← Сира

Сира · id 11425

مرويات غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (350 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الخامس: إسلام الحارث بن أبي ضرار بعد أن ساق ابن هشام حديث ابن إسحاق من طريق عائشة المصرح بأن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها١. عقب قوله: قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش٢ دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار، بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي ﷺ ، وقال: يا محمد؟ أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ : "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلاَّ الله"، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبي ﷺ ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله ﷺ ، إلى أبيها، فزوجه إياها وأصدقها أربع مئة درهم٣. وأكد السهيلي نسبة هذا القول إلى ابن هشام٤. قلت: هذا لا يقاوم حديث عائشة. لأنه لا إسناد له، وقد صدر (بيقال) الدالة على الضعف.

стр. 107

وممن وقع في هذا الخطأ محمد الغزالي١. فرد عليه الألباني بقوله: "هذا غير صحيح، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد، وصدرها بقوله: (ويقال) " ثم قال الألباني أيضاً: "والصحيح أنه ﷺ قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها، فإنها كانت أسيرة، كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة ﵂، ومن طريقة أخرجه أحمد وابن هشام، وفي حديثهما (إطلاق الأسرى) "٢ انتهى قلت: وأخرجه من هذه الطريقة أبو داود أيضاً كما تقدم٣. وقال عقبة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه". وهذا يرد ما ذكره ابن هشام من أن رسول الله ﷺ خطبها من أبيها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم، على أنه قد نسب ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر لابن إسحاق نحو ما ذكر ابن هشام، وليس فيه ذكر الزواج بعد قدوم الحارث إلى المدينة. وهذا نصه: قال ابن إسحاق: "تزوج النبي ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، وذكر الخبر، وفيه: "فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار لفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ : "فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلا الله"، فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان وناس من قومه٤.

стр. 108

ولفظ ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق في المغازي أن الحارث بن أبي ضرار، ولد جويرة، جاء إلى المدينة ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول بي ضرار والد جويرية جاء إلى المدينة، ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول الله ﷺ "، ثم ساق القصة١. فهذا يدل دلالة واضحة أن الحارث لم يكن موجوداً وقت العقد وأن قدومه إلى المدينة كان بعد زواج جويرية، وهذا هو ما دل عليه حديث عائشة ﵂. وقد تقدم قول أبي داود عقب حديث عائشة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه"٢. فهذا مما يؤكد لنا سقوط هذه القصة التي ذكرها ابن هشام بصيغة التمريض محذوفة السند. والصحيح في هذا أن مجيء الحارث كان سبباً في إسلامه، ولا يبعد أنه طلب ابنته كما دل عليه حديث ابن إسحاق، ولكنه لم يمكن من ذلك٣. وقد ورد ما يدل على أن رسول الله ﷺ قال لأبيها: اذهب إليها فخيرها، فإن أرادت أن تذهب معك فخذها، فهذا لا يستبعد لعلم الرسول ﷺ أنها لا تختار عليه أحداً، وأن ذلك يكون أدعى لتمكن الحارث من الإسلام، لما فيه من حسن المعاملة ومما دل على هذا ما رواه ابن سعد وغيره من مرسل أبي قلابة، أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي٤ قال:

стр. 109

حدثنا عبيد الله١ بن عمرو عن أيوب٢ عن أبي قلابة٣: "أن النبي ﷺ سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها، قال: "أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا؟ ". قال: بلى وأديت ما عليك، قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا، فقالت: فإني قد اخترت رسول الله ﷺ ، قال: قد والله فضحتنا٤. وأخرجه خليفة: قال أخبرنا عبد الوهاب٥ بن عبد المجيد، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن رسول الله ﷺ سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها فقال: "إن ابنتي لا تسبى" الحديث٦. وأورده ابن حجر في التهذيب من طريق ابن سعد في ترجمة جويرية، وقال: هذا مرسل صحيح الإسناد٧. وأورده في الإصابة دون أن ينسبه إلى ابن سعد وصحح إسناده أيضاً، ونصه: عن أبي قلابة قال: سبى النبي ﷺ جويرية – يعني

стр. 110

وتزوجها - فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: "أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ " قال: بلى، فأتاها أبوها فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله. ثم قال: وسنده صحيح١. قلت: الظاهر في هذا الباب هو ما أفاده حديث عائشة من أن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها وهو صريح في ذلك، مع أن ما نسب لابن إسحاق، وكذا مرسل أبي قلابة، ليسا نصاً في أن رسول الله ﷺ دفع إلى الحارث ابنته ثم تزوجها منه بعد ذلك وإنما فيه مجرد مجيء الحارث يطلب فداء ابنته، وأمر الرسول الله ﷺ بتخييرها. ولسنا بحاجة إلى تلمس التوفيق بين حديث ساقط لا إسناد له. وحديث عائشة الصحيح، ومن هنا يتحتم القول بما في حديث عائشة لثبوته ولا ينظر إلى ما عداه من الروايات الضعيفة. وخلاصة القول أن هذه الآثار تدل بمجموعها على قدوم الحارث بعد الوقعة. وكان ذلك سبباً في إسلامه، وهو ما دل عليه الحديث الآتي عند أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن سابق٢،ثنا عيسى٣ بن دينار، ثنا أبي٤ أنه سمع

стр. 111

الحارث١ بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه٢، وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله ﷺ أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل رسول الله ﷺ ، رسولاً لأبان٣ كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبَّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة٤ من الله ورسوله، فدعا سروات٥ قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله، إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فرق٦ فرجع فأتى رسول الله ﷺ ، وقال:

стр. 112

يا رسول الله إن الحارث منعني من الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه فلما غشيهم١، قال لهم: إلى من بعثتم، قالوا إليك، قال، ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة٢ ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ ، وخشيت أن تكون كانت سخطة من الله ، ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَضْلاً مِنَ الله وَنِعْمَة والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ". [سورة الحجرات، الآيات ٦-٨] ٣. ورواه من هذه الطريق ابن الأثير في ترجمة الحارث وقال: أخرجه الثلاثة٤، إلا أن أبا عمر قال: الحارث ابن ضرار، وقيل: ابن أبي ضرار، وقال: أخشى أن يكونا اثنين والله أعلم٥. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، إلا أن الطبراني قال: الحارث بن سرار٦، وبدل (ضرار) ثم قال الهيثمي: "ورجال أحمد ثقات"٧.

стр. 113

وقال ابن كثير: "ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية١ نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق وقد روى ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، ثم ساق الحديث بإسناد أحمد". ثم قال عقبه: "ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب الحارث بن ضرار"٢. وأورده ابن حجر في الإصابة مقتصراً على ما يأتي: وروى أحمد والطبراني ومطين٣ وابن سكن٤ وابن مروديه٥ من طريق عيسى بن دينار المؤذن عن أبيه أنه سمع الحارث ابن أبي ضرار يقول قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، فذكر حديثاً طويلاً فيه قصة الوليد بن عقبة إذ جاء إليه مصدقاً ونزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦. وقال السيوطي: "أخرج أحمد وابن حاتم والطبراني

стр. 114

وابن منده١ وابن مردويه بسند عن الحارث بن ضرار٢ الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة الحديث"٣. وفي لباب النقول قال: "وحديث أحمد رجال إسناده ثقات"٤. الحكم على الحديث: قال الهيثمي: "بأن رجال أحمد ثقات". ووصفه السيوطي: "بأنه بسند جيد، وبأن رجال إسناد أحمد ثقات". ولكن الحديث بجميع طرقه يدور على دينار الكوفي ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان وهو متساهل في التوثيق ولذا فإن ابن حجر لم يعتبر توثيقه لدينار المذكور، ووصفه بأنه (مقبول) . (والمقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فلين الحديث٥. ولعل الهيثمي اعتمد على توثيق ابن حبان، وتابعه السيوطي على ذلك. والظاهر أن الحديث حسن لغيره للشواهده المتقدمة٦ عن ابن إسحاق وكذا مرسل أبي قلابة عند ابن سعد وغيره في قدوم الحارث إلى المدينة لفداء ابنته وإسلامه. ويشهد له أيضاً ما يأتي من الأحاديث الواردة في بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجبي الزكاة وقدوم وفد بني المصطلق بعده٧.

стр. 115

وقد حسن المباركفوري حديثاً فيه دينار الكوفي وهو ما رواه أبو داود والترمذي في كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعاً وعشرين من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود١. قال المباركفوري: سكت عليه أبو داود والمنذري وابن حجر، ثم قال: "والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن".انتهى٢. وقد تتبعت رجال الحديث فوجدتهم ثقات ما عدا ديناراً الكوفي. وبهذا التقرير يكون الحديث على أقل تقدير حسناً لغير. وهو نص في أن الحارث بن أبي ضرار لم يعلم بقدوم الوليد بن عقبة إليه، وأن الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق بعد رجوع الوليد، لم يصل إلى ديار بني المصطلق، وإنما وجده الحارث خارجاً من المدينة فلما علم وجهتهم حلف أن الوليد لم يصل إليه ثم رجع الجيش والحارث جميعاً إلى المدينة وهذا يرد على ما رواه ابن جرير الطبري: حدثنا بشر٣ قال حدثنا يزيد٤ قال ثنا سعيد٥ عن قتادة٦ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، الآية قال: "هو الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق مصدقاً٧ فلما أبصروه وأقبلوا نحوه

стр. 116

هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى آتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالد أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى النبي ﷺ ، فأخبره الخبر فأنزل الله ، ما تسمعون١، فكان نبي الله ﷺ يقول: "التبين من الله، والعجلة من الشيطان"٢. والحديث مرسل. تنبيه: ذكر الصابوني في روائع البيان نقلاً عن الفخر الرازي قوله: "ما ذكره المفسرون من أن هذه الآيات نزلت في (الوليد بن عقبة) حين بعث إلى بني المصطلق الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبيت من خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهو ضعيف، لأن الوليد لم يتقصد الإساءة إليهم، وحديث أحمد يدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنها خرجت لحربه فرجع وأخبر رسول الله ﷺ بما أخبره ظنًا منه أنهم خرجوا لقتاله، إلى أن قال: ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ (الفسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقًا٣، وختم ابن حجر ترجمته بقوله: والرجل قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت والله أعلم٤.

стр. 117

المبحث السادس: إسلام بني المصطلق وأداؤهم الزكاة ١- مرَّ بنا في هذا حديث أحمد في قدوم الحارث بن أبي ضرار إلى المدينة متبرئًا مما نسبه إليه الوليد بن عقبة من منع الزكاة وإرادتهم قتله١. ٢- ما رواه ابن إسحاق: حدثني يزيد٢ بن رومان: أن رسول الله ﷺ ، بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد٣ بن عقبة أبي معيط، فلمَّا سمعوا به، ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همَّ رسول الله ﷺ ، بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك، قدم وفدهم على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ، [سورة الحجرات، من الآيات: ٦-٨] ، إلى آخر الآية٤. والحديث مرسل. وأورده الطبري من هذه الطريق في تفسيره٥.

стр. 118

كما أورده أيضاً من طرق أخرى غير طريق ابن إسحاق، منها: ١- من حديث أم سلمة، وهذا نصه: حدثنا أبو كريب١ قال: ثنا جعفر بن عون٢ عن موسى٣ بن عبيدة، عن ثابت٤ مولى أم سلمة، عن أم سلمة٥ قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلاً في صدقات بني المصطلق، بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول الله ﷺ ، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قال فبلغ القوم رجوعه، قال: فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلاً مصدقاً، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون غضباً من الله ورسوله، فلم يزالوا يكلّمونه حتى جاء بلال، وأذّن العصر، قال: ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦. ٢- من حديث ابن عباس ﵄ وهذا نصه:

стр. 119

حدثني محمد١ بن سعد، قال: ثني أبي٢، قال: ثني عمي٣ قال: ثني أبي٤، عن أبيه٥، عن ابن عباس: في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وأنه أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليتلقّوا رسولَ رسولِ الله ﷺ ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. الحديث٦ ... ٣- من مرسل ابن أبي ليلى، هذا لفظه: حدثنا محمد٧ بن بشار، قال ثنا عبد الرحمن٨، قال: ثنا سفيان٩ عن

стр. 120

هلال الوزان١ عن ابن أبي ليلى٢، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: نزلت في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط٣. ٤- من مرسل قتادة، ولفظه: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، في قوله، تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: هو ابن أبي معيط الوليد ابن عقبة، بعثه النبي ﷺ مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. الحديث٤. وقد تقدّم٥. الحكم على هذه الأحاديث: هذه الأحاديث الواردة في إرسال الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق مصدقاً، ونزول الآية المذكورة من سورة الحجرات، لا يخلو كل حديث منها عن ضعف وذلك لما يأتي: أ- حديث أم سلمة فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وفيه ثابت مولى أم سلمة وهو مجهول، لأنني لم أجد من ترجم له غير

стр. 121

ابن أبي حاتم، ولم يزد في ترجمته على قوله: روى عن أم سلمة وروى عنه موسى بن عبيدة الربذي. ب- وحديث ابن عباس مسلسل بالضعفاء. ج- والأحاديث الباقية مراسيل، وعلى هذا فهذه الأحاديث لا يسلم واحد منها عن قدح، غير أن اختلاف مخرج المرسل يدل على أن للحديث أصلاً، فإذا انضم بعضها إلى بعض تقّوت وارتقت إلى درجة الحسن لغيره. وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح في مقدمته بقوله: ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر١. وهنا قد وجد هذا الشرط الذي أوضحه ابن الصلاح، إذ أن ابن إسحاق أورده من مرسل يزيد بن رومان. وأورده ابن جرير الطبري من مرسل ابن أبي ليلى، وقتادة ومجاهد٢. وقال ابن كثير: "ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضّحاك٣ ومقاتل٤ بن حيان وغيرهم، في هذه الآية، أنها نزلت في الوليد ابن عقبة"٥. فهذا الحديث قد ورد من ثلاثة طرق مرفوعة، وهي حديث أحمد في قدوم الحارث ابن أبي ضرار المدينة، وإسلامه، وحديث أم سلمة وابن عباس.

стр. 122

كما ورد من خمس طرق مرسلة. ولذلك قال الشوكاني: بعد إيراده حديث أحمد في قدوم الحارث المدينة، "قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية". ثم قال الشوكاني: "وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أن سبب نزول هذه الآية. الوليد بن عقبة، وأنه المراد بها، وإن اختلفت القصص"١ قلت: ويؤيد ما تقدّم، ما ذكر ابن عبد البر من اتفاق العلماء بالتأويل على أن هذه الآية نزلت في الوليد٢. وبهذا نكون قد انتهينا إلى أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لغيره.

стр. 123

المبحث السابع: التحقيق في عمر الوليد بن عقبة عام الفتح اتفق الذين ترجموا له أنه أسلم عام فتح مكة، وأنه خرج زمن هدنة الحديبية مع أخيه١ ليردّا أختهما أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت مهاجرة إلى المدينة، وكان من الشروط التي وافق عليها رسول الله ﷺ أن من جاء منهم إلى الرسول الله ﷺ يردّه عليهم، حتى نزلت الآية٢ التي أخرجت النساء من هذا الشرط٣.

стр. 124

قلت: هذا يرد قول من قال: بأن الوليد بن عقبة كان زمن فتح مكة صبياً مخلقاً١ وأنه جيء به إلى النبي ﷺ : ليمسح رأسه ويدعو له كما فعل بغيره من الصبيان، فامتنع بسبب الخلوق الذي خلقته أمه به، وعمدتهم في ذلك هو: ما رواه أبو داود: حدثنا أيوب٢ بن محمد الرقي، ثنا عمر٣ بن أيوب بن جعفر٤ بن برقان، عن ثابت٥ بن الحجاج، عن عبد الله٦ الهمداني، عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح نبي الله ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم البركة، ويمسح رؤوسهم، قال: فجيء بي إليه، وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق٧. ورواه أحمد من طريق فياض٨ بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان به٩.

стр. 125

وأخرجه البيهقي من طريق أحمد ومن طريق يونس بن بكير، عن جعفر بن برقان به١. فالحديث بجميع طرقه يدور على عبد الله الهمداني وقد قال فيه ابن عبد البر: "هذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى الهمداني، ويقال الهمداني، ذكره البخاري على الشك، عن الوليد بن عقبة، وقالوا: أبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب، لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقاً في زمن النبي ﷺ صبياً يوم الفتح، ويدل أيضاً على فساد ما رواه أبو موسى المجهول، أن الزبير٢ وغيره من أهل مكة بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة بين النبي ﷺ وبين أهل مكة، وقد ذكرنا الخبر في ذلك باب أم كلثوم، ومن كان غلاماً مخلقاً يوم الفتح، ليس يجيء منه مثل هذا، وذلك واضح"٣. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله٤ الحافظ، ثنا أبو العباس٥، ثنا أحمد بن عبد الجبّار٦، ثنا يونس٧ عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري٨ وعبد الله٩ بن أبي بكر قالا: هاجرت أم كلثوم بنت

стр. 126

عقبة بن أبي معيط إلى رسول ﷺ عام الحديبية، فجاء أخواها الوليد وفلان ابنا عقبة إلى رسول ﷺ يطلبانها، فأبى أن يردّها عليهما١. قلت: الحديث مرسل، لأن الزهري وعبد الله بن أبي بكر، لم يحضرا القصة ولكن يشهد له الحديث عند البخاري غير أنه قال: وجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم. وهذا نصه: حدثنا يحي٢ بن بكير حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان٣ والمسور٤ بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو ويومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ ، أن لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا٥ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرّد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحمد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً. وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول ﷺ يومئذ - وهي عاتق٦ - فجاء أهلها

стр. 127

يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم، لما أنزل الله فيهن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ ،١- إلى قوله - ﴿وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٢. قال ابن حجر: "هذا الحديث من مسند من لم يسم من الصحابة، ولم يصب من أخرجه من أطراف في مسند المسور أو مروان، لأن مروان لا يصح له سماع من النبي ﷺ ، ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه ﷺ ، لكنه، إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين"٣. قلت: لا يضر هنا الإبهام ولا الإرسال لأننا عرفنا أن المبهم أو المحذوف صحابي قطعاً. والصحابة كلهم عدول. والخلاصة في هذا أن الراجح في إسلام الوليد أنه يوم فتح مكة وأنه كان قد ناهز الاحتلام كما قال ابن عبد البر، وأما الحديث الذي فيه أن الوليد كان يوم فتح مكة طفلاً مخلقاً وأن رسول الله ﷺ امتنع من المسح على رأسه لوجود الخلوق فهو حديث ضعيف لا يعول عليه. لأن الذي يخرج في زمن هدنة الحديبية يرد أخته وكان ذلك في السنة السادسة، فلا يمكن أن يكون في فتح مكة طفلاً مخلقاً. وقال ابن حجر: ومما يؤيد أنه كان في الفتح رجلاً أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحارث بن أبي وجزة بن أبي عمرو بن أمية، وكان أسر يوم بدر فافتداه بأربعة آلاف. حكاه أصحاب المغازي٤. مع أنه يمكن أن يكون الخلوق

стр. 128

في يده كما ورد ذلك في أخيه عمارة أن رسول الله ﷺ لما جاء عمارة يريد مبايعته عام الفتح فقبض رسول الله ﷺ يده، قال: فقال بعض القوم: إنما يمنعه هذا الخلوق الذي في يدك، قال: فذهب فغسله، ثم جاء فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.

стр. 129

المبحث الثامن: موقف بني المصطلق بعد الغزوة لقد صار بنو المصطلق بعد الغزوة دعاة إلى الله ، منضمّين تحت لواء رسول الله ﷺ ، وأصبحوا محل عناية واحترام بين المؤمنين، إذ كان زواج رسول الله ﷺ منهم رفعة لهم، وإعلاء لشأنهم، ومنزلتهم، فكان لهذه المصاهرة، أثرها الفعّال في نفوس المسلمين، حتى أطلق المسلمون ما بأيديهم من أسرى بني المصطلق، وكبر عليهم استرقاقهم، بعد أن صاروا أصهار رسول الله ﷺ ، وقد كان لهذه المعاملة الحسنة من رسول الله ﷺ وصحبه الكرام لأسرى بني المصطلق أثر جميل في قلوب بني المصطلق، فسارعوا إلى الإسلام واعتنقوه عن الإيمان راسخ وقناعة كاملة، ورأوا أن مثل هذه الأخلاق الكريمة لا يمكن أن تصدر إلا من نبي، لأن القوم يعرفون تاريخ الحروب القبلية وما يحصل فيها من فتك ونهب، وسلب، وكان الشعار المعروف لديهم "من عز بز"١. وأنه لا مكان في عرف القوى الجاهلية للمغلوب المنهزم، ولا للضعيف

стр. 130

المنكوب، فحين غزاهم رسول الله ﷺ وهزمهم، كانت معاملته لهم بعد الهزيمة على خلاف ما كان يتوقّعه هؤلاء القوم، فقد عاملهم بالرفق واللين، وتزوج ابنة شريفهم لجبر خاطرها وردّ اعتبارها إليها وإلى قومها، وانطلق المسلمون يفكون أسراهم حين انتشر خبر زواجه ﷺ من جويرية، فلم يعد يحسن استرقاق أصهار رسول الله ﷺ ، وكم كان لهذا الصنيع الإسلامي من جميل الأثر وعظيم الوقع في نفوس بني المصطلق جميعاً فلم يكن موقف هؤلاء بعد هذه الغزوة إلا الانضمام فوراً لكتائب الإسلام المجاهدة وبذل المج والأرواح لنشر هذه المبادئ الإسلامية السامية، التي شملتهم بعطفها وحنانها وذاقوا حلاوة المعاملة الإنسانية الرفيعة تحت توجيهات نبيهم ﷺ ومما يدل على حسن إسلام هذه القبيلة، وما كان لها من دور فعّال في سبيل الدعوة إلى الإسلام وإعلاء كلمة الله ما رواه أحمد والبيهقي أن الحارث بن أبي ضرار قدم على رسول الله ﷺ المدينة المنورة معلناً إسلامه فقال: يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي منهم جمعت زكاته، إذا كان وقت كذا وكذا، أرسل إلي رسولك كان وقت كذا وكذا أرسل إلي رسولك ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما بلغ الوقت الذي أراد من رسول الله ﷺ أن يبعث إليه من يأتيه بالزكاة، لم يأت أحد، فشق ذلك عليه وظن أنه قد حدث سخطة، من الله ورسوله، فدعا بسروات قومه، وقال لهم: إن رسول الله ﷺ وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، كانت فلننطلق لإلى المدينة، وكان رسول الله ﷺ بعث إليهم الوليد بن عقبة، فلما وصل إلى بعض الطريق رجع، وقال: يا رسول الله ﷺ إن الحارث منعني الزكاة وهم بقتلي، فأمر رسول الله ﷺ الجيش بالذهاب إلى الحارث ولما وصل الحارث المدينة دخل على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "بعثت إليك الوليد فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله"، فحلف الحارث بالله ما رأيته، ولا أتاني، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين فَضْلاً مِنَ اللَّهِ

стр. 131

وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، [الحجرات، الآيات:٦-٨] ١. فهذه الرواية توضح حسن إسلام بني المصطلق وحرصهم على طاعة الله ورسوله ﷺ ، بأدائهم الزكاة التي يشق على العرب دفعها، مما يدل على حسن إسلامهم أيضاَ تكريم الله بإنزاله قرآناً في تصديقهم، ويدل الحديث كذلك على ما قامت به هذه القبيلة من خدمات جليلة للإسلام، فلقد كان بنو المصطلق عام الفتح ضمن الكتائب الإسلامية الزاحفة نحو مكة وكان رسول الله ﷺ قد أرسل إليه بشر٢ بن سفيان وبديل٣ بن ورقاء يستنفرانهم، ولما بلغ رسول الله ﷺ قديداً من بلاد بني المصطلق عبأ الجيش وعقد الألوية، واجتمع إليه من كان تخلّف من القبائل، ودخلت خزاعة في خمسمائة مقاتل من ضمنهم بنو المصطلق وعقد لهم رسول الله ﷺ ثلاثة ألوية بقيادة ثلاثة من أبطالهم وهم: عمرو٤ بن سالم، وبشر بن سفيان، وأبو شريح٥ الكعبي خويلد بن عمرو، وهكذا ظل بنو المصطلق دعاة إلى الله ومجاهدين لإعزاز الإسلام ونصرته. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

стр. 132

الباب الثاني: النفاق وأثره السيء الفصل الأول: دور المنافقين في المجتمع الإسلامي قبل غزوة المريسيع المبحث الأول: ظهور المنافقين ... المبحث الأول: ظهور النفاق قبل الحديث عن ظهور النفاق وأثره في المجتمع الإسلامي يحسن بي أن أعطي نبذة عن تعريف النفاق لغة وشرعاً، فأقول: أ- النفاق لغة: ضرب من التمويه والستر والتغطية، وحقيقته: إظهار شيء وإبطان ضده. مشتق من النافقاء أحد جحرة١، اليربوع٢، يكتمها ويظهر غيرها، فإذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه. ب- وشرعا: هو إظهار الإيمان وستر الكفر. والنفاق وما تصرف منه لم يكن معروفا عند العربية في الجاهلية بهذا

стр. 133

المعنى وإن كان أصله في اللغة معروفا، يقال نافق ينافق منافقة ونفاقا. وإنما هو اسم إسلامي أطلق على من أظهر الإيمان وستر الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، لأن المنافق لما أبطن الكفر وأظهر الإيمان، وورى بشيء عن شيء، ودخل في باب الخديعة وأوهم الغير خلاف ما هو عليه أشبه في ذلك فعل اليربوع. والمعنيان اللغوي والشرعي متلازمان، إذ إن كلا من اليربوع، والمنافق اتخذ التمويه والتلبيس ذريعة إلى ستر الحقيقة وإظهار خلاف الواقع، فوسيلة كل منهما المكر والكيد والخداع، والتضليل وقلب الحقائق، فإذا طلب من جهة فر إلى جهة أخرى ونجا بحيلته ودهائه١. ولما وصل رسول الله ﷺ المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، واستقبله المسلمون بحرارة الإسلام وعاطفة الإيمان الجياشة، ورأى عبد الله بن أبي ابن سلول ومن شايعه من اليهود وغيرهم، ما قوبل به الرسول ﷺ والمهاجرون من حفاوة وإعزاز، ساءهم ذلك، وأخذوا يناوئون الإسلام ويعرقلون سيره، ويترصون الدوائر بالمسلمين. أما اليهود فذلك دأبهم وديدنهم لأنهم لا يريدون للبشرية خيرا، بل يريدون أن تظل السعادة والسيادة فيهم، لأنهو شعب الله المختار في زعمهم. وأما عبد الله بن أبي فإنه لم تخسر شخصية مكانتها في المدينة بمقدم نبي الإسلام، خسارته، ذلك أن الرجل كان ينظم له الخرز ليتوج ملكا على الأوس والخزرج، كما سيأتي ذلك واضحا في حديث أسامة بن زيد٢ وكان ذلك من أقوى الأسباب التي صرفته عن اعتناق الإسلام، بصدق وإخلاص. وكان دخوله في الإسلام ظاهرا بعد غزوة بدر الكبرى٣

стр. 134

وهذا أمر طبيعي فإنه يريد أن ينظر في هذا الأمر الجديد، فإن اندحر فقد خلص منه، وهذا غاية مناه، وإن حصلت به العزة والمنعة، سالمه، وهذا ما حصل بالفعل، فقد قويت شوكة الإسلام، وأخذت صخرة الكفر تتحطم تحت جحافل المسلمين، خاصة في معركة بدر الكبرى، فلما رأى عبد الله بن أبي أن لا قبل له بمقاومة الإسلام علانية عمد إلى وسيلة أخرى هي طعن الإسلام في السر والخفاء، فتظاهر بالإسلام ليحقن دمه وليقضي بذلك كثيرا من مآربه، "فكان أول ظهور النفاق، في المدينة بدخول هذا المنافق في الإسلام ظاهرا" وهو شخص متبوع، فشايعه على ذلك أتباعه من المنافقين، فكان يقوم بعليمهم النفاق، وقد كان لهذا العدو الخفي، أضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين، ومواقف ابن أبي وأتباعه من دعوة الإسلام تنبئ عن أخطارهم التي لا تقف عند حد. ولكن الله خيب سعيهم وأحبط أعمالهم، ورد كيدهم في نحورهم، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ، [سورة الصف الآية: ٨] .

стр. 135

المبحث الثاني: موقف المنافقين قبل بدر الكبرى لقد دخل الإسلام المدينة المنورة، قبل مقدم الرسول ﷺ إليها، وانتشر في ربوعها، وأصبح سكانها يرددون حديث الإسلام، ويلهجون بذكره في منتدياتهم ومجالسهم العامة والخاصة، منشرحين لهذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وحباهم به. ثم ازداد فرحهم وغبطتهم بمقدم النبي ﷺ ، فالتفوا حوله يتلقون منه نور الإيمان ومبادئ الإسلام، فجمعهم الله به بعد الفرقة، وسادت بينهم المودة والإخاء بعد أن كانوا أعداء متناحرين متدابرين، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى

стр. 136

شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣] . غير أن مرض الحسد والخبث حال بين ضعفاء النفوس وبين الدخول في هذا الدين الحنيف، وعلى رأس هذا الفريق عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي رأى أن رسول الله ﷺ سلبه عزه ومجده، إذ كان مقدمه ﷺ والأوس والخزرج ملتفون حوله، وقد باشروا نسج الخرز ليتوجوه ويرئسوه عليهم، فكان مقدم الرسول ﷺ قاطعا لدابره، إذ لم يتم له ما كان يحلم به من الرياسة والسيادة، ولما فقد مكانته في المجتمع وحرم من المنصب القيادي الذي كان يحلم به رأى أن السبب الوحيد في ذلك هو رسول الله ﷺ ، وما جاء به، فامتلأ قلبه غيظا وحقدا وحسدا على النبي ﷺ وصار يحارب الإسلام سرا وعلانية مع من انضم إليه من مرضى القلوب من قومه وغيرهم وحلفائه من اليهود القاطنين في المدينة آنذاك١. فكانوا يدا واحدة في عداوة الإسلام وأهله.

стр. 137

وعبد بن حميد١ و (اللفظ لابن رافع) قال ابن رافع حدثنا: وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق٢ أخبرنا معمر٣ عن الزهري عن عروة أن أسامة ين زيد أخبره: أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف٤ تحته قطيفة فدكية٥، وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة٦ الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ القرآن، فقال عبد الله بن أبي: "أيها المرء لا أحسن٧ من هذا إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع

стр. 138

إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه"، فقال عبد الله بن رواحة: "إغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك"، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم، ثم ركب دابته، حتى دخل على سعد ابن عبادة فقال: "أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب (يريد عبد الله بن أبي) " قال كذا وكذا، قال: "اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة١ أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة٢ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق٣ بذلك فذلك فعل به ما رأيت"، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم٤. وحدثني محمد بن رافع حدثنا حجين٥

стр. 139

(يعني ابن المثنى) حدثنا ليث١ عن عقيل٢ عن ابن شهاب في هذا الإسناد بمثله. وزاد: وذلك قبل أن يسلم عبد الله٣٤.

стр. 140

المبحث الثالث: موقف المنافقين بعد بدر الكبرى فعند البخاري: من حديث أسامة المتقدم١: "فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه٢، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام، فأسلموا"٣. وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبي، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق

стр. 141

المسلمون وهي أرض سبخة١، فلما أتاه النبي ﷺ قال: "إليك عني فوالله آذاني نتن ٢ حمارك"، قال: فقال رجل٣ من الأنصار والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابهن قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ٤. فهذا الحديث بظاهره يخالف حديث أسامة بن زيد لأن في حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ خرج من بيته قاصدا عيادة سعد بن عبادة، وفي حديث أنس بن مالك: أنه ﷺ دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي ابن سلول. وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: "يحتمل اتحادهما بأن يكون الباعث له ﷺ عيادة سعد بن عبادة، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي، فقيل له حينئذ لو أتيته فأتاه". قال: "ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه"، ثم قال ابن حجر: "وقد استشكل ابن٥ بطال نزول الآية المذكورة في حديث أنس وهي قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ، في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان

стр. 142

مع النبي ﷺ من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارا، فكيف ينزل فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن في رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون". ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يحمل على التغليب، ثم قال: مع أن فيها إشكالا من جهة أخرى وهي: أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه، والآية المذكورة، في الحجرات، ونزولها متأخر جدا، كان في وقت مجيء الوفود، ثم أجاب عن هذا الإشكال بقوله: لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح، نزلت قديما فيندفع الإشكال"١. تلك نبذة من مواقف عبد الله بن أبي قبل أن يعلن إسلامه ظاهرا، ثم بدا له أن يظهر إسلامه في أعقاب غزوة بدر، لأن شوكة المسلمين قويت، وأصبحت مصالح عبد الله بن أبي مرهونة بأن يظهر إسلامه، وتبعه على ذلك بقية المنافقين. ولكن عداوتهم للإسلام وإضمارهم الشر للمسلمين لم تتغير، فمازالوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وينتهزون الفرص المواتية للانقضاض عليهم، متعاونين في ذلك مع اليهود، يوضح ذلك انحيازهم إلى جانب يهود بني قينقاع٢، الذين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ بأن لا يعتدي أحد الجانبين على الآخر، ولكن اليهود لم يلتزموا بهذا العهد الذي أقروه على أنفسهم. فقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: "يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم

стр. 143

قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم"، قالوا: "يا محمد إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس". ثم ساق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ١ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران، الآيتان:: ١٢- ١٣] ٢. والحديث بهذه الطريق أخرجه أبو داود في سننه٣. وحسن إسناده الحافظ ابن حجر٤. وهناك سبب آخر ذكره ابن هشام بسند مرسل أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، فهذان سببان ذكرا في قصة نقض بني قينقاع العهد المبرم بينهم، وبين المسلمين، وكل منهما كاف في ضرب هذه الشرذمة من اليهود، وقد كان صنيعهم هذا مستوجبا ما عاملهم به رسول الله ﷺ من ضرب الحصار وشد الخناق عليهم.

стр. 144

وذلك فيما رواه ابن إسحاق عن عاصم١ بن عمر بن قتادة، مرسلا، أن بني قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: "يا محمد أحسن في موالي"، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أرسلني" وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا٢، ثم قال: "ويحك أرسلني"، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "هم لك" ٣. وروى ابن إسحاق أيضا بسند مرسل من طريق عبادة٤ بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث٥ بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله ، وإلى رسول الله ﷺ من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن

стр. 145

أبي، نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، [سورة المائدة الآيتان: ٥١-٥٢] ، – لعبد الله بن أبي، وقوله: إني أخشى الدوائر- ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ، [سورة المائدة، الآيتان: ٥٢-٥٣] ، ثم ذكر القصة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، [سورة المائدة، الآية: ٥٥] . وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، [سورة المائدة، الآية: ٥٦] ١. فلقد أوضحت هذه الآيات والأحاديث أن المنافقين اتخذوا موقفا مؤازرا لبني قينقاع وسعوا في خلاصهم من العقاب بعد ما أحدثوا من تمرد في وجه الدولة والخروج على العهد الذي أقروه على أنفسهم والتزموا به. وقد ذكر ابن حجر وغيره أن بني قينقاع أول يهود نقضوا عهدهم مع المسلمين وهذا نص كلامه: قال: كان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش. وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، ومنهم من لا يحب ظهوره كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحارهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه،
следующие страницы →