← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11408

تلبيس ابليس - ط الكتاب العربي

ابن الجوزي

Полный текст (479 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال فمن أين لي ذلك قال أنا لك، فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئا، فقام غضبا ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته وقال ما تريد؟ قال أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى قال كذبت مالك إلى ذلك سبيل: فذهب ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله قال أتدري من أنا أنا الشيطان، جئت أول مرة غضبا فلم يكن لي عليك سبيل. فخدعتك بالدينارين فتركتها فلما جئت غضبا للدينارين سلطت عليك. قال القرشي: وحدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا محمد بن طلحة عن زيد بن مجاهد قال: لإبليس خمسة من ولده قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره، ثم سماهم: فذكر ثبر، والأعور، ومسوط، وداسم، وزكنبور، فأما ثبر، فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية: وأما الأعور، فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزينه، فأما مسوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبره بالخبر، فيذهب الرجل إلى القوم فيقول لهم قد رأيت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه حدثني بكذا وكذا، وأما داسم، فهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم، وأما زكنبور، فهو صاحب السوق الذي يركز رايته في السوق. أخبرنا محمد بن القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا سنيد عن مخلد بن الحسين قال: ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه. وبالإسناد قال محمد بن إسحاق وثنا قتيبة بن سعيد ثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل سمعت حياة بن شراحيل يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: إن إبليس موثق في الأرض السفلى، فإذا هو

стр. 37

تحرك كان كل شرقي الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه. قال الشيخ: أبو الفرج ﵀، قلت: وفتن الشيطان ومكايده كثيرة في غضون هذا الكتاب منها ما يليق بكل موضع منه إن شاء الله تعالى: ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها بالقلوب عزت السلامة. فإن من يدع إلى ما يحث عليه الطبع كمداد سفينة منحدرة فيا سرعة انحدارها، ولما ركب الهوى في هاروت وماروت لم يسمسكا، فإذا رأت الملائكة مؤمنا قد مات على الإيمان تعجبت من سلامته. وأخبرنا محمد بن أبي منصور نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي ثنا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني ابن سريج قال: ثنا عتبة بن عبد الواحد عن مالك بن مغول عن عبد العزيز بن رفيع قال: إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة سبحان الله الذي نجى هذا العبد من الشيطان، يا ويحه كيف نجا. ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا أخبرنا أبو الحصين الشيباني نا أبو علي المذهب نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني هارون ثنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط أنه حدثه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا قالت فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع، فقال: «مالك يا عائشة أغرت؟ فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال: أو قد جاء شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أو معي شيطان! قال «نعم»، قلت: ومع كل إنسان؟ قال «نعم»، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال «نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» - انفرد به

стр. 38

مسلم. ويجيء بلفظ آخر: «أعانني عليه فأسلم». قال الخطابي: عامة الرواة يقولون: فأسلم على مذهب الفعل الماضي إلا سفيان بن عيينة فإنه يقول فأسلم من شره وكان يقول الشيطان لا يسلم. قال الشيخ: وقول ابن عيينة حسن وهو يظهر أثر المجاهدة لمخالفة الشيطان إلا حديث ابن مسعود كأنه يرد قول ابن عيينة، وهو ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثنا يحيى عن سفيان ثني منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود يرفعه: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا وإياك يا رسول الله قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بحق». وفي رواية «فلا يأمرني إلا بخير». قال الشيخ: انفرد به مسلم واسم أبي الجعد رافع وظاهره إسلام الشياطين، ويحتمل القول الآخر. بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثني عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي زوج النبي، قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد -، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : «على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا - أو قال شيئا -» - الحديث في الصحيحين. قال الخطابي: وفي هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به

стр. 39

الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب، ويحكى في هذا عن الشافعي ﵁ أنه قال: خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمر فيكفرا، وإنما قاله ﷺ شفقة منه عليهما لا على نفسه. ذكر التعوذ من الشيطان الرجيم قال الشيخ أبو الفرج ﵀: قد أمر الله تعالى بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند التلاوة فقال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ وعند السحر، فقال: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلى آخر السورة: فإذا أمر بالتحرز من شره في هذين الأمرين فكيف في غيرهما. أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر نا عبد الله بن أحمد ثنا أبي ثنا سيار ثنا جعفر ثنا أبو التياح، قال: قلت لعبد الرحمن بن حنيش: أدركت النبي ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: كيف صنع رسول الله ﷺ ليلة كادته الشياطين؟ فقال: «إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله ﷺ من الأودية والشعاب وفيهم شيطان بيده شعلة نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله ﷺ ». فهبط إليه جبريل ﵇، فقال: يا محمد قل، قال: «ما [أ] قول»؟ قال: قل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن،

стр. 40

قال: «فطفئت نارهم، وهزمهم الله تعالى». أنبأنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي نا عاصم بن الحسن نا أبو الحسين بن بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي حدثني أبو سلمة المخزومي ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول الله ﵎، فيقول: فمن خلق الله، فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فإن ذلك يذهب عنه». قال القرشي ثنا هناد بن السري ثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمذاني عن ابن مسعود ﵁ يرفعه، قال: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله، فليحمد الله. ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان. ثم قرأ: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ - الآية -». قال الشيخ ﵀: وقد رواه جرير عن عطاء فوقفه على ابن مسعود. أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الرزاق نا سفيان عن منصور عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». ثم يقول: هكذا كان أبي إبراهيم ﵌

стр. 41

يعوذ إسماعيل وإسحق» - أخرجاه في الصحيحين -. قال أبو بكر بن الأنباري: الهامة واحد الهوام، ويقال: هي كل نسمة تهم بسوء. واللامة الملمة، وإنما قال لامة ليوافق لفظ هامة فيكون ذلك أخف على اللسان. أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا إبراهيم بن عمر البرمكي نا أبو الحسن عبد الله بن إبراهيم الزبيبي ثنا محمد بن خلف ثنا عبد الله بن محمد ثنا فضيل بم عبد الوهاب ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت قال: قال مطرف. نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين إبليس فمن شاء أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس. وحكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك. قال الشيخ، ﵀: واعلم أن مثل إبليس مع المتقي والمخلط كرجل جالس بين يديه طعام، فمر به كلب فقال له: اخسأ، فذهب فمر بآخر بين يديه طعام ولحم فكلما أخساه لم يبرح، فالأول مثل المتقي يمر به الشيطان فيكفيه في طرده الذكر، والثاني مثل المخلط لا يفارقه الشيطان لمكان تخليطه، نعوذ بالله من الشيطان.

стр. 42

الباب الرابع:- في معنى التلبيس والغرور قال المصنف: التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق، والغرور نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحا والرديء جيدا، وسببه وجود شبهة أوجبت ذلك. وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه ويزيد تمكنه منهم ويقل على مقدار يقظتهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم. واعلم أن القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سور، وللسور أبواب، وفيه ثلم وساكنه العقل، والملائكة تتردد إلى ذلك الحصن، وإلى جانبه ربض في هـ الهوى والشياطين تختلف إلى ذلك الربض من غير مانع، والحرب قائم بين أهل الحصن وأهل الربض والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم. فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكل بحفظه وجميع الثلم، وأن لا يفتر عن الحراسة لحظة. فإن العدو ما يفتر. قال رجل للحسن البصري: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة، وهذا الحصن مستنير بالذكر مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة يتراءى فيها صور كل ما يمر به، فأول ما يفعل الشيطان في الربض إكثار الدخان فتسود حيطان الحصن، وتصدأ المرآة وكمال الفكر يرد الدخان، وصقل الذكر يجلو المرآة، وللعدو

стр. 43

حملات فتارة يحمل فيدخل الحصن، فيكر عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث وربما أقام لغفلة الحارس، وربما ركدت الريح الطاردة للدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة فيمر الشيطان ولا يدري به، وربما جرح الحارس لغفلته وأسر واستخدم وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته، وربما صار كالفقيه في الشر. قال بعض السلف. رأيت الشيطان فقال لي قد كنت ألقى الناس فأعلمهم فصرت ألقاهم فأتعلم منهم. وربما هجم الشيطان على الذكي الفطن ومعه عروس الهوى قد جلاها فيتشاغل الفطن بالنظر إليها فيستأسره، وأقوى القيد الذي يوثق به الأسرى الجهل، وأوسطه في القوي الهوى، وأضعفه الغفلة، وما دام درع الإيمان على المؤمن، فإن نبل العدو لا يقع في مقتل. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ نا أبو محمد ابن حيان ثنا أحمد بن محمد بن يعقوب ثنا محمد بن يوسف الجوهري ثنا أبو غسان النهدي قال: سمعت الحسن بن صالح ﵀ يقول: إن الشيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين بابا للخير يريد به بابا من الشر. أنبأنا علي بن عبد الله نا محمد النديم نا عمي عبد الواحد بن أحمد ثني أبي أحمد بن الحسين العدل ثنا أبو جعفر محمد بن صالح ثنا حيان بن الفلس الجماني ثنا حماد بن شعيب عن الأعمش قال: حدثنا رجل كان يكلم الجن، قالوا: ليس علينا أشد ممن يتبع السنة، وأما أصحاب الأهواء، فإنا نلعب بهم لعبا.

стр. 44

الباب الخامس:- في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات ذكر تلبيسه على السوفسطائية قال الشيخ: هؤلاء قوم ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا: زعموا أن الأشياء لا حقيقة لها وأن ما يستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده، ويجوز أن يكون على غير ما نشاهده. وقد أورد العلماء عليهم، بأن قالوا لمقالتكم هذه حقيقة أم لا؟ فإن قلتم لا حقيقة لها وجوزتم عليها البطلان فكيف يجوز أن تدعوا إلى ما لا حقيقة له؟ فكأنكم تقرون بهذا القول أنه لا يحل قبول قولكم، وإن قلتم لها حقيقة، فقد تركتم مذهبكم. وقد ذكر مذهب هؤلاء أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الآراء والديانات، فقال: رأيت كثيرا من المتكلمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطا مبينا. لأنهم ناظروهم وجادلوهم وراموا بالحجاج والمناظرة الرد عليهم وهم لم يثبتوا حقيقة ولا أقروا بمشاهدة، فكيف تكلم من يقول: لا أدري أيكلمني أم لا؟ وكيف تناظر من يزعم أنه لا يدري أموجود هو أم معدوم؟! وكيف تخاطب من يدعي أن المخاطبة بمنزلة السكوت في الإبانة وأن الصحيح بمنزلة

стр. 45

الفاسد؟ قال: ثم إنما يناظر من يقر بضرورة أو يعترف بأمر، فيجعل ما يقر سببا إلى تصحيح ما يجحده. فأما من لا يقر بذلك فمجادلته مطروحة. قال الشيخ: وقد رد هذا الكلام أبو الوفاء بن عقيل فقال: إن أقواما قالوا كيف نكلم هؤلاء وغاية ما يمكن المجادلة أن يقرب المعقول إلى المحسوس ويستشهد بالشاهد فيستدل به على الغائب، وهؤلاء لا يقولون بالمحسوسات فبم يكلمون؟ قال: وهذا كلام ضيق العطن، ولا ينبغي أن يوئس من المعالجة هؤلاء فإن ما اعتراهم ليس بأكثر من الوسواس ولا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم فإنهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج وما مثلنا ومثلهم إلا كرجل رزق ولدا أحول فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتى إنه لم يشكل أن في السماء قمرين: فقال له أبوه القمر واحد، وإنما السوء في عينيك، غض عينك الحولاء وانظر، فلما فعل قال: أرى قمرا واحدا لأني عصبت إحدى عيني فغاب أحدهما فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال له أبوه: إن كان ذلك كما ذكرت فغض الصحيحة ففعل فرأى قمرين، فعلم صحة ما قال أبوه. أنبأنا محمد بن ناصر نا الحسن بن أحمد بن البنا ثنا دودان نا أبو عبد الله المرزباني ثني أبو عبد الله الحكيمي ثني يموت بن المزرع ثني محمد بن عيسى النظام قال: مات ابن لصالح بن عبد القدوس فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام وهو غلام حدث كالمتوجع له. فرآه منحرفا فقال أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع، فقال له صالح يا أبا الهذيل، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك، فقال له أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك؟ قال هو كتاب وضعته، من قرأه يشك فيما قد كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان، فقال له النظام: فشك أنت في موت ابنك واعمل على أنه لم يمت، وإن

стр. 46

كان قد مات فشك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب وإن كان لم يقرأه. وحكى أبو القاسم البلخي أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى بعض المتكلمين فأتاه مرة فناظره فأمر المتكلم بأخذ دابته فلما خرج لم يرها فرجع فقال سرقت دابتي، فقال ويحك لعلك لم تأت راكبا، قال بلى، قال فكر، قال هذا أمر أتيقنه. فجعل يقول له تذكر، فقال ويحك ما هذا موضع تذكر، أنا لا أشك أنني جئت راكبا، قال: فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء وإن حال اليقظان كحال النائم؟ فوجم السوفسطائي ورجع عن مذهبه. ذكر تلبيس الشيطان على فرق الفلاسفة قال النوبختي قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرا. ويجده غيره حلوا. قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه. واللون جسم عند من اعتقده جسما، وعرض عند من اعتقده عرضا. قالوا فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد. وهؤلاء من جنس السوفسطائية فيقال لهم أقولكم صحيح؟ فسيقولون هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا دعواكم صحة قولكم مردودة وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ومن شهد على قولهم بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه، ومما يقال لهم: أتثبتون للمشاهدة حقيقة؟ فإن قالوا لا، لحقوا بالأولين، وإن قالوا حقيقتها حسب الاعتقاد فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها وصار الكلام معهم كالكلام مع الأولين.

стр. 47

قال النوبختي: ومن هؤلاء من قال: إن العالم في ذوب وسيلان قالوا ولا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين. لتغير الأشياء دائما فيقال لهم: كيف علم هذا وقد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم، وربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه. ذكر تلبيسه على الدهرية قال المصنف: قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع. وأن هذه الأشياء بلا مكون، وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه. وهل يشك ذو عقل في وجود صانع فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لا بد له من بان بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع، وما أحسن ما قال بعض العرب: إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على اللطيف الخبير، ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا، ولشفت غليلا فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب. ومن تأمل تحديد الأسنان لتقطع، وتقريض الأضراس لتطحن. واللسان يقلب الممضوغ وتسليط الكبد على الطعام ينضجه، ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء، وهذه الأصابع التي هيئت فيها العقد لتطوى وتنفتح، فيمكن العمل بها، ولم تجوف لكثرة عملها إذ لو جوفت لصدمها الشيء القوي فكسرها، وجعل بعضها أطول من بعض لتستوي إذا ضمت، وأخفي في البدن ما فيه قوامه، وهي النفس التي إذا ذهبت فسد العقل الذي يرشد إلى المصالح، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي أفي الله شك؟ وإنما يخبط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحس، ومن الناس من جحده، لأنه لما أثبت وجوده من حيث الجملة لم يدركه من حيث التفصيل فجحد أصل الوجود، ولو أعمل هذا

стр. 48

فكره لعلم أن لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل. ولم يمتنع أحد من إثبات وجودهما. وهل الغاية إلا إثبات الخلق جملة، وكيف يقال كيف هو أو ما هو ولا كيفية له ولا ماهية. ومن الأدلة القطعية على وجوده أن العالم حادث بدليل أنه لا يخلو من الحوادث وكل ما لا ينفك عن الحوادث حادث ولا بد لحدوث هذا الحادث من مسبب وهو الخالق سبحانه. وللملحدين اعتراض يتطاولون به على قولنا: لا بد للصنعة من صانع فيقولون إنما تعلقتم في هذا بالشاهد وإليه نقاضيكم فنقول كما أنه لا بد للصنعة من صانع فلا بد للصورة الواقعة من الصانع من مادة تقع الصورة فيها كالخشب لصورة الباب والحديد لصورة الفأس. قالوا فدليلكم الذي تثبتون به الصانع يوجب قدم العالم. فالجواب أنه لا حاجة بنا إلى مادة بل نقول إن الصانع اخترع الأشياء اختراعاً فإنا نعلم أن الصور والأشكال المتجددة في الجسم كصورة الدولاب ليس لها مادة. وقد اخترعها ولا بد لها من مصور فقد أريناكم صورة وهي شيء جاءت لا من شيء ولا يمكنكم أن ترونا صنعة جاءت لا من صانع. ذكر تلبيسه على الطبائعيين قال المصنف: لما رأى إبليس قلة موافقته على جحد الصانع لكون العقول شاهدة بأنه لا بد للمصنوع من صانع حسن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة وقال ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه. فدل على أنها الفاعلة، وجواب هذا، نقول اجتماع الطبائع على وجودها لا على فعلها ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها. وذلك يخالف طبيعتها، فدل على أنها مقهورة. وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة ومعلوم

стр. 49

أن الفعل المنسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالما وليس قادرا، فإن قالوا ولو كان الفاعل حكيما لم يقع في بنائه خلل. ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة فعلم أنه بالطبع. قلنا ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع. فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرم والخلالة وتنشف البرة وتيبسها ولو فعلت طبعا لأيبست الكل أو رطبته فلم يبق إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادخار، والنضج في هذه للتناول، والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكنة لا يلقى جرمها والذي رطبها يلقى جرمها، ثم إنها تبيض ورد الخشخاش وتحمر الشقائق وتحمض الرمان وتحلي العنب، والماء واحد، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله (تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل). ذكر تلبيسه على الثنوية وهم قوم قالوا صانع العالم اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين، سميعين بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل حسن نير صاف نقي طيب الريح حسن المنظر، ونفسه نفس خيرة كريمة حكيمة نفاعة منها الخير واللذة والسرور والصلاح. وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر وجوهر الظلمة على ضد ذلك من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر ونفسه نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة ضرارة منها الشر والفساد. كذا حكاه

стр. 50

النوبختي عنهم، قال: وزعم بعضهم أن النور لم يزل فوق الظلمة. وقال بعضهم: بل كل واحد إلى جانب الآخر. وقال أكثرهم: النور لم يزل مرتفعاً في ناحية الشمال، والظلمة منحطة في ناحية الجنوب. ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه، قال النوبختي: وزعموا أن كل واحد منهما له أجناس خمسة، أربعة منها أبدان وخامس هو الروح، وأبدان النور أربعة: النار والريح، والتراب، والماء، وروحه الشبح. ولم تزل تتحرك في هذه الأبدان، وأبدان الظلمة أربعة: الحريق، والظلمة، والسموم، والضباب، وروحها الدخان وسموا أبدان النور ملائكة، وسموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت. وبعضهم يقول الظلمة تتوالد شياطين والنور يتوالد ملائكة. وأن النور لا يقدر على الشر ولا يجوز منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا تجوز منه. وذكر لهم مذاهب مختلفة فيما يتعلق بالنور والظلمة. ومذاهب سخيفة. فمنها أنه فرض عليهم ألا يدخرون إلا قوت يوم، وقال بعضهم: على الإنسان صوم سبع العمر، وترك الكذب والبخل والسحر، وعبادة الأوثان والزنى والسرقة، وأن لا يؤذي ذا روح، في مذاهب طريفة اخترعوها بواقعاتهم الباردة. وذكر يحيى بن بشر النهاوندي أن قوما منهم يقال لهم (الديصانية) زعموا أن طينة العالم كانت طينة خشنة وكانت تحاكي جسم الباري الذي هو النور زمانا، فتأذى بها، فلما طال عليه ذلك قصد تنحيتها فتوحل فيها واختلط بها فتركب منها هذا العالم النوري والظلمي، فما كان من جهة الصلاح فمن النور، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة، وهؤلاء يغتالون الناس ويخنقونهم ويزعمون أنهم يخلصون بذلك النور من الظلمة، مذاهب سخيفة. والذي حملهم على هذا أنهم رأوا في العالم شرا واختلافا، فقالوا لا يكون من أصل واحد شيئان مختلفان: كما لا يكون من النار التبريد والتسخين. وقد رد العلماء عليهم في قولهم إن الصانع اثنان، فقالوا لو كان اثنين لم يخل أن يكونا

стр. 51

قادرين أو عاجزين، أو أحدهما قادر والثاني عاجز، لا يجوز أن يكونا عاجزين لأن العجز يمنع ثبوت الألوهية، ولا يجوز أن يكون أحدهما عاجزا، فبقي أن يقال هما قادران فتصور أن أحدهما يريد تحريك هذا الجسم في حالة يريد الآخر فيها تسكينه، ومن المحال وجود ما يريدانه، فإن تم مراد أحدهما ثبت عجز الآخر، وردوا عليهم في قولهم: إن النور يفعل الخير، والظلمة تفعل الشر. فإنه لو هرب مظلوم فاستتر بالظلمة فهذا خير قد صدر من شر ولا ينبغي مد النفس في الكلام مع هؤلاء فإن مذهبهم خرافات. ذكر تلبيسه على الفلاسفة وتابعيهم إنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم. وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء. فمنهم من قال بقول الدهرية أن لا صانع للعالم، حكاه النوبختي وغيره عنهم. وحكى النهاوندي أن أرسطا طاليس وأصحابه زعموا أن الأرض كوكب في جوف هذا الفلك وأن في كل كوكب عوالم كما في هذه الأرض وأنهارا وأشجارا وأنكروا الصانع وأكثرهم أثبت علة قديمة للعالم ثم قال بقدم العالم، وأنه لم يزل موجودا مع الله تعالى ومعلولا له ومساويا غير متأخر عنه بالزمان مساواة المعلول للعلة والنور للشمس بالذات والرتبة لا بالزمان، فيقال لهم لم أنكرتم أن يكون العالم حادثا بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه؟ فإن قالوا فهذا يوجب أن يكون بين وجود الباري وبين المخلوقات زمان. قلنا الزمان مخلوق وليس قبل الزمان زمان. ثم يقال لهم: كان الحق سبحانه قادرا على أن يجعل سمك الفلك الأعلى أكثر مما هو بذراع أو أقل مما هو بذراع. فإن قالوا لا يمكن فهو تعجيز، ولأن ما لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب يستغني عن علة وقد ستروا مذهبهم بأن قالوا الله صانع العالم، وهذا تجوز عندهم لا حقيقة. لأن الفاعل مريد لما

стр. 52

يفعله وعندهم أن العالم ظهر ضروريا لا أن الله فعله، ومن مذاهبهم أن العالم باق أبدا كما لا بداية لوجوده فلا نهاية. قالوا لأنه معلول علة قديمة. وكان المعلول مع العلة. ومتى كان العالم ممكن الوجود لم يكن قديما ولا معلولا. وقد قال جالينوس لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدة الطويلة فيقال له قد يفسد الشيء بنفسه بغتة لا بالذبول، ثم من أين له أنها لا تذبل؟ فإنها عندهم بمقدار الأرض مائة وسبعين مرة أو نحو ذلك، فلو نقص منها مقدار جبل لم يبن ذلك للحس. ثم نحن نعلم أن الذهب والياقوت يقبلان الفساد وقد يبقيان سنين ولا يحس نقصانهما، وإنما الإيجاد والإعدام بإرادة القادر والقادر لا يتغير في نفسه ولا تحدث له صفة وإنما يتغير الفعل بإرادة قديمة. وحكى النوبختي في كتاب الآراء والديانات أن سقراط كان يزعم أن أصول الأشياء ثلاثة: علة فاعلة، والعنصر، والصورة. قال: والله تعالى هو الفعال والعنصر الموضوع الأول للكون والفساد، والصورة جوهر للجسم، وقال آخر منهم: الله هو العلة الفاعلة، والعنصر المنفعل، وقال آخر منهم العقل رتب الأشياء هذا الترتيب، وقال آخر منهم بل الطبيعة فعلته. وحكى يحيى بن بشير بن عمير النهاوندي أن قوما من الفلاسفة قالوا لما شاهدنا العالم مجتمعا ومتفرقا ومتحركا وساكنا علمنا أنه محدث ولا بد له من محدث ثم رأينا أن الإنسان يقع في الماء ولا يحسن السباحة فيستغيث بذلك الصانع المدبر فلا يغيثه، أو في النار فعلمنا أن ذلك الصانع معدوم. قال واختلف هؤلاء في عدم الصانع المدبر على ثلاث فرق: فرقة زعمت أنه لما

стр. 53

أكمل العالم استحسنه فخشي أن يزيد فيه أو ينقص منه فيفسد، فأهلك نفسه وخلا منه العالم، وبقيت الأحكام تجري بين حيواناته ومصنوعاته على ما اتفق، وقالت الفرقة الثانية: بل ظهر في ذات الباري تولول، فلم يزل تنجذب قوته ونوره حتى صارت القوة والنور في ذلك التولول وهو العالم، وساء نور الباري وكان الباقي منه نور. وزعموا أنه سيجذب النور من العالم إليه حتى يعود كما كان، ولضعفه عن مخلوقاته أهمل أمرهم فشاع الجور. وقالت الفرقة الثالثة: بل الباري لما أتقن العالم تفرقت أجزاؤه فيه فكل قوته في العالم فهي من جوهر اللاهوتية. قال الشيخ ﵀: هذا الذي ذكره النهاوندي نقلته من نسخة بالنظامية قد كتبت منذ مائتين وعشرين سنة، ولولا أنه قد قيل ونقل في ذكره بيان ما قد فعل إبليس في تلبيسه، لكان الأولى الإضراب عن ذكره تعظيما لله أن يذكر بمثل هذا، ولكن قد بينا وجه الفائدة في ذكره. وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا، وإنما يعلم نفسه، وقد ثبت أن المخلوق يعلم نفسه ويعلم خالقه، فقد زادت مرتبة المخلوق على رتبة خالق. قال المصنف: وهذا أظهر فضيحة أن يتكلم عليه، فانظر إلى ما زينه إبليس لهؤلاء الحمقاء مع ادعائهم كمال العقل، وقد خالفهم أبو علي بن سيناء في هذا فقال بل يعلم نفسه، ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم الجزئيات، وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة، وكأنهم استكثروا المعلومات، فالحمد الله الذي جعلنا ممن ينفي على الله الجهل والنقص، ونؤمن بقوله ﴿ألا يعلم من

стр. 54

خلق﴾ وقوله: ﴿ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ وذهبوا إلى أن علم الله وقدرته هو ذاته، فرارا من أن يثبتوا قديمين، وجوابهم أن يقال إنما هو قديم موجود واحد موصوف بصفات الكمال. قال المصنف: وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، ورد الأرواح إلى الأبدان ووجود جنة ونار جسمانيين وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس ليفهموا الثواب والعقاب الروحانيين، وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا أبدا، إما في لذة لا توصف وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف وهي النفوس المتلوثة، وقد تتفاوت درجات الألم على مقادير الناس، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول، فيقال لهم نحن لا ننكر وجود النفس بعد الموت، ولذلك سمي عودها إعادة، ولا أن لها نعيما وشقاء، ولكن ما المانع من حشر الأجسام؟ ولم ننكر اللذات والآلام الجسمانية في الجنة والنار، وقد جاء الشرع بذلك فنحن نؤمن بالجمع بين السعادتين، وبين الشقاوتين الروحانية والجسمانية، وأما الحقائق في مقام الأمثال فتحكم بلا دليل، فإن قالوا الأبدان تنحل وتؤكل وتستحيل. قلنا القدرة لا يقف بين يديها شيء، على أن الإنسان إنسان بنفسه.

стр. 55

فلو صنع له البدن من تراب غير التراب الذي خلق منه لم يخرج عن كونه هو هو، كما أنه تتبدل أجزاؤه من الصغر إلى الكبر وبالهزال والسمن فإن قالوا لم يكن البدن بدنا حتى يرقى من حالة إلى حالة إلى أن صار لحما وعروفا قلنا قدرة الله لا تقف على المفهوم المشاهد ثم قد أخبرنا نبينا ﷺ أن الأجسام تنبت في القبور قبل البعث. وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزار نا أبو محمد الجوهري نا عمر بن محمد بن الزيات ثنا قاسم بن زكريا المطرز ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال أبيت، قالوا أربعون شهرا؟ قال أبيت، قالوا أربعون سنة قال أبيت، قال ثم ينزل الله ماء من السماء فينبتون كما ينبت البقل، قال وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» - أخرجاه في الصحيحين -. مذهب الفلاسفة وقد لبس إبليس على أقوام من أهل ملتنا فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة كما ينقل من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطا طاليس وجالينوس وهؤلاء كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورا خفية إلا أنهم لما تكلموا في الإلهيات خلطوا ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم.

стр. 56

وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة والرجوع فيها إلى الشرائع (وقد حكي) لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلا فصدقوا فيما حكي لهم عنهم ورفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا المحذورات واستهانوا بحدود الشرع وخلعوا ربقة الإسلام فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء أتراهم ما علموا أنت الأنبياء كانوا حكماء وزيادة. (وما قد حكى) لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال: فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلاالتحير فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات ويتكلم في إنكار بعث الأجساد ولا يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فأضر به فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر حتى قال لي بعضهم أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك وكان يقول أشعارا كثيرة في هذا المعنى فمنها قوله في صفة الدنيا قال: أتراها صنعة من غير صانعأم تراها رمية من رام وقوله: واحيرتا من وجود ما تقدمهمنا اختيار ولا علم فيقتبس كأنه في عماء ما يخلصنامنه ذكاء ولا عقل ولا شرس ونحن في ظلمة ما إن لها قمرفيها يضيء ولا شمس ولا قبس

стр. 57

مدلهين حيارى قد تكنفناجهل يجهمنا في وجهه عبس فالفعل فيه بلا ريب ولا عملوالقول فيه كلام كله هوس ولما كانت الفلاسفة قريبا من زمان شريعتنا والرهبنة كذلك مذ بعض أهل ملتنا يده إلى التمسك بهذه وبعضهم مد يده إلى التمسك بهذه فترى كثيرا من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا وإذا نظروا في باب التزهد ترهبنوا فنسأل الله ثباتا على ملتنا وسلامة من عدونا إنه ولي الإجابة. ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل وهم قوم يقولون إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية هيكلا أعني جرما من الأجرام السماوية هو هيكله ونسبته إلى الروحاني المختص به نسبة أبداننا إلى أروحنا فيكون هو مدبره والمتصرف فيه فمن جملة الهياكل العلوية السيارات والثوابت، قالوا: ولا سبيل لها إلى الروحاني بعينة. فيتقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان. (وقال آخرون منهم) لكل هيكل سماوي شخص من الأشخاص السفلية على صورته وجوهره فعمل هؤلاء الصور ونحتوا الأصنام وبنوا لها بيوتا. وقد ذكر يحيى بن بشر النهاوندي أن قوما قالوا الكواكب السبعة وهي زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر. هي المدبرات لهذا العالم وهي تصدر عن أمر الملأ الأعلى. ونصبوا لها الأصنام على صورتها، وقربوا لكل واحد منها ما يشبهه من الحيوان. فجعلوا لزحل جسما عظيما من الآنك أعمى يقرب إليه بثور حسن يؤتى به إلى بيت تحته محفور

стр. 58

وفوقه الدرابزين من حديد على تلك الحفرة فيضرب الثور حتى يدخل البيت ويمشي على ذلك الدرابزين من الحديد فتغوص رجلاه ويداه هنالك ثم توقد تحته النار حتى يحترق. ويقول له المقربون مقدس أنت أيها الإله الأعمى المطبوع على الشر الذي لا يفعل خيرا قربنا لك ما يشبهك فتقبل منا واكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة: ويقربون للمشتري صبيا طفلا وذلك أنهم يشترون جارية ليطأها السدنة للأصنام السبعة فتحمل وتترك حتى تضع ويأتون بها والصبي على يدها ابن ثمانية أيام فينخسونه بالمسل والإبر وهو يبكي على يد أمه فيقولون له أيها الرب الخير الذي لا يعرف الشر قد قربنا لك من لم يعرف الشر يجانسك في الطبيعة فتقبل قرباننا وارزقنا خيرك وخير أرواحك الخيرة ويقربون للمريخ رجلا أشقر أنمش أبيض الرأس من الشقرة يأتون به فيدخلون في حوض عظيم ويشدون قيوده إلى أوتاد في قعر الحوض ويملأون الحوض زيتا حتى يبقى الرجل قائما فيه إلى حلقه ويخلطون بالزيت الأدوية المقوية للعصب والمعفنة للحم حتى إذا دار عليه الحول بعد أن يغذى بالأغذية المعفنة للحم والجلد قبضوا على رأسه فملخوا عصبه من جلده ولفوه تحت رأسه وأتوا به إلى صنمهم الذي هو على صورة المريخ فقالوا أيها الإله الشرير ذو الفتن والجوائح قربنا إليك ما يشبهك فتقبل قرباننا واكفنا شرك وشر أرواحك الخبيثة الشريرة. ويزعمون أن الرأس تبقى فيه الحياة سبعة أيام وتكلمهم بعلم ما يصيبهم تلك السنة من خير وشر ويقربون للشمس تلك المرأة التي قتلوا ولدها للمشتري ويطوفون بصورة الشمس ويقولون مسبحة مهللة أنت أيتها الآلة النورانية قربنا إليك ما يشبهك فتقبلي قرباننا وارزقينا من خيرك وأعيذينا من شرك. ويقربون للزهرة عجوزا شمطاء ماجنة يقدمونها بين يديها وينادون حولها أيتها الآلهة

стр. 59

الماجنة أتيناك بقربان بياضه كبياضك ومجانته كمجانتك وظرفه كظرفك فتقبليها منا. ثم يأتون بالحطب فيجعلونه حول العجوز ويضرمون فيه النار إلى أن يحترق فيحثون رمادها في وجه الصنم. ويقربون لعطارد شابا أسمر حاسبا كاتبا متأدبا يأتون به بحيلة وكذلك يفعلون بالكل يخدعونهم ويبنجونهم ويسقونهم أدوية تزيل العقل وتحرس الألسنة فيقدمون هذا الشاب إلى صنم عطارد ويقولون أيها الرب الظريف أتيناك بشخص ظريف وبطبعك اهتدينا فتقبل منا ثم ينشر الشاب نصفين ويربع ويجعل على أربع خشبات حوله ويضرم كل خشبة النار حتى تحترق ويحترق الربع معها ويحثون رماده في وجهه. ويقربون للقمر رجلا آدم كبير الوجه ويقولون له يا بريد الآلهة وخفيف الأجرام العلوية. ذكر تلبيسه على عباد الأصنام قال المصنف كل محنة لبس بها إبليس على الناس فسببها الميل إلى الحس والأعراض عن مقتضى العقل ولما كان الحس يأنس بالمثل دعا إبليس لعنه الله خلقا كثيرا إلى عبادة الصور وأبطل عند هؤلاء عمل العقل بالمرة. فمنهم من حسن له أنها الآلهة وحدها ومنهم من وجد فيه قليل فطنة فعلم أنه لا يوافقه على هذا فزين له أن عبادة هذه تقرب إلى الخالق فقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.

стр. 60

ذكر بداية تلبيسه على عباد الأصنام أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو جعفر بن أحمد بن السلم نا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني نا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله الجوهري ثنا أبو علي الحسن بن عليل العنزي: ثنا أبو الحسن علي بن الصباح بن الفرات قال أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الحلبي قال أخبرني أبي قال أول ما عبدت الأصنام كان آدم ﵇ لما مات جعله بنوشيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند ويقال للجبل بوذ وهو أخصب جبل في الأرض. قال هشام فأخبرني أبي عن أبي الصالح عن ابن عباس ﵄ قال فكان بنو شيث بن آدم ﵊ يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه فقال رجل من بني قابيل يا بني قابيل إن لبني شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه وليس لكم شيء فنحت لهم صنما فكان أول من عملها قال: وأخبرني أبي أنه كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم أقاربهم فقال رجل من بني قابيل يا قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أنني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا، فقالوا نعم. فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم فكان الرجل منهم يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول. وعملت على عهد يزد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد تعظيم من القرن الأول. ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فقالوا ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم

стр. 61

يرجون شفاعتهم عند الله ، فعبدوهم وعظموا أمرهم واشتد كفرهم فبعث الله إليهم إدريس ﵊ فدعاهم فكذبوه فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حتى أدرك نوح فبعثه الله نبيا وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعاهم إلى عبادة الله مائة وعشرين سنة فعصوه وكذبوه فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك فعملها وفرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ومكث بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين وسنة. فكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة فلما نضبت الماء بقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها. قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وكان يكنى أبا ثمامة له رئي من الجن. فقال له عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة، ائت صفا جده، تجد فيها أصناما معدة. فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد بها تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات فدفع إليه ودا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل وسمي ابنه عبد ود فهو أول من سمي به. وجعل عوف ابنه عامرا سادنا له فلم يزل بنوه يدينون به حتى جاء الله بالإسلام. قال الكلبي: حدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال وكان أبي يبعثني باللبن إليه ويقول اسق إلهك فأشربه. قال ثم رأيت خالد بن الوليد بعد كسره فجعله جذاذا وكان رسول الله ﷺ بعثه من غزوة تبوك لهدمه فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود وبنو عامر فقاتلهم فقتلهم وهدمه وكسره وقتل يومئذ رجلا من بني عبد ود يقال له قطن بن سريح فأقبلت أمه (وهو مقتول) وهي تقول:

стр. 62

ألا تلك المودة لا تدومولا يبقى على الدهر النعيم ولا يبقى على الحدثان عفرله أم بشاهقة رؤوم ثم قالت: يا جامعا جمع الأحشاء والكبديا ليت أمك لم تولد ولم تلد ثم أكبت عليه فشهقت وماتت. قال الكلبي: فقلت لمالك بن حارثة صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل أعظم ما يكون من الرجال قد دير أي نفس، عليه حلتان متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه شيف قد تقلده وتنكب قوسا وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل يعني جعبتها. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار فدفع إلى رجل من هذيل يقال له الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر سواعا، وكان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر. فقال رجل من العرب: تراهم حول قبلتهم عكوفاكما عكفت هذيل على سواع يظل حياته صرعى لديهغنائم من ذخائر كل راعي وأجابته مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها.

стр. 63

وأجابته همدان فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم يعوق، وكان بقرية يقال لها جوان تعبده همدان ومن والاها من اليمن. وأجابته حمير فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له معدي كرب نسرا وكان بموضع من أرض سبأ يقال له بلخع تعبده خمير ومن والاها. فلم يزالوا يعبدونه حتى هودهم ذو نواس ولم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله محمدا ﷺ فأمر بهدمها. قال ابن هشام وحدثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : رفعت لي النار فرأيت عمرو بن لحي قصيرا أحمر أزرق يجر قصبه في النار قلت من هذا قيل هذا عمرو بن لحي أول من بحر البحيرة ووصل الوصيلة وسيب السائبة وحمى الحام وغير دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان. قال هشام وحدثني أبي وغيره أن إسماعيل ﵊ لما سكن مكة وولد له فيها أولادا فكثروا حتى ملؤا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقست بينهم الحروب والعداوات فأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد والتمسوا المعاش فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصيانة لمكة فحيث ما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها وصيانة للحرم وحبا له وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على أثر إبراهيم وإسماعيل ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ﵉ غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف بعرفة والمزدلفة وإهداء البدن

стр. 64

والإهلال بالحج والعمرة وكانت نزار تقول إذا ما أهلت (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك). وكان أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيب السائبة ووصل الوصيلة عمرو بن ربيعة وهو لحي بن الحارثة وهو أبو خزاعة وكانت أم عمرو بن لحي فهيرة بنت عامر بن الحارث وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة فلما بلغنا عمرو بن لحي نازعه في الولاية وقاتل جرهم بن إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت من بعدهم ثم أنه مرض مرضا شديدا فقيل له أن بالبلقاء من أرض الشام حمة إن أتيتها برئت فأتاها فاستحم بها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال ما هذه فقالوا نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة واتخذت العرب الأصنام. وكان أقدمها مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المسلك بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعا تعظمه والأوس والخزرج ومن نزل المدينة ومكة وما والاها ويذبحون له ويهدون له. قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عامر بن يسار قال: كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ مأخذهم من العرب من أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا أتوه فحلقوا عنده رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك وكانت مناة لهذيل وخزاعة فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فهدمها عام الفتح. ثم اتخذت اللات بالطائف وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مرتفعة وكانت سدنتها من ثقيف وكانوا قد بنوا عليها بناء وكانت قريش وجميع العرب تعظم وكانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات وكانت في موضع منارة

стр. 65

مسجد الطائف اليسرى اليوم فلم يزالوا كذلك حتى أسلمت ثقيف فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات اتخذه ظالم بن أسعد وكانت بوادي نخلة الشامية فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منه الصوت. قال هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال ائت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعتضد الأولى فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئا؟ قال لا. قال فاعضد الثانية فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ فقال هل رأيت شيئا قال لا قال فاعضد الثالثة فأتاها فإذا هو بجنية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصر بأنيابها وخلفها ديبة السلمي وكان سادنها. فقال خالد: يا عز كفرانك لا سبحانكإني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل ديبة السادن ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب. قال هشام: وكان لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها عندهم هبل. وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب. وكان أول من نصبه خذيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان في جوف الكعبة وكان قدامه سبعة أقداح مكتوب في أحدها صريح وفي الآخر ملصق فإذا شكو في مولود أهدوا له هدية ثم ضربوا بالقدح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصقا فدفعوه. وكانوا إذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. وهو الذي قال له أبو سفيان يوم أحد: أعل هبل أي علا دينك. فقال

стр. 66

رسول لله ﷺ لأصحابه ألا تجيبونه فقالوا وما نقول. قال قولوا لله أعلى وأجل. وكان لهم أساف ونائلة قال هشام فحدث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن أساف رجل من جرهم يقال له أساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم وكان يتعشقها في أرض اليمن فأقبلا حجاجا فدخلا البيت فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها في البيت فمسخا فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتة خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب. قال هشام لما مسخا حجرين وضعا عند البيت ليتعظ الناس بهما فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها. وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر في موضع زمزم فنقلت قريش الذي كان ملصق بالكعبة إلى الآخر فكان ينحرون ويذبحون عندهما. وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج وكانت بتبالة بين مكة والمدينة على مسيرة سبع ليالي من مكة وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة. فقال رسول لله ﷺ لجرير رضي لله عنه: «ألا تكفني ذا الخلصة فوجهه إليه فسار بأحمس فقابلته خثعم وباهلة فظفر بهم وهدم بنيان ذي الخلصة وأضرم فيه النار، وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة». وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفين. فلما أسلموا بعث رسول لله ﷺ الطفيل بن عمرو فحرقه. وكان لبني الحارث بن يشكر صنم يقال له ذو الثرى. وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له الأقيصر.

стр. 67

وكان لمزينة صنم يقال له فهم وبه كانت تسمى عبد فهم. وكانت لعنزة صنم يقال له سعير. وكانت لطيء صنم يقال له الفلس. وكان لأهل كل واد من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به وإذا قدم من السفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به. ومنهم من اتخذ بيتا ومن لم يكن له صنم ولا بيت نصب حجرا مما استحس به ثم طاف به وسموها الأنصاب. وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعله ثالثة الأثافي لقدره فإذا ارتحل تركه. فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك ولما ظهر رسول الله ﷺ على مكة دخل المسجد والأصنام منصوبة حول الكعبة فجعل يطعن بسية قوسه في عيونها ووجوهها ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ثم أمر بها فكفئت على وجوهها ثم أخرجت من المسجد فحرقت. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: في زمان يزد برد عبدت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام. أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبيد الله نا أبو الحسين بن بشران نا عثمان بن أحمد الدقاق ثنا جميل ثنا حسن بن الربيع ثنا مهدي بن ميمون. قال سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: لما بعث رسول الله ﷺ فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب، ولحقنا بالنار، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذاك ونأخذه وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا أحمد نا أحمد الحداد نا أبو نعيم

стр. 68

أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا أبو عباس السراج ثنا أحمد بن الحسن بن خراش ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا عمارة المعولي. قال سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه فنحلب عليه فنعبده. وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نلقيه. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا عبد العزيز بن علي الوراق نا أحمد بن إبراهيم ثنا يوسف بن يعقوب النيسابوري نا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يزيد بن هارون نا الحجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان النهدي قال: كنا في الجاهلية نعبد حجرا فسمعنا مناديا ينادي يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا لكم ربا غيره. قال: فخرجنا على كل صعب وذلول فبينما نحن كذلك نطلب، إذا نحن بمناد ينادي إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه قال: فجئنا فإذا حجر فنحرنا عليه الجزر. أنبأنا محمد بن أبي طاهر نا أبو إسحاق البرمكي نا أبو عمر بن حيويه نا أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عمرو ثني الحجاج بن صفوان عن ابن أبي حسين عن شهر حوشب عن عمرو بن عنسبة قال: كنت امرءا ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم آلهة فيخرج الحي منهم فيأتي بأربعة أحجار. فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبد. ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره. أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو الحسن العتيقي نا عثمان بن عمرو بن الميثاب نا أبو محمد عبد الله بن سليمان الفامي ثني أبو الفضل محمد بن أبي هارون الوراق ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي عن شيخ ساكني مكة. قال: سئل سفيان بن عيينة كيف عبدت العرب الحجارة والأصنام. فقال أصل عبادتهم الحجارة إنهم قالوا البيت حجر فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت. وقال أبو معشر: كان كثير من أهل الهند يعتقد الربوبية ويقرون بأن لله تعالى ملائكة إلا أنهم يعتقدونه صورة كأحسن الصور وأن الملائكة أجسام حسان وأنه وملائكته محتجبون بالسماء

стр. 69

فاتخذوا أصناما على صورة الله سبحانه عندهم وعلى صور الملائكة فعبدوها وقربوا لها لموضع المشابهة على زعمهم. وقيل لبعضهم: إن الملائكة والكواكب والأفلاك أقرب الأجسام إلى الخالق فعظموها وقربوا لها ثم عملوا الأصنام. وبنى جماعة من القدماء بيوتا كانت للأصنام فمنها بيت على رأس جبل بأصبهان كانت فيه أصنام أخرجها كوشتاسب لما تمجس وجعله بيت نار. والبيت الثاني والثالث في أرض الهند. والرابع بمدينة بلخ بناه بنو شهر فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ. والخامس بيت بصنعاء بناه الضحاك على اسم الزهرة فخربه عثمان بن عفان ﵁. والسادس بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانة فخربه المعتصم. وذكر يحيى بن بشير بن عمير النهاوندي: أن شريعة الهند وضعها لهم رجل برهمي، ووضع لهم أصناما وجعل لهم أعظم بيوتهم بيتا بالميلتان. (وهي مدينة من مداين السند). وجعل فيه صنمهم الأعظم الذي هو كصورة الهيولي الأكبر. وهذه المدينة فتحت أيام الحجاج وأرادوا قلع الصنم فقيل لهم: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من مال. فأمر عبد الملك بن مروان بتركه فالهند تحج إليه من ألفي فرسخ ولا بد للحاج أن يحمل معه دراهم على قدر ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا ولا أكثر ومن لم يحمل معه ذلك لم يتم حجه. فيلقيه في صندوق عظيم هناك ويطوفون بالصنم. فإذا ذهبوا قسم ذلك المال فثلثه للمسلمين وثلثه لعمارة المدينة وحصونها وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه. [قال الشيخ أبو الفرج ﵀] فانظر كيف تلاعب الشيطان بهؤلاء وذهب بعقولهم فنحتوا بأيديهم ما عبدوه وما أحسن ما عاب الحق أصنامهم فقال: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين

стр. 70

يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾. وكانت الإشارة إلى العباد أي أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان فكيف عبد التام الناقص. ولو تفكروا لعلموا أن الإله يصنع الأشياء ولا يصنع، ويجمع وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به ولا يقوم بها، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه. وما خيل إليهم أن الأصنام تشفع فخيال ليس فيه شبهة يتعلق بها. ذكر تلبيسه على عابدي النار والشمس والقمر قال المصنف: قد لبس إبليس على جماعة فحسن لهم عبادة النار وقالوا هي الجوهر الذي لا يستغني العالم عنه ومن ههنا زين عبادة الشمس. وذكر أبو جعفر بن جرير الطبري: أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس. فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار ويعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار وعبدها، قال الجاحظ: وجاء زرادشت من بلخ وهو صاحب المجوس فادعى أن الوحي ينزل إليه على جبل سيلان فدعى أهل تلك النواحي الباردة الذين لا يعرفون إلا البرد وجعل الوعيد بتضاعف البرد، وأقر بأنه لم يبعث إلا إلى الجبال فقط. وشرع لأصحابه التوضؤ بالأبوال وغيشان الأمهات، وتعظيم النيران، مع أمور سمجة. قال ومن قول زرادشت كان الله وحده، فلما طالت وحدته فكر فتولد من فكرته إبليس. فلما مثل بين يديه وأراد قتله امتنع منه فلما رأى امتناعه ودعه إلى مدة.

стр. 71

قال الشيخ أبو الفرج ﵀: وقد بنى عابدو النار لها بيوتا كثيرة. فأول من رسم لها بيتا أفريدون فاتخذ لها بيتا بطرطوس وآخر ببخارى. واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان. واتخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية بخارى. وبنيت بعد ذلك بيوت كثيرة لها. وقد كان زرادشت وضع نارا زعم أنها جاءت من السماء فأكلت قربانهم. وذلك أنه بنى بيتا وجعل في وسطه مرآة ولف القربان في حطب وطرح عليه الكبريت فلما استوت الشمس في كبد السماء قابلت كوة قد جعلها في ذلك البيت فدخل شعاع الشمس فوقع على المرآة فانعكس علىالحطب فوقعت فيه النار. فقال لا تطفؤا هذه النار. فصل قال المصنف: وقد حسن إبليس لعنه الله لأقوام عبادة القمر ولآخرين عبادة النجوم. قال ابن قتيبة وكان قوم في الجاهلية عبدوا الشعرى العبور وفتنوا بها. وكان أبو كبشة الذي كان المشركون ينسبون إليه رسول الله ﷺ أول من عبدها. وقال قطعت السماء عرضا ولم يقطع السماء عرضا غيرها وعبدها وخالف قريشا فلما بعث رسول الله ﷺ ودعا إلى عبادة الله وترك الأوثان قالوا هذا ابن أبي كبشة أي شبهه ومثله في الخلاف كما قالت بنو إسرائيل لمريم يا أخت هارون أي يا شبيهة هارون في الصلاح وهما شعريان إحداهما هذه والشعرى الأخرى هي الغميضاء وهي تقابلها وبينها المجرة - والغميضاء من الذراع المبسوط في جبهة الأسد وتلك في الجوزاء. وزين إبليس لعنه الله لآخرين عبادة الملائكة وقالوا: هي بنات الله تعالى. تعالى عن ذلك. وزين للآخرين عبادة الخيل والبقر. وكان السامري من قوم يعبدون البقر فلهذا صاغ عجلا. وجاء في التعبير أن فرعون كان يعبد تيسا وليس في هؤلاء من أعمل فكره ولا استعمل عقله في تدبير ما يفعل نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.

стр. 72

ذكر تلبيسه على الجاهلية قال المصنف: ذكرنا كيف لبس عليهم في عبادة الأصنام. ومن أقبح تلبيسه عليهم في ذلك تقليد الآباء من غير نظر في دليل كما قال الله ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ المعنى أتتبعونهم أيضا. وقد لبس إبليس على طائفة منهم فقالوا بمذاهب الدهرية وأنكروا الخالق وجحدوا البعث، الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾. وعلى آخرين منهم: فأقروا بالخالق لكنهم جحدوا الرسل والبعث. وعلى آخرين منهم: فزعموا أن الملائكة بنات الله. وأمال آخرين منهم إلى مذهب اليهود وآخرين إلى مذهب المجوس، وكان في بني تميم منهم زرارة بن جديس التميمي وابنه حاجب. وممن كان يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب عبد المطلب بن هاشم، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وعامر بن الظرب - وكان عبد المطلب إذا رأى ظالما لم تصبه عقوبة قال تالله أن وراء هذه الدار لدارا يجزي فيها المحسن والمسيء. ومنهم زهير بن أبي سلمى وهو القائل: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخرليوم الحساب أو يعجل فينقم ثم أسلم ومنهم زيد الفوارس بن حصن، ومنهم القلمس بن أمية الكناني. كان يخطب بفناء الكعبة وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتى يعظها ويوصيها فقال يوما: يا معشر العرب أطيعوني ترشدوا قالوا: وما ذاك.

стр. 73

قال إنكم تفردتم بآلهة شتى إني لأعلم ما الله بكل هذا راض وإن الله رب هذه الآلهة وإنه ليحب أن يعبد وحده. فتفرقت عنه العرب لذلك ولم يسمعوا مواعظه. وكان فيهم قوم يقولون من مات فربطت على قبره دابته وتركت حتى تموت حشر عليها ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا وممن قاله عمرو بن زيد الكلبي. قال المصنف: وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشرك وإنما تمسك منهم بالتوحيد ورفض الأصنام القليل كقس بن ساعدة وزيد وما زالت الجاهلية تبتدع البدع الكثيرة. فمنها النسيء وهو تحريم الشهر الحرام وذلك أن العرب كانت قد تمسكت من ملة إبراهيم صلوات الله عليه بتحريم الأشهر الأربعة فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب أخروا تحريمه إلى صفر ثم يحتاجون إلى صفر ثم كذلك حتى تتدافع السنة. وإذا حجوا قالوا: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ومنها توريث الذكر دون الأنثى. ومنها أن أحدهم كان إذا مات ورث نكاح زوجته أقرب الناس إليه ومنها البحيرة وهي الناقة تلد خمسة أبطن فإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها وحرمت على النساء. والسائبة من الأنعام كانوا يسيبونها ولا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا. والوصيلة الشاة تلد سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا أو أنثى قالوا وصلت أخاها فلا تذبح وتكون منافعها للرجال دون النساء فإذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء. والحام الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن فيقولون قد حمى ظهره فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عليه. ثم يقولون أن الله أمرنا بهذا فذلك معنى قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾. ثم الله رد عليهم فيما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وفيما أحلوه بقولهم ﴿خالصة لذكورنا

стр. 74

ومحرم على أزواجنا﴾ قال الله تعالى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الأنثيين﴾ المعنى إن كان الله تعالى حرم الذكرين فكل الذكور حرام وإن كان حرم الأنثيين فكل الإناث حرام وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فإنها تشتمل على الذكور والإناث فيكون كل جنين حراما. وزين لهم إبليس قتل أولادهم فالإنسان منهم يقتل ابنته ويغذو كلبه. ومن جملة ما لبس عليهم إبليس أنهم قالوا لو شاء الله ما أشركنا أي لو لم يرض شركنا لحال بيننا وبينه فتعلقوا بالمشيئة وتركوا الأمر ومشيئة الله تعم الكائنات وأمره لا يعم مراداته فليس لأحد أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر ومذاهبهم السخيفة التي ابتدعوها كثير لا يصلح تضييع الزمان بذكرها ولا هي مما يحتاج إلى تكلف ردها. ذكر تلبيس إبليس على جاحدي النبوات قال المصنف: قد لبس على البراهمة والهندوس وغيرهم فزين لهم جحد النبوات ليسد طريق ما يصل من الإله. وقد اختلف أهل الهند فمنهم دهرية ومنهم ثنوية ومنهم على مذاهب البراهمة ومنهم من يعتقد نبوة آدم وإبراهيم فقط وقد حكى أبو محمد النوبختي في كتاب الآراء والديانات أن قوما من الهند من البراهمة أثبتوا الخالق والرسل والجنة والنار وزعموا أن رسولهم ملك أتاهم في صورة البشر من غير كتاب له أربعة أيد واثنتا عشر رأسا من ذلك رأس إنسان ورأس أسد ورأس فرس ورأس فيل ورأس خنزير وغير ذلك من رؤوس الحيوانات وأنه أمرهم بتعظيم النار ونهاهم عن القتل والذبائح إلا ما كان للنار ونهاهم عن الكذب وشرب الخمر وأباح لهم الزنا وأمرهم أن يعبدوا البقر ومن ارتد منهم ثم رجع حلقوا رأسه ولحيته وحاجبيه وأشفار عينيه ثم يذهب فيسجد للبقر في هذيانات يضيع الزمان بذكرها.

стр. 75

قال المصنف: وقد ألقى إبليس إلى البراهمة ست شبهات. الشبهة الأولى: استبعاد اطلاع بعضهم على ما خفي عن بعض فقالوا: ﴿ما هذا إلا بشر مثلكم﴾ والمعنى وكيف طلع على ما خفي عنكم. وجواب هذه الشبهة أنهم لو ناطقوا العقول لأجازت اختيار شخص بشخص لخصائص يعلو بها جنسه فيصلح بتلك الخصائص لتلقف الوحي إذ ليس كل أحد يصلح لذلك وقد علم الكل أن الله ركب الأمزجة متفاوتة وأخرج إلى الوجود أدوية تقاوم ما يعرض من الفساد البدني فإذا أمد النبات والأحجار بخواص لإصلاح أبدان خلقت للفناء ههنا وللبقاء في دار الآخرة لم يبعد أن يخص شخصا من خلقه بالحكمة البالغة والدعاية إليه إصلاحا لمن يفسد في العالم بسوء الأخلاق والأفعال ومعلوم أن المخالفين لا يستنكرون أن يختص أقوام بالحكمة ليسكنوا فورات الطباع الشريرة بالموعظة فكيف ينكرون إمداد الباري سبحانه بعض الناس برسائل ومصالح ووصايا يصلح بها العالم ويطيب أخلاقهم ويقيم بها سياستهم وقد أشار إلى ذلك في قوله : ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾. الشبهة الثانية: قالوا هلا أرسل ملكا فإن الملائكة إليه أقرب ومن الشك فيهم أبعد والآدميون يحبون الرياسة على جنسهم فيوقع هذا شكا وجواب هذا من ثلاثة أوجه: أحدهما أن في قوى الملائكة قلب الجبال والصخور فلا يمكن إظهار معجزة تدل على صدقهم لأن المعجزة تدل على صدقهم لأن المعجزة ما خرقت العادة وهذه العادة الملائكة وإنما المعجزات الظاهرة ما ظهرت على يد بشر ضعيف ليكون دليلا على صدقه. والثاني أن الجنس إلى الجنس أميل فصح أن يرسل إليهم من جنسهم لئلا ينفروا وليعقلوا عنه ثم تخصيص ذلك الجنس بما عجز عنه دليل على
следующие страницы →