يُنْهَى عَنْهُ. وَيَنْبَغِي أَنَّهُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ثَوْبُهُ طَاهِرًا وَبَدَنُهُ طَاهِرًا، وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ يَكُونُ كَذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُحْتَضَرِ إذْ ذَاكَ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الطِّيبِ إكْرَامًا لِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَهُ إذْ ذَاكَ أَحْسَنُ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ هَدْيًا وَخُلُقًا وَدِينًا وَسَمْتًا وَوَقَارًا فَيُلَقِّنُهُ كَلِمَتَيْ التَّوْحِيدِ بِرِفْقٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَهْرًا، ثُمَّ يَسْكُتُ سَاعَةً، ثُمَّ يُعِيدُهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ يُقْضَى. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَوْ يُلِحَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ الْمُحْتَضَرُ إذْ ذَاكَ، وَقَدْ يَكُونُ أَخَذَتْهُ غَشْيَةٌ فَيَتَوَهَّمُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ، وَإِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ عَلَى مَا وُصِفَ قَبْلُ سَلِمَ مِنْ هَذَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرِينَ لَكِنْ بِخَفْضِ صَوْتٍ وَحُسْنِ سَمْتٍ وَوَقَارٍ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَحْضُرُونَ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِي. وَهَذَا الْمَوْطِنُ مِنْ الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ، وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ ﵀ الْقِرَاءَةَ عِنْدَهُ بِسُورَةِ يس وَسُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ مِنْ الْوَقَارِ وَالتُّؤَدَةِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَا فِي تَوْجِيهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ ﵀ -

стр. 870

لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَكَرِهَ أَنْ يُعْمَلَ ذَلِكَ اسْتِنَانًا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي كَانَ يُعَظِّمُهَا فِي حَيَاتِهِ، فَإِذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ حَتَّى يُعَايِنَ، وَهُوَ أَنْ يَشْخَصَ بِبَصَرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ قَدْ يُوهِمُهُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ أَوْ لِلْغَشَيَانِ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُلَقِّنُهُ أَنْ لَا يَضْجَرَ وَلَا يَقْلَقَ إنْ طَالَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَوَجَدَ مَنْ يَقُومُ عَنْهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ رَاحَةً لِنَفْسِهِ فَعَلَ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَلَا يُلَقِّنُونَهُ بِجَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْرِجُهُ وَيُقْلِقُهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْجَرَ أَيْضًا مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الْمُحْتَضَرِ لِمَا يُلْقِيهِ إلَيْهِ، وَقَدْ يُرَى مِنْ بَعْضِهِمْ عَدَمُ الْقَبُولِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ فِتْنَةٍ وَأَمْرٍ شَدِيدٍ. أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ أَنَّ الْمُحْتَضَرَ إذَا اُحْتُضِرَ يَأْتِيهِ شَيْطَانَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى صِفَةِ أَبِيهِ، وَالْآخَرُ عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ، فَيَقُولُ لَهُ الَّذِي هُوَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى صِفَةِ أَبِيهِ: يَا بُنَيَّ أَنَا قَدْ سَبَقْتُك إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ عَرَفْتُ الْحَقَّ فِيهِ وَالدِّينَ الْأَقْوَمَ الَّذِي بِهِ النَّجَاةُ، وَهُوَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ فَمُتْ عَلَيْهِ فَهُوَ الْحَقُّ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ، وَيَقُولُ الَّذِي عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ: يَا بُنَيَّ قَدْ كَانَ بَطْنِي لَك وِعَاءً وَثَدْيِي لَك سِقَاءً وَحِجْرِي لَك وِطَاءً، وَأَنَا أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَقَدْ سَبَقْتُك إلَى هَذَا الْمَوْطِنِ وَعَرَفْتُ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ فَمُتْ عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ كَمَا قَالَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأَدْيَانَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ، وَالْأَمْرُ أَمْرٌ خَطِرٌ عَظِيمٌ فِي الْخَطَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرُوا لَهُ مِنْ الدُّعَاءِ وَأَنْ يَجْتَنِبُوا اللَّغَطَ وَالْقِيلَ وَالْقَالَ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ ﵀ يَحْكِي أَنَّ بَعْضَ الْمَغَارِبَةِ جَاءُوا إلَى الْبِلَادِ بِنِيَّةِ الْحِجَازِ فَمَرِضَ بَعْضُهُمْ وَاحْتُضِرَ فَجَلَسَ إلَيْهِ رُفَقَاؤُهُ يُلَقِّنُونَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ فَكَانَ إذَا قَالَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَعَّرَ وَجْهَهُ وَرَدَّهُ إلَى نَاحِيَةِ الْيَسَارِ، وَإِذَا قَالَ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ ذَلِكَ مَعَّرَ وَجْهَهُ وَرَدَّهُ إلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ النَّوْمُ فَنَامُوا، وَبَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُلَقِّنُهُ، فَإِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى نَاحِيَةِ الْيَمِينِ دَار إلَيْهِ، وَإِذَا

стр. 871

حَوَّلَهُ إلَى جِهَةِ الْيَسَارِ دَارَ إلَيْهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ أَيْضًا كَأَصْحَابِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي النَّوْمِ إذْ رَأَى النَّاسَ يَتَجَارَوْنَ قَالَ: فَقُلْت: فَمَا بَالُ النَّاسِ؟ فَقَالُوا: هُمْ مَاشُونَ إلَى فُلَانٍ " اسْمِ الْمُحْتَضَرِ " يُهَنِّؤُنَهُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقُلْت: هَذَا صَاحِبِي فَأَسْرَعْت مَعَهُمْ لِأُهَنِّيَهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُهَنِّيهِ فَجِئْنَا إلَى بَابٍ كَبِيرٍ فَدَخَلَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فَدَخَلْت مَعَهُمْ، فَإِذَا بِصَاحِبِي وَاقِفٌ، وَالنَّاسُ يُهَنُّونَهُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَزَاحَمْت مَعَهُمْ حَتَّى اجْتَمَعْت بِهِ فَهَنَّيْتُهُ كَمَا فَعَلَ غَيْرِي، فَأَمْسَكَ بِيَدِي وَقَالَ: آهٍ يَا فُلَانُ مَا هَذَا الْحَالُ الَّذِي فَعَلْتُمْ مَعِي تَرَكْتُمُونِي وَحِيدًا لِلشَّيَاطِينِ يَتَسَلَّمُونِي، فَقُلْت لَهُ: كُنَّا نُلَقِّنُك وَأَنْتَ تُمَعِّرُ وَجْهَك وَتُعْرِضُ عَنَّا يَمِينًا وَيَسَارًا فَقَالَ لِي: مَا عَنْكُمْ كُنْت أُعْرِضُ، وَإِنَّمَا كُنْت أُعْرِضُ عَنْ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمَا أَتَيَانِي عَلَى صِفَةِ أَبِي مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ وَعَلَى صِفَةِ أُمِّي مِنْ جِهَةِ الْيَسَارِ؛ فَهَذَا يَدْعُونِي إلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَهَذِهِ تَدْعُونِي إلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ، وَكَانَ كَلَامُكُمْ يُؤْنِسُنِي وَأَسْتَوْثِقُ بِهِ، فَلَمَّا نِمْتُمْ تَسَلَّمَانِي لَكِنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي، فَإِنَّنِي لَمَّا أَنْ بَقِيت وَحِيدًا نَزَلَ مَلَكٌ مِنْ السَّمَاءِ وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ فَهَزَّهَا عَلَيْهِمَا، وَقَالَ لَهُمَا: إلَيْكُمَا عَنْ وَلِيِّ اللَّهِ فَوَلَّيَا هَارِبَيْنِ، ثُمَّ لَقَّنَنِي الشَّهَادَةَ فَقُلْتهَا فَمُتُّ عِنْدَ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ يُهَنُّونَنِي بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ، أَوْ كَمَا قَالَ، فَاسْتَفَاقَ مِنْ نَوْمِهِ فَقَامَ إلَى صَاحِبِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ ﵀. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الْمَوْتُ وَلُقِّنَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ: لَا. فَرُئِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: كُنَّا نَقُولُ لَك: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: لَا، فَقَالَ: كَانَ إبْلِيسُ تَعَرَّضَ لِي وَقَالَ لِي: سَلِمْت مِنِّي يَا أَحْمَدُ فَقُلْت لَهُ: مَا دَامَتْ الرُّوحُ فِي الْحُلْقُومِ لَا أَسْلَمُ مِنْك، وَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا لَهُ لَا لَكُمْ أَوْ كَمَا قَالَ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ ﷺ قَالَ: «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ فَقَالَ: اُنْظُرْ مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ، فَإِنْ هُوَ إذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ لِعَبْدِي عَلَيَّ إنْ تَوَفَّيْته أُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْته أَنْ أُبْدِلَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ

стр. 872

وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُصِيبُ الْعَبْدَ نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إلَّا بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ قَالَ وَقَرَأَ» ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] الْآيَةَ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتْرَكَ أَحَدًا يَبْكِي حَوْلَهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ بَاكِيًا مِنْ جَمَاعَتِهِ فَلْيَعْتَزِلْ عَنْهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُهُ الْمُحْتَضَرُ وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ، وَحُسْنُ التَّعَزِّي وَالتَّصَبُّرِ أَوْلَى وَأَجْمَلُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ السَّخَطِ وَالضَّجَرِ وَلْيَكُنْ مُوقِنًا بِالْعِوَضِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذْ إنَّ مَنْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ حَلٌّ وَلَا رَبْطٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إرَادَةٌ إلَّا بِأَمْرٍ مِنْ الْمَوْلَى ، فَاَلَّذِي أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ يُقِيمُهُ فِي غَيْرِهِ أَوْ لَا يُحْوِجُهُ إلَيْهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ، وَيَتَعَلَّقَ بِهَا حِينَ وُقُوعِ الْأَمْرِ بِهِ، فَيَقُولُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - حَيْثُ يَقُولُ: «مَا مِنْ امْرِئٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ : إنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاعْقُبْنِي خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَبْدَلَهُ خَيْرًا مِنْهَا» قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا أَنْ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ جَعَلْت أَقُولُهَا وَقُلْت: وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، ثُمَّ قُلْت: أَمْتَثِلُ السُّنَّةَ فَأَقُولُهَا فَقُلْتهَا؛ فَأَبْدَلَنِي اللَّهُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ كَمَا قَالَتْ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ إذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّ فِيهِنَّ مِنْ الرِّقَّةِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ قِلَّتِهِمَا وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى وُقُوعِ مَا لَا يَنْبَغِي بِحَضْرَةِ الْمُحْتَضَرِ فَيُتَحَفَّظُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي النَّهْيِ الصَّرِيحِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَخَرَقَ وَدَلَقَ وَسَلَقَ» ، وَمَعْنَى حَلَقَ: حَلَقَ الشُّعُورَ وَخَرَقَ: خَرَقَ الْبَابَ وَدَلَقَ هُوَ تَخْمِيشُ الْوُجُوهِ وَالضَّرْبُ عَلَى الْخُدُودِ، وَسَلَقَ هُوَ الْكَلَامُ الرَّدِيءُ الْقَبِيحُ وَمِنْهُ ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» ، وَرَوَى

стр. 873

التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسَنَدَاهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَنْتَهِرَانِهِ وَيَقُولَانِ لَهُ: أَهَكَذَا كُنْت» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاجَبَلَاه وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إلَّا قِيلَ: لِي أَنْتَ كَذَا، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ أَنْ لَا يُظْهِرَ الْجَزَعَ إذْ ذَاكَ، فَإِنَّهُ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلنِّسَاءِ كَانَ سَبَبًا لِوُقُوعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْهُنَّ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا جُهْدَهُ مَعَ وُجُودِ الرِّفْقِ وَالشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالسِّيَاسَةِ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَقَامَ سَطْوَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتْرُكُهَا لِأَجْلِ مَا نَزَلَ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَرَّرَ مَا فِيهِ مَا قَرَّرَ بِقَوْلِهِ ﵊: «فَإِذَا وَجَبَتْ أَيْ مَاتَ فَلَا تَبْكِي بَاكِيَةٌ» فَلَا يَتَعَدَّى مَا حَدَّهُ ﵊ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ فَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْضُرَ مَا دَامَ ذَلِكَ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ وَتَغْيِيرُهُ وَاجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، فَإِذَا لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَدَمُ حُضُورِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊: «مَنْ لَمْ يُزِلْ الْمُنْكَرَ فَلْيَزُلْ عَنْهُ» ، لَكِنَّهُ إنْ كَانَ قُدْوَةً فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ حُضُورِهِ مَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَقَعَ بِحَضْرَتِهِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَكَشْفِ وُجُوهِهِنَّ وَتَسْوِيدِهَا وَتَسْوِيدِ بَعْضِ أَجْسَادِهِنَّ وَنَشْرِ الشُّعُورِ، وَالدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَهُوَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَلِبَاسِ الْأَزْرَقِ وَالسَّوَادِ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ خَرْقِ قُعُورِ الْقُدُورِ السُّودِ وَجَعْلِهَا فِي حُلُوقِهِمْ وَسَكْبِ التُّرَابِ عَلَى الرُّءُوسِ وَتَلْطِيخِ الْبُيُوتِ بِالسَّوَادِ، وَمَا يَجْعَلُونَهُ فِي الْأَعْنَاقِ مِنْ السَّلَاسِلِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ إلَّا التَّفَاؤُلُ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي تَوَعَّدَ بِهَا أَهْلَ النَّارِ. أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ. وَتَحْفِيَتِهِمْ

стр. 874

لِلْأَقْدَامِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَتْرُكُ لُبْسَ السَّوَادِ وَيُعَوِّضُ عَنْهُ الْبَيَاضَ، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْبَيَاضِ مُبَاحًا أَوْ مَأْمُورًا بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لَكِنَّ اتِّخَاذَهُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِنَانِ بِهِ بِدْعَةٌ. وَبَعْضُهُمْ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَ مَوْتِ مَيِّتِهِمْ وَلَا يَرْجِعُونَ لَهَا إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِيهَا: فَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهَا الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ، فَيَحْرِمُهُمْ اللَّعِينُ ثَوَابَ مُصَابِهِمْ وَثَوَابَ الصَّلَاةِ وَيُوقِعُهُمْ فِي الْإِثْمِ فِي تَرْكِهَا بِعَادَتِهِ الذَّمِيمَةِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» وَالْإِحْدَادُ عَلَى مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ الِامْتِنَاعَ مِنْ خَمْسٍ: لِبَاسِ الْمُصَبَّغَاتِ كُلِّهَا إلَّا السَّوَادَ، وَالْحُلِيِّ، وَالْكُحْلِ، وَالطِّيبِ، وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَمَا بَالُك بِهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ؟ وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ أَيْضًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ حُضُورُ الطَّارَاتِ وَالضَّرْبُ بِهَا سِيَّمَا مَعَ النَّائِحَةِ، وَقَدْ قَالَ ﵊: «كُلُّ نَائِحَةٍ فِي النَّارِ إلَّا نَائِحَةَ حَمْزَةَ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَسِيد بْنِ أَبِي أَسِيدٍ عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ أَنْ لَا نَخْمُشَ وَجْهًا وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا وَلَا نَنْشُرَ شَعْرًا» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ عَلَى مَيِّتٍ» . وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ حِينَ بَايَعَهُنَّ أَنْ لَا يَنُحْنَ فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ إنَّ نِسَاءً سَاعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَنُسَاعِدُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ لَا إسْعَادَ فِي الْإِسْلَامِ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ فَقَالَ: إيَّاكُمْ

стр. 875

وَالنَّعْيَ فَإِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ النَّعْيِ الْأَذَانُ عَلَى الْمَيِّتِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَلَوْ أَخَذْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ رَاحَةً وَخَفَضْنَ مِنْ أَصْوَاتِهِنَّ حِينَ نَعْيِهِنَّ، ثُمَّ اعْتَدْنَ مَعَ ذَلِكَ عَادَةً جَاهِلِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ مَنْ جَاءَتْ لِتُعَزِّيَ تَدْخُلُ، وَهِيَ تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَاللَّطْمِ عَلَى الْخُدُودِ وَتَخْمِيشِ الْوُجُوهِ، وَتَتَلَقَّاهَا النَّوَائِحُ عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ فِعْلِهِنَّ الذَّمِيمِ وَيَتَكَلَّفْنَ إذْ ذَاكَ رَفْعَ أَصْوَاتِهِنَّ، فَإِذَا وَصَلْنَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ قُمْنَ إلَى لِقَائِهِنَّ، وَفَعَلْنَ مَعَهُنَّ كَفِعْلِهِنَّ وَيَعْمَلْنَ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ مَعَ كُلِّ مَنْ أَتَى إلَيْهِنَّ مِنْ النِّسَاءِ لِلتَّعْزِيَةِ، وَيَبْقَيْنَ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً عَلَى قَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ مَعَارِفُهُنَّ، وَيَفْعَلْنَ مَعَ ذَلِكَ أَفْعَالًا قَبِيحَةً شَنِيعَةً تُنَزَّهُ الْأَقْلَامُ عَنْ كَتْبِهَا، وَالْأَلْسُنُ عَنْ النُّطْقِ بِهَا فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذِكْرِهَا، وَكُلُّهَا مُصَادِمَةٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَهِيَ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَنْحَصِرَ أَوْ تَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَوَائِدِ الْبِلَادِ، وَالْأَقَالِيمِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا جُهْدَهُ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَا يَحْضُرُ مَوْضِعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ حَضَرَ لَكَانَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَعْنِي فِي حُصُولِ الْإِثْمِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ لَيْسَ كَاعْتِقَادِهِمْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَ بِمَنِّهِ. [حُرْمَةُ الْمَيِّتِ كَحُرْمَةِ الْحَيِّ] فَإِذَا قَضَى الْمَيِّتُ فَلْيَشْتَغِلْ مَنْ حَضَرَهُ بِحَقِّهِ وَيَأْخُذْ فِي إصْلَاحِ شَأْنِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ لِئَلَّا تَبْقَى مَفْتُوحَتَيْنِ، وَذَلِكَ شَوَهٌ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِصَابَةً أَوْ طَرَفَ عِمَامَةٍ أَوْ غَيْرَهُمَا وَيَجْعَلَهَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَيَشُدَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِئَلَّا تَسْتَرْخِيَ ذَقَنُهُ فَيَبْقَى فَاهُ مَفْتُوحًا، وَذَلِكَ شَوَهٌ، وَقَدْ يَنْزِلُ الْمَاءُ فِي جَوْفِهِ حِينَ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ تَكْفِينِهِ فَيُلَوِّثُهُ، وَقَدْ تَدْخُلُ الْهَوَامُّ مِنْهُ لِجَوْفِهِ إذَا كَانَ مَفْتُوحًا، ثُمَّ يُلِينُ مَفَاصِلَهُ وَيَمُدُّ يَدَيْهِ مَدًّا، وَكَذَلِكَ رُكْبَتَيْهِ حِينَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهُ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَعَذَّرَ مَدُّهَا. ثُمَّ يَجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدَةً أَوْ سِكِّينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَطِينًا مَبْلُولًا طَاهِرًا؛ لِئَلَّا يَعْلُوَ فُؤَادُهُ فَيُخْشَى أَنْ يَتَفَجَّرَ قَبْلَ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ مَا عَدَا الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُجْعَلَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ كَدَكَّةٍ وَنَحْوِهَا

стр. 876

لِئَلَّا يَتَسَارَعَ إلَيْهِ الْهَوَامُّ وَالتَّغْيِيرُ وَيُسَجَّى بِثَوْبٍ. ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَجْهِيزِهِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ إكْرَامِ الْمَيِّتِ الِاسْتِعْجَالَ بِدَفْنِهِ وَمُوَارَاتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ فَجْأَةً، أَوْ بِصَعْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ سَبْتَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يُسْتَعْجَلْ عَلَيْهِ وَيُمْهَلْ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ، وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَغْيِيرُهُ فَيَحْصُلُ التَّيَقُّنُ بِمَوْتِهِ؛ لِئَلَّا يُدْفَنَ حَيًّا فَيُحْتَاطَ لَهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ فَيُتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا. وَإِذَا فَعَلَ بِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ وَغَيْرِهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِتُؤَدَةٍ وَوَقَارٍ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ كَحُرْمَةِ الْحَيِّ. وَيُسَمِّي اللَّهَ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا بَعْضُهُمْ، وَهِيَ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ أَوْقَدُوا عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ شَمْعَةً حَتَّى يُصْبِحَ، وَذَلِكَ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الشَّمْعِ أَوْقَدُوا سِرَاجًا عَلَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ وَيُيَسِّرُ قَبْلَ غُسْلِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْكَفَنِ، وَالْحُنُوطِ وَيُبَخِّرُ الْكَفَنَ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ فِي غُسْلِهِ فَيَشُدُّ عَلَى وَسَطِ الْمَيِّتِ مِئْزَرًا غَلِيظًا، ثُمَّ يُعَرِّيهِ مِنْ الْقَمِيصِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُغَسِّلُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنْ يُغْسَلَ فِي قَمِيصٍ وَلَا يُعَرَّى وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَرَادُوا أَنْ يُعَرُّوهُ كَمَا يَفْعَلُونَ بِمَوْتَاهُمْ فَسَمِعُوا الْهَاتِفَ يَقُولُ: غَسِّلُوهُ فِي الْقَمِيصِ» وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀، وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَعْرِيَةِ الْمَيِّتِ مِنْ الْقَمِيصِ؛ لِأَنَّهُمْ «أَرَادُوا أَنْ يُغَسِّلُوهُ ﵊ مُتَجَرِّدًا مِنْ الْقَمِيصِ كَمَا يَفْعَلُونَ بِمَوْتَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا الْهَاتِفَ فَتَرَكُوهُ» ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ ﵊ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ تَعْرِيَةَ الْمَيِّتِ أَبْلَغُ فِي تَنْظِيفِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً غَلِيظَةً فَوْقَ الْمِئْزَرِ حَتَّى لَا تُوصَفَ الْعَوْرَةُ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْضُرَهُ أَحَدٌ إذْ ذَاكَ إلَّا الْغَاسِلُ وَحْدَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يُعِينُهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ

стр. 877

وَالضَّرُورَةُ لَهَا أَحْكَامٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ وَمَنْ يُعِينُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَةِ، وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَإِذَا رَآهُ أَحَدٌ فَقَدْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَقَاوَتِهِ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إنْ رَأَى خَيْرًا فَإِنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ وَلَا يَبُوحُ بِهِ لِأَحَدٍ. [غُسْلُ الْمَيِّتِ] وَغُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ أَحَدِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْحَيِّ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَرْبَعًا: غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، وَالْغُسْلُ أَوَّلُهَا، وَكَيْفِيَّتُهُ كَكَيْفِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ إلَّا أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ يَتَوَلَّاهُ الْحَيُّ بِنَفْسِهِ غَالِبًا وَهَذَا يُغَسِّلُهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَرَائِضُهَا وَسُنَنُهَا وَفَضَائِلُهَا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ. فَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِغُسْلِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ فَيُبَاشِرُ مَحَلَّ النَّجْوِ بِخِرْقَةٍ غَلِيظَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الصُّوفِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ فَيَعْرُكُ بِهَا الْمَوْضِعَ، وَمَنْ يُعِينُهُ يَسْكُبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْخِرْقَةَ غَسْلًا جَيِّدًا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُعِيدُ غَسْلَ الْمَحَلِّ، وَهُوَ يَعْرُكُ بِهَا حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ وَتَنَظَّفَ فَحِينَئِذٍ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْقَرَاحَ مِنْ فَرْقِهِ إلَى قَدَمِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي بَدَنِهِ فَمَهْمَا شَعَرَ بِنَجَاسَةٍ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ مِنْهُ غَسَلَهَا عَنْهُ، وَالْبَخُورُ إذْ ذَاكَ حَاضِرٌ يُبَخَّرُ بِهِ لِئَلَّا تُشَمَّ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَالْمَيِّتُ يَكْرَهُ أَنْ يُشَمَّ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ مِنْ الْحَيِّ، ثُمَّ يُقْعِدُهُ وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا، وَمَنْ يُعِينُهُ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حِينَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ وَيُزَادُ فِي الْبَخُورِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِمَّا قَبْلَهُ حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَنْقَى جَسَدَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَأَعَادَ غَسْلَ الْمَحَلِّ مِنْ النَّجَاسَةِ بِخِرْقَةٍ أُخْرَى أَوْ بِهَا بَعْدَ غَسْلِهَا وَتَطْهِيرِهَا وَتَنْظِيفِهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَحَلِّ نَجَاسَةٌ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهَا إلَّا بِمُبَاشَرَتِهَا بِالْيَدِ هَلْ يُبَاشِرُهَا بِيَدِهِ لِلضَّرُورَةِ أَوْ يَتْرُكُهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُزِيلَهَا بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهَا فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَيِّتِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀. وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ

стр. 878

حَلْقِ عَانَةٍ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُمْ يَكْشِفُونَ الْعَوْرَةَ لِحَلْقِهَا فَيُشَاهِدُهَا مَنْ يُزِيلُهَا، وَمَنْ يُعِينُهُ فِي غُسْلِهِ وَبَعْضُ الْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا غُسِّلَ يَحْضُرُ غُسْلَهُ أَقَارِبُهُ وَأَصْحَابُهُ، وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ لَوْ سَلِمَ مِنْ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَلْقَ عَانَتِهِ لَكِنَّ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ، وَاطِّلَاعُ غَيْرِهِ مُحَرَّمٌ.، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي النَّجَاسَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهَا إلَّا بِالْيَدِ فَمَا بَالُك بِإِزَالَةِ شَيْءٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ لِمَنْ يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ فَبَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﵊: «افْعَلُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَفْعَلُوا بِعَرُوسِكُمْ» ، أَوْ كَمَا قَالَ ﵊؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ إنَّمَا يَتَوَلَّاهُ الْعَرُوسُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْأَحْيَاءِ فَضْلًا عَنْ الْمَوْتَى فَتَجِدُ بَعْضَ النَّاسِ يَدْخُلُونَ إلَى الْحَمَّامِ فَيَأْمُرُونَ الْبَلَّانَ أَنْ يَحْلِقَ لَهُمْ عَانَتَهُمْ فَيَكْشِفُ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْتَهُ لَوْ كَانَ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا لَكِنْ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ فِي الْحَمَّامِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلْيَأْخُذْ رَأْسَ الْمَيِّتِ فَيُحَوِّلُهُ إلَى نَاحِيَةِ الْيَمِينِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ الدَّكَّةِ قَلِيلًا وَيَجْعَلُ فَمَه وَأَنْفَهُ إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَيَعْصِرُ أَنْفَهُ بِرِفْقٍ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ فَضْلَةٌ خَرَجَتْ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ رَدَّ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَى الدَّكَّةِ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ تَنَظَّفَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَطَهُرَ، ثُمَّ يُزِيلُ مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْمِئْزَرِ، ثُمَّ يَسْتُرُهُ بِغَيْرِهِ أَوْ بِهِ بَعْدَ غَسْلِهِ، وَيَتَحَفَّظُ عَلَى عَوْرَتِهِ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ ذَلِكَ. فَإِذَا فَرَغَ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ الْوَاجِبَةُ فَيَبْدَأُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَيَغْسِلُهَا وَيُمَضْمِضُ فَمَه بِرِفْقٍ بَعْدَ أَنْ يُحَوِّلَ رَأْسَهُ

стр. 879

كَمَا تَقَدَّمَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ مَضْمَضَتِهِ وَاسْتِنْشَاقِهِ لِئَلَّا يَنْزِلَ الْمَاءُ جَوْفَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غُسْلِهِ وَيُسَوِّكُهُ بِخِرْقَةٍ مِنْ صُوفٍ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ رَدَّهُ إلَى الدَّكَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غَسْلِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ بَعْدَ تَخْلِيلِ شَعْرِهِ فَيَغْسِلُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ، وَالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى مِنْ جَسَدِهِ، وَيُقَلِّبُهُ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ يَمِينًا وَيَسَارًا وَظَهْرًا وَبَطْنًا حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ عَمَّهُ بِالْغُسْلِ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْفَرْضُ الَّذِي لَا يَجُوزُ دَفْنُ الْمَيِّتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا إلَّا بِهَا. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ فِي تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ كَمَا يُنَظَّفُ الْحَيُّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ فَجَعَلَهُ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَيُذِيبُهُ فِيهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْمَيِّتَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ بَعْدَ تَنْظِيفِ الْمَيِّتِ، وَالْمِئْزَرِ وَالدَّكَّةِ مِنْ أَثَرِ السِّدْرِ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا أَكْثَرُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ إلَى غَسْلِهِ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ أَزَالَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ السُّتْرَةِ الْكَثِيفَةِ وَأَلْقَى عَلَيْهِ خِرْقَةً لَطِيفَةً مِنْ شَمَخْتَانِيَّةٍ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ فَتَبْقَى الْعَوْرَةُ كَأَنَّهَا مَكْشُوفَةٌ إذَا ابْتَلَّتْ الْخِرْقَةُ بِالْمَاءِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ بَلْ يَسْتُرُهُ بِمِثْلِ الْخِرْقَةِ الْكَثِيفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ أَوْ بِهَا بَعْدَ تَنْظِيفِهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَتَحَفَّظُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْمُحَاوَلَةِ وَيَغُضُّ طَرْفَهُ مَهْمَا اسْتَطَاعَ جُهْدَهُ مَعَ التَّوْفِيَةِ بِغُسْلِهِ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَفْعَلُهَا أَكْثَرُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ الْمَيِّتَ يَجْعَلُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّكَّةِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، بَلْ يَكُونُ الْغَاسِلُ وَاقِفًا بِالْأَرْضِ وَيُقَلِّبُهُ عِنْدَ غَسْلِهِ لَهُ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَفْعَلُهَا أَكْثَرُهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الْغَاسِلَ إذَا بَدَأَ فِي غُسْلِهِ أَخَذَ يَذْكُرُ لِكُلِّ عُضْوٍ يَغْسِلُهُ ذِكْرًا مِنْ الْأَذْكَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ سِرًّا وَعَلَنًا لَكِنْ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهَا، وَهَذَا الْمَحَلُّ مَحَلُّ تَفَكُّرٍ وَاعْتِبَارٍ وَخَشْيَةٍ فَيَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ ذِكْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ عَمَلُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ وَغَيْرُهُ بِدْعَةٌ. فَإِذَا

стр. 880

فَرَغَ مِنْ هَذِهِ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ تَمَّ غَسْلُهُ عَلَى الْكَمَالِ، ثُمَّ يَتَفَقَّدُ فَمَه وَأَنْفَهُ مِنْ الْمَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْهُ: فَيُمِيلُ رَأْسَهُ خَارِجًا عَنْ الدَّكَّةِ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِمَا شَيْءٌ خَرَجَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى الدَّكَّةِ، ثُمَّ يُنَظِّفُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ بِعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يُقَلِّمُهَا، وَتَقْلِيمُهَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ إذْ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ، ثُمَّ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِرَأْسِهِ وَيَتَرَفَّقُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ خَرَجَ فِي الْمُشْطِ شَعْرٌ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الْكَفَنِ يُدْفَنُ مَعَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ فُوطَةً أَوْ غَيْرَهَا فَيُنَشِّفُ بِهَا جَمِيعَ بَدَنِ الْمَيِّتِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ نَشَّفَ بِهَا الدَّكَّةَ حَتَّى لَا يَبْتَلَّ بِهَا مَا يَجْعَلُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ قَمِيصٍ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَجْهِيزِهِ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ: أَنْ يَأْخُذَ قُطْنَةً وَيَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ، وَالْكَافُورُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يُرْدِعُ الْمَوَادَّ فَيَجْعَلُهَا عَلَى فَمِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ قُطْنَةً أُخْرَى فَيَفْعَلُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ وَيَسُدُّ بِهَا أَنْفَهُ، ثُمَّ أُخْرَى مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَيُرْسِلُهَا فِي أَنْفِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً فَيَشُدُّهَا عَلَى الْفَمِ، وَالْأَنْفِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا مِنْ خَلْفِ عُنُقِهِ عَقْدًا وَثِيقًا فَتَبْقَى كَأَنَّهَا اللِّثَامُ، ثُمَّ يَجْعَلُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ خِرْقَةً ثَانِيَةً بَعْدَ وَضْعِ الْقُطْنِ مَعَ الْكَافُورِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَيَعْقِدُهَا عَقْدًا جَيِّدًا فَتَصِيرُ كَالْعِصَابَةِ. ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً ثَالِثَةً فَيَشُدُّ بِهَا وَسَطَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً رَابِعَةً فَيَعْقِدُهَا عَلَى هَذِهِ الْخِرْقَةِ الْمَشْدُودِ بِهَا وَسَطُهُ أَوْ يَخِيطُهَا فِيهَا، ثُمَّ يَلْحُمُهَا بِهَا بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ قُطْنَةً وَيَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ وَالْكَافُورِ، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْعُضْوَ وَيَسُدُّهُ، وَيَجْعَلَهَا عَلَى بَابِ الدُّبُرِ وَيُرْسِلَ ذَلِكَ قَلِيلًا بِرِفْقٍ، وَيَزِيدُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقُبُلِ قُطْنَةً أُخْرَى وَيَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدُّبْرِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، ثُمَّ يَلْحُمُهُ عَلَيْهِ بِالْخِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ يَرْبِطُهَا رَبْطًا وَثِيقًا. وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، بَلْ الْمُحَرَّمُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَخْرِقُونَ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ وَيُرْسِلُونَ فِي دُبُرِهِ قُطْنًا وَكَذَلِكَ فِي حَلْقِهِ وَأَنْفِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَإِخْرَاقِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ. [تَكْفِينُ الْمَيِّتِ] ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَكْفِينِهِ فَيَشُدُّ عَلَى وَسَطِهِ مِئْزَرًا
следующие страницы →