الباب الأول: في التعريف ببني المصطلق وموقفهم من الإسلام
الفصل الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم النسبية بقبائل المدينة
المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم بقبائل المدينة المنورة
...
لا بد من التعريف ببني المصطلق وبيان حدود ديارهم التي قطنوها قبل الكلام على الغزوة وما جرى فيها. وسوف يشتمل هذا التعريف على مبحثين:
المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق، وصلتهم بقبائل المدينة المنورة
والحديث عن نسب قبيلة بني المصطلق ينحصر فيما يلي:
أولا: سياق نسب الحارث بن أبي ضرار قائد هذه القبيلة والمتحدث عنها.
ثانياً: سياق نسب المصطلق الذي هو أصل هذه القبيلة ومنه تفرعت.
ثالثاً: بيان المتفق عليه من نسب هذه القبيلة والمختلف فيه، مع ذكر وجهة نظر كل فريق، وتحقيق المقام في ذلك حسب الإمكان.
فالحارث: هو ابن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة١.
стр. 37
وجذيمة هو: "المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمر بن عامر ماء السماء، بطن من خزاعة"١.
وعمرو بن ربيعة هو أبو خزاعة كلها٢.
والمتفق عليه في هذا كون بني المصطلق من خزاعة، وكون خزاعة من ولد عمرو بن لحي٣٤ ولخلاف في نسب عمرو بن لحي على قولين:
القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن عمرو بن لحى من قحطان وهو: عمرو بن لحيى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
واستدلوا بما يأتي:
١- أن هذا قول أكثر علماء النسب وهم أعرف بذلك من غيرهم لأن هذا من اختصاصهم.
٢- أن هذا هو قول خزاعة أنفسهم، فكانت تقول: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن٥.
стр. 38
٣- علة التسمية بخزاعة وهو من التخزع وهو التأخر والمفارقة، وذلك أن خزاعة انخزعت من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلت خزاعة بمر الظهران فأقامت بها.
ولذا قال عون بن أيوب الأنصاري في الاسلام:
فلما هبطنا بطن مر تخزعت
خزاعة منا في حلول١ كراكر٢
فعلى هذا تكون خزاعة٣ قحطانية يمنية، وجمهور العلماء على أن العرب القحطانية من اليمن وأنهم ليسوا من سلالة إسماعيل ﵇.
القول الثاني: أن خزاعة قبيلة عدنانية من ولد قمعة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وإليه ذهب ابن اسحاق وابن حزم وابن عبد البر وابن خلدون وغيرهم٤.
واستدلوا على ذلك بأحاديث اقتصر منها على حديثين:
الأول: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه
стр. 39
وسلم قال: "عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدَف أبو خزاعة" ١.
الثاني: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مر النبي ﷺ على نفر من أسلم٢ينتضلون٣، فقال النبي ﷺ : "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً" الحديث٤.
وبهذين الحديثين وغيرهما ذهب هؤلاء العلماء وغيرهم إلى أن خزاعة قبيلة عدنانية، والظاهر أن خزاعة قبيلة قحطانية يمنية وهو المعروف عند أكثر العلماء.
وهذه الأحاديث التي استدل بها من قال بأن خزاعة من بني إسماعيل محتملة للتأويل، ولذا فقد أجاب عنها العلامة الهمداني: بقوله: "أما وصفهم بأنهم بنو إسماعيل فلا يدل أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء، بل يحتمل أن يكون ذلك من جهة الأمهات، لأن القحطانية والعدنانية، قد اختلطوا بالمصاهرة"٥. فعلى هذا فتكون خزاعة من بني إسماعيل من جهة الأمهات فقط. وهو جمع وجيه.
وقال ابن حجر نقلاً عن ابن الكلبي: "لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، فمن أقام به منهم فهو غساني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم فنزلوا مكة. وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد".
стр. 40
ثم قال ابن حجر: "ووقع في حديث الباب١ أنه عمرو بن لحي بن قمعة بن خِنْدَف٢، وهذا يؤيد قول من يقول إن خزاعة من مضر، وذلك أن خندف اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة. واشتهر بنوها بالنسبة إليها دون أبيهم، لأن إلياس لما مات حزنت عليه حزناً شديداً بحيث هجرت أهلها ودارها وساحت في الأرض حتى ماتت، فكان من رأى أولادها الصغار يقول من هؤلاء؟ فيقال: بنو خندف، إشارة إلى أنها ضيعتهم ..." إلى أن قال: "وجمع بعضهم بين القولين أعني نسبة خزاعة إلى اليمن وإلى مضر، فزعم أن حارثة بن عمرو لما مات قمعة بن خندف كانت امرأته حاملاً بلحي فولدته وهي عند حارثة فتبناه فنسب إليه، فعلى هذا فهو من مضر بالولادة، ومن اليمن بالتبني".
والخلاصة: أنه اختلف في نسب خزاعة فمنهم من يراها قحطانية من جهة الآباء. ومنهم في قال بأنها قحطانية بالتبني. والذي يظهر أن خزاعة قبيلة يمنية قحطانية. فقد ذكر ابن حجر: حول قول البخاري: "باب نسبة اليمن إلى إسماعيل" منهم أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ابن خزاعة - قوله: (ابن حارثة بن عمرو بن عامر) أي: ابن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، ثم أورد قول الرشاطي المصرح بأن الأزد من قحطان وأن من قبائل الأزد الأنصار وخزاعة فقال:
стр. 41
"قال الرشاطي١: "الأزد جرثومة من جراثيم قحطان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار وخزاعة وغسان وبارق وغامد والعتيك، وغيرهم، وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان٢"".
وهناك من ذهب إلى أن اليمن وعدنان الجميع من ولد إسماعيل ﵇ كما هو صنيع البخاري في تبويبه وإيراه الأحاديث المؤيدة لقوله ومنها حديثا الباب٣. وعلى هذا فلا اعتراض على نسبة أسلم أو خزاعة إلى العدنانية.
غير أن كون اليمن من ولد إسماعيل فيه نظر وذلك لما ورد عند أحمد وغيره، وهذا نصه عند أحمد: حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا مسعر٤ عن عبيد٥ بن حنين بن حسن عن ابن معقل٦ عن عائشة: "أنها كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من اليمن من خولان فأرادت أن تعتق منهم ٧.
стр. 42
الحديث رجاله رجال الصحيح.
وفي مجمع الزوائد رواه أحمد والبزار بنحوه. ورجال أحمد رجال الصحيح١.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن القحطانيين لا ينحدرون من إسماعيل ﵇.
وقال محمد السفاريني حول حديث سلمة بن الأكوع المتقدم٢: "ظاهر الحديث أن أسلم من ولد إسماعيل ﵇".والمشهور أنهم من قحطان وهم بطن من خزاعة القحطانية.
ويدل على أنهم من قحطان: أنه لما وفد على النبي ﷺ عمرو٣ بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: "قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا مِنْهاجَك، فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتنا، فإنا أخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله ﷺ : "أسلم سالمها الله" ٤.
стр. 43
صلة بني المصطلق بقبائل المدينة المنورة:
أما صلة بني المصطلق بقبائل المدينة فإن الجميع يرجعون إلى الأزد القبيلة اليمانية المشهورة١.
إذ إن الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان٢.
زاد ابن قتيبة: "ابن سبأ وهما ابنا قبيلة نسبا إلى أمهما وهما الأنصار"٣.
والمصطلق: هو جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو الجد الثاني بالنسبة للأوس والخزرج، والجد الرابع بالنسبة للمصطلق، فالأوس والخزرج وبنو المصطلق يجتمعون فيه٤.
وذكر ابن حزم بأن الأزد بن الغوث ينتهي نسبه إلى قحطان.
ثم قال: "وللأزد قبائل وهي الأنصار: وهم بنو الخزرج والأوس ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث"٥.
ولم يذكر خزاعة في قبائل قحطان لأنه يرى أنها قبيلة عدنانية كما تقدم٦.
وقد وافق النويري ابن حزم في سياق نسب عمرو مزيقياء وأنه ينتهي إلى الأزد بن الغوث غير أنه ذكر أن امرئ القيس يلقب البطريق وأن ثعلبة يلقب العنقاء وذكر بين مازن والأزد غساناً وأنه يلقب بالسراج. ثم بين أن عقب عمرو مزيقياء يشكلون أفخاذاً ستة٧.
يهمنا منها ثعلبة وهم بطن الأنصار، وحارثة وهم بطن خزاعة٨ وكذلك
стр. 44
قرر القلقشندي أن الأوس والخزرج وخزاعة كلهم في الأزد.
إذ بين بأن الأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء١، وخزاعة هم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء. وإن الجميع يرجعون للأزد٢.
وبذلك يتضح أن بني المصطلق لهم رابطة قوية بأهل المدينة المنورة هي رابطة النسب والرحم. إذ عرفنا أن بني المصطلق بطن من خزاعة بلا نزاع.
стр. 45
المبحث الثاني: ديار بني المصطلق
أما المنطقة التي كانت تسكنها بنو المصطلق فقد عرفنا مما تقدم أن بني المصطلق بطن من خزاعة.
وبالتالي نستطيع تحديد المنطقة التي كانت تقطنها خزاعة قبل مجيء الإسلام وبعده.
ومن خلال تحديد مساكن خزاعة نعرف أماكن بني المصطلق.
وتذكر كتب التواريخ من مساكن بني المصطلق قديداً١ فقط حيث وقعت فيه غزوة رسول الله ﷺ لهم.
وانفرد أبو إسحاق الحربي بذكر عسفان٢ على أنها من مساكن بني المصطلق٣. ولكن المؤرخين وغيرهم ذكروا ديار خزاعة، وبنو المصطلق منهم، فديارها ديارهم
стр. 46
ويتبين مما ذكرته المصادر أن منازل خزاعة تقع بمكة وما حولها. كما أنهم يشاركون بني ضمرة في جبل الأبواء. وقد سمت المصادر من منازلهم ما يأتي:
(أ) مر الظهران١:
قال الحربي: "بينها وبين مكة ثلاثة عشر ميلاً"٢ وحددها ياقوت وابن منظور والفيروز آبادي والزبيدي بمرحلة٣.
وقال الأسدي٤ والسمهودي: "بين مكة ومر الظهران سبعة عشر ميلاً"٥.
ويتضح لنا مما تقدم أن تحديد المسافة بين مر الظهران ومكة بمرحلة هو الصحيح، وأما ما ذكره الحربي من تحديد هذه المسافة بثلاثة عشر ميلاً فهو خطأ وكذلك ما نقله ياقوت عن الواقدي بأن المسافة بين مر الظهران ومكة خمسة أميال خطأ أيضاً٦ إذ أن ياقوتاً نفسه حد السفر الذي تجوز فيه قصر الصلاة بثمانية وأربعين ميلاً٧.
فتكون المرحلة أربعة وعشرين ميلاً. فيكون الفرق شاسعاً بين تحديد هذه المسافة بمرحلة وبين قول الحربي، وقول الواقدي من باب أولى.
والذي يظهر من هذا أن المسافة بين مكة ومر الظهران هي مرحلة إلاّ ربع مرحلة، وينطبق هذا على تحديد الأسدي والسمهودي.
стр. 47
ويؤيد هذا القول أن المسافة الآن بين مكة ومر الظهران ثلاثون كيلو متراً. والمرحلة أربعون كيلو متراً كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام١.
والفرق يسير بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، إذا نظرنا إلى اختلاف الناس في سرعة السير، وعدمه.
فقد قطع بعضهم المسافة بمرحلة، ويقطعها غيره بأقل من ذلك. لا سيما أن الفرق بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، وهو سبعة أميال أو عشرة كيلو مترات.
وعلى كل حال فأقرب تحديد لهذه المسافة هو ما بين مرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، لاختلاف الناس سرعة وبطأ.
(ب) عُسْفان٢:
ذكر الحربي نقلاً عن أبي٣ إسحاق البكري: "أن تحديد المسافة بين عسفان ومر الظهران ثلاثة وعشرون ميلاً وهي لني المصطلق من خزاعة"٤.
ونقل ياقوت عن السكري٥ وغيره تحديد المسافة بين مكة وعسفان بمرحلتين٦.
وهو أيضاً قول الفيروز آبادي والزبيدي٧.
وبهذا تكون المسافة بين عسفان ومكة مرحلتين. وهو موافق لتحديدها
стр. 48
بالكيلومترات إذ إن بين عسفان ومكة ثمانين كيلومتراً، وتقدم١ لنا تحديد المرحلة بأربعين كيلومتراً.
(ج) خليص - كربيز -:
ذكر الزبيدي أنها تبعد عن مكة بثلاث مراحل٢.
والذي يظهر أنها تبعد عن مكة بمرحلتين ونصف مرحلة؛ لأن بينها وبين مكة الآن ١٠٠ ك م، وهي تساوي مرحلتين ونصف٣ مرحلة وذكر الحربي المسافة بين خليص وقديد، وأنها تبعد عن قديد من جهة مكة بثمانية أميال٤.
(د) قديد٥:
ذكر الحربي أن المسافة بينها وبين عسفان ثلاثة وعشرون ميلاً، وفيها هضبة يقال لها المشلل كان بها مناة الطاغية٦
فعلى هذا تكون المسافة بين قديد ومكة ثلاث مراحل؛ لأن عسفان على مرحلتين من مكة٧.
(هـ) الجحفة:
بينها وبين قديد أربعة وعشرون ميلاً، وبينها وبين البحر نحو من ستة٨ أميال. هكذا ذكر الحربي٩.
стр. 49
وبهذا يتضح أن الحربي يرى أن المسافة بين الجحفة ومكة أربع مراحل وهو قول ياقوت١.
ونقل ياقوت أيضاً عن السكري: أن المسافة بينها وبين مكة ثلاث مراحل، وبهذا قال النووي٢.
ونص ابن حزم على أنها تبعد عن مكة باثنين وثمانين ميلاً. وهو يساوي ثلاث مراحل ونصفاً إلاّ ميلين٣. وتبعه على هذا الفيروز آبادي والزبيدي٤.
وقرر ابن حجر أن بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست٥.
والصحيح أن المسافة بين الجحفة ومكة خمس مراحل، وقد نص على هذا المعاصرون من أهل هذه البلاد وهو أعرف بها من غيرهم٦.
(و) الأبواء:
ومن المنازل التي استقرت فيها خزاعة قرية الأبواء التي كانت في العهد الإسلامي الأول تابعة إدارياً للفرع٧ التي تتبع بدورها المدينة المنورة.
والأبواء جبل مرتفع ليس فيه سوى نبات الخزم والبشام، سميت به القرية وهي لأخلاط من الناس. منهم خزاعة وضمرة.
стр. 50
وتقع شمال الجحفة بثلاثة وعشرين ميلاً، هكذا نص الحربي. وهو قول ياقوت١ وبهذا تكون المسافة بين الجحفة والأبواء ثلاثة وعشرين ميلاً، وهكذا أقر هذا التحديد من المعاصرين محمد أحمد باشميل وعبد الله آل بسام. وعلى هذا فتكون المسافة بينها مرحلة إلاّ ميلاً واحداً.
وذكر عبد الرحمن السعدي بأن الأبواء هي المسماة (مستورة) الآن. وتعبقه عبد الله آل بسام بقوله: "قد تحققنا من أهل تلك البلاد أن الأبواء تقع عن مستورة شرقاً بنحو ثلاث كيلومترات، وأن سيلهما واحد، ويسقيهما وادي النخل"٢.
وعلى هذا فتكون المسافة بين الأبواء ومكة ست مراحل٣.
لأنه تقدم لنا أن الجحفة٤ تبعد عن مكة بخمس مراحل. وعرفنا أيضاً أن الأبواء ليست لخزاعة٥ وحدهم.
стр. 51
صورة المصطلق (١)
стр. 52
الفصل الثاني: موقف بني المصطلق من الدعوة الإسلامية قبل المريسيع
المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
...
المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
تأخر إسلام بني المصطلق شأن القبائل التهامية المجاورة لقريش؛ وذلك لما كان لقريش من السيطرة والحرمة في نفوس القبائل بحكم كونهم سكان الحرم، وحماة بيت الله الأمين، فكانت القبائل تنظر إليهم نظرة احترام وتوقير، وكانوا ينظرون ماذا تصنع مع رسول الله ﷺ ، إذ إن رسول الله ﷺ منهم، فهم أعرف به من غيرهم، ولما لم يحصل منهم الإذعان لدعوة الرسول ﷺ كان ذلك داعياً للقبائل المجاورة إلى عدم الاستجابة للرسول ﷺ ، لا سيما ما كان بين قريش وبين القبائل المجاورة من تبادل المنافع والمصالح، وخاصة قبيلة خزاعة - ومنهم بنو المصطلق - بحسب موقعهم الجغرافي إذ كانت قبيلة بني المصطلق على طريق قريش التجارية إلى الشام، مما جعلها تتأخر في إعلان إسلامها، حفاظاً على مصالحها. ولكن الرسول ﷺ كان يأمن جانبها بحكم كونها فرعاً من خزاعة التي كانت محل عناية ونصح للرسول ﷺ ، رغم عدم دخولها في الإسلام.
стр. 53
ويتضح ذلك جلياً في موقف معبد بن أبي معبد الخزاعي في حمراء١ الأسد، التي وقعت عقب غزوة أحد مباشرة. وقد استهدف الرسول ﷺ تقوية معنويات المسلمين وتثبيت مركزهم داخل المدينة بعد أن أضعفتهم معنويات آثار أحد فخرج ﷺ إلى حمراء الأسد يتبع جيش أبي سفيان خشية أن تسوّل لهم أنفسهم الكرة على المسلمين لاستئصالهم - وكان الأمر كما توقّع ﷺ فلما وصل حمراء الأسد مرّ به معبد بن أبي معبد الخزاعي فقال: "يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك مما حدث بك -" وكان معبد إذ ذاك مشركاً٢ ولكن خزاعة كانت عيبة٣ نصح لرسول الله ﷺ بتهامة، مسلمهم ومشركهم فكانوا لا يخفون عنه شيئاً حدث في مكة - ثم خرج من عند رسول الله ﷺ متجهاً نحو مكة، فلقي أبا سفيان بن حرب وجماعته بالروحاء٤ وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة وقالوا: "أصبنا أشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، وبينما هم كذلك طلع عليهم معبد بن أبي معبد الخزاعي فلما رآه أبو سفيان قال: "ماوراءك يا معبد؟ "
стр. 54
قال: "محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، ولا قبل لكم به، وهم يتحرّقون عليكم تحرّقاً قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم١ وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق ما لم أر مثله قط".
فاندهش أبو سفيان، وقال: "ويحك يا معبد انظر ما تقول؟ " فقال معبد: "والله ما أرى أن ترتحل من مكانك هذا حتى ترى نواصي الخيل".
قال أبو سفيان: "والله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم"، قال: "فإني أنهاك عن ذلك. والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر".
قال: "وما قلت؟ "
فأنشده شعراً فيه تحذير له من لقاء المسلمين، وبيان قوتهم، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وانسحبوا في أسرع وقت يواصلون سيرهم نحو مكة٢.
فهذا يدل على إخلاص بعض رجال هذه القبيلة لرسول الله ﷺ وثقته بهم.
وأما ما يتعلّق بموقف بني المصطلق من الإسلام، فإني لم أجد ما ينص على إسلام فرد منهم بعينه قبل غزو الرسول ﷺ ، وإنما يوجد بعض الأفراد من خزاعة عامة أعلنوا إسلامهم سابقاً أذكر بعضاً منهم على سبيل المثال لا الحصر فمنهم:
أ- أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو من خزاعة هاجرت إلى الحبشة مع زوجها
стр. 55
خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وولدت له بأرض الحبشة سعيد ابن خالد وأمة بنت خالد، التي تزوجها الزبير فيما بعد١.
قال ابن هشام: "ويقال: همينة بنت خلف"٢.
ب- أم معبد الخزاعية٣ فقد أسلمت عندما مرّ بها رسول الله ﷺ أثناء الهجرة ونزل بها، وكان من حديثها أنها وصفت رسول الله ﷺ لزوجها عندما جاء بعد ذهاب رسول الله ﷺ ، من عندها٤.
ج- معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو من خزاعة، وهو الذي يقال له: (عيهامة) ويعرف بابن الحمراء. وذكر ابن حجر (هيعانة) (بدل عيهامة) . كان من المهاجرين إلى الحبشة وشهد بدراً وما بعدها ٥.
د- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، استشهد في بئر معونة٦.
وبهذا القدر نكتفي لأن القصد هو التمثيل لا الحصر.
стр. 56
وبه يتضح مدى العلاقة التي تربط قبائل خزاعة عامة بالدعوة الإسلامية في أول أمرها، ومبادرة عدد من رجال هذه القبائل إلى الإسلام، لكن المصادر كما أشرت لا تنص على إسلام رجال من بني المصطلق بالذات، وأحسب أن سكوت المصادر يكفي للدلالة على بقاء هذه القبيلة على الشرك، ولا يمنع ذلك من التزامها بشيء من الولاء للمسلمين وفقاً للأعراف القبلية السائدة، والتي تلزمهم بموقف خزاعة الموالي للدولة الإسلامية.
стр. 57
المبحث الثاني: موقف بني المصطلق من الصراع بين المسلمين وقريش
لم تشر المصادر التي بين أيدينا إلى موقف عدائي محدد صدر من بني المصطلق ضد المسلمين منذ أن تأسست دولة الإسلام حتى كانت غزوة أحد، رغم تحرّك المسلمين العسكري في أطراف المدينة من جميع نواحيها، حيث أرسلوا السرايا استهدفت عرقلة التجارة المكية إلى الشام، بتهديد طرقها الرئيسية، كما لم تسهم بنو المصطلق مع المشركين في غزوة بدر الكبرى.
وأول إشارة إلى اتخاذهم موقفاً عدائياً واضحاً ضد المسلمين هو إسهامهم مع قريش في موقعة أحد، ضمن كتلة الأحابيش١، التي اشتركت في المعركة تأييداً لقريش٢.
стр. 58
وبهذا نعلم أن بني المصطلق قد أثّرت فيها دعايات قريش للاشتراك معها في موقعة أحد، لتأخذ بثأرها وتغطي عار الهزيمة التي نزلت بها في موقعة بدر الكبرى.
وأما قبل ذلك فلم يوجد أي دليل على اشتراك بني المصطلق مع قريش ضد المسلمين حتى كانت عزوة أحد وما لحق بالمسلمين فيها من خسائر جسيمة ذات أثر عظيم في أرجاء شبه الجزيرة العربية، وداخل المدينة المنورة نفسها، فضعفت هيبة المسلمين وتجرّأ عليهم الأعراب، وشمت بهم اليهود والمنافقون، وقاموا بدعاية واسعة ضدهم، وقد أدت الظروف التي أعقبت غزوة (أحد) إلى ما يلي:
١- طمع المشركين في القضاء على الإسلام والمسلمين والإجهاز على الدعوة الإسلامية نهائياً، ويتمثّل هذا في رغبة أبي سفيان في العودة إلى المسلمين لاستئصال شأفتهم، غير أنه نكص على عقبيه، بتخذيل معبد بن أبي معبد الذي مرّ ذكره١.
٢- تنفّس المنافقين واليهود الصعداء وتربّصهم الشر بالمسلمين، وهذا عدو داخلي بالمدينة المنورة نفسها.
٣- رغبة الأعداء المجاورين لعاصمة الإسلام من القبائل العربية في التحرّك ضد المسلمين، بسبب الدعايات المغرضة التي انتشرت على أيدي المرجفين في المدينة من اليهود والمنافقين٢.
وأصبح المؤمنون مدّدين في عُقر دارهم من الداخل والخارج، فمن الداخل المنافقون واليهود فكانوا يذيعون خبر المعركة، ويلفّقون الأكاذيب لإشاعة الضعف والخور في صفوف المسلمين، ولتشجيع عدوهم عليهم.
وأما من الخارج فقد صار المسلمون لا يحاربون قريشاً وحدها وإنما يواجهون الجزيرة برمتها.
стр. 59
ومن ذلك أن سارعت عدة قبائل إلى التجمّع للإغارة على المدينة والقضاء على المسلمين فيها، كما حدث ذلك:
أ- من بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين، من القبائل النجدية١.
ب- خالد بن سفيان الهذلي الذي كان مقيماً في عرنة قرب عرفات٢.
فلما علم رسول الله ﷺ بتجمّعهم ومحاولتهم اقتحام المدينة بعث إليهم من يؤدّبهم في عقر دارهم، فأرسل إلى طليحة ومن شايعه أبا سلمة ابن عبد الأسد٣ على رأس مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار ففرّقوا جمعهم واستاقوا نعمهم وعادوا إلى المدينة سالمين.
وأرسل إلى خالد بن سفيان عبد الله بن أنيس الجهني٤ فقتله في عقر داره٥ فكان في ذلك ضربة لهم وعبرة لغيرهم ممن يحاول السير على منوالهم. وما نزل بهم حلّ بغيرهم من بني ثعلبة وبني محارب من القبائل الغطفانية التي حاولت الهجوم على المدينة المنورة كذلك فخرج رسول الله ﷺ على رأس سبعمائة مقاتل فساروا حتى نزلوا ديار العدو فلم يجدوا فيها أحداً غير نسوة، فأخذوهن، فبلغ الخبر رجالهن فخافوا وتفرّقوا في رؤوس الجبال، ورجع
стр. 60
المسلمون معزّزي الجانب، وعرفت هذه الغزوة بغزوة ذا الرقاع١.
وهكذا جنّد المسلمون أنفسهم عسكرياً وسياسياً، ليثبتوا للقبائل بأنهم مخطئون في تصوّرهم أن المسلمين بعد معركة (أحد) لا يستطيعون مقاومة من يريد النيل منهم، فجهزّوا تلك السرايا والغزوات ليشعروا عدوهم بأنهم قادرون على سحق كل من تحدّثه نفسه بالاعتداء عليهم، أو محاولة النيل منهم، فكانت حركاتهم العسكرية ناجحة، أنزلوا فيها بالأعداء ضربات زلزلت معنوياتهم، وجعلتهم يصحّحون تصوّراتهم الخاطئة، عن مدى قوة المسلمين العسكرية، وترابطهم السياسي والمعنوي، وخاصة المعسكر القرشي واليهودي٢.
وبعد هذا كله جاء دور بين المصطلق؛ إذ إنها كانت ضمن كتلة الأحابيش٣ التي انضمت إلى جانب قريش في معركة أحد، ثم أخذت بعد رجوعها من معركة أحد تعد العدة وتجمع الجموع، وتفتني السلاح والخيل، على مدى سنتين، كان المسلمون خلال تلك الفترة يواجهون تحركّات قبائل الجزيرة، فهم ما بين سرية وغزوة.
فانتهزت قبيلة بني المصطلق فرصة انشغال المسلمين ببقية القبائل، فأخذت تجمع الجموع، وتسعى في القبائل المجاورة لها، تحرّضها وتشجّعها على الانضمام معها في الهجوم على دولة الإسلام.
ولما وصل خبرهم إلى رسول الله ﷺ ، قدّر للموقف قدره، وجعل يفكّر في مواجهة هذه القبيلة التي استعدت للمعركة استعداداً كاملاً، فبدأ بمراقبة حركات هذا العدو مراقبة شديدة، ثم أمر بريدة٤ بن الحصيب بالذهاب إليهم ليعرف وجهتهم وقوّتهم، فخرج مسرعاً
стр. 61
حتى وصل عندهم فوجدهم قوماً مغرورين بأنفسهم وبما لديهم من القوة قد ألبّوا القبائل وجمعوا الجموع، فاتصل برئيسهم الحارث بن أبي ضرار، فسأله الحارث: "من الرجل؟ " قال: "رجل منكم قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فتكون يدنا واحدة، حتى نستأصله"، فازداد فرح القوم بانضمام قوة جديدة إلى قوتهم، فقال له الحارث: "فنحن على ذلك فعجّل علينا"، قال بريدة: "أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني فسرّوا بذلك منه فمضى إلى المدينة وأخبر المسلمين بأمرهم١.
стр. 62
الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
...
الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق
لم يقف المسلمون من تحركات بني المصطلق الاستفزازية مكتوفي الأيدي، وإنما درسوا الموقف دراسة ميدانية، وأرسل الرسول ﷺ عيونه١ لكشف نيات هذه القبيلة ومعرفة استعدادها وتهيئها لغزو المدينة، وقد تم للمسلمين إدراك حقيقة ما تنويه هذه القبيلة من شر وما تبيته للمسلمين من وقيعة، ولم يكن للمسلمين - وقد أدركوا الأمر حق الإدارك وتيقنوا من خبث النيات السيئة لهذه القبيلة - أن يسكتوا عن الأمر ويتجاهلوا الموقف العدائي الواضح خاصة إذا عرفنا أن أعداء المسلمين كثر في تلك الآونة٢، فما لم تلقَّن هذه القبيلة درساً قاسياً من المسلمين يوقفها عند حدها فإن غيرها من أعداء الإسلام سيقف الموقف نفسه. ومن هنا اندفع المسلمون لكسر شوكة هذا العدو وتحطيمه في عقر داره.
كما سنفصل القول في ذلك في بداية وصف المعركة. ويحسن أن نذكر الملابسات التي صاحبت هذه الغزوة، وأول أمر يحسن البدء به هو هل أُنذرت هذه القبيلة قبل غزوها أو لا؟
стр. 63
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
قبل الحديث عن إنذار الرسول ﷺ لبني المصطلق أو عدم إنذاره لهم، يحسن أن نبدأ ببيان حكم الدعوة إلى الإسلام عموماً، وما هي الخطوات التي كان يتبعها الرسول ﷺ مع المدعوين إلى الإسلام، وبيان الأدلة على وجوب إنذار العدو أو عدم وجوبه، وذكر الخلاف الوارد بين أهل العلم في ذلك، باختصار، ليكون ذلك تمهيداً لما نحن بصدده، حيال غزوة بني المصطلق. وفيما يأتي أقوال العلماء:
أ- ذهب بعض العلماء إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام مطلقاً، سواء أكان عند المدعوين علم بالإسلام أم لا، وإليه ذهب مالك وجماعة من العلماء١.
ب- وذهب أكثر العلماء إلى التفصيل بين من بلغتهم الدعوة وعلموا بها، فلا يجب في حقهم الإنذار، وبين من لم تبلغهم الدعوة ولا علموا بها، فيجب الإنذار في حقهم، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم.
ج- وهناك قول ثالث بعدم وجوب الإنذار مطلقاً، حكاه المازري٢.والقاضي عياض٣٤.
استدلّ الفريق الأول بأحاديث منها:
١- ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على
стр. 64
سرية، أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيراً"، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام" وهو محل الشاهد. الحديث ...١.
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ويحبه الله ورسوله".
قال: فبات الناس يدوكون٢ ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: "يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ "
فقال: "انفذ٣ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام" الحديث.... ٤.
ووجه الدلالة من الحديثين قوله: "ادعهم إلى الإسلام" وهو أمر والأمر
стр. 65
يقتضي الوجوب ما لم يكن هناك صارف، وهو صريح في وجوب الدعوة قبل القتال...
واستدل الفريق الثاني بما يأتي:
١- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وهذا نصه: حدثنا علي١ بن الحسن أخبرنا عبد الله٢، أخبرنا ابن عون٣ قال: كتبت إلى نافع٤ فكتب إلي: "أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية"، حدثني به ابن عمر٥ وكان في ذلك الجيش". لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: عن ابن عون قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام، "قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم" الحديث ٦ ...
стр. 66
قال أبو داود بعد إيراده: "هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد".
قلت: "لا يضر تفرده لأنه إمام جليل ثقة ثبت".
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلاً، وكان إذا أتى قوماً بليل، لم يغر١ بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم٢، ومكاتلهم٣، فلما رأوه، قالوا: "محمد والله، محمد والخميس"٤، فقال النبي ﷺ : "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة ٥ قوم فساء صباح المنذرين" ٦.
وفي لفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوماً لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح، فنزلنا خيبر ليلاً" وفي لفظ "صبحنا خيبر بكرة، فخرج أهلها بالماسحي" الحديث٧.
ووجه الدلالة من هذين الحديثين قوله: "أغار" أي أخذهم على غرة، ويدل على هذا صراحة لفظ: (وهو غارون) أي غافلون.
стр. 67
أما المذهب الثالث القائل بعدم الإنذار مطلقاً، فهو مذهب ضعيف ترفضه الأحاديث المتقدمة.
وقد صرح بضعفه المازري والقاضي عياض وغيرهما من العلماء. والراجح في هذه المسألة هو مذهب جماهير العلماء القائلين بالتفصيل بين من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام فتجب دعوته، وبين من بلغته الدعوة فلا تجب، وبه يمكن الجمع بين الأحاديث، ومتى أمكن الجمع فلا يصار إلى غيره، لأن العمل بجميع الأحاديث أولى من رد بعضها١.وقد وردت السنة بجواز الإغارة على من بلغته الدعوة إلى الإسلام، من فعل الرسول ﷺ :
١- كما هو في حديث عبد الله بن عمر وأنس بن مالك المتقدمين٢.
٢- ومن تقريره ﷺ كما في حديث الصعب بن جثامة الليثي: سئل رسول الله ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ٣.
٣- ومن قوله ﷺ كما هو في حديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه فقال: "أغر على أبنى ٤ صباحاً وحرق" ٥.
стр. 68
وخلاصة القول في هذا: أن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القيام بالهجوم الحربي في حق من لم تبلغه الدعوة الإسلامية ولا علم بها. فإن الإسلام دين هداية وبيان وإرشاد، وليس له غرض في الحروب المدمرة، كما هو واضح من هدي هذا الدين الحنيف.
أما من بغلته الدعوة الإسلامية وعلم بها، فلا يجب في حقه تجديد الدعوة لأن العلم بها حاصل لديه وخاصة إذا علم منه تبيت الشر للمسلمين، ومحاولة ضرب قلعة الإسلام، كما حصل من بني المصطلق.
ومن هنا يفهم الدارس لظروف وملابسات هذه الغزوة أن الرسول ﷺ لم يقم بالهجوم على هذه القبيلة إلا بعد أن علم أنها تحتشد لحربه وضرب دار الإسلام (المدينة المنورة) .
وذلك لأن الرسول ﷺ كان قد تثبت في ذلك من بعض سفرائه حين بلغه خبر هذه القبيلة، كما ذكرنا ذلك مفصلاً في محله وقد مر قريباً١.
стр. 69
المبحث الثاني: هل كان هناك إنذار لبني المصطلق بالحرب على وجه الخصوص
أما ما يتعلق بشأن بني المصطلق فللعلماء في ذلك قولان:
أ- ذهب فريق من العلماء إلى أن رسول الله ﷺ ، دعاهم قبل القتال، ولكنهم امتنعوا عن قبول الإسلام، وثبتوا للقتال، ودارت المعركة بين الفريقين، وكان النصر حليف المسلمين، وعلى رأس القائلين بهذا:
стр. 70
١- ابن إسحاق: فقد ساق بسنده حدثني عاصم١ بن عمر بن قتادة وعبد الله٢ بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان٣، كل حدثني حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، الحديث.
وفيه "فلما علم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم"٤.
والحديث رجاله ثقات رجال الصحيح، ولكنه مرسل٥.
٢- الواقدي: ذكر الحديث مطولاً وفيه: "أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى بني المصطلق دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس، أن قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد"، الحديث ... وهو مرسل أيضاً.
ثم قال: "وكان ابن عمر يحدث أن رسول الله ﷺ أغار
стр. 71
على بني المطلق وهو غارون، ونعمهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم. والحديث الأول أثبت عندنا"١.
٣- و ٤- وتابعه في هذا ابن سعد وابن سيد الناس، فقد ساقا القصة بدون إسناد، وأشارا إلى حديث ابن عمر، ثم قالا: "الأول أثبت"٢.
٥- أما ابن جرير الطبري فقد ساق حديث ابن إسحاق من طريقه٣. ولكنه لم يتعرض لذكر حديث ابن عمر.
٦- وساق ابن الأثير نحو قول ابن إسحاق بدون إسناد٤. ولم يذكر حديث ابن عمر أيضاً.
وسكوت الطبري وابن الأثير وعدم إيرادهما حديث ابن عمر، قد يفهم منه موافقتهما لابن إسحاق في رأيه.
ب- وذهب الفريق الثاني من العلماء إلى أن رسول الله ﷺ أغار عليهم دون دعوة. وعلى رأسهم:
١- ابن عبد البر: فقد صرح بأن رسول الله ﷺ أغار عليهم وهم غارون.
ثم قال: وقيل إن بين المصطلق جمعوا لرسول الله ﷺ فلما بلغه ذلك خرج إليهم، فلقيهم على ماء يقال له المريسيع، فاقتتلوا فهزمهم الله.
ثم عقب بقوله: "والقول الأول أصح: أنه أغار عليهم وهم غارون"٥.
٢- ابن حزم فقد صرح بذلك أيضاً٦.
стр. 72
٣- ابن القيم: فقد ساق نحو قول ابن إسحاق وموافقيه.
ثم قال: هكذا قال عبد المؤمن١ بن خلف في سيرته وغيره، وهو وهم؛ فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم، على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح: "أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهو غارون"٢.
٤- ابن كثير: فقد أورد رواية ابن إسحاق والواقدي بإسنادهما ثم عقب بقوله: وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: "قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهو غارون". الحديث٣.
٥- ابن حجر: فإنه بعد أن ساق قول ابن إسحاق، قال: هكذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة. والذي في الصحيح من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم. وساق الحديث.
ثم رام الجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق بقوله: ويحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كثر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم.
ثم قال: "وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جموعاً وأرسل عيناً تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فتقلوه فلما بلغه ذلك٤ هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي ﷺ إلى الماء وهو
стр. 73
المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان، بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجلاً ونساء". ثم قال: "وساق ذلك اليعمري في (عيون الأثر) " ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال: "أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر"، ثم قال: "الأول أثبت". قال ابن حجر قلت: "والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع"١.
والصواب في هذا مع القائلين بأن رسول الله ﷺ أغار عليهم هم غارون وذلك لما يلي:
١- صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها٢.
٢- صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإسلام، أو قربت داره أو حاول النيل من المسلمين، أنه يجوز مباغتته على غرة٣.
وهذه الأوصاف تنطبق على بني المصطلق، فقد بلغتهم الدعوة العامة وكانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أحد، ضد المسلمين ولم يكتفوا بهذا بعد عودتهم إلى بلادهم بل أخذوا يجمعون الجموع ويعدون بضرب المسلمين، مما يدل على أنهم على علم وبصيرة بالدعوة الإسلامية، ومثل هؤلاء لا تجب الدعوة في حقهم٤.
٣- إن مستند القائلين بأن رسول الله ﷺ أنذرهم هو حديث ابن إسحاق٥ والواقدي وكلا الحديثين مرسل. والمرسل معدود
في قسم
стр. 74
الحديث الضعيف عند جمهور العلماء، وذلك للجهل بحال الراوي المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وبالتالي يحتمل أن يكون ضعيفاً.
وإن اتفق أن المرسل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل، فالمجهول عيناً وحالاً أولى١.
٤- إن الظاهر من صنيع القائلين بحجيته، فيما لو لم يوجد في الباب غيره كما صرح بذلك أبو داود٢ وغيره، خلافاً للمالكية٣.
٥- على فرض صحته فلا يقاوم الحديث المسند.
٦- ذكر الدكتور أكرم العمري أنه: "لا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ والأدب".
وقال في موضع آخر: "ولا شك أن مادة السيرة، في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة. وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة، قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سنداً ومتناً، وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية"٤.
стр. 75
الفصل الرابع: سبب وتاريخ غزوة بني المصطلق
الأسباب الدافعة لهذه الغزوة نلخصها فيما يلي:
الأول: تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين١.
والثاني: سيطرتها على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزاً منيعاً من نفوذ المسلمين إلى مكة.
الثالث: ويعتبر أهم الأسباب في هذه الغزوة هو أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع الجموع لغزو المدينة المنورة وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك، انتصار المشركين في غزوة أحد بسبب خطأ ارتكبه الرماة في هذه الغزوة كما هو معروف.
ولما بلغ رسول الله ﷺ نبأ هذه القبيلة أعد عدته، واتخذ جميع التدابير المناسبة، وباغت هذه القبيلة في عقر دارها وهزمهم شر هزيمة.
أما عن تحديد زمن هذه الغزوة، فقد اختلف العلماء في ذلك، وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والسادسة للهجرة، وفيما يأتي رأى كل فريق مع أدلته، ثم ترجيح ما يظهر أنه الراجح، من خلال النصوص بعد مناقشتها وتحليلها.